أدلة دخول الأعمال في مسمى الإيمان كثيرة، وقد صنف فيها السلف كتبًا وردوا على المخالفين من المرجئة الغلاة، ومرجئة الفقهاء والجهمية وغيرهم، وفندوا شبهاتهم وحججهم، وبينوا بوضوح عقيدة السلف في الإيمان وآثارهم وأقوالهم، وما يؤدي إليه لازم قول المرجئة من انتشار المعاصي والمنكرات واستحلال المحرمات والتهاون في الواجبات وغيرها من المآلات الباطلة.
[ ٧١ / ١ ]
حصول زيادة الإيمان بزيادة الشرائع والتكاليف
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما زيادة الإيمان من جهة الإجمال والتفصيل: فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بعد نزول القرآن كله، ولا يجب على كل أحد من الإيمان المفصل مما أخبر به الرسول ﷺ ما يجب على من بلغه خبره، كما في حق النجاشي وأمثاله].
يعني بذلك أن الإيمان يزيد بزيادة الشرائع والتكاليف، وعلى هذا فإنه يزيد بزيادة العمل أيضًا، فكلما زاد عمل الإنسان بما أمر به، وزاد انتهاؤه عما نهي عنه؛ زاد إيمانه، كما أن الإيمان يزيد في أصل نشأته في تاريخ التشريع، بمعنى أن الإيمان في أول الأمر في العهد المكي كان المقصود به مجرد بعض الأمور المعرفية وبعض الأعمال، ثم زاد بتشريع الصلاة، ثم زاد بتشريع بقية أركان الإسلام، وتشريع الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدع بالدعوة، زاد من حيث الكم، بمعنى أن كل هذه تسمى إيمانًا، كما أنه يزيد أيضًا بعمل الإنسان نفسه، فالإنسان كلما زاد امتثاله للأوامر الشرعية زاد إيمانه؛ لأن الإيمان يزيد بالأمور القلبية والأمور العملية.
قال رحمه الله تعالى: [وأما الزيادة بالعمل والتصديق المستلزم لعمل القلب والجوارح فهو أكمل من التصديق الذي لا يستلزمه، فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به، فإذا لم يحصل اللازم دل على ضعف الملزوم؛ ولهذا قال النبي ﷺ: (ليس المخبر كالمعاين)، وموسى ﵇ لما أخبر أن قومه عبدوا العجل لم يلق الألواح، فلما رآهم قد عبدوه ألقاها، وليس ذلك لشك موسى في خبر الله، لكن المخبَر -وإن جزم بصدق المخبِر- فقد لا يتصور المخبَر به نفسه كما يتصوره إذا عاينه، كما قال إبراهيم الخليل صلوات الله عليه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]].
الإيمان يزيد بالأعمال فيما يتعلق بالجوارح، وكذلك يزيد بالأمور التي ترد إلى القلب فتزيد اليقين، ما يرد إلى القلب مما يزيد اليقين يعد زيادة في الإيمان، حتى وإن كان من الأمور التصديقية الخبرية.
قال رحمه الله تعالى: [وأيضًا: فمن وجب عليه الحج والزكاة -مثلًا- يجب عليه من الإيمان أن يعلم ما أمر به، ويؤمن بأن الله أوجب عليه ما لا يجب على غيره الإيمان به إلا مجملًا، وهذا يجب عليه فيه الإيمان المفصل.
وكذلك الرجل أول ما يسلم إنما يجب عليه الإقرار المجمل، ثم إذا جاء وقت الصلاة كان عليه أن يؤمن بوجوبها ويؤديها، فلم يتساو الناس فيما أمروا به من الإيمان.
ولا شك أن من قام بقلبه التصديق الجازم الذي لا يقوى على معارضته شهوة ولا شبهة لا تقع معه معصية، ولولا ما حصل له من الشهوة والشبهة أو إحداهما لما عصى؛ بل يشتغل قلبه ذلك الوقت بما يواقعه من المعصية فيغيب عنه التصديق والوعيد فيعصي، ولهذا -والله أعلم- قال ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) الحديث، فهو حين يزني يغيب عنه تصديقه بحرمة الزنا، وإن بقي أصل التصديق في قلبه، ثم يعاوده؛ فإن المتقين كما وصفهم الله بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١].
قال ليث عن مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب فيذكر الله فيدعه.
والشهوة والغضب مبدأ السيئات، فإذا أبصر رجع، ثم قال تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٢]، أي: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي ثم لا يقصرون.
قال ابن عباس ﵄: لا الإنس تقصر عن السيئات، ولا الشياطين تمسك عنهم.
فإذا لم يبصر يبقى قلبه في عمى والشيطان يمده في غيه، وإن كان التصديق في قلبه لم يكذب، فذلك النور والإبصار وتلك الخشية والخوف تخرج من قلبه، وهذا كما أن الإنسان يغمض عينه فلا يرى وإن لم يكن أعمى، فكذلك القلب بما يغشاه من رين الذنوب لا يبصر الحق وإن لم يكن أعمى كعمى الكافر، وجاء هذا المعنى مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: (إذا زنا العبد نزع منه الإيمان، فإن تاب أعيد إليه)].
[ ٧١ / ٢ ]
ما أراده الشارح في تقرير زيادة الإيمان بالأعمال
المقطع السابق كله لا يزال فيه نوع في بيان معنى أن الإيمان يزيد بالعمل، بل ربما يفهم بعض الناس -وربما يكون هذا مقصود الشارح- أن كل هذه النصوص وهذه المعاني قصد بها أن الزيادة والنقص في القلب فقط، أي: في الجانب التطبيقي، فربما يفهم من عبارات الشارح هذا الكلام.
والحقيقة أني تأملت الأمر فوجدت أن ما ساقه الشارح هنا يحتمل الأمرين: يحتمل أن المقصود به الاستدلال على قول القدرية؛ لأن المقصود بزيادة الإيمان زيادة اليقين في القول وزيادة التصديق فقط، وأما كون الإيمان يزيد بالأعمال -يعني أن الأعمال تدل على زيادة التصديق، وأن الأعمال من لوازم الإيمان وليست من ذاته- فهذا محتمل حقيقة، لكن مع ذلك فإن في العبارات ما يدل على أنه يقصد أن الإيمان يزيد وينقص بالأعمال، وأن الزيادة والنقص ليست فقط بزيادة اليقين والتصديق، إنما هي أيضًا زيادة تشمل العمل، بمعنى أن العمل من الإيمان وأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان.
فقوله: [وأما زيادة الإيمان من جهة الإجمال والتفصيل] إلى آخر ما ذكره يحتمل أن الشارح أراد فيها الانتصار لمنهج أهل السنة والجماعة ردًا على المرجئة بإثبات أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان، وأنه بها يزيد وينقص، لكنه لم يفصح عن ذلك إفصاحًا بينًا.
