من صفات الله تعالى: صفة المحبة، وصفة الكلام، فقد ذكر الله تعالى في كتابه أنه اتخذ إبراهيم خليلًا، وكلم موسى تكليمًا، وعلى هذا أجمع سلف الأمة، وقد أنكر أهل البدع من الجهمية ذلك فقالوا: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، وهذا فرع عن إنكارهم لصفة المحبة والكلام.
[ ١٦ / ١ ]
إثبات خلة الله لإبراهيم وكلامه لموسى
قال المصنف ﵀: [ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، وكلَّم الله موسى تكليمًا، إيمانًا وتصديقًا وتسليمًا].
هذا صريح في القرآن كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥] ..
وقال: ﴿وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] وعلى هذا أجمع السلف، بل إن هذه المسألة هي من أول مسائل الجهمية مخالفةً للسلف، وكان الجعد بن درهم والجهم بن صفوان يقولون: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلِّم موسى تكليمًا.
وهذا فرع عن تعطيلهم لصفة الكلام وصفة المحبة.
[ ١٦ / ٢ ]
معنى مقام الخلة لإبراهيم
ومعنى كون إبراهيم ﵊ خليلًا: أي أن له من المحبة مقامًا مختصًا، وإلا فإنه ﷾ يحب سائر عباده المؤمنين، وقد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين أنه قال: (إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا)، فإبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام كلاهما خليل لله ﷾.
وأما قول من يقول بأن الخلة لا تكون إلا لواحد، فهذا من جهة القياس على المخلوقين، وهو قياس فاسد، وأما قوله: إن العرب لا تعرف الخلة إلا لواحد فلا يكون للشخص إلا خليلٌ واحد، فإذا تعدد لم تسم خلة؛ فهذا كلام لا معنى له، فإنه إذا استقام ذلك في كلام العرب فإنما هو مبنيٌ على أحوال بني آدم، وإلا فإن نصوص القرآن صريحة في أن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، والسنة الثابتة المحكمة صريحة ذكرت أن الله اتخذ محمدًا ﵌ خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا.
[ ١٦ / ٣ ]
أفضلية نبينا وإبراهيم ﵉ على غيرهما من الرسل
ومحمد وإبراهيم هما أفضل أنبياء الله ورسله بإجماع سلف الأمة، وأفضلهما هو نبينا محمد ثم إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، ولم يذكر نبيًا على سبيل التعظيم والاختصاص بعد محمد ﷺ كما ذكر إبراهيم، فإنه سبحانه ذكر له من مقامات التوحيد والإخلاص والإيمان عظيمًا، ولهذا لما عرج بالنبي ﵊ رأى إبراهيم في السماء السابعة، وهذا دليل على عظم منزلته ﵊ عند الله، وقد جاء في الصحيح من حديث أبي موسى قال ﵊: (ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم)، فكان ﵊ مقتديًا بإبراهيم معظِّمًا له، فصلى الله وسلم عليه وعلى سائر أنبيائه ورسله.
[ ١٦ / ٤ ]
الإيمان بالملائكة والكتب والنبيين
قال المصنف ﵀: [ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم على الحق المبين].
هذه المسائل تسمَّى في كلام كثير من المتأخرين بالسمعيات، أو الأصول السمعية، وهذه التسمية ليست معروفةً في كلام السلف، وإنما أحدثها طائفة من أصحاب الأئمة واستعملها أيضًا طوائف من المتكلمين، وإن كان الجزم بأن أول من استعملها هم علماء الكلام قد لا يكون جزمًا بيِّنًا، وهذه التسمية ليس فيها إشكال، لكن المتكلمين يذكرونها ويريدون بذلك أنها مسائل مقصورة على النقل، بينما يجعلون مسائل المعرفة الإلهية -كسائر الصفات والأفعال- مسائل معروفة بالعقل، ومن استعمل هذه التسمية من أهل السنة فإنهم يقولون عن غيرها بأنها مسائل سمعية أيضًا أو على أقل تقدير يرون أن غيرها من المسائل تثبت بالسمع وبالعقل، فإن أصولها وبعض أعيانها تثبت بالعقل كالصفات مثلًا.
وعليه: فتخصيص مسائل اليوم الآخر، وأمثالها بأنها هي السمعيات فقط ليس مناسبًا، بل سائر أصول الدين مسائل سمعية، وإن كان منها ما يعلم بالعقل إما إجمالًا وإما تفصيلًا، فهذا التخصيص ليس له ذاك المعنى الحسن، وإن كان لا يلزم أنه غلط على كل تقدير، بل قد يفسر بمراد صحيح.
قوله: (ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين) أي: الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ونحن نؤمن بالملائكة والأنبياء إيمانًا مجملًا وإيمانًا مفصلًا:
أما الإيمان المجمل فهو الإيمان المطلق بسائر أنبياء الله ورسله وملائكته، وأما الإيمان المفصل فبحسب من سمِّي منهم وذكر، فنؤمن بجبريل وميكائيل وإسرافيل، ونؤمن بمحمد وموسى وعيسى ونوح ولوط ..
وغيرهم حسب التفصيل المذكور في كتاب الله وفي سنة نبيه ﵌ من أحوالهم.
[ ١٦ / ٥ ]