يكرم الله ﷾ نبيه ﵊ بعدة شفاعات، يختص ببعضها، ويشاركه غيره من الملائكة والأنبياء والصالحين في غيرها، وأخص تلك الشفاعات: الشفاعة العظمى، التي اختص بها رسول الله ﷺ من بين سائر بني آدم أجمعين، وهي المقام المحمود المشار إليه في الذكر الحكيم.
[ ١١ / ١ ]
شفاعة الرسول ﵊
قال المصنف ﵀: [والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما روي في الأخبار].
شفاعته ﵌ ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وله في القيامة شفاعات منها ما هو محل إجماع، ومنها ما خالف فيه بعض أهل البدع.
أما الشفاعة التي هي محل إجماع فهي الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود المشار إليه في قوله سبحانه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، وهي شفاعته لأهل الموقف أن يفصل بينهم.
وهذه الشفاعة دل عليها القرآن والسنة، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﵌ أُتي بلحم، فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه ..) وهو في سياق طويل ذكر فيه ﵌ أن أولي العزم من الرسل يترادون الشفاعة، حتى ينتهون إليه، قال: (فأنطلق فآتي تحت العرش، فأخر ساجدًا لربي، ثم يفتح الله عليَّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتح لأحد قبلي، ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك، واسأل تعط، واشفع تشفع ..) إلى آخر الرواية في الشفاعة العظمى.
[ ١١ / ٢ ]
اختلاف أهل القبلة في الشفاعة لأهل الكبائر
وأما الشفاعة التي حصل فيها نزاع بين أهل القبلة فهي شفاعته ﷺ لأهل الكبائر، فنفتها الوعيدية؛ لأن أهل الكبائر عند الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم من طوائف الشيعة مخلدون في النار، فلا تصح الشفاعة لمن استوجب عندهم دخول النار فضلًا عمن هو مخلد فيها.
وقد تواتر عن النبي ﵌ ذكر إخراج قوم من النار بالشفاعة، فإنه لا يخلد في النار إلا من كفر برب العالمين، وأما سائر الفسَّاق والعصاة مهما كان فسقهم وفجورهم وظلمهم فإنهم وإن عذبوا إلا أنهم لا يخلدون في النار؛ لأن سقوط العقوبة عن الذنب والكبيرة له أسباب متعددة يأتي ذكرها في أهل الكبائر.
وقد احتجت الوعيدية لقولهم بنفي الشفاعة عن أهل الكبائر بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء:١٠٠] ولا شك أن هذه الآية في سياق الكلام عن الكفار، فلا تحل لهم الشفاعة، والله ﷾ إنما يأذن في الشفاعة لمن يشاء من الشافعين، ويرضى من المشفوعين لهم.
[ ١١ / ٣ ]
شفاعة النبي ﷺ لعمه أبي طالب
لم يستثن من الكفار في عدم الشفاعة إلا ما جاء في حديث أبي سعيد وابن عباس والعباس ﵃ في شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب، فإنه في ضحضاح من نار، قال: (ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)، فهذه الشفاعة من النبي ﷺ لعمه مختصة به، وهي لا تعني خروجه من النار، بل يخفف عنه العذاب، وإلا فإنه مخلد في النار كغيره من الكفار الذين لم يؤمنوا بالنبي ﵊ وبما جاء به.
[ ١١ / ٤ ]
أدلة ثبوت الشفاعة
ودليل الشفاعة هو القرآن من جهة العموم، ومن جهة التفصيل ما تواتر عن النبي ﵊ من أوجه متعددة كحديث أبي سعيد وجابر بن عبد الله ﵄ في الصحيحين وغيرهما، وقد نص جماعة من أهل العلم والحديث على أن أحاديث الشفاعة متواترة، وكذلك يدل على ثبوتها إجماع السلف من الصحابة والتابعين على أنها كائنة.
[ ١١ / ٥ ]
الخلاف في الشفاعة لمن استوجب دخول النار
مسألة: النصوص المفصلة صريحة في شفاعته ﷺ لمن دخل النار من أهل الكبائر، وذكر طائفة من أعيان أهل السنة شفاعته ﷺ في قوم استوجبوا دخول النار أن لا يدخلوها.
قال بعض المتأخرين من أهل العلم: هذا النوع لا دليل عليه، والحق أنه وارد من باب أولى، وذلك من جهتين:
الجهة الأولى: أنه إذا شفع النبي ﷺ لمن دخل النار فإنه من باب أولى أن تقع شفاعته لمن استوجب دخول النار ولم يدخلها.
الجهة الثانية: أن الدليل على ذلك هو العموم، ومن ذلك ما جاء عن سبعة من الصحابة ومنهم أنس، أن النبي ﷺ قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) وهذا الحديث من حيث آحاد طرقه ليس بذاك لكنه بمجموع جهة طرقه وشواهده يكون حسنًا وجيدًا.
وكذلك ما ثبت في صحيح البخاري أن أبا هريرة قال: (يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه)، فإنه يدخل في ذلك من استوجب دخول النار، كما يدخل في ذلك من دخلها.
[ ١١ / ٦ ]
شفاعة النبي ﷺ لأهل الجنة في دخولها ورفع درجاتهم فيها
من مقامات الشفاعة: شفاعته ﷺ لأهل الجنة في دخولهم الجنة ورفع درجات بعضهم، وهذه الشفاعة دلت عليها السنة ودل عليها الإجماع، بل قال شيخ الإسلام: (إن عامة أهل القبلة يصححون هذه الشفاعة حتى المعتزلة)، وهي الشفاعة بالفضل وزيادته.
[ ١١ / ٧ ]