وردت استثناءات في القرآن الكريم تفيد عدم أبدية النار، وقد اختلفت كلمات السلف في فهمها وتعددت الآراء حول هذه المسألة، وإن كانت الأدلة التي استدلوا بها لا تقوى أمام الأدلة الكثيرة التي تفيد عدم فناء النار، فضلًا عن أن هذا هو قول جمهور أهل السنة، وقد حكى ابن القيم ﵀ المسألة بالأدلة والتفصيل في كتابه (حادي الأرواح) وكتب فيها ابن تيمية ﵀ رسالة مستوفاة.
[ ٩٠ / ١ ]
الأقوال في أبدية الجنة
قال رحمه الله تعالى: [فأما أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد، فهذا مما يعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ أخبر به، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] أي: غير مقطوع، ولا ينافي ذلك قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٨].
واختلف السلف في هذا الاستثناء: فقيل: معناه إلا مدة مكثهم في النار، وهذا يكون لمن دخل منهم إلى النار، ثم أخرج منها، لا لكلهم.
وقيل: إلا مدة مقامهم في الموقف.
وقيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف.
وقيل: هو استثناء استثناه الرب ولا يفعله، كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وأنت لا تراه، بل تجزم بضربه.
وقيل: (إلا) بمعنى (الواو)، وهذا على قول بعض النحاة، وهو ضعيف.
وسيبويه يجعل (إلا) بمعنى (لكن) فيكون الاستثناء منقطعًا، ورجحه ابن جرير، وقال: إن الله تعالى لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] قالوا: ونظيره أن تقول: أسكنتك داري حولًا إلا ما شئت.
أي: سوى ما شئت، أو لكن ما شئت من الزيادة عليه.
وقيل: الاستثناء لإعلامهم بأنهم مع خلودهم في مشيئة الله، لا أنهم يخرجون عن مشيئته، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ [الإسراء:٨٦].
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى:٢٤].
وقوله: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس:١٦] ونظائره كثيرة، يخبر عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
وقيل: إن: (ما) بمعنى (من) أي: إلا من شاء الله دخوله النار بذنوبه من السعداء.
وقيل: غير ذلك، وعلى كل تقدير فهذا الاستثناء من المتشابه.
وقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] محكم].
لا ندري ما المقصود بالاستثناء على سبيل الجزم، لكن حينما أورد ما بعد الاستثناء وهو قوله ﷿: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] تبين أن الحكم هذا هو المقصود وهو يتضمن الأبدية، وأن الاستثناء راجع لأحد الأمور السابقة ما نستطيع أن نجزم بشيء من ذلك، ومع ذلك فإنه يدل على أن الله ﷿ فعال لما يريد، لا معقب لحكمه، لكنه حكم وأخبرنا بحكمه بأن هذا العطاء للمؤمنين غير مجذوذ، يعني: لا ينقطع أبدًا.
فهذا هو الحكم النهائي؛ لأنه جاء بعد الاستثناء.
قال رحمه الله تعالى: [وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٤].
وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد:٣٥].
وقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨].
وقد أكد الله خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن، وأخبر أنهم: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] وهذا الاستثناء منقطع، وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود:١٠٨] تبين لك المراد من الآيتين، واستثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود، كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت، فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية وذاك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها.
والأدلة من السنة على أبدية الجنة ودوامها كثيرة، كقوله ﷺ: (من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت).
وقوله: (ينادي مناد: يا أهل الجنة! إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وأن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وأن تحيوا فلا تموتوا أبدًا).
وتقدم ذكر ذبح الموت بين الجنة والنار، ويقال: (يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت)].
الكلام في أبدية النار وفي دوامها وأقوال الناس فيها، والكلام أيضًا في انقطاع عذاب أهلها، وهل ينقطع العذاب وتبقى النار، أو تبقى النار ويبقى العذاب لمن حكم الله عليهم بالخلود؟ وهل هذا الخلود الأبدي يعني أن لا نهاية، أو أن الآباد لها حدود؟ هذه مسألة عويصة، وتعتبر من المشكلات، وكان الأولى ألا يخوض فيها الناس؛ لأن الأصل ما عليه جمهور السلف من القول بأبدية الجنة والنار، وأن نعيم الجنة لا ينقطع، وأن عذاب النار لا ينقطع أيضًا، وأن هناك طائفة من عباد الله ﷿ ينعمون إلى ما لا نهاية، وطائفة من عباد الله ﷿ يعذبون إلى ما لا نهاية، هذا هو الأصل، لكن وردت إشكالات نسبت إلى بعض الصحابة وإلى بعض التابعين في مسألة النار
[ ٩٠ / ٢ ]
الأقوال في أبدية النار
قال رحمه الله تعالى: [وأما أبدية النار ودوامها، فللناس في ذلك ثمانية أقوال: أحدها: أن من دخلها لا يخرج منها أبد الآباد، وهذا قول الخوارج والمعتزلة].
