الدعاء من أقوى الأسباب لجلب المنافع ودفع المضار عن العباد، وهو مشروع بإجماع المسلمين، ولم يخالف في ذلك أحد إلا غلاة الفلاسفة، والدعاء أنواع منها دعاء العبادة الذي هو الخوف والخشية والرغبة والرهبة والإنابة والتوكل والتوجه إلى الله، ودعاء المسألة الذي هو سؤال الله والتماس الإجابة منه وحده لا من أحد من المخلوقين.
وقد تؤخر عن العبد الإجابة لأمور كلها خير ونفع له.
[ ٩٦ / ١ ]
استجابة الله دعاء عبده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات).
قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] والذي عليه أكثر الخلق من المسلمين وسائر أهل الملل وغيرهم: أن الدعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع، ودفع المضار، وقد أخبر تعالى عن الكفار أنهم إذا مسهم الضر في البحر دعوا الله مخلصين له الدين، وأن الإنسان إذا مسه الضر دعاه لجنبه أو قاعدًا أو قائمًا، وإجابة الله لدعاء العبد مسلمًا كان أو كافرًا، وإعطاؤه سؤله من جنس رزقه لهم ونصره لهم، وهو مما توجبه الربوبية للعبد مطلقًا، ثم قد يكون ذلك فتنة في حقه ومضرة عليه، إذ كان كفره وفسوقه يقتضي ذلك، وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من لم يسأل الله يغضب عليه).
وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال: الرب يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب].
الدعاء مشروع بإجماع المسلمين، ولم يخالف في ذلك إلا أناس أغلبهم ينتمون إلى فرق خارجة من الملة، فهؤلاء الذين شكوا في مشروعية الدعاء ينتمون إلى غلاة الجهمية وغلاة الصوفية وإلى الفلاسفة، يعني: الفلاسفة بالاعتبار العقدي، فعلى هذا نقول: إن الأصل في الدعاء هو العبادة، والله ﷿ جعل العبادة متضمنة للدعاء بكل أشكاله، ولذلك ورد في الحديث الصحيح: (الدعاء هو العبادة) لأن العبادة معناها: التوجه إلى الله ﷿ بالتعظيم والرغبة والرهبة والخشية والإنابة والتوكل، وكل ذلك إما أن يكون دعاء بذاته، وإما أن يكون وسيلته الدعاء، وعلى هذا لا يمكن أن تخلو عبادة من الدعاء، فيكون الدعاء هو العبادة التي شرعها الله ﷿ جملة وتفصيلًا، فلا ينبغي أن نتكلف في التماس الأدلة في مشروعية الدعاء، لكن علينا التماس الأدلة على نفع الدعاء؛ لأن بعض الناس قد يظن أن التوجه إلى الله ﷿ بالدعاء مجرد عبادة فقط ليس وراءها منافع، في حين أن الأمرين متحققان في الدعاء: الأول: أن الدعاء عبادة وتوجه إلى الله ﷿ بالتعظيم والتقديس والإجلال والتوكل والإنابة والخشية والرجاء وغير ذلك، الثاني: أنه أيضًا طلب للنفع في أمور الدنيا والآخرة.
قال رحمه الله تعالى: [قال ابن عقيل: قد ندب الله تعالى إلى الدعاء، وفي ذلك معان: أحدها: الوجود، فإن ليس بموجود لا يُدعى.
الثاني: الغنى، فإن الفقير لا يُدعى.
الثالث: السمع، فإن الأصم لا يُدعى.
الرابع: الكرم، فإن البخيل لا يُدعى.
الخامس: الرحمة، فإن القاسي لا يُدعى.
السادس: القدرة، فإن العاجز لا يُدعى].
هذا على سبيل التمثيل، وإلا فالدعاء يدل على جميع أسماء الله الحسنى، خاصة الصفات الفعلية التي هي متعلقة بمصالح العباد، فالدعاء يدل على جميع أسماء الله ﷿ بجملتها، وعلى صفاته مثل: الحي، القيوم، العظيم، الأعلى.
قال رحمه الله تعالى: [ومن يقول بالطبائع يعلم أن النار لا يقال لها: كفي، ولا النجم يقال له: أصلح مزاجي؛ لأن هذه عندهم مؤثرة طبعًا لا اختيارًا، فشرع الدعاء وصلاة الاستسقاء؛ ليبين كذب أهل الطبائع].
