من عقيدة أهل السنة والجماعة: أنهم لا يكفرون أحدًا بذنب -غير الكفر والشرك وما ورد فيه الدليل- إلا أن يستحله، فإذا استحل العبد ذنبًا فإنه يكفر بذلك، ولا يرون أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، كما هي عقيدة غلاة المرجئة.
ومن عقيدتهم: الرجاء للمحسنين، والخوف على المذنبين، وعدم الشهادة لأحد من أهل القبلة بجنة ولا بنار إلا من شهد له الله تعالى ورسوله ﷺ بذلك.
[ ١٨ / ١ ]
حكم التكفير بالذنوب التي دون الكفر
قال المصنف ﵀: [ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله].
هذه الجملة يستعملها بعض أصحاب السنة والجماعة، وهي جملة مجملة، يمكن أن تفسرها فيكون تفسيرك لها صحيحًا بأن تقول: (ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب) أي: أن أهل السنة والجماعة لا يكفرون بآحاد الكبائر، ولا بالكبائر، ومراده بالذنب هنا ما دون الكفر، فإن أهل السنة والجماعة لا يكفرون بالكبيرة إلا إن استحل العبد ذلك.
لكن هذه الجملة ليست محكمة على التمام، فإن العبد قد يكفر بالذنب وهو غير مستحل له، ولهذا جاء في حديث عبد الله بن مسعود كما في الصحيحين قال: (قلت: يا رسول الله! أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعو لله ندًا وهو خلقك) فسماه ذنبًا، فهذا الإطلاق ليس حسنًا على كل حال، لكن يعبر به بعض أصحاب السنة والجماعة، وإذا عبروا به فسر مرادهم بأن المقصود بذلك الذنوب التي دون الكفر بالله.
[ ١٨ / ٢ ]
معنى الاستحلال الذي يكفر به صاحب الذنب
والمقصود بالاستحلال مقام من القول وليس مقامًا من الحال، فإذا أقام شخص على ذنب أو كبيرة من الكبائر مهما كانت إقامته عليها والتزامه لها لا يصح أن يقال: إنه مستحل، إلا إذا أظهر المعتقد وصرح بأنه أحل ما حرم الله ﷾ أو العكس، فإنه يسمى مستحلًا، وأما الملازمة للكبيرة وعدم الاستجابة لنصح الناصحين؛ فإنه حتى لو نصحه من نصحه واستفاض النصيحة له ولم يستجب بل بقي مصرًا على الكبيرة، ولا حجة له في البقاء على هذه الكبيرة، فإنه مع هذا كله لا يجوز أن يسمى مستحلًا.
[ ١٨ / ٣ ]
قول المرجئة بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب
قال المصنف ﵀: [ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله].
هذه الجملة تؤثر عن بعض المرجئة، وإن كان شيخ الإسلام ﵀ يقول: (وهذه الجملة تحكى عن غلاة المرجئة، ولا أعلم أحدًا من الأعيان المعروفين صح عنه القول بهذه الجملة)، ولكن الأشعري في (مقالاته) وأبو محمد ابن حزم في (الفِصل) نسبا هذه الجملة إلى مقاتل بن سليمان، إلا أن هذا لا يصح عنه، فـ شيخ الإسلام ﵀ لم يكن خفيًا عليه ما قاله الأشعري وابن حزم أنها قول لـ مقاتل بن سليمان، ولهذا قال في منهاج السنة النبوية: (وينسب هذا لـ مقاتل بن سليمان عند بعض أهل المقالات ولكنها لا تصح عنه)، فهذه جملة يقال: إنها تنسب لغلاة المرجئة ولا يصح عن معين أنه التزم هذا المذهب.
[ ١٨ / ٤ ]
من أصول العبادة: الخوف والرجاء
قال المصنف ﵀: [ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة، ونستغفر لمسيئهم ونخاف عليهم ولا نقنِّطهم].
