من عقيدة أهل السنة والجماعة التصديق بكل ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان، وكله حق يجب اتباعه، وسواء كان من أخبار الآحاد أو المتواتر، فإنها تفيد العلم اليقيني في أبواب الاعتقاد أو الأحكام والشرائع، أما من لجأ إلى عقله وحكم هواه ورد به أحاديث الآحاد أو ما لا يوافق عقله، فهذه من طرق أهل البدع في الاستدلال، وقد كان للسلف دور كبير في كشف استدلالات أهل الأهواء وبينوا ما فيها من فساد وخلل.
[ ٧٤ / ١ ]
جميع ما صح عن رسول الله من الشرع حق والرد على الجهمية في ردهم أخبار الآحاد
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق) يشير الشيخ -﵀- بذلك إلى الرد على الجهمية والمعطلة والمعتزلة والرافضة القائلين بأن الأخبار قسمان: متواتر وآحاد.
فالمتواتر وإن كان قطعي السند لكنه غير قطعي الدلالة؛ فإن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين].
هذا القول من عقائد الجهمية، والمعتزلة تبع للجهمية في هذه المسألة؛ لأن السلف في مثل هذا الموضوع أو مثل هذه القضية لا يفرقون بين المعتزلة والجهمية، بل يسمون الجميع جهمية؛ لأن كل من عطل أو قال بقول مؤد إلى التعطيل أو التزم التأويل منهجًا في العقيدة يسميه السلف جهميًا، فعلى هذا يكون أول من ابتدع بدعة التفريق في الأخبار بين الآحاد والمتواتر، وجعل الآحاد دون المتواتر في الاحتجاج به هم الجهمية، ومن خلال الجهمية انتقل هذا الأصل الباطل إلى الرافضة؛ لأن الرافضة تحولوا إلى جهمية، ومتأخرة الخوارج كذلك قالوا بهذا القول، وإلى الآن يتبنونه.
ثم إن هذا الأصل أيضًا موجود عند متكلمة الأشاعرة والماتريدية، بل أكثر الأشاعرة والماتريدية يقولون بهذا القول، أي: يفرقون في مسألة الأخبار بين الآحاد والمتواتر.
وتقسيم الخبر إلى آحاد ومتواتر من الناحية الفنية العلمية تقسيم صحيح، فمعلوم أن الأخبار فيها متواتر من حيث السند وفيها آحاد، لكن تقسيمها من حيث القبول والرد على هذا النحو هذا هو البدعة، وهو من أبواب الضلالة التي استهدفت العقيدة ومصادر الدين، ومنهج الاستدلال الذي اتفق عليه سلف الأمة، فهذا الأصل صار الآن من أصول الأشاعرة والماتريدية، خاصة بعدما تبناه أكابر المتكلمين من الأشاعرة، أمثال أبي المعالي الجويني والرازي المسمى بـ فخر الدين، وكل منهما أصل هذه القضية، إلا أن الرازي فرع عليها فروعًا كثيرة وجعلها من الأساسيات في تقرير العقيدة في كتابه (أساس التقديس)، وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة وغيرها بردود مفصلة من خلال كتاب (بيان تلبيس الجهمية)، كما رد عليه ابن القيم في كتابين أيضًا: في الصواعق المرسلة، وفي اجتماع الجيوش الإسلامية، وقولهم بأنها لا تفيد اليقين، هذا قول التزموه وليس من لوازم قولهم، بمعنى: أنهم زعموا أن الأدلة اللفظية المتواتر منها والقطعي لا تفيد اليقين، ويقصدون باللفظية التي لا تخضع لقواعدهم، ما دامت مجرد ألفاظ في الكتاب والسنة لا تخضع لقواعدهم فلا تفيد اليقين حتى يحتكم فيها إلى القواعد العقلية.
بمعنى أنهم يقولون: إن الأخبار الواردة في الأمور الغيبية -كأسماء الله وصفاته- تبقى دلالتها ظنية، ولا نجزم بأن دلالتها قطعية حتى تعرض على ما يسمونه بالقواطع العقلية، فما وافق هذه القواطع أخذوا به لفظًا ومعنى، وما خالف قواطعهم -كما زعموا- أولوه إلى معان يختلفون عليها اختلافًا كثيرًا، فمن هنا زعموا أن الدلالات اللفظية -أي: دلالات القرآن على أسماء الله وصفاته وأفعاله- لا تصير إلى شيء.