يشير الشارح هنا إلى الفلاسفة والدهرية والملاحدة وطوائف من غلاة المتكلمين، وكثير من العقلانيين في كل عصر، الذين يحكمون عقولهم في أمور الدين وفي كل شيء، فهؤلاء مذهبهم أن الدعاء يؤثر بالطبع وليس بقدرة الله ﷿، وأن هذه الأمور من السنن اللازمة التي لا تأتي بتأثير الداعي، إنما قد يقترن وجود الدعاء بوجود المؤثر أو بوجود الأصل، فهم ينكرون أن يكون الدعاء سببًا في جلب المنافع ودفع المضار، ويعتبرون ما يجري في أحوال العباد أمورًا طبيعية، تحدث في السنن الكونية فقط، دون أن يكون لله ﷿ مشيئة أو إرادة، أو يكون الدعاء سببًا مباشرًا بما يحدث للعباد من مصالح أو مضار.
وهذه فلسفة تشمل كثيرًا من قضايا الدين في القدر وفي أفعال العباد وغيرها، ولذلك نتج عنها القول بالجبر، ونتج عنها مذاهب الصوفية الذين تركوا الأسباب، ونتج عنها أيضًا عدم الإيمان بصفات الله ﷿ الفعلية، ونتج عن هذا أيضًا التأول للصفات الفعلية إما بالإنكار وإما بالتأول، كل ذلك ناتج عن دعوى أن كل شيء يحدث بالطبع في السنن الكونية فقط، وليس للدعاء ولا للأسباب أي تأثير.
[ ٩٦ / ٢ ]
الرد على من يزعم عدم فائدة الدعاء
قال رحمه الله تعالى: [وذهب قوم من المتفلسفة وغالية المتصوفة إلى أن الدعاء لا فائدة فيه! قالوا: لأن المشيئة الإلهية إن اقتضت وجود المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء، وإن لم تقتضه فلا فائدة في الدعاء، وقد يخص بعضهم بذلك خواص العارفين، ويجعل الدعاء عليه في مقام الخواص].
يعني: أن الخواص يتحكمون في القدر لا على سبيل الدعاء، لكن الدعاء يعتبر إشارة أو علامة للتأثير في الأمور الكونية.
قال رحمه الله تعالى: [وهذا من غلطات بعض الشيوخ].
لأنهم يزعمون أن الخواص يدبرون الكون! تعالى الله عما يزعمون؛ ولذلك قسموا الكون ووزعوه على من يقدسونه، فقالوا: القطب والغوث هذا هو المتحكم الأول في الكون، ثم من دونه طبقات بحسب التسمية، مثل: الأوتاد ومن دونهم، فقالوا: إن هؤلاء كل منهم له جزء في التصرف الكوني، فعمموا هذا حتى على مسألة الدعاء، فزعموا أن دعاء هؤلاء الخواص أمر ونهي، أي: تحكم في الكون، ليس مجرد طلب من الله ﷿، لكنه إشارة أو دليل على تصرفه في الكون، فكأن صاحب الخصوصية عندهم إذا دعا فإنه يأمر الأسباب بأن تتصرف كما يريد.
قال رحمه الله تعالى: [وهذا من غلطات بعض الشيوخ، فكما أنه معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام، فهو معلوم الفساد بالضرورة العقلية، فإن منفعة الدعاء أمر اتفقت عليه تجارب الأمم، حتى إن الفلاسفة تقول: ضجيج الأصوات في هياكل العبادات، بفنون اللغات، يحلل ما عقدته الأفلاك المؤثرات، هذا وهم مشركون].
هذا هو الذي يعتقده فلاسفة الصابئة، فهم يزعمون أن الأفلاك مؤثرة، وبعضهم يزعم أن الدعاء مؤثر فيما تعقده الأفلاك، فجعلوا تأثير هذا في هذا كله من دون الله ﷿، وهم لا يقصدون ضجيج الأصوات بالدعاء المشروع، ولذلك نجد عند الصابئة وعند كثير من الديانات الوضعية التي تأثرت بالفلاسفة فيها أدعية تتضمن شركيات، وتنسب التأثير إلى غير الله ﷿، وتطلب النفع والضر من غير الله سبحانه، ويزعمون أن هذا مما يؤثر على تدبير الأفلاك في الكون.
