الله خالق كل شيء، ومن مخلوقاته ﷾ أنه خلق العباد وأفعالهم، والعباد فاعلون لها على الحقيقة، وهي كسب لهم، وبها صاروا مطيعين أو عصاة، وقد خالفت الجبرية والقدرية في مسألة خلق أفعال العباد، وأوردوا شبهات وإيرادات دحضها أهل السنة وردوا عليهم وأبطلوا أدلتهم.
[ ٩٣ / ١ ]
أفعال العباد خلق الله وهم فاعلون لها حقيقة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد).
اختلف الناس في أفعال العباد الاختيارية].
أفعال العباد على نوعين: أفعال اختيارية، وأفعال غير اختيارية، أما الأفعال الاختيارية فالتي يفعلها العباد بمحض إرادتهم، وهذه لا تتأتى إلا من أفعال العقلاء، وغير العقلاء لا يخضعون في هذا؛ لأن أفعالهم قصرية، فمثلًا: المجانين والأطفال أفعالهم شبه قصرية، حتى وإن كان عند الطفل المميز شيء من الاختيار، لكنه غير مكلف، وعلى هذا فإن الحديث منصب على أفعال المكلفين العقلاء الذين يختارون أفعالهم الاختيارية، التي بمقدورهم أن يفعلوها أو يتركوها.
أما النوع الثاني: وهو الأفعال غير الاختيارية، وهي الأفعال القصرية المتعلقة بتسيير أحوال العباد في شئونهم الخاصة، وفي أنفسهم، وفي أجسامهم، مثل: حركة الدم، وحركة الجسم وغير ذلك من الحركات التي عُبِّر عنها الآن اللاإرادية، هذه أمور لا تدخل في هذا الكلام، إنما الداخل في هذا الكلام الذي سيأتي الخلاف فيه، هو أفعال العباد التي يفعلونها باختيارهم أو يتركونها باختيارهم، مما يستطيعونه ويقدرون عليه تركًا أو فعلًا.
قال رحمه الله تعالى: [فزعمت الجبرية -رئيسهم الجهم بن صفوان الترمذي - أن التدبير في أفعال الخلق كلها لله تعالى، وهي كلها اضطرارية كحركات المرتعش، والعروق النابضة، وحركات الأشجار، وإضافتها إلى الخلق مجاز، وهي على حسب ما يضاف الشيء إلى محله دون ما يضاف إلى محصِّله.
وقابلتهم المعتزلة، فقالوا: إن جميع الأفعال الاختيارية من جميع الحيوانات بخلقها، لا تعلق لها بخلق الله تعالى، واختلفوا فيما بينهم أن الله تعالى يقدر على أفعال العباد أم لا؟].
هنا ذكر الشارح أو نسب القول المخالف للمعتزلة، والمعتزلة هم الذين يقولون بأن الإنسان مختار لأفعاله اختيارًا مطلقًا، ليس لله فيها تقدير ولا مشيئة، هذا هو قول القدرية، فهو نسبه إلى المعتزلة؛ لأن أشهر من تبناه في القرن الثاني وما بعده المعتزلة، وإلا فأصل هذا القول هو قول القدرية الأولى، قول معبد الجهني وغيلان الدمشقي ومن سلك سبيلهما.
والقدرية الأولى يقولون: لا قدر، أي: أن الله لم يقدر أفعال العباد المكلفين، وأن الأمر أُنُف، يعني: مستأنف، وأن أفعالهم حدثت بإرادتهم الكاملة، وليس لله فيها تقدير، بل بعضهم بالغ وقال: ليس لله فيها علم أصلًا، وهذا كفر محض، فمن أنكر العلم والتقدير فقوله كفر، حتى لو لم نكفره، ثم لما جوبه وقوبل هذا القول بشيء من الاستنكار حتى عند عوام الناس لطفته المعتزلة فيما بعد، وقالوا: نحن لا نقول بإنكار العلم السابق، إنما نقول بأن أفعال العباد من اختيارهم الاختيار المطلق، ومع ذلك فإن بعض المعتزلة حصروا هذه المسألة بأفعال الشر فقط، وقالوا: إن أفعال الشر هي التي ليست مقدرة من الله ﷿، زعمًا منهم أن هذا يقتضي التنزيه؛ لأنهم ظنوا أن الله ﷿ إذا قدر شيئًا فقد رضي به، ونسوا أن الله ﷿ قد يقدر الشيء من باب الابتلاء والفتنة، أو قد يقدره سبحانه بناء على ما سيفعل هذا الشخص في سابق علم الله، فهم ما استوعبوا قضية القدر، وحكموا عقولهم، فوقعوا في هذا، فمنهم من قال بأن جميع أفعال العباد العقلاء المكلفين ليست من تقدير الله إطلاقًا، إنما هي من أفعال العباد بحتة، حتى إن بعضهم صرح بأن الإنسان خالق أفعاله، وبعضهم حصر هذا في جانب فقط وهو جانب الشر.