هذا القول تضمن صراحة القول بأبدية العذاب، ومن ثم القول بأبدية النار نفسها.
إذًا: من قال بأبدية العذاب إلى ما لا نهاية، فلا شك أنه يقول بأبدية النار إلى ما لا نهاية.
قال رحمه الله تعالى: [والثاني: أن أهلها يعذبون فيها، ثم تنقلب طبيعتهم وتبقى طبيعة نارية يتلذذون بها لموافقتها لطبعهم، وهذا قول إمام الاتحادية ابن عربي الطائي.
الثالث: أن أهلها يعذبون فيها إلى وقت محدود ثم يخرجون منها، ويخلفهم فيها قوم آخرون، وهذا القول حكاه اليهود للنبي ﷺ وأكذبهم فيه، وقد أكذبهم الله تعالى، فقال عز من قائل: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٨٠ - ٨١].
الرابع: يخرجون منها، وتبقى على حالها ليس فيها أحد].
وهذا القول يتضمن القول بانقطاع العذاب، وليس فيه تصريح بفناء النار أو عدمه، أي: أن أصحاب هذا القول يقولون ببقاء النار وبانقطاع عذاب المعذبين فيها، وأنهم يخرجون منها كلهم.
قال رحمه الله تعالى: [الخامس: أنها تفنى بنفسها؛ لأنها حادثة وما ثبت حدوثه استحال بقاؤه، وهذا قول الجهم وشيعته، ولا فرق عنده في ذلك بين الجنة والنار كما تقدم].
هذا القول أيضًا قال بفناء النار بنفسها، وهذا القول يتضمن القول بانقطاع العذاب في الضرورة أيضًا، هذا القول عكس القول الأول تمامًا يتضمن القول بانقطاع العذاب بالضرورة، لأنه إذا كانت تفنى فلا شك أنه ينقطع عذابها، وهذا أيضًا قول باطل.
قال رحمه الله تعالى: [السادس: تفنى حركات أهلها، ويصيرون جمادًا لا يحسون بألم، وهذا قول أبي الهذيل العلاف كما تقدم.
السابع: أن الله يخرج منها من يشاء، كما ورد في الحديث، ثم يبقيها شيئًا، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدًا تنتهي إليه].
هذا القول أيضًا تضمن القول بانقطاع العذاب، لأن من قال بفناء النار لا شك أنه يقول بانقطاع عذابها، لكنه يرى أن أهل النار يخرجون على درجات، منهم من يخرج بعد تطهيره من ذنوبه وهم أهل الكبائر، ومنهم من يبقى إلى أن تفنى، وبالضرورة سينقطع عذابها عنهم، لكن هذا القول فيما يظهر لي أنه يتضمن القول بأن أهل النار يعودون إلى الجنة، وإن كان ليس فيه تصريح بذلك، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر ضمنه هذا القول وفصله.
قال رحمه الله تعالى: [الثامن: أن الله تعالى يخرج منها من شاء كما ورد في السنة، ويبقى فيها الكفار بقاء لا انقضاء له، كما قال الشيخ ﵀.
وما عدا هذين القولين الأخيرين ظاهر البطلان.
وهذان القولان لأهل السنة ينظر في دليلهما].
قوله: (وهذان القولان لأهل السنة ينظر في دليلهما) يشير فيه إلى أن من أهل السنة من قال بالقول السابع، أما القول الثامن فهو قول الجمهور، وهو القول الذي تقوم عليه ظواهر الأدلة، والقول الثامن هو الأصل عند أهل السنة والجماعة أن الله ﷿ يخرج من النار من يشاء من أهل الكبائر وغيرهم بالشفاعات، وبرحمته سبحانه كما ورد في السنة، وأنه يبقى فيها الكفار، وأن عذابها يبقى ويبقى أهلها مخلدين فيها، نسأل الله العافية.
إذًا: هذا القول هو قول جمهور أهل السنة والجماعة، وهو القول الصحيح.