فالفلاسفة ما قصدوا الدعاء بمعناه الشرعي، إنما قصدوا مجرد توجه العباد إلى من يزعمون أو يدّعون حصول النفع منهم، ونحن نعرف أن الداعي لغير الله ﷿ قد يتحقق له طلب من باب الابتلاء، بمعنى أنه قد يدعو غير الله مما لا يقدر على شيء مما يُدعى إليه وقد يتحقق للداعي دُعاءه من باب الابتلاء، فيكله الله ﷿ إلى هذا المخلوق، فيقع في الشرك، وقد ينتفع في دنياه وفي بدنه، لكنه يقع في الشرك، وهذا كثير، ولذلك بعض الناس قد يفتن إذا رأى دعاة أهل القبور قد ينتفعون ببعض الأشياء، قد ينتفعون من دعائهم لأصحاب القبور في بعض الأشياء فيفتن، ويكون عنده شيء من الريب والشك، وما جرى من هذا الشرك ابتلاء، مع أنه لا يتحقق له الطلب في الغالب، لكن إن تحقق طلبهم فلأنهم لجئوا لجوءًا صادقًا من حيث التوجه، لا لإخلاص العبادة، لكن من حيث الاضطرار، فالله ﷿ يجيب المضطر ولو كان كافرًا.
إذًا: المسألة تحتاج إلى إيضاح؛ لئلا تلتبس على الناس؛ لأني أرى كثيرًا من الناس، خاصة مع كثرة إقبالهم على الرقى والأدعية غير المشروعة، وضعف توكلهم على الله ﷿، تعلقت قلوبهم بمثل هذه الأمور، وحصل لهم نفع، فظنوا أن هذا النفع الذي حصل يدل على مشروعية العمل، وأن الله ﷿ ما حقق على أيديهم النفع إلا لأنهم على حق، وهذه مسألة فيها شرك، فنبين للناس أن الله ﷿ يبتليهم، قد يأتي إنسان ويذهب إلى دجال ويحصل منه على أمر دنيوي من باب الابتلاء، بمعنى أنه قد يجاب دعاؤه من باب العقوبة له والفتنة، والشيطان أيضًا أحيانًا يتلبس بأمور كثيرة، وكذلك شياطين الجن قد يكون لهم أثر في ذلك، قد يجلبون لبعض الناس بعض النفع ويدفعون عنهم بعض الضر، مما أعطاهم الله ﷿ من قدرات، فيكون هذا من باب الوقوع في الإثم والشرك، ويكون من باب الفتنة والابتلاء، ولا يعني: أن استجابة الدعاء على الوجه الشرعي.
ومع ذلك فإن الغالب أن من دعا الله خالصًا مخلصًا وبعيدًا عن الشرك والدجل أنه يستجاب لهم، والغالب أن من دعا غير الله لا يستجاب لهم، لكن يستجاب للبعض وهذا ابتلاء وفتنة، والله أعلم.
قال رحمه الله تعالى: [وجواب الشبهة بمنع المقدمتين: فإن قولهم عن المشيئة الإلهية، إما أن تقتضيه أو لا.
ثم قسم ثالث: وهو أن تقتضيه بشرط لا تقتضيه مع عدمه، وقد يكون الدعاء من شرطه، كما توجب الثواب مع العمل الصالح ولا توجبه مع عدمه، وكما توجب الشبع والري عند الأكل والشرب ولا توجبه مع عدمهما، وحصول الولد بالوطء، والزرع بالبذر، فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال: لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب والبذر وسائر الأسباب، فقول هؤلاء كما أنه مخالف للشرع فهو مخالف للحس والفطرة.