إذًا: هذا هو قول القدرية، وليس كل المعتزلة يقولون به، إنما بعضهم يلطف العبارة.
[ ٩٣ / ٢ ]
مذهب أهل السنة في خلق أفعال العباد
قال رحمه الله تعالى: [وقال أهل الحق: أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة، وهي مخلوقة لله تعالى، والحق ﷾ منفرد بخلق المخلوقات لا خالق لها سواه].
يعني: أن الله ﷿ منفرد بخلق المخلوقات جميعًا، بما فيها أفعال العباد، وهذا حتم لا بد منه، ولو افترضنا أن هناك أفعالًا لا تحدث بقدرة الله ولا بعلمه ولا بمشيئته، فإن هذا يؤدي إلى القول بخالق مع الله، وهذا هو قول المجوس، وقد كفروا بهذا القول.
قال رحمه الله تعالى: [فالجبرية غلوا في إثبات القدر، فنفوا صنع العبد أصلًا، كما غلت المشبهة في إثبات الصفات فشبهوا، والقدرية نفاة القدر جعلوا العباد خالِقِين مع الله تعالى، ولهذا كانوا مجوس هذه الأمة، بل أردأ من المجوس من حيث إن المجوس أثبتت خالِقَين وهم أثبتوا خالِقِين].
قوله: (بل أردأ من المجوس) نقول: قول المجوس من أشنع الأقوال؛ لأن المجوس صرحوا بأن الخالق الآخر إله، وعبدوه من دون الله ﷿، فلاشك أن مقولتهم إذا نظرناها من جميع الوجوه أشد وأشنع وأكفر من مقولة المعتزلة الجهمية أو المعتزلة القدرية، لكن قد يكون قول المعتزلة من بعض الوجوه أشد، وإلا فقول المجوس قول شنيع، ولاسيما أنهم نسبوا خلق الشر إلى إله آخر وعبدوه من دون الله، وأحيانًا يقولون: إنه الشيطان، وعبدوا الشيطان، وهذا سبب نزعة عبادة الشيطان عند عبدة الشيطان الموجودين الآن في بعض البلاد.
وعبدة الشيطان لهم اصطلاحان: اصطلاح يطلق على طائفة قديمة هم امتداد للمجوس، وانتموا إلى بعض الفرق الإسلامية، وهؤلاء عباد الشيطان الذين في العراق وأجزاء من سوريا وشمال هذه المنطقة، هؤلاء نزعتهم نزعة مجوسية، فهم يعبدون إبليس نسأل الله العافية؛ لأنهم يرون أن له قدرة، ويستقل بخلق بعض الأفعال، منها: خلق الشر، وهناك صنف آخر من عبدة الشيطان، وهم الذين ظهروا أخيرًا ويمارسون بعض الطقوس، وبين الفكرتين شيء من التشابه، لكن هذه فيها سذاجة ونوع من عدم التعمق الفكري، بينما تلك كانت متأصلة ومغرقة في الوثنية.