أما القول السابع فقد أثر عن بعض أهل العلم من أهل السنة والجماعة، ونسب إلى بعض الصحابة وإلى بعض كبار التابعين، وحكاه بعض الأئمة على أنه قول لبعض أهل العلم المعتبرين، وحكاه شيخ الإسلام ابن تيمية وحكاه ابن القيم أيضًا.
وفي بعض المواضع التي حكاه فيها شيخ الإسلام ابن تيمية نجد أنه سكت عنه لم يؤيد ولم يعارض، ولذلك فهم بعض الناس أنه يقول بهذا القول، وهذا من باب الإلزام الذي لا يلزم، وشيخ الإسلام له في ذلك رسالة مشهورة موجودة مكتوبة وقد حققت مستقلة.
ذكر في هذه الرسالة شيئًا من الأقوال التي ستأتي بعد قليل وأدلتها، لكن جملة القول الذي حكاه أو ساقه هو أن هناك من أهل العلم من الصحابة وغيرهم من قال بأن عذاب النار ينقطع، وليس هناك تصريح بفنائها بذاتها؛ لأن الآباد مهما تكررت لها نهاية، ولأن رحمة الله ﷿ سبقت عذابه، ولأن الأصل في عذاب المعذبين هو بسبب ذنوبهم، وأن الذنوب مهما تكاثرت تنتهي إلى آخره من الأمور التي ذكرها ولم يعلق عليها، فهو إنما ذكرها أدلة للقائلين بانقطاع العذاب، ففهم بعض الناس أن شيخ الإسلام ابن تيمية يؤيد هذا القول، مع أنه لم يؤيده ولم يعارضه؛ إلا أنه في الم
[ ٩٠ / ٣ ]
أدلة القائلين بفناء النار دون الجنة
قال رحمه الله تعالى: [فمن أدلة القول الأول منهما: قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٢٨].
وقوله تعالى.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٧].
ولم يأت بعد هذين الاستثناءين ما أتى بعد الاستثناء المذكور لأهل الجنة، وهو قوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨].
وقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣].
وهذا القول - أعني القول بفناء النار دون الجنة - منقول عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم ﵃.
وقد روى عبد بن حميد في تفسيره المشهور بسنده إلى عمر ﵁ أنه قال: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج، لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه.
ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ:٢٣] قالوا: والنار موجب غضبه، والجنة موجب رحمته.
وقد قال ﷺ: (لما قضى الله الخلق، كتب كتابًا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي) وفي رواية: (تغلب غضبي) رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁.
قالوا: والله سبحانه يخبر عن العذاب أنه: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥] و﴿أَلِيمٌ﴾ [الأعراف:٧٣] و﴿عَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٥] ولم يخبر ولا في موضع واحد عن النعيم أنه نعيم يوم، وقد قال تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦].
وقال تعالى حكاية عن الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]].
في الإشارة إلى اليوم في قوله: (عذاب يوم) هنا يقصد أنه يوم لا بد أن يكون له نهاية في دلالته اللغوية، وحتى في الدلالات الاصطلاحية للغة، فاليوم سواء كان من أيام الدنيا أو من أيام الآخرة فإنه محدود بحد زمني معين، فالإشارة إلى أن العذاب في يوم يدل على أنه ينقطع، ولذلك لم يرد نص في نعيم الجنة بأنه يوم، وهذا دليل على أنه لا ينقطع، هذا من أدلتهم.
واليوم هو يوم القيامة عند الحساب، ولا شك أن الحساب له يوم معين ويوم الجزاء له وقت معين أيضًا.
أما ما ورد في قول الله ﷿: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس:٥٥] فالمقصود به يوم القيامة عند الحساب قبل دخول الجنة.
أما نعيم الجنة فلم يوصف بأنه يوم.
قال رحمه الله تعالى: [فلا بد أن تسع رحمته هؤلاء المعذبين، فلو بقوا في العذاب لا إلى غاية لم تسعهم رحمته، وقد ثبت في الصحيح تقدير يوم القيامة بخمسين ألف سنة، والمعذبون فيها متفاوتون في مدة لبثهم في العذاب بحسب جرائمهم، وليس في حكمة أحكم الحاكمين ورحمة أرحم الراحمين أن يخلق خلقًا يعذبهم أبد الآباد عذابًا سرمدًا لا نهاية له، وأما أنه يخلق خلقًا ينعم عليهم ويحسن إليهم نعيمًا سرمدًا فمن مقتضى الحكمة، والإحسان مراد لذاته، والانتقام مراد بالعرض.