ومما ينبغي أن يعلم ما قاله طائفة من العلماء وهو: أن الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، ومعنى التوكل والرجاء يتألف من موجوب التوحيد و
[ ٩٦ / ٣ ]
الحكمة في أن الداعي قد لا يعطى شيئًا أو لا يعطى غير ما سأل
وهنا سؤال معروف: وهو أن من الناس من قد يسأل الله شيئًا فلا يُعطى، أو يُعطى غير ما سأل، وقد أُجيب عنه بأجوبة، فيها ثلاثة أجوبة محققة: أحدها: أن الآية لم تتضمن عطية السؤال مطلقًا، وإنما تضمنت إجابة الداعي، والداعي أعم من السائل، وإجابة الداعي أعم من إعطاء السائل؛ ولهذا قال النبي ﷺ: (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟).
ففرّق بين الداعي والسائل وبين الإجابة والإعطاء، وهو فرق بالعموم والخصوص، كما أتبع ذلك بالمستغفر، وهو نوع من السائل، فذكر العام ثم الخاص ثم الأخص، وإذا علم العباد أنه قريب يجيب دعوة الداعي، علموا قربه منهم، وتمكنهم من سؤاله، وعلموا علمه ورحمته وقدرته، فدعوه دعاء العبادة في حال، ودعاء المسألة في حال، وجمعوا بينهما في حال، إذ الدعاء اسم يجمع العبادة والاستعانة، وقد فُسِّر قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] بالدعاء الذي هو العبادة، والدعاء الذي هو الطلب، وقوله بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠] يؤيد المعنى الأول].
أحب أن أشير إلى أن كثيرًا من قضايا الدين ترد في نصوص مجملة، ثم إن كانت من أمور العقائد تفصل بإيضاح وبأخبار، وإن كانت من أمور العبادات تفصل بأوامر ونواه، ولا شك أنه ورد في النصوص الصريحة الصحيحة في كتاب الله ﷿، وفي سنة رسوله ﷺ، أن الله يجيب دعوة الداعي في نصوص مجملة، لكن هناك نصوص أخرى صحيحة تُفسّر معنى الدعاء وحقيقة الدعاء الذي يُجاب؟ ومتى يُجاب؟ وكيف يجاب؟ وهذا مثل قول النبي ﷺ: (من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله دخل الجنة) هذا نص مجمل، لكن هناك نصوص مفسرة لشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ومبينة للوازم شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وهذه اللوازم ضرورية.
ووردت نصوص: أن من فعل كذا قبلت صلاته، من فعل كذا قبل صيامه، لكن للصيام ضوابط ووقت معين وشروط وواجبات، وكذلك للصلاة شروط وواجبات لا بد منها، فكذلك الدعاء ورد في نصوص مجملة: أن الله يستجيب الداعي إذا دعاه، لكن هناك نصوص أخرى مفصّلة تضع للدعاء المقبول المُجاب شروطًا، وتوضح أن هناك موانع قد تمنع إجابة الدعاء.
هذه قاعدة ينبغي أن يترسمها طالب العلم دائمًا في كل ما يتعلق بقضايا الشرع العامة، والنصوص المجملة التي هي عبارة عن قواعد، وهذه النصوص مربوطة بالنصوص الأخرى، ولا بد من ضبطها بالأوامر والنواهي والشروط والواجبات، ولا بد من فهم الموانع أو المفسدات التي تتعلق بالأمر إن كان عبادة، أو تتعلق بالخبر إن كان عقيدة، لا بد من الرجوع في كل نص عام إلى ما يقيده ويفسره، ومن ذلك الدعاء، ورد للدعاء إجابة، لكن للإجابة شروط ولها موانع، ينبغي فهم هذه الشروط وتحقيقها، وفهم الموانع والابتعاد عنها.
قال رحمه الله تعالى: [الجواب الثاني: أن إجابة دعاء السؤال أعم من إعطاء عين المسئول، كما فسّره النبي ﷺ، فيما رواه مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: (ما من رجل يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يُعجِّل له دعوته، أو يدخر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها، قالوا: يا رسول الله إذًا نُكثر؟ قال: الله أكثر) فقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ أنه لا بد في الدعوة الخالية عن العدوان من إعطاء السؤال معجلًا، أو مثله من الخير مؤجلًا، أو يُصرف عنه من السوء مثله.