على أي حال هناك شبه بين قول المعتزلة والقدرية وبين قول المجوس، من حيث قولهم بأن الإنسان هو خالق أفعاله، أو ألزموا بهذا القول فجعلوا جميع العقلاء خالِقِين لأفعالهم، بينما المجوس أثبتوا خالقًا آخر مع الله فقط، هذا من الناحية العددية، وإلا من حيث شناعة القول فلاشك أن قول المجوس أشنع، وقول القدرية إنما هو امتداد لقول المجوس، وأغلب الذين نشروا قول القدرية إما أنهم مجوس أو أخذوه عن المجوس مباشرة، وقول القدرية كما أنه موجود في المجوسية، كذلك هو موجود عند بعض الفرق الصابئة، وعند بعض فرق اليهود، وبعض فرق النصارى، ويدل عليه قصة بطريرك الشام قسطنطين الذي سلم عمر بن الخطاب ﵁ مفاتيح بيت المقدس، فإن عندهم هذه النزعة القدرية بعينها، أي: القول بأن الإضلال ليس من تقدير الله، فلذلك لما خطب عمر ﵁ الناس في الجابية قال: ومن يضلل فلا هادي له، قام هذا الأسقف النصراني واعترض على عمر هذا القول، وقال: إن الله لا يضل أحدًا، فلما سمع عمر ﵁ مقولته هدده بالقتل.
فإذًا: هذه المقولة موجودة عند النصارى وعند اليهود، لكن أصلها من المجوس، ولا شك أن نشأتها بين المسلمين جاءت من خلال النصارى والمجوس واليهود والصابئة.
قال رحمه الله تعالى: [وهدى الله المؤمنين أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فكل دليل صحيح يقيمه الجبري، فإنما يدل على أن الله خالق كل شيء، وأنه على كل شيء قدير، وأن أفعال العباد من جملة مخلوقاته، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يدل على أن العبد ليس بفاعل في الحقيقة ولا مريد ولا مختار، وأن حركاته الاختيارية بمنزلة حركة المرتعش، وهبوب الرياح، وحركات الأشجار.
وكل دليل صحيح يقيمه القدري، فإنما يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقة، وأنه مريد له مختار له حقيقة، وأن إضافته ونسبته إليه إضافة حق، ولا يدل على أنه غير مقدور لله تعالى، وأنه واقع بغير مشيئته وقدرته.
فإذا ضممت ما مع كل طائفة منهما من الحق إلى حق الأخرى، فإنما يدل ذلك على ما دل عليه القرآن وسائر كتب الله المنزلة، من عموم قدرة الله ومشيئته لجميع ما في الكون من الأعيان والأفعال، وأن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة وأنهم يستوجبون عليها المدح والذم].
هذا الأمر يذكرنا بضرورة استحضار مراتب القدر، وسبق الكلام عنها أكثر من مرة، لكن من المناسب الآن أن نستحضرها جيدًا، فمراتب القدر أربع جاءت في النصوص القطعية، لا بد من الإلمام بها جميعًا؛ من أجل أن يحكم المسلم عقيدته في هذا الأمر، ويعرف الرأي المخالف بهذا الميزان معرفة واضحة بلا تردد ولا التباس.
المرتبة الأولى: العلم، وهي أن جميع المخلوقات لله ﷿ بما في ذلك أفعال العباد تخضع أولًا لمرتبة العلم، وأن الله ﷿ علمها أصلًا.
الثانية: الكتابة، وهي أن الله ﷿
[ ٩٣ / ٣ ]
الرد على الجبرية والمعتزلة في مسألة أفعال العباد
قال رحمه الله تعالى: [وهذا هو الواقع في نفس الأمر، فإن أدلة الحق لا تتعارض، والحق يصدق بعضه بعضًا ويضيق هذا المختصر عن ذكر أدلة الفريقين، ولكنها تتكافأ وتتساقط، ويستفاد من دليل كل فريق بطلان قول الآخر، ولكن أذكر شيئًا مما استدل به كل من الفريقين، ثم أبين أنه لا يدل على ما استدل عليه من الباطل.
فمما استدلت به الجبرية، قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، فنفى الله عن نبيه الرمي وأثبته لنفسه سبحانه، فدل على أنه لا صنع للعبد، قالوا: والجزاء غير مرتب على الأعمال، بدليل قوله ﷺ: (لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل).
ومما استدل به القدرية، قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، قالوا: والجزاء مرتب على الأعمال ترتيب العوض، كما قال تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]، ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] ونحو ذلك.
فأما ما استدلت به الجبرية من قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، فهو دليل عليهم؛ لأنه تعالى أثبت لرسوله ﷺ رميًا بقوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال:١٧]، فعلم أن المثبت غير المنفي، وذلك أن الرمي له ابتداء وانتهاء، فابتداؤه الحذف، وانتهاؤه الإصابة، وكل منهما يسمى رميًا، فالمعنى حينئذ والله تعالى أعلم: وما أصبت إذ حذفت، ولكن الله أصاب، وإلا فطرد قولهم: وما صليت إذ صليت ولكن الله صلى، وما صمت إذ صمت، وما زنيت إذ زنيت، وما سرقت إذ سرقت!! وفساد هذا ظاهر.
