الله ﷾ هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، الذي لا يعجزه شيء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
[ ٢ / ١ ]
عموم قدرة الله تعالى
قال المصنف ﵀: [ولا شيء يعجزه؛ ولا إله معه].
قوله ﵀: (ولا شيء يعجزه).
هذه الجملة من الجمل المجمع عليها بين المسلمين، وذلك أن الله ﷾ لا شيء يعجزه.
ومن الملاحظ أن الجمل التي يذكرها الطحاوي ﵀ تارةً تكون جملًا يحصل بها تخصيص لمعتقد أهل السنة والجماعة عن معتقد مخالفيهم من المتكلمين أو غيرهم من الطوائف، وتارةً يذكر جملًا لا يحصل بها التخصيص؛ حيث تكون الجملة من معاقد الاتفاق بين سائر طوائف المسلمين، فقوله: (ولا شيء يعجزه) هذه جملة مجمع عليها، فليس هناك طائفة من الطوائف تخالف هذه الجملة.
[ ٢ / ٢ ]
معنى شهادة أن لا إله إلا الله
وقوله: (ولا إله غيره).
أي: لا معبود غيره، وتفسير توحيد الألوهية هو: أنه لا معبود بحق إلا الله ﷾، وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله.
[ ٢ / ٣ ]
حكم إطلاق لفظ (القديم) على الله تعالى
قال المصنف ﵀: [قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء].
لفظ: (القديم) لم يرد في الكتاب ولا في السنة، وهو من الألفاظ التي استعملها المتكلمون، وكان ينبغي للمصنف ﵀ أن لا يعبر بها، ولا سيما أن اللفظ القرآني المناسب لهذا المقام متحقق، فإن الله ﷾ قال: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]، وقال النبي ﷺ كما في الصحيح في دعائه: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء)، وقوله: (وأنت الباطن فليس دونك شيء) معناه: لا يخفى عليه شيء ﷾.
فكان ينبغي أن يقول: (الأول بلا ابتداء)، أو: (الأول الذي ليس قبله شيء)، كما قال ﵊، وذلك لأن لفظ (القديم) لم يرد، وهو لفظ مجمل، والله ﷾ يُوصف بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ من الأحرف القرآنية، أو الأحرف والكلمات النبوية، فلابد من الاقتداء بالكلمات القرآنية والكلمات النبوية.
وأما الأحرف الحادثة التي لم ترد في الكتاب ولا في السنة، والمجملة التي تحتمل حقًا وباطلًا؛ فإن مذهب السلف فيها التوقف في لفظها والتفصيل في معناها.
وعليه: فكل لفظ مجمل حادث فإنه لا يُطلق إثباتًا ولا نفيًا؛ بل يُستفصل عن معناه، فإن أريد به ما هو حق قُبل، وإن أُريد به ما هو باطل رُدّ، وأما اللفظ فيتوقف فيه؛ فإن كان المعنى حقًا عبر بالألفاظ والكلمات الشرعية.
هذه هي القاعدة في الألفاظ المجملة الحادثة.
والحدوث -كما ذكرنا- هو اللفظ الذي لم يذكر في الكتاب والسنة.
والإجمال: هو أن يكون اللفظ محتملًا لأكثر من معنى بينها تضاد واختلاف.
وينبه هنا إلى مسألة مهمة: وهي أن الإجمال تارةً يكون بأصل الوضع -أي: بأصل اللغة، فهو في لسان العرب لفظ مجمل- وتارة يكون موجبه الاستعمال وليس اللغة، فإذا كان اللفظ حادثًا ومجملًا من جهة لسان العرب، فإنه لا يطلق إثباتاص ولا نفيًا في حق الله تعالى، وكذلك إذا كان لفظًا حادثًا ومجملاص من جهة الاستعمال، وإن كان من حيث اللغة ليس مجملًا.
مثال ذلك: لفظ (الظاهر) أي: ظاهر الكلام، فهذا اللفظ من حيث اللغة العربية ليس مجملًا، لكن لما استعملته الطوائف صار مجملًا، حيث صارت طائفة منهم يفسرون الظاهر بالتشبيه، وطائفة أخرى يفسرون الظاهر بالتأويل ..
وغير ذلك، ولهذا لما تكلم المتأخرون: هل ظاهر نصوص الصفات مراد أو ليس مرادًا؟ كان جواب أهل السنة والجماعة كـ شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: أن لفظ الظاهر لفظ مجمل، لا من جهة اللغة، وإنما من جهة الاستعمال والقاعدة المقررة: أن كل لفظ مجمل حادث فإنه لا يطلق إثباتًا ولا نفيًا؛ بل يستفصل في معناه، فإن أريد به ما هو حق قبل، وإن أريد به ما هو باطل رُد، والمعنى الحق يعبر عنه بالألفاظ الشرعية.