الجواب الثالث: أن الدعاء سبب مقتض لنيل المطلوب، والسبب له شروط وموانع، فإذا حصلت شروطه وانتفت موانعه حصل المطلوب، وإلا فلا يحصل ذلك المطلوب، بل قد يحصل غيره، وهكذا سائر الكلمات الطيبات من الأذكار المأثورة، المعلق عليها جلب منافع أو دفع مضار، فإن الكلمات بمنزلة الآلة في يد الفاعل، تختلف باختلاف قوته وما يعينها، وقد يعارضها مانع من الموانع، ونصوص الوعد والوعيد المتعارضة في الظاهر من هذا الباب، وكثيرًا ما تجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه، وإقباله على الله، أو حسنة تقدمت منه، جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكرًا لحسنته، أو صادف وقت إجابة ونحو ذلك، فأُجيبت دعوته، فيظن أن السر في ذلك الدعاء، فيأخذه مجردًا عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي.
وهذا كما إذا استعمل رجل دواءً نافعًا في الوقت الذي ينبغي، فانتفع به، فظن آخر أن استعمال هذا الدواء بمجرده كاف في حصول المطلوب، فكان غالطًا.
وكذا قد يدعو باضطرار عند قبر فيُجاب، فيظن أن السر للقبر، ولم يدر أن السر للاضطرار، وصدق اللجأ إلى الله تعالى، فإذا حصل ذلك في بيت من بيوت الله تعالى كان أفضل وأحب إلى الله تعالى.
فالأدعية والتعوذات و
[ ٩٦ / ٤ ]
غضب الله ورضاه
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (ويملك كل شيء، ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين، فقد كفر وصار من أهل الحين).
كلام حق ظاهر لا خفاء فيه، والحين، بالفتح: الهلاك.
قوله: (والله يغضب ويرضى، لا كأحد من الورى).
قال تعالى: ﴿﵃﴾ [المائدة:١١٩].
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨].
وقال تعالى: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٦٠].
﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣].
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٦١].
ونظائر ذلك كثيرة.
ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب، والرضا، والعداوة، والولاية، والحب، والبغض ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله تعالى.
كما يقولون مثل ذلك في السمع، والبصر، والكلام وسائر الصفات، كما أشار إليه الشيخ فيما تقدم بقوله: (إذ كان تأويل الرؤية، وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية، ترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المرسلين).
وانظر إلى جواب الإمام مالك ﵁ في صفة الاستواء كيف؟ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول.
وروي أيضًا عن أم سلمة ﵂ موقوفًا عليها، ومرفوعًا إلى النبي ﷺ.
وكذلك قال الشيخ ﵀ فيما تقدم: (من لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه).
ويأتي في كلامه: (أن الإسلام بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل).
فقول الشيخ ﵀: (لا كأحد من الورى) نفي التشبيه، ولا يقال: إن الرضا إرادة الإحسان، والغضب إرادة الانتقام، فإن هذا نفي للصفة، وقد اتفق أهل السنة على أن الله يأمر بما يحبه ويرضاه، وإن كان لا يريده ولا يشاؤه، وينهى عما يسخطه ويكرهه ويبغضه ويغضب على فاعله، وإن كان قد شاءه وأراده، فقد يحب عندهم ويرضى ما لا يريده، ويكره ويسخط لما أراده.
ويقال لمن تأول الغضب والرضا بإرادة الإحسان: لم تأولت ذلك؟ فلا بد أن يقول: لأن الغضب غليان دم القلب والرضا الميل والشهوة، وذلك لا يليق بالله تعالى، فيقال له: غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب، لا أنه من الغضب، ويقال له أيضًا: وكذلك الإرادة والمشيئة فينا هي ميل الحي إلى الشيء، أو إلى ما يلائمه ويناسبه، فإن الحي منا لا يريد إلا ما يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة، وهو محتاج إلى ما يريده، ومفتقر إليه، يزداد بوجوده، وينقص بعدمه، فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفته عنه سواء، فإن جاز هذا جاز ذاك، وإن امتنع هذا امتنع ذاك.
فإن قال: الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد، وإن كان كل منهما حقيقة.