هذا من مقامات العبادة وهو: مقام الرجاء ومقام الخوف، وعبادته ﷾ عند أهل السنة معتبرة بثلاثة أصول:
الأصل الأول: الاستحقاق، ومن أخص مقاماته المحبة، ومعنى هذا أن الله ﷾ يُعبد ويُسأل ويُدعى ويُتقرب إليه استحقاقًا، أي: لكونه مستحقًا للعبادة، وهذا هو أشرف أصول العبادة.
الأصل الثاني: الرجاء، وهو أصل واسع.
الأصل الثالث: الخوف، وهو أصل واسع أيضًا، أي: واسع المتعلق، وعليه: فإن من يفسر الرجاء برجاء الجنة ويكون مدار كلامه إذا ذكر الرجاء على مدار الجنة وثواب الآخرة، فلا شك أن تفسيره يكون قاصرًا، فإن من أخص مقامات الرجاء رجاء محبته ﷾، ورجاء رضاه ﷾، إلى غير ذلك، ومن مقامات الرجاء رجاء الجنة.
وكذلك الخوف، فكما أن الخوف من النار من الخوف الشرعي الذي شرعه الله ورسوله، إلا أن من مقامات الخوف أيضًا الخوف من سخطه وغضبه ﷾.
فيكون فقه هذين الأصلين: (الخوف والرجاء) لا يختص بالنعيم أو بالعذاب المادي، بل بما يتعلق بما بين العبد وبين ربه من محبته ورضاه أو سخطه وغضبه ومقته، والعبد كما أنه يرجو النعيم في الجنة فإنه قبل ذلك وأهم من ذلك يرجو محبة الله ﷾ ورضاه، ولهذا قال ﷾ لما ذكر النعيم: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ الله أَكْبَرُ﴾ [التوبة:٧٢]، فالرضا أعظم من هذا النعيم الذي أعده الله ﷾، وإن كان طلب النعيم والخوف من العذاب مشروعًا.
ومن هدي أهل السنة أنهم يرجون للمحسنين أي: من استقاموا على الإيمان ظاهرًا وباطنًا، ويخافون على المسيئين وهم من حقق أصل الإيمان ولكنهم اقترفوا ما اقترفوا من الكبائر، فهؤلاء المسيئون يُخاف عليهم، ولكن لا يعطلون من مقام الرجاء، وأهل الإحسان وإن كان يُرجى لهم إلا أنهم لا يعطلون من مقام الخوف، ولكن الأصل في أهل الإحسان هو الرجاء، والأصل في أهل الإساءة هو الخوف، وأما أن يقصر أهل الإساءة على مقام الخوف وحده فلا، بل يُخاف عليهم ويرجى لهم، ولهذا لما ذكر الله ﷾ العصاة قال: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى الله أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢].
[ ١٨ / ٥ ]
حكم الشهادة لمعين بالجنة أو النار
قد يذكر عند هذه الجمل أنه لا يشهد لمعين بجنة أو نار من أهل القبلة، والأمر كذلك، أما النار فلا يصح أن يُشهد لواحد من أهل القبلة بعذاب في النار، وأما الجنة فإنه يُشهد لمن شهد له الرسول ﵊ بالجنة، وهم من عينهم النبي ﷺ بذلك، كالعشرة المبشرين بالجنة وغيرهم، وهذا هو الذي عليه عامة السلف.
وقالت طائفة من المتقدمين: إن من استفاض ذكره وإمامته وديانته في الأمة شهد له بعينه بالجنة، وهذا قاله بعض المتقدمين من السلف، والجماهير على خلافه، ويحتج أصحاب هذا القول بما ثبت في الصحيحين من حديث أنس ﵁ من قوله ﷺ: (لما مُرَّ بجنازة وأثني عليها خيرًا فقال: وجبت وجبت وجبت، ثم مُرَّ بجنازة فأثني عليها شرًا، فقال النبي ﵊: وجبت وجبت وجبت، ثم قال: أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وأثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار).