فمثلًا: قوله: [وأما الزيادة في العمل والتصديق المستلزم لعمل القلب والجوارح] فيه إشارة إلى أنه يقصد الاستدلال لمذهب المرجئة؛ لأن زيادة الإيمان بالأعمال لا تدل على أن الأعمال من مسمى الإيمان، إنما تدل على أن الأعمال مظاهر للجانب التطبيقي والمعرفي في القلب، وأننا نعرف زيادة الإيمان ونقصه بلوازمه وبالأعمال، وهذا وارد، لكنه غير صحيح.
ويحتمل أنه يقصد الاستدلال على أن الإيمان يزيد وينقص بزيادة الأعمال ونقصها، أي: بالعمل والترك حسب الأوامر الشرعية.
وفي الحقيقة أني تأملت في هذا المقطع كله أكثر من مرة ووجدت أن الأمر فيه غموض، فالشارح ابن أبي العز اضطرب في هذه المسائل والتي قبلها وفي بعض ما سيرد، فعنده نزعة الاعتذار للمرجئة الأحناف، في حين أنه -والله أعلم- يميل في حقيقة الأمر إلى مذهب أهل السنة والجماعة؛ ولذلك حاول أن يتوسط بأسلوب فيه اضطراب، فكان كلامه محتملًا للأمرين: يحتمل أنه يقصد بهذا المقطع كله الاستدلال على أن الإيمان يزيد وينقص بالأعمال، وأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، ويحتمل العكس، أنه أراد الاستدلال على أن الأعمال زيادتها ونقصها إنما هي دليل على زيادة ونقص التصديق في القلب، أي: إنما هي مستلزمات فقط، أي: قرائن ودلائل على الإيمان الذي في القلب، وليست من مسمى الإيمان.
[ ٧١ / ٣ ]
حقيقة النزاع بين أهل السنة والمرجئة في دخول الأعمال في مسمى الإيمان وزيادته
قال رحمه الله تعالى: [وإذا كان النزاع في هذه المسألة بين أهل السنة نزاعًا لفظيًا فلا محذور فيه سوى ما يحصل من عدوان إحدى الطائفتين على الأخرى والافتراق بسبب ذلك].
سبق أن ذكرت أن النزاع ليس لفظيًا، فالحقيقة أن النزاع عقدي، وإن كان لفظيًا من بعض الوجوه، لكنه من حيث العلم والاعتقاد ليس بلفظي، فمن الجانب العملي نجد أن النزاع بين أهل السنة وأوائل المرجئة يكاد يكون لفظيًا من الناحية العملية، والدليل على ذلك أن المرجئة الأوائل الذين يخرجون العمل من مسمى الإيمان لا يتساهلون في العمل، ويرون أن الإخلال بالعمل معصية، وأن ارتكاب ما نهى الله عنه معصية، ويثبتون الوعيد الثابت في المعاصي، لكنهم يقولون: إن وجوب العمل بالأمور العملية وترك ما نهى الله عنه ثابت بنصوص خارجة عن نصوص الإيمان، أي: جاء وجوب العمل ووجوب الترك لما نهى الله عنه بمقتضى نصوصٍ لا تدل على أن هذه الأمور من الإيمان بذاته، إنما هي من لوازمه، فيقولون: الإنسان إذا آمن وصدق لا بد أن يذعن لأوامر الله ﷿ ويترك نواهيه، وهذا من لوازم الإيمان أو من شروط الإيمان، والشرط خارج عن الأصل، كما نقول في شرط الصلاة، فشرط الصلاة هو من مقدماتها ومن الأمور التي تسبقها، فيقال -مثلًا-: من شروط الصلاة الطهارة، لكن ليست الطهارة من أجزاء الصلاة، هذا نظير كلام الأحناف والمرجئة في الإيمان، وهم يقولون فعلًا: الأعمال من مستلزمات الإيمان وليست من الإيمان، وهذه شبهة في الحقيقة، وليست حجة؛ لأن الأمر يرجع إلى الاصطلاح الشرعي، أي: ما ورد به كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ وفهمه الصحابة والسلف في معنى الإيمان، فهؤلاء وقفوا في معنى الإيمان على المعنى اللغوي، وسيأتي ذكر شبهتهم والرد عليها بعد قليل.
إذًا: ليس النزاع في المسألة نزاعًا لفظيًا إلا من جانب الثمرة العملية فقط، أما من حيث الاعتقاد ومن حيث المعرفة فلا شك أن هناك نزاعًا عقديًا حقيقيًا، هذا شيء.
الشيء الآخر: أن أوائل المرجئة بينهم وبين أهل السنة خلاف لفظي في الجانب العملي، وليس الأمر كذلك عند المتأخرين من المرجئة، فمتأخرو المرجئة تساهلوا في هذا الأمر حتى إنهم أخلوا بكثير من أمور الوعيد؛ لأنهم لما قالوا: إن الإيمان التصديق قالوا بأن من أعرض عن الأعمال بالكلية يبقى مؤمنًا مسلمًا حتى وإن لم يعمل من الدين بشيء، وهذا خلاف الأصل الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهذه النزعة بدأت على ألسنة بعض المعاصرين الذين يقولون: لا يكون الكفر إلا بالتكذيب القلبي، فقولهم هذا هو قول المتأخرة من المرجئة، وهو غير صحيح، فالكفر يكون أيضًا بالأعمال، إما عملًا وإما تركًا، فالإعراض عن الدين بالكلية كفر مخرج عن الملة، وكذلك عمل الشركيات وإن كان القلب مصدقًا مؤمنًا، فالعمل بالشركيات كفر مخرج عن الملة، ولا يصح أن يقال: لا يشرك إلا من زال من قلبه الإيمان، فقد يشرك وفي قلبه التصديق.
إذًا: فالصحيح أن الخلاف ليس بلفظي مع المتأخرين، أما عند المتقدمين فقد يكون لفظيًا من الجانب العملي، لكنه ليس بلفظي من الجانب الاعتقادي العلمي.
[ ٧١ / ٤ ]
أصناف المرجئة في كلام السلف
قال رحمه الله تعالى: [وإذا كان النزاع في هذه المسألة بين أهل السنة نزاعًا لفظيًا فلا محذور فيه سوى ما يحصل من عدوان إحدى الطائفتين على الأخرى والافتراق بسبب ذلك، وأن يصير ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام المذموم من أهل الإرجاء ونحوهم، وإلى ظهور الفسق والمعاصي بأن يقول: أنا مؤمن مسلم حقًا كامل الإيمان والإسلام، ولي من أولياء الله! فلا يبالي بما يكون منه من المعاصي، وبهذا المعنى قالت المرجئة: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله! وهذا باطل قطعًا].
هذا الكلام أيضًا وما تبعه من تعليق من المحقق في الهامش فيه نوع إيهام، فقوله: [أن يصير ذلك ذريعةً إلى بدع أهل الكلام المذموم من أهل الإرجاء] هذا ليس على إطلاقه، كما أن قوله بعد ذلك: [قالت المرجئة: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، وهذا باطل قطعًا] هو حق، لكن ليس هذا قول المرجئة الذين يعنيهم السلف، فالسلف يطلقون المرجئة في الإطلاق العام المشهور ويقصدون بهم مرجئة الفقهاء من الأحناف والأشاعرة والماتريدية، وأغلب الذم الوارد وما ورد في نصوص وآثار السلف إنما هو في الرد على هذا النوع من المرجئة، وهم الذين يقولون: إن الإيمان هو التصديق، أو: التصديق والقول فقط، ومن ثم لا يجعلون الأعمال من الإيمان، ولا يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه، ولا يستثنون في الإيمان، فأصحاب هذه الأصول الأربعة أو الخمسة هم المرجئة عند السلف.