قيل له: فقل: إن الغضب والرضا الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كانت كل منهما حقيقة، فإذا كان ما يقوله في الإرادة يمكن أن يقال في هذه الصفات، لم يتعين التأويل، بل يجب تركه؛ لأنك تسلم من التناقض، وتسلم أيضًا من تعطيل معنى أسماء الله تعالى وصفاته بلا موجب، فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام، ولا يكون الموجب للصرف ما دله عليه عقله؛ إذ العقول مختلفة، فكل يقول: إن عقله دله على خلاف ما يقوله الآخر! وهذا الكلام يقال لكل من نفى صفة من صفات الله تعالى، لامتناع مسمى ذلك في المخلوق، فإنه لا بد أن يثبت شيئًا لله تعالى على خلاف ما يعهده، حتى في صفة الوجود، فإن وجود العبد كما يليق به ووجود الباري تعالى كما يليق به، فوجوده تعالى يستحيل عليه العدم، ووجود المخلوق لا يستحيل عليه العدم، وما سمى به الرب نفسه وسمى به مخلوقاته مثل الحي والعليم والقدير، أو سمى به بعض صفاته كالغضب والرضا، وسمى به بعض صفات عباده، فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء في حق الله تعالى، وأنه حق ثابت موجود، ونعقل أيضًا معاني هذه الأسماء في حق المخلوق، ونعقل أن بين المعنيين قدرًا مشتركًا، لكن هذا المعنى لا يوجد في الخارج مشتركًا، إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد مشتركًا إلا في الأذهان، ولا يوجد في الخارج إلا معينًا مختصًا، فيثبت في كل منهما كما يليق به، بل لو قيل: غضب مالك خازن النار وغضب غيره من الملائكة، لم يجب أن يكون مماثلًا لكيفية غضب الآدميين؛ لأن الملائكة ليسوا من الأخلاط الأربعة حتى تغلي دماء قلوبهم كما يغلي دم قلب الإنسان عند غضبه، فغضب الله أولى].
نقف عند هذه النقطة، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
[ ٩٦ / ٥ ]
الأسئلة
[ ٩٦ / ٦ ]
حكم ترك تطعيم الأطفال بحجة أن ذلك نقص في التوكل
السؤال
أحد الإخوة لا يرى عمل التطعيمات الخاصة بالأطفال، فهو لا يطعم أولاده؛ لأنه يرى أن هذا نقص في التوكل على الله، وأن كبار السن لم يعملوا هذه التطعيمات عندما كانوا صغارًا، والناس في هذه الأزمنة قد تعلقوا بهذه الأسباب، فما رأيكم في هذا؟
الجواب
من يترك هذا تورعًا في حق نفسه لا حرج، لكن أن يترك أولاده لا يجوز له؛ لأن التطعيمات من الأسباب التي بإذن الله تبرأ بها الأمراض، وتجنب المرض قبل وقوعه مشروع، وحماية الناس من الأمراض قبل وقوعها مشروعة، سواء كانت حماية فردية أو جماعية.
وكل فرد عليه أن يرعى من هم تحت ولايته، من أطفال وغير أطفال، وإذا وجد وسائل مشروعة لدرء الخطر عنهم فينبغي عليه أن يأخذ بهذه الوسائل، بما في ذلك التطعيمات.
والتطعيمات مشروعة ولا حرج فيها، لكن على الناس أن يعلموا أن التطعيمات أسباب، وأن الله ﷿ هو الواقي.
والوقاية قبل العلاج من الأسباب المشروعة، ونحن نعلم أن كثيرًا من الأمراض انقطعت بإذن الله بسبب التطعيمات، كالجدري، والحصبة وغيرهما، وهذه الأمراض موجودة سابقًا ومن أشد الأمراض فتكًا بالناس، ولا تزال آثارها في بعض كبار السن.
وكبار السن من آبائنا الذين هم أصفى توحيدًا، وأعرف بقواعد الشرع بحكم أنهم على الفطرة، ويتلقون العلم الشرعي صافيًا، لو أن أحد هذه الأسباب كانت موجودة في عهدهم فما أظن أن يتوقفوا في استعمالها، لكن ما وجدوا.
[ ٩٦ / ٧ ]
حكم التفرغ للرقية واتخاذها مهنة
السؤال
ما حكم التفرغ للرقية واتخاذها مهنة من قبل بعض المنتسبين للعلم أو غيرهم، وهل هذا مأثور عن أئمة السلف؟
الجواب
الأصل في الرقية أنها مشروعة، وهي نوع من الدعاء الذي أمرنا به، وهو جزء من العبادة.