وأما ترتب الجزاء على الأعمال فقد ضلت فيه الجبرية والقدرية، وهدى الله أهل السنة وله الحمد والمنة، فإن الباء التي في النفي غير الباء التي في الإثبات، فالنفي في قوله ﷺ: (لن يدخل الجنة أحد بعمله)، باء العوض، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة، كما زعمت المعتزلة أن العامل يستحق دخول الجنة على ربه بعمله، بل ذلك برحمة الله وفضله، والباء التي في قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] ونحوها، باء السبب، أي: بسبب أعمالكم، والله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته.
[ ٩٣ / ٤ ]
بيان ما يدخل في عموم (كل)
وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، فمعنى الآية: أحسن المصورين المقدرين، والخلق يذكر ويراد به التقدير، وهو المراد هنا، بدليل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦]، أي: الله خالق كل شيء مخلوق، فدخلت أفعال العباد في عموم (كل) وما أفسد قولهم في إدخال كلام الله تعالى في عموم (كل)، الذي هو صفة من صفاته، يستحيل عليه أن يكون مخلوقًا.
وأخرجوا أفعالهم التي هي مخلوقة من عموم (كل)، وهل يدخل في عموم (كل) إلا ما هو مخلوق؟ فذاته المقدسة وصفاته غير داخلة في هذا العموم، ودخل سائر المخلوقات في عمومها، وكذا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، ولا نقول: لأن (ما) مصدرية، أي: خلقكم وعملكم؛ إذ سياق الآية يأباه؛ لأن إبراهيم ﵇ إنما أنكر عليهم عبادة المنحوت لا النحت، والآية تدل على أن المنحوت مخلوق لله تعالى، وهو ما صار منحوتًا إلا بفعلهم، فيكون ما هو من آثار فعلهم مخلوقًا لله تعالى، ولو لم يكن النحت مخلوقًا لله تعالى لم يكن المنحوت مخلوقًا له، بل الخشب أو الحجر لا غير.
[ ٩٣ / ٥ ]
الرد على شبهة: كيف يعذب الله المكلفين على ذنوبهم وهو خلقها فيهم؟
وذكر أبو الحسين البصري إمام المتأخرين من المعتزلة: أن العلم بأن العبد يحدث فعله ضروري، وذكر الرازي أن افتقار الفعل المحدث الممكن إلى مرجح يجب وجوده عنده، ويمتنع عند عدمه ضروري، وكلاهما صادق فيما ذكره من العلم الضروري، ثم ادعاء كل منهما: أن هذا العلم الضروري يبطل ما ادعاه الآخر من الضرورة غير مسلم، بل كلاهما صادق فيما ادعاه من العلم الضروري، وإنما وقع غلطه في إنكار ما مع الآخر من الحق، فإنه لا منافاة بين كون العبد محدثًا لفعله، وكون هذا الإحداث وجب وجوده بمشيئة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٧ - ٨]، فقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس:٨] إثبات للقدر بقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ [الشمس:٨]، وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه؛ ليعلم أنها هي الفاجرة والمتقية، وقوله بعد ذلك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠] إثبات أيضًا لفعل العبد، ونظائر ذلك كثيرة.
وهذه شبهة أخرى من شبه القوم التي فرقتهم، بل مزقتهم كل ممزق، وهي أنهم قالوا: كيف يستقيم الحكم على قولكم بأن الله يعذب المكلفين على ذنوبهم، وهو خلقها فيهم؟ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه وفاعله فيهم؟ وهذا السؤال لم يزل مطروقًا في العالم على ألسنة الناس، وكل منهم يتكلم في جوابه بحسب علمه ومعرفته، وعنه تفرقت بهم الطرق، فطائفة أخرجت أفعالهم عن قدرة الله تعالى، وطائفة أنكرت الحكم والتعليل وسدت باب السؤال، وطائفة أثبتت كسبًا لا يعقل، جعلت الثواب والعقاب عليه، وطائفة التزمت لأجله وقوع مقدور بين قادرَين، ومفعول بين فاعلين، وطائفة التزمت الجبر، وأن الله يعذبهم على ما لا يقدرون عليه، وهذا السؤال هو الذي أوجب التفرق والاختلاف.