[ ٧٤ / ٢ ]
سد الجهمية طريق معرفة الرب بالقدح في دلالة النصوص على الصفات
قال رحمه الله تعالى: [وبهذا قدحوا في دلالة القرآن على الصفات، قالوا: والآحاد لا تفيد العلم ولا يحتج بها من جهة طريقها ولا من جهة متنها، فسدوا على القلوب معرفة الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله من جهة الرسول، وأحالوا الناس على قضايا وهمية].
يقصد بذلك أن كثيرًا مما ورد عن النبي ﷺ من أمور الدين ورد بطريق الآحاد، ثم إنه حينما ورد ذلك قبله الصحابة وقبله التابعون وأئمة الهدى، فهو عند السلف يفيد العلم، بل كل ما ثبت عن النبي ﷺ بآحاد أو تواتر فإنه يعد من مصادر الدين الأساسية، وسيذكر المؤلف أصل هذه القاعدة، والذي يتلخص أن سلف هذه الأمة عنوا بالأسانيد عناية فائقة قطعت الشبهة أو الشك في أي حديث يرد ويثبت بإسناد صحيح فإذا كنا عرفنا أن السلف عنوا عناية فائقة فصار عندهم تمييز قاطع بين الصحيح وغير الصحيح؛ فهذا يعني أنه لا يمكن أن يقال بأن حديث الآحاد أو خبر الآحاد لا يعتمد عليه في الدين.
قال رحمه الله تعالى: [وأحالوا الناس على قضايا وهمية ومقدمات خيالية سموها قواطع عقلية وبراهين يقينية، وهي في التحقيق ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٣٩ - ٤٠]، ومن العجب أنهم قدموها على نصوص الوحي وعزلوا لأجلها النصوص، فأقفرت قلوبهم من الاهتداء بالنصوص، ولم يظفروا بقضايا العقول الصحيحة المؤيدة بالفطرة السليمة والنصوص النبوية، ولو حكموا نصوص الوحي لفازوا بالمعقول الصحيح الموافق للفطرة السليمة.
بل كل فريق من أرباب البدع يعرض النصوص على بدعته وما ظنه معقولًا، فما وافقه قال: إنه محكم وقبله واحتج به، وما خالفه قال: إنه متشابه ثم رده وسمى رده تفويضًا! أو حرفه وسمى تحريفه تأويلًا! فلذلك اشتد إنكار أهل السنة عليهم].
[ ٧٤ / ٣ ]
أصول أهل التأويل والتعطيل في دلالات النصوص
[ ٧٤ / ٤ ]
القدح في دلالات ألفاظ النصوص على الصفات
الشارح هنا ذكر أربعة من أصول أهل التأويل والتعطيل أجملها ثم أجمل الرد عليها.
الأول: قوله: [وبهذا قدحوا في دلالة القرآن على الصفات] فهذا أصل من أصولهم، وهو قولهم بأن الدلالة اللفظية في الآيات والأحاديث لا تفيد اليقين.
يقول: إنهم بهذا أولًا قدحوا في دلالة القرآن على الصفات، ثم أضاف إلى هذا قولهم بأن أحاديث الآحاد لا تفيد اليقين، ورد عليهم في هذا.
[ ٧٤ / ٥ ]
تقديم قواعدهم العقلية على النصوص
ثم جاء بالمسألة الثانية من أصولهم الفاسدة، وهي قوله: [ومن العجب أنهم قدموها على نصوص الوحي] أي: شبهاتهم وقواعدهم العقلية التي زعموا أنها قطعية، مثل: قولهم بأن النصوص تفيد الظن، والأصليات تفيد القطع، وأنه إذا تعارض الظن والقطع أخذ بالقطع وأولو الظن.