أما الذين أشار إليهم الشارح هنا فسماهم أهل الإرجاء فيسميهم السلف الجهمية، وهم الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، يعني: بإطلاق، هؤلاء هم مرجئة الجهمية، وهم المقصودون بالإطلاق في عبارات من بعد السلف.
فالسلف كانوا يطلقون على الجهمية مرجئة، لكن هذا قليل وبحسب المناسبة، أما أكثر الذين رد عليهم السلف من المرجئة فهم مرجئة الفقهاء، وأكثر كلام السلف في المرجئة يعنون به مرجئة الفقهاء، فإذا أطلقت كلمة (المرجئة) عند العلماء فإنما يقصدون بها مرجئة الفقهاء، أما مرجئة الجهمية فإطلاقهم لها عليهم قليل، ولا يمكن أن يذكر إلا مع ذكر مقولات الجهمية أو بوصف قولهم الشنيع، هذا الإرجاء الغالي، والإرجاء عند الجهمية ناتج عن الجبر، وهو القول بأن الإنسان مجبور على أفعاله، فنتج عن ذلك الإرجاء ضرورة، يعني: الجهمية يلزمهم ذلك ولو لم يقولوا به؛ لأن من قال بأن الإنسان مجبورٍ على أفعاله وليس له أي اختيار ولا حرية ولا قدرة، فمن الضروري أن يقول بأن الإنسان لا يحاسب على أي ذنب؛ لأن المجبور على الذنب لا ذنب له.
إذًا: فالصحيح أن الذين أشار الشارح إليهم هنا هم غلاة المرجئة، وهم الجهمية.
وكذلك المحقق همش بوهم أكثر وقال: [الإرجاء المذموم الذي يعد بدعة هو قول من يقول: لا يضر مع الإيمان معصية] والصواب أن هذا إرجاء يخرج به صاحبه من الملة، وليس مجرد ذنب؛ لأن قولهم: لا يضر مع الإيمان معصية، يدخلون فيه الشرك الأكبر، والبدع المغلظة، والكفريات والجرائم وكل شيء، وهذا لا يصح، وهذا قول غلاة المرجئة الذين هم الجهمية، وليس الإرجاء المذموم هو هذا فقط، بل الإرجاء المذموم هو قول مرجئة الفقهاء، وكذلك قول الجهمية من باب أولى.
ثم قوله: [أما من يقول بإرجاء أمر المؤمنين العصاة إلى الله ولا ينزلهم جنة ولا نارًا ولا يتبرأ منهم، فهذا لا يعد بدعة] بل هذا هو البدعة بعينها إلا إذا فصل، فهذا فيه إجمال، فالصحيح أن من قال بإرجاء عصاة المؤمنين يوم القيامة إلى الله ﷿ فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، فقد وافق قول أهل السنة والجماعة، أما من قال بالإرجاء المطلق -وهو نتيجة قول المرجئة- فإن هذا بدعة، وقوله: لا ينزلهم جنة ولا نارًا، كذلك الكلام مجمل.
فقول المحقق: [الإرجاء المذموم الذي يعد بدعة هو قول من يقول: لا يضر مع الإيمان معصية] هذا ليس على الإطلاق، فهو مذموم فعلًا، لكنه إرجاء غلاة المرجئة وهم الجهمية، ومن الإرجاء المذموم عدم إدخال العمل في مسمى الإيمان، وعدم القول بزيادة الإيمان ونقصانه، وعدم الاستثناء في الإيمان إلى آخره.
وقوله: [وأما من يقول بإرجاء أمر المؤمنين العصاة إلى الله ولا ينزلهم جنة ولا نارًا] كلام مجمل، فإن قصد بهذا عصاة المؤمنين الذين يموتون دون توبة فصحيح، فهؤلاء أمرهم إلى الله ﷿.
وقوله أيضًا: [لا ينزلهم جنة ولا نارًا] هذا أيضًا أمر محتمل، أما مصيرهم في النهاية فلا شك أنه إلى الجنة، حتى أولئك الذين يعذبون من أهل الكبائر من عصاة المؤمنين إذا لم يغفر الله لهم، فإنهم قد يعذبون عذابًا على قدر أعمالهم ثم يخرجون بشفاعة نبينا محمد ﷺ أو بشفاعة غيره.
وقوله: [لا يتبرأ منهم] هذا كلام مجمل أيضًا، فما معنى التبرؤ؟! فالتبرؤ الكامل لا يجوز، لكن التبرؤ بقدر ما فيه من فسق وعصيان أو بدعة هذا أمر ضروري، ولذلك قرر فعلًا منهج المرجئة، ولم يقرر مذهب أهل السنة في هذه الكلمة، فقوله: [ولا يتبرأ منهم] ليس على إطلاقه، فالتبرؤ فيه تفصيل، فلا يتبرأ منهم تبرؤًا كاملًا؛ لأن عصاة المؤمنين لهم من الولاية بقدر إيمانهم، لكن أيضًا يتبرأ
[ ٧١ / ٥ ]
مأخذ أبي حنيفة ومأخذ مخالفيه من الأئمة في اعتبار حقيقة الإيمان
قال رحمه الله تعالى: [فالإمام أبو حنيفة ﵁ نظر إلى حقيقة الإيمان لغة مع أدلة من كلام الشارع، وبقية الأئمة ﵏ نظروا إلى حقيقته في عرف الشارع، فإن الشارع ضم إلى التصديق أوصافًا وشرائط كما في الصلاة والصوم والحج ونحو ذلك].
هذا من الأمور التي تحتاج إلى شيء من الإيضاح والتعليق، وربما نعنصر هذه الفقرة؛ لأنه سيترتب على هذه المقدمة التي ذكرها أمور كثيرة ستأتي فيما بعد، فسنذكر بعض العناصر الضرورية لأنها مقدمات مهمة لما سيأتي فيما بعد من حوار بين أهل السنة والمرجئة حسب السياق الذي ذكره الشارح.