وهذا الحديث ليس فيه دلالة على أن من استفاض الثناء عليه بالخير أنه يعين بالجنة، فإن قوله: (وجبت له الجنة) حكم مطلق، لا يلزم منه العلم المختص الذي يتعلق بغير من أوحي إليه وهو رسول الله ﷺ، وإنما يكون هذا من الموجبات، وأما أن يكون الموجب معينًا فلا، فإن من آمن وصلى وجبت له الجنة، ومع ذلك إذا علمته مؤمنًا مصليًا لا يجوز لك أن تشهد له بالجنة، مع أن الصلاة موجب للجنة أعظم من إيجاب ثناء الناس، وثناء الناس بخير من موجبات الجنة، فإنه نوع من الشهادة بالعدل، ولكن هذا شيء مرده إلى الله ﷾.
وعليه فالاستدلال بالحديث ليس جيدًا، ولهذا فإن عامة السلف لا يرون ذلك، وهناك خلاف لفظي بين الإمام أحمد ويحيى بن معين، وقد كان يحيى بن معين يقول: أنا أقول عمن قال عنه النبي ﷺ إنه في الجنة كـ أبي بكر: إنه في الجنة، ولا أشهد بذلك، وكان الإمام أحمد يقول له: إنك إن قلت: إنه في الجنة فقد شهدت، فهذا خلاف لفظي، وكأنه تحرز عن كلمة الشهادة بلفظها.
[ ١٨ / ٦ ]
التحذير من الأمن من مكر الله، واليأس من روح الله
قال المصنف ﵀: [والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة].
الأمن: هو الأمن من مكر الله، والإياس: هو الإياس من روح الله، ومراده بما ينقل عن ملة الإسلام هو: الأمن المطلق، فمن أمن مكر الله مطلقًا فهو كافر، وكذلك من قنط أو يئس من رحمة الله مطلقًا فهو كافر، وأما التقصير في هذا المقام بأن يعرض للعبد قدرٌ من الأمن الذي لا يكون مستحكمًا عنده، ولا يعطِّل عنده مقام الرجاء ومقام الخوف والتعلق بالله، فهذا من كبائر الذنوب، ويكون من أعمال القلوب المخالفة لشرع الله ﷾، ولهذا كان من فقه ابن مسعود أن قال: (إن أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، واليأس من روح الله).
وكما أن الشرك فيه ما هو أكبر وما هو دون ذلك، فإن الأمن والإياس كذلك، فمن أمن مكر الله مطلقًا فهو كافر ومن يئس من روح الله مطلقًا فهو كافر، ولكن من عرضت له أحوال في هذا المقام أو هذا المقام لا تنازع أصول الإيمان من كل وجه، فإن هذا شيء من أعمال القلوب القاصرة التي يوافي العبد بها ربه على أصل التوحيد والإيمان، وقد يكون بعضها من مقامات المعصية، وبعضها من مقامات الكبائر.
وقوله: (وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة) أي: الوسط بين مقام الأمن ومقام اليأس هو الأخذ بمقام الخوف والمحبة والرجاء.
[ ١٨ / ٧ ]
العمل لا يقع به الكفر عند مرجئة الفقهاء
قال المصنف ﵀: [ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه].
ظاهر كلام أبي جعفر أن الكفر لا يكون إلا بالجحود، وهذه كلمة مجملة في معنى الجحود المراد هنا، وهي متضمنة لكون العمل لا يقع به الكفر، وهذا بناءً على أصل المؤلف في مسمى الإيمان من أن الإيمان هو: الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، وهذا أحد أقوال المرجئة، وإن كان هو أحسن أقوال المرجئة وأقربها إلى السنة والجماعة، وهو القول الذي قاله حماد بن أبي سليمان، وتبعه عليه أبو حنيفة وطائفة من أصحابه، وبعض من مال عن مذهب الأشعري وجمهور أصحابه من الأشاعرة، فإنهم مالوا إلى مثل هذا المذهب، وكذلك طوائف من الماتريدية الذين مالوا عن مذهب أبي منصور الماتريدي.
[ ١٨ / ٨ ]