[ ٧٤ / ٦ ]
اعتبار دلالات النصوص ثانوية مظنونة
والأصل الثالث في قوله: [وعزلوا لأجلها النصوص]، بمعنى: أنهم جعلوا دلالات النصوص دلالة ثانوية محكومًا عليها، وجعلوا دلالة النصوص مظنونة معرضة للشك ومعرضة للاختبار، ومعرضة للأوهام العقلية، فمن هنا خلت قلوبهم من الاعتقاد الصحيح، وهذا أمر بدهي؛ لأن من اعتقد أن كلام الله ﷿ إنما هو ظنون فمن الطبيعي أن لا يعتقد فيه الحق، وأن يبقى إما شاكًا مترددًا وإما باحثًا عن الحق في غير موضعه.
[ ٧٤ / ٧ ]
عرض النصوص على البدع
ثم ذكر الأصل الرابع فقال: [بل كل فريق من أرباب البدع يعرض النصوص على بدعته]، يعني: أنهم جعلوا بدعهم وأصولهم هي الأصل وهي الحكم، والنصوص محكومًا عليها، فما وافق عقلياتهم قالوا بأنه محكم وقبلوه واحتجوا به، وما خالف عقلياتهم زعموا أنه متشابه، ثم إذا زعموا أنه متشابه اختلفوا في الموقف منه، فمنهم من رده، بمعنى: أنه لم يعتقد دلالته، ثم آل إلى الشك وفوض المعاني إلى غير اعتقاد، يعني: جعل الألفاظ بلا معان، وفوضها إلى علم الله، مع أن هذا أمر لا يصح؛ لأن الله ﷿ تكلم بالقرآن بلسان عربي مبين، وله حقائق ومعان، فتفويض المعنى يعني أنه لن يعتقد أن للنصوص معاني، فيبقى بلا عقيدة؛ لأن من فوض على هذا النحو فإنه سيبقى بلا عقيدة، ومنهم من حرف، بمعنى: أنه أول بمختلف أنواع التأويلات؛ لأن هناك من أول تأويلًا بعيدًا وهناك من أول تأويلًا قريبًا، لكن لا يدل على الحقيقة المرادة من النص.
ومنهم من عطل تعطيلًا مطلقًا، بمعنى: أنه لم يفوض ولم يحرف ولم يؤول، إنما اعتقد أن ألفاظ القرآن والسنة مجرد ألفاظ تخييلية أو تشبيهية أو تمثيلية إلى آخر ذلك من المعاني التي زاغوا بها عن الحق واتبعوا الفلاسفة.
[ ٧٤ / ٨ ]
طريق أهل السنة في اعتبار دلالات النصوص
قال رحمه الله تعالى: [وطريق أهل السنة: أن لا يعدلوا عن النص الصحيح، ولا يعارضوه بمعقول ولا قول فلان، كما أشار إليه الشيخ ﵀، وكما قال البخاري ﵀: سمعت الحميدي يقول: كنا عند الشافعي ﵀، فأتاه رجل فسأله عن مسألة، فقال: قضى فيها رسول الله ﷺ كذا وكذا، فقال رجل للشافعي: ما تقول أنت؟! فقال: سبحان الله! تراني في كنيسة؟! تراني في بيعة؟! ترى على وسطي زنارًا؟! أقول لك: قضى رسول الله ﷺ، وأنت تقول: ما تقول أنت؟! ونظائر ذلك في كلام السلف كثير.
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]].
[ ٧٤ / ٩ ]
الرد على الجهمية ومن سلك مسلكهم في رد خبر الآحاد
[ ٧٤ / ١٠ ]
إفادة تلقي الأمة الخبر بالقبول والعمل
بدأ يرد بعض الرد التفصيلي في مسألة خبر الواحد، ودعواهم أن خبر الواحد لا يفيد اليقين ولا يفيد العلم، وأن خبر الواحد لا يؤخذ منه اعتقاد، ولا يؤخذ منه أيضًا حكم جازم، إنما يبقى على سبيل الظن، أو تؤخذ منه بعض الأحكام الفقهية على غلبة الظن أيضًا.
قال رحمه الله تعالى: [وخبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول عملًا به وتصديقًا له يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة، وهو أحد قسمي المتواتر].