قوله: [فالإمام أبو حنيفة ﵁ نظر إلى حقيقة الإيمان لغة مع أدلة من كلام الشارع، وبقية الأئمة ﵏ نظروا إلى حقيقته في عرف الشارع] هذا الكلام يحتاج إلى تأمل، وذلك أن أمور الاعتقاد ليست كأمور الأحكام، فأمور الأحكام قد يقع فيها إذا اختلف الأئمة أن يكون الحق مع واحد من الأئمة أو مع اثنين، والبقية قد لا يصل اجتهادهم إلى الصواب، لكن العقيدة ليست كذلك، فلا يمكن أن يكون الحق مع واحد والبقية قد جانبوا الحق في أمور العقيدة؛ وهذا أمر يجب أن تهتموا به في جميع مسائل الخلاف في الأمور التي تعد أصولًا في الاعتقاد، فأهل السنة يعدون هذه الأمور من أصول الاعتقاد، أعني دخول الأعمال في مسمى الإيمان، وزيادة الإيمان ونقصانه؛ لأنه خالف فيها من خالف، فلما حشدت فيها النصوص وجدوا وجه الحق فيها بالكتاب والسنة واضحًا جدًا، ولا يجوز لأحد أن يعدل عنه، وإن تأول بعض من تأول وعذر في ذلك فلا يعني أنه يحتمل أن يكون معه الحق، فقد يزل عالم من العلماء ويخرج عن مقتضى السنة في أمر صريح بين، ولا يعد ذلك من الأدلة على أن المسألة خلافية، فمسألة الإرجاء ليست مسألة خلافية، بل هي بدعة، وما دامت من العقيدة فإن شذوذ الإمام أبي حنيفة وشيخه حماد ومن جاء بعدهما ممن تبعهما عن عموم السلف لا يدل على أن المسألة خلافية، بل ما دام جمهور السلف -كما أشار الشارح- وبقية الأئمة لهم رأي آخر فيجب أن يكون الحق مع البقية، ما دام أن المخالف قليل، ولا ننظر إلى المخالف الآن، لكن ننظر إلى المخالف عندما نشأت المسألة، وهذا هو الذي ينبغي اعتباره منهجيًا من الناحية الشرعية؛ لأننا نتكلم عن نشأة هذه المقولة -مقولة المرجئة- في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وهذا يعني أن الصحابة لم يقولوا بها، ولا التابعون الأوائل، بل قال بها بعض التابعين أو تابعي التابعين، فبدأت بواحد فقط، قيل: إنه ذر بن عبد الله، وقيل: إنه حماد بن أبي سليمان، وقيل: أبو حنيفة، وقيل: إنهم كلهم قالوا بهذا القول، لكن كل واحد زاد عمن سبقه.
فإذا كان في ذلك العصر ما قال بها إلا واحد، ثم أخذها عنه واحد، ثم اشتهرت عند هؤلاء؛ فهل يعقل أن الحق مع واحد؟! إنه في الأمور الاجتهادية قد يرد هذا، لكن في الأمر العقدي لا يعقل أن الحق مع واحد وإن تبعه بعد ذلك من تبعه، فكثرة أتباعه أمر لا تقوم به الحجة، حتى ولو كان أكثر المسلمين صاروا تبعًا له؛ لأن هذا مصداق حديث النبي ﷺ في وقوع المخالفة والافتراق، أما منشأ القول فهو شاذ، والشاذ في العقيدة يجب أن لا يكون دليلًا أو حجة على الناس.
إذًا: فهذا السياق أراد به الشيخ أن يلطف الخلاف، في حين أنه فعلًا بين لنا أن قول أبي حنيفة رحمه في هذه المسألة شذ به عن الأئمة وشذ به عن السلف، وعلى ذلك فلا اعتبار لهذا القول من الناحية الشرعية، هذه النقطة الأولى.
[ ٧١ / ٦ ]
الرد على اعتبار أبي حنيفة للمدلول اللغوي للفظ الإيمان
النقطة الثانية: حينما أشار إلى المعنى اللغوي، فنقول: إن المعنى اللغوي ليس حجة على الاصطلاح الشرعي؛ لأن الاصطلاح الشرعي أمر زائد على المعنى اللغوي، يدل عليه أن الاصطلاح الشرعي في كثير من المعاني الشرعية التي وردت يزيد عن المعنى اللغوي علميًا ويزيد عمليًا، والدليل على ذلك الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والدعاء وغير ذلك، كلها لها معان لغوية محدودة عند العرب، فوضع لها الشارع المعاني التي تتضمن أعمالًا، فالصلاة في اللغة هي الدعاء، لكن في الاصطلاح هي الدعاء وزيادة، والصلاة في الاصطلاح ركوع وسجود، وأدعية، وقراءة قرآن، وتوجه معين، واستقبال القبلة، فدخل في مفهوم الصلاة غير مجرد الدعاء بالمعنى اللغوي، حيث دخلت أعمال أخرى إضافية صارت جزءًا من الصلاة شرعًا.
وكذلك الصيام، فالصيام لغة: هو الإمساك، لكن الشرع وضع للصيام معنى آخر، وهو الإمساك بضوابط وحدود وأعمال، وما لم تتم هذه الضوابط والحدود والأعمال لا يصير الصيام صيامًا شرعيًا.
وكذلك الجهاد، فالأصل فيه بذل الجهد، لكنه إذا أطلق في الشرع فالمقصود به في الدرجة الأولى القتال للكفار بالسيف، وإلا فيمكن أن واحدًا يجلس في بيته ويفكر في مصالح المسلمين ويقول: أنا مجاهد؛ لأنني بذلت جهدي، إذًا: فلا بد من اعتبار الاصطلاح الشرعي، فكما قلنا: إن للصلاة معنى شرعيًا غير اللغوي، وكذلك الحج، والصوم، والجهاد وغيرها، فكذلك للإيمان معنى شرعي غير المعنى اللغوي، هذا ما حدده القرآن والسنة.
إذًا: فالاعتذار لـ أبي حنيفة ﵀ في قوله: الإيمان هو التصديق على أن اللغة تدل على ذلك؛ ليس بعذر، يعني: ليس بعذر في الخروج عن أصل السلف، نعم نعذره بتأول، بمعنى أننا لا نبدعه؛ لأنه إمام، لكن لا يعني ذلك أن عمله صحيح وأن قوله غير بدعة، بل بدعة ويجب تجنبها.
[ ٧١ / ٧ ]
قيام الأدلة الشرعية على دخول الأعمال في الإيمان
الأمر الثالث: أن الأدلة من الشرع على أن الأعمال من الإيمان، وعلى زيادة الإيمان ونقصانه وبقية الأمور التي قررها السلف لا تكاد تحصر، في حين أن أدلة أبي حنيفة ﵀ وغيره من المرجئة على أن الإيمان هو التصديق فقط أدلة قليلة جدًا، واستدلالهم بها فيه اشتباه وفيه ضعف، فهل يعقل أن نعدل عن الأدلة الصريحة القوية الكثيرة التي كتبها العلماء في مجلدات، وكلها تدل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال من الإيمان، وكلها صريحة صراحةً بينة، مثل حديث شعب الإيمان، فهل يعقل أن نعدل عن هذه الأدلة الصريحة الكثيرة إلى أدلة قليلة مشتبهة للعلماء عليها رد بين؟! نعم هناك أدلة سيوردها بعد قليل فيها اشتباه على من لم يرجع إلى قواعد السلف في الاستدلال، وفيها اشتباه على من لم يرد النصوص بعضها إلى بعض، أما من رد النصوص بعضها إلى بعض وفسر بعضها ببعض فلا بد أن يتبين له وجه الحق في أن الإيمان هو التصديق وزيادة، أن الإيمان هو التصديق والعمل، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان.