فإذا عُبر عن عقيدة أهل السنة والجماعة بيانًا لها، فلا يصح في هذا المقام استعمال الألفاظ المجملة، إنما تستعمل في مقام مخاطبة أهل الاصطلاح الذين لم يعرفوا إلا هذا الاصطلاح، قال شيخ الإسلام ﵀ في درء التعارض: (والأصل في هذا المقام الاعتبار بالأحرف والكلمات المذكورة في الكتاب والسنة) ثم قال: (وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم فإن هذا مما تسوغه الشريعة إذا قام مقتضيه).
وهذا إذا لم يمكن أن يخاطبوا إلا بهذا الاصطلاح؛ كالطوائف التي لم تعرف الألفاظ القرآنية والنبوية على التحقيق، وإنما استعملت ألفاظًا كلامية.
[ ٢ / ٤ ]
آخرية الله ﷿
وقوله: (دائم بلا انتهاء).
هذا التعبير أجود من التعبير السابق، مع أنه لو عبر بأنه (الآخر الذي ليس بعده شيء) لكان أجود وأصوب؛ لأن هذا هو لفظ القرآن.
والفرق بين قوله: (دائم بلا انتهاء) وقوله: (قديم بلا ابتداء) مع أن كليهما ليس موافقًا للحرف القرآني؛ أن لفظ (القديم) فيه إجمال من جهة الاصطلاح، ومن جهة اللغة، فإن القديم في اللغة لفظ إضافي، أي: المتقدم على غيره، وقد يتقدمه غيره.
[ ٢ / ٥ ]
تنزيه الله تعالى عن الفناء والعدم
قال المصنف ﵀: [لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد].
قوله: (لا يفنى ولا يبيد).
هذه الألفاظ ليست مذكورةً في الكتاب ولا في السنة، ومراد المصنف بها التنزيه، أي: أن الله ﷾ منزه عن الفناء والعدم، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، وكأن هذا هو معتبر الإمام الطحاوي في تعبيره عندما قال: (لا يفنى)، ولكنه ذكره على جهة الفعل.
[ ٢ / ٦ ]
مقام الإخبار عن الله أوسع من مقام الوصف والتسمية
وكان الأولى بالمصنف في هذه الجمل المجملة أن يستعمل ما في القرآن، ولكن مع هذا فإن جملته ليس فيها تعقيد، فإنها مفصلة، ولفظها أصله معروف في الشرع، وحتى لو لم يكن كذلك فإنه ليس لفظًا مجملًا، فإن اللفظ إذا كان مفصلًا ساغ الإخبار به وإن لم يكن مستعملًا في القرآن، وهذا يتعلق بمسألة التفريق بين وصف الله بالصفة أو تسميته بالاسم وبين الإخبار عنه، فإذا قصد مقام ذكر أسماء الله وصفاته، فإن هذا معتبر بالألفاظ الشرعية، وأما إذا قصد الإخبار العام عن الله ﷾ فإن هذا يعبر عنه بما هو صحيح بمقتضى الشرع واللغة؛ وإن لم يكن من جهة اللفظ مستعملًا؛ ولهذا فإن المسلمين في الدعاء يخاطبون الله ﷾ بما هو من الإخبار عنه، ولربما تعذر انضباطه لاختلاف مسائل الناس وحاجاتهم.
وباب الإخبار قد نص أئمة السنة والجماعة على أنه أوسع من باب الاسم والصفة، والمقصود به: ما لم يُذكر على جهة كونه اسمًا أو صفةً، وإنما يأتي في سياق العموم، فهذا يسوغ وإن لم يرد لفظه إذا كان لفظه ومعناه مما لا يُعارض النصوص الشرعية.
[ ٢ / ٧ ]
أقسام إرادة الله تعالى
وقوله: (ولا يكون إلا ما يريد) إرادة الله ﷾ جاءت في القرآن على نوعين:
النوع الأول: إرادة التكوين، وهي المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ الله أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥]، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
النوع الثاني: الإرادة الأمرية الشرعية، وهي أمره ﷾ لعباده، ولا تلازم بين الإرادتين، وهي المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، فهذه الإرادة الأمرية الدينية الشرعية تقع مخالفتها من العصاة إما بالكفر أو ما دونه.