يقصد أن التواتر قسمان: تواتر لفظي، وتواتر معنوي، وكلاهما في الحكم سواء، فما تواتر من الدين -سواء كان تواتره لفظيًا أو معنويًا- فحكمه واحد، بمعنى أنه قطعي، ولا يعني ذلك أن ما لم يتواتر لفظًا ومعنى لا يعتبر قطعيًا، فإن هناك أحاديث ما وردت إلا بخبر الواحد، ولكنها اشتهرت كشهرة حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، ومع ذلك فإنه عند السلف يعتد به ويصح التدين به، ذلك أن الدين إنما جاءنا على هذه الطريقة، بمعنى: أن الله ﷿ ارتضى كثيرًا من أمور الدين بأن تنقل بخبر الآحاد، فالنبي ﷺ جعل من وسائل نقل الدين خبر الآحاد، فكثيرًا ما يرسل واحدًا إلى الصحابة، ويأخذ بخبر واحد، وأيضًا عرف النبي ﷺ في كثير مما بلغ به الصحابة الدين أنه كان بخبر الواحد.
ثم إن هذا أمر معلوم بالضرورة، وهو أن الله ﷿ علم أن هذه الأمور التي ستنقل بالآحاد ستكون، أي: أنها ستنقل من خلال الآحاد، فلو كان في ذلك نقص في نقل الدين لأتمه الله ﷿ ولأكمله قبل وفاة النبي ﷺ.
أما وقد توفي النبي ﷺ وقد بلغ وأدى الرسالة، وكان من وسائل بلاغه خبر الآحاد؛ فهذا يعني: أن خبر الآحاد لا بد من اعتماده وقبوله إذا صح؛ لأنه من وسائل نقل الدين، وكثير من أمور الشرع والأحكام -بل وبعض العقائد- إنما مصدرها خبر الآحاد، هذا بالإضافة إلى ما أشار إليه الشارح هنا، وهو: أن أغلب أخبار الآحاد التي يعتمد عليها -خاصة ما يتعلق بالعقيدة وأصول الأحكام- أغلبها متواتر تواترًا معنويًا، والتواتر المعنوي: هو قبول الأمة للحديث، اتفاقهم على قبول حديث: (إنما الأعمال بالنيات) منذ عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم والقرون الفاضلة إلى عصر تدوين السنة، فلما دونت السنة كان هذا أشبه بالإجماع، أي: أنهم اتفقوا على قبول مثل هذا الحديث واعتباره من الدين والاحتجاج به، ولم يعترض أحد من الأئمة ولا من أهل العلم على الاستدلال بحديث الآحاد، فمن هنا كان أغلب الأحاديث التي ذكر الشارح نماذج منها يصل إلى حد التواتر المعنوي؛ لأن الأمة أخذتها بالقبول واشتهرت شهرة يستحيل معها أن تكون مجرد أخبار آحاد.
[ ٧٤ / ١١ ]
عمل الرسول ﷺ بخبر الواحد
قال رحمه الله تعالى: [ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع، كخبر عمر بن الخطاب ﵁: (إنما الأعمال بالنيات)، وخبر ابن عمر ﵄: (نهى عن بيع الولاء وهبته)، وخبر أبي هريرة ﵁: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها)، وكقوله: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، وأمثال ذلك، وهو نظير خبر الذي أتى مسجد قباء وأخبر أن القبلة تحولت إلى الكعبة فاستداروا إليها.
وكان رسول الله ﷺ يرسل رسله آحادًا، ويرسل كتبه مع الآحاد، ولم يكن المرسل إليهم يقولون: لا نقبله؛ لأنه خبر واحد!]
[ ٧٤ / ١٢ ]
حفظ الله تعالى دينه بحفظ حججه وبيناته
قال رحمه الله تعالى: [وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]، فلا بد أن يحفظ الله حججه وبيناته على خلقه؛ لئلا تبطل حججه وبيناته].