الأمر الرابع: أن هذه الأوصاف للإيمان التي اعتبروها أوصافًا وشرائط، أي أن الأحناف حينما قالوا: إن الأعمال من لوازم الإيمان، لكنها أشبه بالأوصاف للإيمان، وأشبه بالقرائن على وجود الإيمان، وأشبه بالشروط للإيمان ومستلزماته، لكنها ليست من الإيمان.
نقول لهم: لما سميتموها أوصافًا وشرائط للإيمان لا يتم الإيمان إلا بها؛ فإن هذا يعني أنها في الاصطلاح الشرعي توسع مفهومها حتى صارت جزءًا من الإيمان، وسماها الله ﷿ إيمانًا، وكونها سميت إيمانًا؛ لأنها تنبني على التصديق والمعرفة، وهذا أمر ضروري بدهي.
فتسمية الأعمال بالإيمان فعلًا؛ لأن فيها جزءًا تصديقيًا، بمعنى أن من عمل ولم يصدق لا يعتبر مؤمنًا، وكذلك من صدق ولم يعمل لا يعتبر مؤمنًا، وهم يقولون العكس، يقولون: من صدق ولم يعمل يعتبر مؤمنًا، لكنه يعاقب على تركه لموجب النصوص الخارجية، وهذا ليس بكلام جيد، هذا كلام عقلي فلسفي، هذه أهم الأمور التي أحببت أن أشير إليها؛ لأنها عبارة عن ضوابط سنحتاجها بعد قليل في سياق قول الأحناف والرد عليهم.
[ ٧١ / ٨ ]
ذكر أدلة أبي حنيفة على أن الإيمان عبارة عن التصديق في اللغة
[ ٧١ / ٩ ]
نفي إخوة يوسف إيمان أبيهم لهم في إخباره بشأن يوسف
قال رحمه الله تعالى: [فمن أدلة الأصحاب لـ أبي حنيفة ﵀: أن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق، قال تعالى خبرًا عن إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧] أي: بمصدق لنا].
هذه الآية وجه الدلالة عندهم فيها غير صريح، فقول إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧] لا يتعلق بقضية شرعية، فإخوة يوسف أخبروا أباهم بخبر ثم قالوا هذا القول، فما دخل في ذلك الإيمان في الاصطلاح الشرعي، فهم يستدلون بدليل يتعلق بالخبر على أمر يتعلق بالأوامر والنواهي الشرعية، فهذا الدليل ليس في مكانه.
إذًا: ليس المقصود في كلام إخوة يوسف الإيمان الشرعي، ولو كانوا يقصدون الإيمان الشرعي لقالوا: وما أنت بمؤمن بنا، لكن حينما قالوا: (لنا) عرف أن المقصود الإيمان بخبر وليس الإيمان بالمعنى الشرعي الذي هو الأعمال والأمور القلبية التي هي مقتضى الإسلام.
فهذا دليل على أن التصديق يسمى إيمانًا، والإيمان يسمى تصديقًا مع زيادة، والسلف ما أنكروا أن الإيمان يسمى تصديقًا وأن التصديق يسمى إيمانًا، لكن هل الإيمان الشرعي مقتصر على التصديق فقط؟! إذًا: فالحنفية تجاهلوا محل الخلاف واستدلوا على ما لا خلاف فيه.
قال رحمه الله تعالى: [ومنهم من ادعى إجماع أهل اللغة على ذلك، ثم هذا المعنى اللغوي -وهو التصديق بالقلب- هو الواجب على العبد حقًا لله، وهو أن يصدق الرسول ﷺ فيما جاء به من عند الله، فمن صدق الرسول ﷺ فيما جاء به من عند الله فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى].
هذا الكلام صحيح في إطلاقه، لكن ليس دليلًا على أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان؛ لأنه تكلم عن أحكامنا الظاهرة التي يحكم بها المسلمون يحكم بها أهل العلم.
فالأسماء والأحكام حينما يقررها أهل العمل لا يقصدون بها ما عند الله ﷿، بل يقصدون الظواهر التي نبني عليها أحكامًا باجتهادنا نحن البشر، فكونه مؤمنًا بينه وبين ربه أمر لا نعلمه، فكيف نعرف أنه مؤمن وهو لا يعمل؟! وعكسه المنافق، فالمنافق لا نجزم بنفاقه لأننا لا نعلم ما في قلبه، لكن نحكم له بظاهر الإسلام ونقول بأنه مؤمن مسلم؛ لأنه عمل بظواهر الإيمان.
فكلامهم هذا كلام مجمل ليس حجة لهم ولا عليهم، وليس هو محل الخلاف، فنحن لا نتكلم عن تسمية العبد مؤمنًا بينه وبين ربه، وإنما نتكلم عن تسميته في أحكام الدنيا، أما الأحكام الغيبية فلا نفترضها ثم نقيم الحجة على الافتراض.
قال رحمه الله تعالى: [فمن صدق الرسول فيما جاء به من عند الله فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى، والإقرار شرط إجراء أحكام الإسلام في الدنيا].
هذا كلام صحيح من وجه، لكن فيه إجمال، فما المقصود بكون الإقرار شرطًا؟! إن قصدوا بأن الإقرار شرط أننا لا نحكم بإسلام المؤمن أو بإيمان المؤمن إلا بالأعمال فهذا صحيح، وإن قصدوا أن الإقرار والعمل شرط زائد عن الإيمان فلا نقرهم على ذلك، ونقول: الإقرار والعمل إنما هو جزء من الإيمان، فمن أقر فهو مؤمن، ومن عمل فهو مؤمن في ظاهر الأمر، كما أن من صدق فهو مؤمن إذا ألحق تصديقه بالعمل والإقرار.
قال رحمه الله تعالى: [هذا على أحد القولين كما تقدم].
استدلوا أولًا بالآية على أن الإيمان المقصود به التصديق، ثم جاءوا بكلام إخوة يوسف، وإخوة يوسف لا يتكلمون عن الإيمان الشرعي، ولا يتكلمون عن أمور الدين والعقيدة، بل يتكلمون عن خبر كذبوا به على أبيهم، فقالوا: ما أنت بمؤمن لنا، ثم أتوا بالدليل الثاني.
[ ٧١ / ١٠ ]
اعتبار الضدية للكفر الذي يعني التكذيب والجحود
قال رحمه الله تعالى: [ولأنه ضد الكفر وهو التكذيب والجحود، وهما يكونان بالقلب، فكذا ما يضادهما].
هذا أيضًا فيه نظر؛ إذ عندنا عبارتان مختلفتان: عندنا شيء اسمه التصديق، وشيء اسمه الإيمان، ولا شك أن التصديق من الإيمان، لكن الإيمان أرفع من التصديق، فالتصديق يقابله التكذيب، والإيمان يقابله الجحود أو الكفر، فهم خلطوا في المسألة خلطًا لا يلزم لغة ولا يلزم في اصطلاح العلماء، فقولهم: إن الإيمان ضد الكفر هذا في الحقيقة يكون دليلًا عليهم وليس دليلًا لهم.
[ ٧١ / ١١ ]
الاستدلال بقوله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] يدل على أن القلب هو موضع الإيمان لا اللسان، ولأنه لو كان مركبًا من قول وعمل لزال كله بزوال جزئه].