والجواب الصحيح عنه، أن يقال: إن ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية، وإن كانت خلقًا لله تعالى فهي عقوبة له على ذنوب قبلها، فالذنب يكسب الذنب، ومن عقاب السيئة السيئة بعدها، فالذنوب كالأمراض التي يورث بعضها بعضًا.
يبقى أن يقال: فالكلام في الذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب، يقال: هو عقوبة أيضًا على عدم فعل ما خلق له وفطر عليه، فإن الله سبحانه خلقه لعبادته وحده لا شريك له، وفطره على محبته وتأليهه والإنابة إليه، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠].
فلما لم يفعل ما خلق له وفطر عليه من محبة الله وعبوديته والإنابة إليه عوقب على ذلك، بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي؛ فإنه صادف قلبًا خاليًا قابلًا للخير والشر، ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن منه الشر، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف:٢٤].
وقال إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣].
وقال الله ﷿: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر:٤١ - ٤٢]، والإخلاص: خلوص القلب من تأليه ما سوى الله تعالى وإرادته ومحبته، فخلص لله فلم يتمكن منه الشيطان، وأما إذا صادفه فارغًا من ذلك تمكن منه بحسب فراغه، فيكون جعله مذنبًا مسيئًا في هذه الحال عقوبة له على عدم هذا الإخلاص، وهي محض العدل].
خلاصة الأمر في هذا الموضوع: أن مسألة أفعال العباد راجعة إلى تصور مراتب القدر أولًا.
ثانيًا: تصور معنى الابتلاء، وتصور حكمة الله ﷿ في ذلك، فإن الإنسان إذا تصور المراتب الأربع للقدر، ثم عرف أن الله ﷿ بيّن للعباد طريق الخير وأقدرهم عليه، ورتب عليه الثواب، وبين لهم طريق الشر وحذرهم منه، ورتب عليه العقاب، فهذا أمر يتصوره كل عاقل يعرف شرائع الله ﷿، فإذا كان الأمر كذلك فإن الإنسان محجوج بهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لا يمكن أن يقول عاقل بأن الإنسان الحر المختار قصر وجبر على شر دون أن يريده، إلا في حال لا يكلف ولا يحاسب فيها، فمن فقد عقله وفقد الاستطاعة سقط عنه الحساب، لكن في حال قدرته وإمكاناته فإنه محاسب على ما بيّنه الله ﷿ له وأرشده إليه، وبذلك تقوم الحجة، وما وراء ذلك من الإشكالات والشبهات إنما هو من وساوس الشيطان، والله ﷿ ليس بظلام للعبيد، ولا يمكن أن يحدث منه ولا في أفعاله ظلم لعباده.
يبقى ما ورد مما يحدث من أفعال الله ﷿ إذا شاء للعباد فيها، مما هو محجوب عنهم ولا قدرة لهم عليه، مثل: مسألة الشقاء والسعادة المكتوبة سلفًا على العبد، فهذه مسألة محجوبة عن العب
[ ٩٣ / ٦ ]
الأسئلة
[ ٩٣ / ٧ ]
الرد على من قال بأن شيخ الإسلام هو أول من ابتدع مراتب القدر الأربع
السؤال
ذكر محقق شرح الواسطية للشيخ الهراس: أن بعض المبتدعة انتقد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأنه أول من ابتدع هذا التقسيم لمراتب القدر الأربع، فما صحة ذلك؟
الجواب
لا، ليس بصحيح فقد سبق شيخ الإسلام كثير في هذه الأمور، وقد تكلم فيها السلف، لكن هل سموها مراتب وحدودها بأربع؟ هذا ما أدري عنه، لكن أصلوا القدر على هذا الأساس: مرتبة العلم، مرتبة الكتابة، مرتبة المشيئة والتقدير، مرتبة الخلق، هذه المراتب ذكرها السلف منذ أن نشأت القدرية في آخر القرن الأول الهجري، وليس من ابتداع شيخ الإسلام ابن تيمية.
[ ٩٣ / ٨ ]