من المعلوم في الدين بالضرورة أن الله ﷿ تكفل بحفظ الدين، وأن النبي ﷺ أدى الأمانة وبلغ الرسالة، وأن الله رضي له ذلك، وأكمل الله الدين من كل وجه، وكان من وسائل كمال هذا الدين وتبليغه وحفظه أن نقل لنا شيء كثير منه من طريق الآحاد، فلو كان طريق الآحاد ليس بدليل في تثبيت الدين وفي تقريره والاعتماد عليه ما رضيه الله لنا ولا بقي الدين محفوظًا؛ لأنه إذا تطرق الاحتمال لشيء من الدين تطرق الاحتمال للدين كله، بل إذا تطرق الاحتمال إلى مفردة من مفردات الدين التي وردت في حديث الآحاد تطرق إلى كل ما يرد في حديث الآحاد، وحديث الآحاد كثير ويشمل جزءًا من الدين مهمًا، فلو ألغينا هذا الجزء ما كان الدين كاملًا ولا كان محفوظًا، إذًا: لا بد أن يكون قبول خبر الآحاد من المعلوم بالضرورة؛ لأنه وسيلة من وسائل حفظ الدين، فإذا تأملنا بعض العقائد وبعض الأحكام وجدناها ثبتت بطريق الآحاد، وهي جزء من الدين.
ثم إن هناك أمرًا آخر يحسن التنبيه عليه، وهو أن أصول الدين القطعية الكبرى ليس طريقها فقط حديث الآحاد؛ فإنها انعقدت بالإجماع وانعقدت بأمور أخرى ودلائل أخرى، ومن ذلك ما يتعلق بصفات الله ﷿.
وأقصد بهذا أن أكثر الذين طعنوا في حديث الآحاد إنما لجئوا إلى الطعن في حديث الآحاد بسبب مخالفتهم في الصفات، فلو لم يكن هناك نزاع عندهم في الصفات لما تكلموا في أحاديث الآحاد، ولذلك ما عملوا بقاعدة عدم اعتماد خبر الآحاد إلا فيما يتعلق بالصفات، إذًا: فهم استهدفوا شيئًا من الدين ثبت بقواعد أخرى، بقواعد السلف المبنية على القواعد العامة، وهي إثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ.
قال رحمه الله تعالى: [ولهذا فضح الله من كذب على رسوله في حياته وبعد وفاته، وبين حاله للناس، قال سفيان بن عيينة: ما ستر الله أحدًا يكذب في الحديث، وقال عبد الله بن المبارك: لو هم رجل في السحر أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون: فلان كذاب].
[ ٧٤ / ١٣ ]
أخبار أئمة الحديث المشتغلين به تنفي وقوع الشك في صحة ما رووه وتلقوه بالقبول
قال رحمه الله تعالى: [وخبر الواحد وإن كان يحتمل الصدق والكذب، ولكن التفريق بين صحيح الأخبار وسقيمها لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته مشتغلًا بالحديث].
قوله: [خبر الآحاد وإن كان يحتمل الصدق والكذب]، أي: قبل أن يحرر، وهذه قاعدة معلومة عند العقلاء، فمجرد خبر يأتيك عن أحد يحتمل الصدق والكذب حتى يحرر، فإذا حرر ثبت بالقرائن أو بصدق الراوي.
فيكون الخبر معلقًا بين الصدق والكذب قبل أن يحرر، فإذا حرر عرف هل هو صدق أو كذب، فكل خبر يحتمل الصدق والكذب حتى يثبت بطرائق الثبوت المعروفة عند العقلاء، أو بالطرق الشرعية.
قال رحمه الله تعالى: [ولكن التفريق بين صحيح الأخبار وسقيمها لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته مشتغلًا بالحديث والبحث عن سيرة الرواة، ليقف على أحوالهم وأقوالهم، وشدة حذرهم من الطغيان والزلل، وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحدًا في كلمة يتقولها على رسول الله ﷺ، ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك، وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نقل إليهم، فهم يزك الإسلام وعصابة الإيمان، وهم نقاد الأخبار، وصيارفة الأحاديث.
فإذا وقف المرء على هذا من شأنهم، وعرف حالهم، وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم؛ ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه، ومن له عقل ومعرفة يعلم أن أهل الحديث لهم من العلم بأحوال نبيهم ﷺ وسيرته وأخباره ما ليس لغيرهم به شعور، فضلًا أن يكون معلومًا لهم أو مظنونًا.