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] قالوا: يدل على أن قلبه هو موضع الإيمان، والجواب أن السلف ما أنكروا أن هناك حدًا اضطراريًا وحدًا اختياريًا، فالحد الاضطراري يصل إلى حد أن الإنسان يبقى إيمانه في قلبه فقط إذا ما استطاع أن يعمل، كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، فلو أن إنسانًا اضطر اضطرارًا إلى ترك الأعمال في ظرف من الظروف أو في وقت من الأوقات أو في لحظة حرجة أو زمن فتنة؛ فإنه معذور بذلك حتى ولو لم يبق من الإيمان إلا التصديق، فحجتهم هنا ليست حجة عامة على أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان؛ لأن قول الله ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] يتعلق بالحد الأدنى من الإيمان عند الضرورة القصوى، ونحن لا نتكلم في هذا ولا ننكره، بدليل أنه لو زالت هذه الضرورة وجب عليه العمل.
فاستدلالهم هنا ليس بصحيح؛ لأن الحد الذي ذكروه هو الحد الاضطراري، ونحن نتكلم عن الأمور الاختيارية التي أوجبها الله ﷿ على الأمة إلى قيام الساعة.
[ ٧١ / ١٢ ]
تركيب الإيمان من قول وعمل يعني زواله بزوال جزئه
وأما الدليل الرابع، وهو أنه لو كان مركبًا من قول وعمل لزال كله بزوال الجزء، فغير صحيح أيضًا ولا يسلم لهم، فالإيمان مركب من قول وعمل، ومع ذلك لا يزول كله بزوال الجزء، بل ينقص، فالأصل أن نقول: ما دام أنه مركب من قول وعمل فإنه ينقص بزوال الجزء، ونقول لهم: من قال لكم: إنه يزول كله؟! والله ﷿ صرح في كتابه بزيادة الإيمان؛ والذي يزيد قد ينقص، بل ورد في نصوص الإشارة إلى نقصان الإيمان، فقولهم بأنه لو كان مركبًا من قول وعمل لزال كله بزوال جزئه لا يسلم، وهذه فلسفة عقلية لا صحة لها.
[ ٧١ / ١٣ ]
عطف العمل على الإيمان عطفًا يقتضي المغايرة
قال رحمه الله تعالى: [ولأن العمل قد عطف على الإيمان، والعطف يقتضي المغايرة، قال تعالى: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٥] في مواضع من القرآن].
العطف لا يدل على المغايرة من كل وجه، والدليل على هذا كلمة الإسلام والإيمان، فالإسلام إذا أطلق وقيل: مسلم فلا بد أن يتضمن الإيمان في الظاهر، أما الباطن فأمره إلى الله ﷿، وإذا قيل: مؤمن فلا بد أن يتضمن الإسلام، ومع ذلك إذا اجتمعت الكلمتان فكل واحدة يصير لها معنى، وإذا افترقتا تضمنت إحداهما الأخرى، فكذلك الإيمان والعمل الصالح إذا انفردت واحدة لا بد أن تتضمن الأخرى، فالعمل الصالح لا يكون صحيحًا إلا بإيمان، والإيمان لا يكون صحيحًا إلا بعمل صالح، وإذا جاءت الكلمتان في سياق واحد في مقام واحد دلت كل واحدة على معنى يخصها فـ (الذين آمنوا) يعني: اعتقدوا اعتقادًا صحيحًا، (وعملوا الصالحات) يعني: عملوا بما أوجبه الله، ولذلك السلف فرقوا بين الكلمة إذا أطلقت وبينها إذا جاءت في سياق الجمع مع مرادفها، فعلى هذا نقول في كلمة (آمنوا وعملوا الصالحات)، كما نقول في كلمة الإسلام والإيمان.
[ ٧١ / ١٤ ]
الاعتراض على استدلال الحنفية بأن الإيمان هو التصديق في اللغة
[ ٧١ / ١٥ ]
امتناع الترادف بين الإيمان والتصديق
قال رحمه الله تعالى: [وقد اعترض على استدلالهم بأن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق].
هنا بدأ يذكر ردود أهل السنة والجماعة، لكنه ذكرها ذكرًا فيه ضعف وإجمال.
قال رحمه الله تعالى: [وقد اعترض على استدلالهم بأن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق بمنع الترادف بين التصديق والإيمان].
يقصد بهذا أن السلف حينما قال لهم المرجئة بأن الإيمان في اللغة هو التصديق قالوا: نعم إن الإيمان قد يدل لغة على التصديق، لكن ليست الكلمتان مترادفتين من كل وجه، فالترادف ممنوع، أي أن الإيمان أوسع من التصديق من الناحية الشرعية، فلا تحتجوا علينا -أيها المرجئة- بكون العرب تسمي الإيمان تصديقًا، وتسمي التصديق إيمانًا؛ لأن هذا ترادف من بعض الوجوه، وكل الكلمات العربية المترادفة لا تترادف من كل وجه، ولا تتطابق من كل وجه، لكن تتطابق في أغلب معانيها أو في بعض معانيها، وكذلك كلمة (تصديق) و(إيمان) لا تترادفان من كل وجه، بل كلمة (إيمان) أوسع من كلمة (تصديق) من بعض الوجوه، فالإيمان الشرعي يشمل التصديق وزيادة، كما أن الصلاة تشمل الدعاء وزيادة، وكما أن الصيام يشمل الإمساك وزيادة، وهكذا.
قال رحمه الله تعالى: [وهب أن الأمر يصح في موضع، فلم قلتم: إنه يوجب الترادف مطلقا؟! وكذلك اعترض على دعوى الترادف بين الإسلام والإيمان، ومما يدل على عدم الترادف أنه يقال للمخبر إذا صُدق: صدقه، ولا يقال: آمنه ولا: آمن به، بل يقال: آمن له، كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس:٨٣]، وقال تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٦١]، ففرق بين المعدى بالباء والمعدى باللام، فالأول يقال للمخبر به، والثاني للمخبر، ولا يرد كونه يجوز أن يقال: ما أنت بمصدق لنا؛ لأن دخول اللام لتقوية العامل، كما إذا تقدم المعمول، أو كان العامل اسم فاعل أو مصدرًا على ما عرف في موضعه، فالحاصل: أنه لا يقال قط: آمنته، ولا صدقت له، وإنما يقال: آمنت كما يقال: أقررت له، فكان تفسيره بـ (أقررت) أقرب من تفسيره بـ (صدقت) مع الفرق بينهما؛ ولأن الفرق بينهما ثابت في المعنى، فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال له: كذبت، فمن قال: السماء فوقنا قيل له: صدقت، وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب، فيقال لمن قال: طلعت الشمس: صدقناه، ولا يقال: آمنا له؛ فإن فيه أصل معنى الأمن، والائتمان إنما يكون في الخبر عن الغائب، فالأمر الغائب هو الذي يؤتمن عليه المخبر، ولهذا لم يأت في القرآن وغيره لفظ (آمن له) إلا في هذا النوع؛ ولأنه لم يقابل لفظ الإيمان قط بالتكذيب كما يقابل لفظ التصديق، وإنما يقابل بالكفر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق ولكن لا أتبعك، بل أعاديك وأبغضك وأخالفك؛ لكان كفره أعظم، فعلم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط، ولا الكفر هو التكذيب فقط، بل إذا كان الكفر يكون تكذيبًا ويكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب؛ فكذلك الإيمان يكون تصديقًا، وموافقة، وموالاة، وانقيادًا، ولا يكفي مجرد التصديق، فيكون الإسلام جزء مسمى الإيمان].