وأيضًا الأصل في الرقية أن تكون من كتاب الله ﷿، أو مما ورد عن النبي ﷺ من الألفاظ الثابتة، أو ما يشبه ذلك من الأدعية الصحيحة السليمة، التي ليس فيها شرك، وليس فيها بدع، وليس فيها ظلم أو عدوان، وليس فيها ألغاز أو استعانة بغير الله ﷿، كالاستعانة بالجن ونحو ذلك.
أما مسألة التفرغ للرقية من قبل طالب العلم، بحيث يجعل مهنته رقية للناس، سواء كان ذلك بأجر أو بغير أجر، فلم يرد عن السلف أن أحدًا منهم تفرغ من أجل الرقية، بل كانوا يرقون أنفسهم ويرقون غيرهم، ويقرون من يرقي غيره، لكن لا على سبيل جعل الرقية مهنة يتفرغ لها الإنسان، وما يفعله كثير من طلاب العلم هذا فيه نوع من تجاوز الأصل الشرعي، ويستتبع ذلك وضع مكان ثابت يجتمع فيها حشد كبير من الرجال، أو حشد من النساء، ويقرأ عليهم قراءة جماعية بشكل يومي منتظم، وحدد لذلك أجورًا معينة، وتباع من خلال هذا الأمر أنواع من الأدوية والمياه بأكثر من قيمتها الحقيقية إلى غير ذلك من الوسائل التي في التوسع فيها نظر، ولذلك أقول: إن هذه الظاهرة إذا زادت ربما تتأصل وتكون من البدع التي يصعب علاجها فيما بعد.
أما كون الإنسان يحتسب الرقية ويرقى الناس ويفيدهم فهذا لا حرج فيه، لكن أن يجعل ذلك مهنة فهذا فيه نوع من التجاوز ولا بد من التنبيه على ذلك.
قد يرد إشكال وهو أن الناس بحاجة إلى الرقية الشرعية، والدليل على هذا أنه ما من راق يشتهر إلا ويتكدس عليه الناس بالعشرات والمئات والآلاف، نقول: هذا حق، لكن كلما زاد الناس من التعلق بهذا الأمر وضع الله ﷿ عليهم من الأصار والأغلال ما يجعلهم أيضًا يزيدون أكثر؛ لأنهم يلجئون إلى غير الله ﷿ فيكلهم الله إلى عباده، والذي ينبغي أن يعوّد الناس كيف يحمون أنفسهم بالأوراد الشرعية، وبالتزام الطاعة وأعمال البر، والمواظبة على الذكر والاستغفار وغير ذلك من المحصنات الشرعية التي بإذن الله تقي الناس من كثير من الأمراض والأوهام، التي تسبب لهم اللجوء إلى الرقاة، هذا شيء.
الشيء الآخر: أن الناس لو عودوا أن يرقوا أنفسهم أو يرقيهم أمثالهم والأقربون منهم من الجيران وجماعة المسجد ونحوه؛ لكان هذا أولى، ولما ظهرت هذه الظواهر التي أصبحت الآن من الظواهر التي دخلت من خلالها بعض البدع، والله أعلم.
[ ٩٦ / ٨ ]
معنى قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك) وإثبات صفة الوجه لله ﷿
السؤال
ما معنى قوله ﷿: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] يعني: هل يبقى الوجه فقط أم سائر الذات؟ وهل فيها إثبات صفة الوجه لله؟
الجواب
هذه المسألة معروفة عند أهل العلم، وهي مسألة إثبات صفة الوجه لله ﷿ على ما يليق بجلاله، أما معنى الآية في كونه لا يبقى إلا وجه الله، يعني: لا يبقى إلا ذاته؛ لأن العرب تعبر عن الذات بالوجه، هذا معروف في لغة العرب، وليس بغريب، وليس فيه تكلف، نثبت الوجه، ومع ذلك نثبت أنه لا يبقى إلا الله ﷿، ويستثنى من ذلك من كتب الله له من المخلوقات عدم الفناء، مما ذكره أهل العلم.
[ ٩٦ / ٩ ]