قالوا: وما ورد من الخلود فيها والتأبيد وعدم الخروج، وأن عذابها مقيم، وأنه غرام، كله حق مسلم لا نزاع فيه، وذلك يقتضي الخلود في دار العذاب ما دامت باقية، وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد، ففرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله، وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتقاضه.
ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها، قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٦٨]].
هذه أدلة الفريق الأول ممن ينسبون إلى أهل السنة والجماعة، أو أنهم من أهل السنة والجماعة إن صح القول عنهم، وذكر أدلة شرعية وأدلة عقلية وقواعد عامة، وذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية تفصيلًا كما ذكرها ابن القيم أيضًا في (حادي الأرواح) وكذلك في (الصواعق المرسلة).
وكلام ابن القيم قريب من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعضه منقول عنه، لكن ليس فيه ما يدل على أن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم قالا بهذا القول صراحة.
[ ٩٠ / ٤ ]
أدلة القائلين ببقاء النار وعدم فنائها
قال رحمه الله تعالى: [ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها].
قوله: (ببقائها وعدم فنائها) فيه نوع من الغلو؛ لأن بعض أصحاب القول الأول ما قال بفناء النار، وإنما قال بانقطاع عذاب أهلها، فتداخلت الأقوال، ولذلك القول بفناء النار بنفسها قول شنيع عند الجميع بالإجماع، وإن نسب إلى بعض أهل العلم والفضل، لكن ربما من زلة العالم أو من التوهم أو الاجتهاد الخاطئ، بينما القول بانقطاع العذاب أو بخروج أهل النار منها بعد أبد الآباد هذا قول أخف من القول بنفائها بنفسها، والقول بانقطاع العذاب أو بخروج أهل النار بعد آباد وآماد طويلة لا يلزم منه القول بفناء النار بنفسها.
وهنا سرد أدلة القائلين ببقائها، وبعضها لا يتضمن القول ببقاء النار، إنما يتضمن فقط القول ببقاء عذاب أهل النار، وعدم انقطاع عذاب أهلها.
قال رحمه الله تعالى: [ومن أدلة القائلين ببقائها وعدم فنائها، قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة:٦٨].
وقوله: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف:٧٥].
وقوله: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ:٣٠].
وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣].
وقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:٤٨].
وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧].
وقوله: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠].
وقوله: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦].
وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان:٦٥] أي: مقيمًا لازمًا.
وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار، وأن هذا حكم مختص بهم، فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم، ولم يختص الخروج بأهل الإيمان.
وبقاء الجنة والنار ليس لذاتهما، بل بإبقاء الله لهما.
وقوله: وخلق لهما أهلًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف:١٧٩].
وعن عائشة ﵂، قالت: (دعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله! طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال: أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله خلق للجنة أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم) رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢ - ٣] والمراد الهداية العامة، وأعم منها الهداية المذكورة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠].
فالموجودات نوعان: أحدهما مسخر بطبعه، والثاني متحرك بإرادته، فهدى الأول لما سخره له طبيعة، وهدى الثاني هداية إرادية تابعة لشعوره وعلمه بما ينفعه ويضره.
ثم قسم هذا النوع إلى ثلاثة أنواع: نوع لا يريد إلا الخير، ولا يتأتى منه إرادة سواه، كالملائكة.
ونوع لا يريد إلا الشر، ولا يتأتى منه إرادة سواه، كالشياطين.
ونوع يتأتى منه إرادة القسمين، كالإنسان، ثم جعله ثلاثة أصناف: صنفًا يغلب إيمانُه ومعرفتُه وعقلُه هواه وشهوتَه، فيلتحق بالملائكة.
وصنفًا عكسه، فيلتحق بالشياطين.
وصنفًا تغلب شهوته البهيمية عقله، فيلتحق بالبهائم.
والمقصود أنه سبحانه أعطى الوجودين: العيني، والعلمي، فكما أنه لا موجود إلا بإيجاده فلا هداية إلا بتعليمه، وذلك كله من الأدلة على كمال قدرته، وثبوت وحدانيته، وتحقيق ربوبيته ﷾.
وقوله: (فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه) إلى آخره.
مما يجب أن يعلم أن الله تعالى لا يمنع الثواب إلا إذا منع سببه، وهو العمل الصالح، فإنه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢] وكذلك لا يعاقب أحدًا إلا بعد حصول سبب العقاب، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]؟ وهو سبحانه المعطي المانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، لكن إذا منَّ على الإنسان بالإيمان والعمل الصالح، لا يمنعه موجب ذلك أصلًا، بل يعطيه من الثواب والقرب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر
[ ٩٠ / ٥ ]