خلاصة هذا الكلام: أن الدليل على أن الإيمان ليس هو التصديق فحسب: أنه في لغة العرب لا يقابل الإيمان التكذيب، بل الذي يقابل الإيمان هو الجحود، والذي يقابل التصديق هو الكذب، فإذا قلتم: إن الإيمان هو التصديق فمعنى هذا أن ضد الإيمان هو الكذب وليس الكفر، وهذا لا يستقيم، وما دمنا قلنا: إن الكفر ضد الإيمان فهذا يعني أن الإيمان له معنى زائد عن مجرد التصديق؛ لأن التصديق يقابله التكذيب في المعنى اللغوي المباشر.
فهم قصروا الإيمان على معنى ضيق من معانيه، فقال لهم السلف: إن الذي ضد التصديق لغة هو التكذيب وعلى هذا ما أدخلتم الكفر وإن كان التكذيب يتضمن الكفر، لكن الكلام على المدلول اللغوي، فإذا قلتم بأن الإيمان هو التصديق فما تقولون في أن العرب يجعلون مقابل الإيمان الكفر والجحود؟! فهذا يجعلكم تضطربون في الوقوف على المعنى الغوي الذي هو التصديق فقط.
[ ٧١ / ١٦ ]
حصول التصديق بالأفعال
قال رحمه الله تعالى: [ولو سلم الترادف فالتصديق يكون بالأفعال أيضا كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع) إلى أن قال: (والفرج يصدق ذلك ويكذبه)].
يعني: لا يتم التصديق من قبل الأعضاء إلا بالعمل.
قال رحمه الله تعالى: [وقال الحسن البصري ﵀: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في الصدر وصدقته الأعمال.
ولو كان تصديقًا فهو تصديق مخصوص كما في الصلاة ونحوها كما قد تقدم، وليس هذا نقلًا للفظ ولا تغييرًا له؛ فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق، بل بإيمان خاص وصفه وبينه].
يقصد أنه إيمان مفسر في الشرع، وهو هذا الدين، والدليل على ذلك هو أن النبي ﷺ فسر الإيمان بأركانه الستة، وفسر الإيمان بأركان الإسلام، وكلها أحاديث صحيحة، فسر الإيمان بأركانه الستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر، كما فسر النبي ﷺ في أحاديث صحيحة ثابتة الإيمان بأركان الإسلام الخمسة، فإن قلنا افتراضًا: إن العرب قصروا معنى الإيمان على التصديق؛ فإن الدلالة الشرعية توسعت في المعنى فوضعت للإيمان معاني عملية، وأركانًا عملية، كما وضعت للصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والجهاد، وغير ذلك من المصطلحات الشرعية.
إذًا: فمعنى الإيمان مفسر، فلا داعي للكلام بعد تفسير النصوص، فإذا كان الله ﷿ فسر لنا معنى الإيمان، وفسره رسوله ﷺ كما صح عنه؛ فلا داعي للوقوف على المعنى اللغوي، إذًا: فالإيمان شرعًا إيمان خاص مفسر، وهو هذا الدين بجملته وبما فيه من الأمور الاعتقادية والعملية؛ لأن النبي ﷺ فسر الإيمان بذلك وأجمع عليه السلف.
[ ٧١ / ١٧ ]
توجيهات للقول بدخول الأعمال في مسمى الإيمان من حيث دلالة لفظ الإيمان
قال رحمه الله تعالى: [فالتصديق الذي هو الإيمان أدنى أحواله أن يكون نوعًا من التصديق العام، فلا يكون مطابقا له في العموم والخصوص من غير تغيير للبيان ولا قلبه، بل يكون الإيمان في كلام الشارع مؤلفًا من العام والخاص، كالإنسان الموصوف بأنه حيوان ناطق، أو لأن التصديق التام القائم بالقلب مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح، فإن هذه لوازم الإيمان التام، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم، ونقول: إن هذه لوازم تدخل في مسمى اللفظ تارة وتخرج عنه أخرى، أو: إن اللفظ باق على معناه في اللغة].
قوله: (ونقول) يعني أهل السنة والجماعة، ففي الكلام خلط؛ لأنه أحيانًا ينقل كلام شيخ الإسلام وكلام ابن القيم بحذافيره، فيقول: نقول وقالوا، وكأنه فريق يرد على فريق، في حين أن الكلام لأهل السنة والجماعة.
قال رحمه الله تعالى: [ونقول: إن هذه لوازم تدخل في مسمى اللفظ تارة وتخرج عنه أخرى].
أي: تدخل في المسمى اللفظي بالمدلول الشرعي، وتخرج عنه بالمدلول اللغوي أحيانًا، فلوازم الإيمان -وهي الأعمال- تدخل في مسمى الإيمان اللفظي بالمدلول الشرعي، وتخرج عنه أيضًا بالمدلول اللغوي أحيانًا.
قال رحمه الله تعالى: [أو أن اللفظ باقٍ على معناه في اللغة، ولكن الشارع زاد فيه أحكامًا].
يقصد أن لغة العرب ليس فيها ما يمنع من أن تدخل الأعمال في مسمى الإيمان، وهذا صحيح، فالسلف استقرءوا لغة العرب ووجدوا أن العرب ليس عندهم قصر الإيمان على التصديق فقط، بل يدخلون بعض الأعمال القلبية وغيرها في مسمى الإيمان، حتى قبل ورود المصطلح الشرعي، فهذا وجه من وجوه التسوية.
والثاني هو الوجه الذي قال به طائفة من السلف.
قال رحمه الله تعالى: [ولكن الشارع زاد فيه أحكامًا].
أي: يجوز أن نقول: إن اللفظ وقع على معناه اللغوي فقط، وهو التصديق، لكن الشارع زاد فيه أحكامًا، وهي الأعمال والأمور الأخرى.
قال رحمه الله تعالى: [أو أن يكون الشارع استعمله في معناه المجازي].
هذا بعيد وإن كان له وجه من الاستدلال؛ لأنه يجوز أن تكون الأعمال من الإيمان مجازًا، وهذا بعيد، واللغة تتسع لإدخال الأعمال في مسمى الإيمان ما دامت الأعمال التي يدين بها الإنسان لله ﷿ مرتبطة بالعمل القلبي.
قال رحمه الله تعالى: [أو أن يكون قد نقله الشارع، وهذه أقوال لمن سلك هذه الطريق].