كما أن النحاة عندهم من أخبار سيبويه والخليل وأقوالهما ما ليس عند غيرهم، وعند الأطباء من كلام بقراط وجالينوس ما ليس عند غيرهم، وكل ذي صنعة هو أخبر بها من غيره، فلو سألت البقال عن أمر العطر، أو العطار عن البز، ونحو ذلك؛ لعد ذلك جهلًا كثيرًا] يقصد بذلك أن الذين يؤخذ عنهم القول الفصل في مسألة خبر الآحاد هم أهل الحديث الذين عنوا به، حيث كانوا يفرقون بين الأحاديث بمختلف درجاتها، ويعرفون الصحيح من السقيم، وما الذي يعتمد عليه في الدين وما الذي لا يعتمد عليه، ومصداق قول الشارح أنا لا نعرف من أئمة الحديث الكبار المعتد بهم المقتدى بهم في الدين من يتردد في قبول خبر الآحاد إذا ثبت بسند صحيح، بل يتورعون عن الكلام فيه أشد التورع، ولا يجرؤ أحد من أئمة الحديث الكبار على ذلك؛ لأنه عرف مسالك القبول في الحديث من عدمه، فما نعرف أن أحدًا منهم يتردد في الحديث مثل تردد الذين ليس لهم علم بالحديث، فلذلك هذا القول لم يقل به -فيما أعلم- أحد من أئمة الحديث المعتد بهم، إلا أنه قد يوجد من أئمة الحديث من قال ذلك بسبب نزعته، فهذا النوع تغلب عليه النزعة إلى مذهبه المخالف، من حيث يشعر أو لا يشعر، أما الذين لا ينتمون إلى الفرق ولا إلى الجماعات -بمعنى: ليس لهم مناهج تخالف مناهج أهل السنة- فلا يعرف أن منهم من تردد في هذه المسألة، وهي أن الحديث إذا ثبت بسند صحيح وجب قبوله في الاعتقاد والعمل، ولا يفرقون بين العقائد والأعمال، ولا يقولون بأنه ظني.
وقد يتفلسف بعض المتكلمين فيقول: إني أقصد أنه ظني في أصل منشأ الخبر، لكن هذا ينبغي أن لا يقال في الأحاديث، فإذا صح أن نقول في أخبار الناس: إن الأصل فيها الظنية حتى تثبت؛ فلا يصح أن يقال ذلك فيما ثبت عن النبي ﷺ، فكل حديث عن النبي ﷺ قال فيه أهل العلم المختصون: إنه صحيح يجب قبوله بدون تردد، ولا يعرض لهذه الأوهام التي قد تصح في غير الوحي.
[ ٧٤ / ١٤ ]
شبهة النفاة في رد دلائل الأحاديث الصحيحة
قال رحمه الله تعالى: [ولكن النفاة قد جعلوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] مستندًا لهم في رد الأحاديث الصحيحة، فكلما جاءهم حديث يخالف قواعدهم وآراءهم وما وضعته خواطرهم وأفكارهم ردوه بـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] تلبيسًا منهم وتدليسًا على من هو أعمى؛ قلبًا منهم وتحريفًا لمعنى الآية عن مواضعه، ففهموا من أخبار الصفات ما لم يرده الله ولا رسوله ولا فهمه أحد من أئمة الإسلام أنه يقتضي إثباتها التمثيل بما للمخلوقين، ثم استدلوا على بطلان ذلك بـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، تحريفًا للنصين، ويصنفون الكتب ويقولون: هذا أصول دين الإسلام الذي أمر الله به وجاء من عنده، ويقرءون كثيرًا من القرآن ويفوضون معناه إلى الله تعالى من غير تدبر لمعناه الذي بينه الرسول ﷺ وأخبر أنه معناه الذي أراده الله، وقد ذم الله تعالى أهل الكتاب الأول على هذه الصفات الثلاث، وقص علينا ذلك من خبرهم؛ لنعتبر وننزجر عن مثل طريقتهم، فقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥]، إلى أن قال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨]، والأماني: التلاوة المجردة.
ثم قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩]، فذمهم على نسبة ما كتبوه إلى الله وعلى اكتسابهم بذلك، فكلا الوصفين ذميم: أن ينسب إلى الله ما ليس من عنده، وأن يأخذ بذلك عوضًا من الدنيا مالًا أو رياسة، نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزلل في القول والعمل بمنه وكرمه.