بخلاف الإرادة الكونية الخلقية وهي إرادة التكوين والخلق والتدبير، فإن هذه لا يمكن أن يتخلف متعلقها، فإذا أراد الله شيئًا على هذا الوجه فإنه لابد أن يكون.
فكل ما يقع وما سيقع وما لم يقع مما يمكن وقوعه فإن الله ﷾ قد أراد وقوع ما وقع، وأراد وقوع ما سيقع، وأراد عدم وقوع ما لم يقع ولم يقدر وقوعه، فكل شيء بإرادته، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] وهذه إرادة التكوين والخلق.
وخلق الله ﷾ يقع بمحض الأمر والإرادة، ويقع بتوسط السبب، كخلقه لأفعال العباد، فإنها بتوسط السبب وهو العبد، وكخلقه للإنسان فإنه بتوسط السبب وهما الأب والأم، وما إلى ذلك، والله ﷾ هو الخالق للسبب وللمسبب ويأتي تفصيل هذا في مسألة: أفعال العباد، وبيان معتقد السلف في ذلك.
[ ٢ / ٨ ]
تنزيه الله عن فروض الذهن وتصوراته
قال المصنف ﵀: [لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام].
قوله: (لا تبلغه الأوهام):
(الوهم): هو ما يفرضه الذهن ويعرض له.
و(الفهم): هو ما يتصوره الذهن، وهذا من الأوجه الممكنة في تفسير الفهم والوهم، وإلا لو أخذناها كمصطلحات كلامية أو فلسفية لطال القول فيها، والمعنى المقارب لمراد المصنف أنه أراد أن يقول: إن الله ﷾ لا يبلغه تصور ولا فرض الذهن، والذهن -كما يقول شيخ الإسلام ﵀ -: يفرض المحال ولكنه لا يتصوره؛ فتصور الذهن أقرب إلى الإمكان من فرضه، والله ﷾ منزه عن ما يفرضه الذهن.
إذًا: الفرض هو المرحلة الأولى التي يعرض فيها الشيء في الذهن، وقد يكون في هذه المرحلة ممكنًا وقد يكون محالًا، فإذا ما دخل مرحلة التصور، فرفض الذهن أن يتصور ذلك الشيء دل على أنه إما محال، وإما أن الذهن عجز عن تصوره مع أنه قد يكون في الحقيقة من الأشياء الممكنة.
فمثلًا: قد يفرض الذهن مثلثًا له أربعة أضلاع! وهذا من المحالات التي لا يستطيع أن يتصورها؛ ولهذا كان من القواعد التي اعتمدها شيخ الإسلام في رده على المخالفين قوله: (إن ما ذكره الفلاسفة أو غلاة المتكلمين من الدلائل العقلية هي فروضات يفرضها الذهن، ولا اعتبار بما يفرضه الذهن؛ لأن الذهن قد يفرض المحال والممتنع، وأما ما يتصوره الذهن تصورًا تامًا فإنه يكون ممكن الوجود، فالله ﷾ منزه عما يفرضه الذهن ويتصوره حتى ولو كان تصورًا كماليًا.
وقوله: (لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام)، هو من عبارات السلف كقولهم: (أمروها كما جاءت بلا كيف)، أي: مع نفي الكيفية عن الله ﷾، لا نفي وجود وإنما نفي علم، كما قال الإمام مالك في قاعدته المتواترة والمتلقاة بالقبول عند سائر أهل العلم: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعه).
فقوله: (الكيف مجهول) أي: أن صفات الله ﷾ لابد لها من حقيقة وكيفية ولكنها مجهولة.
أما كونها مجهولة فذلك بدلالة الشرع؛ لأن الله أخبرنا أنه استوى ولم يخبرنا كيف استوى، فالاستواء مجهول بدلالة العقل؛ لأن العلم بالكيفية ممتنع، فإن الكيف إنما يُعلم بالخبر المفصل أو بالمشاهدة أو بمشاهدة النظير، والله لم يخبرنا بالكيف مفصلًا، ولم نره، وهو متعال ومنزه ﷾ عن المثيل والشبيه.
وقوله: (والإيمان به واجب)، أي: أن الإيمان بالخبر ليس مبنيًا على الإيمان بالعلم بالكيفية؛ فإن هذا منفك عن هذا، والناس يؤمنون بأشياء كثيرة مع أنهم لم يعرفوا كيفيتها.
[ ٢ / ٩ ]
نفي التمثيل أولى من نفي التشبيه
قال المصنف ﵀: [ولا يشبه الأنام].