يعني: نقله الشارع من الخصوص إلى العموم، من الخصوص وهو قصر الإيمان على التصديق إلى العموم وهو إدخال الأعمال في مسمى الإيمان، كل هذه مسالك مفترضة في الرد على المرجئة في تعميم مسمى الإيمان، وأنه يدخل فيه الأعمال، وأقواها أن لغة العرب لا تمنع من دخول الأعمال في مسمى الإيمان ما دامت الأعمال مأمورًا بها شرعًا، ويدين بها الإنسان لله ﷿؛ لأن الأعمال الشرعية ليست مجرد حركات، الأعمال الشرعية تنبثق من خضوع القلب لله ﷿، تنبثق من جانب التصديق والتسليم والإذعان واليقين، والتقوى، والحب، والخوف، والرجاء، وغير ذلك من الأمور القلبية، فإذا كانت الأعمال تنبثق عن هذه الأمور القلبية فهي مرتبطة بمسمى الإيمان.
[ ٧١ / ١٨ ]
احتجاج أهل السنة ببيان الرسول ﷺ لمعنى الإيمان
قال رحمه الله تعالى: [وقالوا: إن الرسول قد وافقنا على معاني الإيمان، وعلمنا من مراده علمًا ضروريًا أن من قيل إنه صدق ولم يتكلم بلسانه بالإيمان مع قدرته على ذلك، ولا صلى ولا صام ولا أحب الله ورسوله ﷺ ولا خاف الله، بل كان مبغضًا للرسول معاديًا له يقاتله؛ أن هذا ليس بمؤمن، كما علمنا أنه رتب الفوز والفلاح على التكلم بالشهادتين مع الإخلاص والعمل بمقتضاهما، فقد قال ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)].
هذا الدليل من أقوى أدلة أهل السنة والجماعة على أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان؛ لأن النبي ﷺ جعل الإيمان شعبًا، وجعل هذه الشعب تشمل الأعمال القلبية وغير القلبية، وأعمال الجوارح، بل إن الشعب بدأت بعمل اللسان، وانتهت بعمل الأركان، فقول لا إله إلا الله، وإماطة الأذى مثالان متعلقان بالعمل، ومع ذلك سماهما إيمانًا، وهذا دليل قاطع بين على أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان؛ لأن النبي ﷺ مبين ولا ينطق عن الهوى، ولسانه أيضًا عربي، ولا يتكلم إلا بما يفهمه المخاطبون العرب، ولا يمكن أن يكون في لفظه وكلماته إيهام، ولسان النبي ﷺ أفصح الألسنة بالعربية، فلا يمكن أن يرد احتمال باضطراب الكلام أو اضطراب اللغة.
فالنبي ﷺ سمى هذه الأعمال إيمانًا، وقال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها) أي: أفضل ما سماه الإيمان (قول لا إله إلا الله، وأدناها) أي: أدنى ما سماه الإيمان (إماطة الأذى عن الطريق)، وهذه الأمثلة كلها أعمال.
قال رحمه الله تعالى: [وقال أيضًا ﷺ: (الحياء شعبة من الإيمان)، وقال أيضًا ﷺ: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا)، وقال أيضًا ﷺ: (البذاذة من الإيمان)].
الخلق كثير منه أعمال، والبذاذة ترجع إلى التواضع، يعني: عدم التكلف في اللباس، وهذا عمل.
قال رحمه الله تعالى: [فإذا كان الإيمان أصلًا له شعب متعددة وكل شعبة منها تسمى إيمانا؛ فالصلاة من الإيمان وكذلك الزكاة، والصوم، والحج، والأعمال الباطنة؛ كالحياء، والتوكل، والخشية من الله والإنابة إليه، حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق فإنه من شعب الإيمان، وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها، كشعبة الشهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتًا عظيمًا، منها ما يقرب من شعبة الشهادة ومنها ما يقرب من شعبة إماطة الأذى، وكما أن شعب الإيمان إيمان فكذا شعب الكفر كفر، فالحكم بما أنزل الله -مثلًا- من شعب الإيمان، والحكم بغير ما أنزل الله كفر، وقد قال ﷺ: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم، وفي لفظ: (ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)، وروى الترمذي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان)، ومعناه -والله أعلم-: أن الحب والبغض أصل حركة القلب، وبذل المال ومنعه هو كمال ذلك، فإن المال آخر المتعلقات بالنفس، والبدن متوسط بين القلب والمال، فمن كان أول أمره وآخره كله لله كان الله إلهه في كل شيء، فلم يكن فيه شيء من الشرك، وهو إرادة غير الله وقصده ورجاؤه، فيكون مستكملًا الإيمان، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على قوة الإيمان وضعفه بحسب العمل، ويأتي في كلام الشيخ ﵀ في شأن الصحابة ﵃: (وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) فسمى حب الصحابة إيمانًا وبغضهم كفرًا.
وما أعجب ما أجاب به أبو المعين النسفي وغيره عن استدلالهم بحديث شعب الإيمان المذكور وهو: أن الراوي قال: بضع وستون أو بضع وسبعون، فقد شهد الراوي بغفلة نفسه حيث شك فقال: بضع وستون أو بضع وسبعون، ولا يظن برسول الله ﷺ الشك في ذلك! وأن هذا الحديث مخالف للكتاب].
أبو المعين النسفي من شيوخ الماتريدية، والماتريدية مرجئة، وكثير من أهل الكلام المتأخرين من الماتريدية والأشاعرة إذا عارض الحديث أصولهم ذهبوا إلى الطعن في الحديث بأي وسيلة، فاستهدفوا إما الرواة وإما الكلام في متن الحديث، أو ذهبوا إلى أنه خبر آحاد إذا كان خبر آحاد ونحو ذلك، وهذا منهج منتشر في الأشاعرة والماتريدية، وليس هو من منهج الأولين.
قال رحمه الله تعالى: [فطعن فيه بغفلة الراوي ومخالفته الكتاب، فانظر إلى هذا الطعن ما أعجبه! فإن تردد الراوي بين الستين والسبعين لا يلزم منه عدم ضبطه، مع أن البخاري ﵀ إنما رواه: (بضع وستون) من غير شك،
[ ٧١ / ١٩ ]
الأسئلة
[ ٧١ / ٢٠ ]
بيان مدى صحة القول بخروج الزاني من الإيمان إلى الإسلام
السؤال
ذكر ابن رجب في (جامع العلوم والحكم) أن الزاني إذا زنى وقد كان مؤمنًا فإنه يخرج من الإيمان إلى الإسلام، فهل هذا صحيح؟
الجواب
هذا كلام يحتاج إلى تفسير معنى الإسلام، فإن كان المقصود أنه لا يزال حكمه ظاهرًا أنه مسلم فهذا صحيح، بمعنى أنه ظاهرًا وباطنًا لا يزال مسلمًا، فهذا يرجع إلى التفصيل في معنى (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، فهل يزول عنه الإيمان بالكلية ثم يرجع إليه، أو يزول عنه الإيمان في هذه الجزئية، وهي الإيمان بتحريم الزنا؟ هذه مسألة اختلف فيها أهل العلم اختلافًا كبيرًا، وذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية وفصل فيها في كتاب الإيمان فليرجع إليه.
[ ٧١ / ٢١ ]