ويشير الشيخ رحمه الله تعالى بقوله: (من الشرع والبيان) إلى أن ما صح عن النبي ﷺ نوعان: شرع ابتدائي، وبيان لما شرعه الله تعالى في كتابه العزيز، وجميع ذلك حق واجب الاتباع].
يظهر أنه يقصد بالشرع الابتدائي: النصوص العامة التي تقرر أصول الدين وقواعد الأحكام وجوامع الأدلة، فهذه تسمى شرعًا ابتدائيًا، وما يفصلها وما يبينها وما يفسرها -سواء من القرآن أو من سنة النبي ﷺ- هو الشرع المبين، فالابتدائي هو الأصول والقواعد، والنصوص الحاكمة والنصوص العامة، وما سواه هو البيان والتفسير.
قال رحمه الله تعالى: [وقوله: (وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالحقيقة ومخالفة الهوى وملازمة الأولى)، وفي بعض النسخ: بالخشية والتقى بدل قوله: (بالحقيقة)، ففي العبارة الأولى يشير إلى أن الكل مشتركون في أصل التصديق، ولكن التصديق يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت كما تقدم تنظيره بقوة البصر وضعفه.
وفي العبارة الأخرى يشير إلى أن التفاوت بين المؤمنين بأعمال القلوب، وأما التصديق فلا تفاوت فيه، والمعنى الأول أظهر قوة، والله أعلم بالصواب].
[ ٧٤ / ١٥ ]
الأسئلة
[ ٧٤ / ١٦ ]
منهج الصحابة في تلقي خبر الواحد منهم عن رسول الله ﷺ
السؤال
ألم يرد أن أبا بكر ﵁ كان لا يأخذ في بعض الأحيان إخبار بعض الصحابة حتى يتأكد من غيرهم؟
الجواب
ليس إخبار الناس بعضهم عن بعض، أو الصحابة بعضهم عن بعض، أو أخبارهم فيما بينهم كإخبارهم عن النبي ﷺ، فرق بين هذا وذاك، فالصحابة لم يردوا قول أحد ممن قال: سمعت من رسول الله ﷺ، أو: رأيت، أو: قال لي، أو كنت عنده، فأي واحد من الصحابة يقول عن النبي ﷺ أو يروي عنه فعلًا أو تقريرًا كان الجميع يسلمون له، وبعض القصص التي حدثت من عمر في التثبت ليست راجعة إلى شكه في خبر الآحاد، بل راجعة إلى معان أخرى، كما شك حين سمع من يقرأ آيات على غير قراءته، فقد يكون في بعض هذه الأمور ملابسات أو قرائن لا ترجع إلى رد الخبر عن الرسول ﷺ، إنما ترجع إلى أمور أخرى تكتنف الحال، وإلا فإن الصحابة كلهم -ومنهم الخلفاء الراشدون- كانوا ينفذون خبر الواحد في الدين، ولم يكونوا يشددون على الصحابة في أمر يتعلق بالرواية عن النبي ﷺ وإن كانت آحادًا، وكثير من روايات الصحابة فيما بينهم كانت آحادًا، خاصة في بعض الأمور التي لا يتوافر فيها عدد ممن سمعوا، وأقصد أنه في كثير من الوقائع التي تحدث للصحابة يكون الراوي للحديث واحدًا، فيقبل الحديث مع أنه لم يصل إلا عن طريق هذا الواحد، ولا يعلمون أنه رواه غيره إلا فيما بعد، ومع ذلك يقبلون الحديث لأول وهلة بمجرد أن رواه الواحد، وما يرد من حالات استثنائية لأمور لها ملابساتها ولها ظروفها ولأسباب معقولة عند أهل العلم لا تؤثر في الأصل.
[ ٧٤ / ١٧ ]
معنى الفاسق الملي
السؤال
ما معنى الفاسق الملي؟
الجواب
الفاسق الملي: هو مرتكب الكبيرة، يسمى فاسقًا مليًا؛ لأنه فاسق بكبيرته، وسمي مليًا لأنه لا يزال من أهل الملة، فهو المسلم الذي يرتكب الكبيرة.
[ ٧٤ / ١٨ ]