قوله: (ولا يشبه الأنام) لفظ التشبيه جرى ذكره منفيًا في كلام الأئمة ﵏، لكن هذا اللفظ لم يستعمل في الكتاب ولا في السنة، ومن هنا فإن التعبير بنفي التمثيل يكون أصح من جهة أنه اللفظ الذي عُبر بنفيه في القرآن، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
وتخصيص المصنف (الأنام) بالذكر ليس هو الأولى، بل كان الأولى أن ينفي ذلك مطلقًا، إلا إذا أريد أن هذا من باب قياس الأولى؛ فإن الله ﷾ كرَّم بني آدم، وإذا كان الله ﷾ منزهًا عن مشابهتهم فغيرهم ممن هو دونهم من باب أولى.
أو يُفَسَّر كلام المصنف بأن المراد (بالأنام) سائر المخلوقين، فإنه بهذا الاعتبار يكون ممكنًا.
قال المصنف ﵀: [حي لا يموت، قيوم لا ينام].
قوله: (حي لا يموت):
ذكر المصنف اسم الحي والصفة المتضمنة له، وذكر النفي، مع أن الأصل أن اللفظ المفصل إثباتًا في القرآن لا يلحق به نفي ما يضاده إلا في الموارد المذكورة في النصوص على هذا الوجه، فمثلًا: إذا ذكر السميع والبصير فإنه يذكر ولا يلحق به النفي؛ لأن العلم بالنفي علم قاطع، من باب أن المتقابلين يمتنع ثبوتهما معًا، فلما ثبت أنه سميع عُلِمَ أنه منزه عن ضد ذلك؛ لكن المصنف قال هنا: (حي لا يموت)، لأن الله ﷾ قال: ﴿الله لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] فلما حصلت هذه المناسبة في هذا السياق جرى المصنف على هذا الاعتبار، وإلا فإن الأصل أن اللفظ المفصل لا يلحق به النفي الذي يعلم ثبوته معه.
[ ٢ / ١٠ ]
التفصيل في معنى: (الحاجة) المنفية عن الله
قال المصنف ﵀: [خالق بلا حاجة، رازق بلا مئونة].
قوله: (خالق بلا حاجة):
(الحاجة) لفظ مجمل حادث، أما كونه حادثًا فلأنه لم يذكر في الكتاب ولا في السنة، وأما كونه مجملًا فهذا باعتبار الاستعمال.
مثلًا: علماء الأشاعرة لما تكلموا في مسألة حكمة الله لم يصرح أحد منهم بنفي الحكمة عن الله، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على ابن المطهر في منهاج السنة، لما قال ابن المطهر: إن بعض طوائف السنة ينفون عن الله الحكمة، قال شيخ الإسلام: (وأما قوله: إن بعض طوائف السنة ينفون عن الله الحكمة، فإنما يريد به مذهب الأشعرية، ومع هذا فإن الأشعري وسائر أصحابه لم ينطق أحد منهم بنفي لفظ الحكمة، بل هذا لا يعرف عن أحد من المسلمين)، فإنهم وإن كان حقيقة مذهبهم نفي الحكمة، لكنهم لا يعبرون بنفيها.
لكن الأشاعرة سموا الحكمة غرضًا وحاجة، ولهذا نجد في كتب الأشاعرة كثيرًا (فصل في أن الله منزه عن الأغراض والحاجات) ومرادهم بالحاجات والأغراض: هو معنى الحكمة المعروف في كلام السلف ﵏، وإذا ذكر الأشعرية الحكمة فسروها بمحض الإرادة والمشيئة، وأما معناها فإنهم ينفونه تحت مسمى الغرض والحاجة.
وعليه: فقول المصنف: (خالق بلا حاجة)، وهذا حرف فيه تردد، فإننا لو أخذنا اللفظ حسب وضع اللغة العربية فإن الجملة تكون مناسبة، حتى ولو لم يرد اللفظ في القرآن فإننا نقول: هذا من باب الإخبار، والخبر إذا كان صحيحًا، ولفظه في اللغة صحيح فلا يلزم التصريح به في الكتاب أو السنة، لكن هذه الجملة فيها نظر؛ لأن لفظ: (الحاجة) صار يراد به عند الأشاعرة وكثير من المتأخرين نفي الحكمة والتعليل لأفعال الله ﷾، وهذا هو الذي جعل بعض شراح الطحاوية يفسرون ذلك بأنه خلق الخلق ليس لحكمة ولا لعلة، إنما لمحض المشيئة، فالصحيح أن يقال: هو الخالق، وهو مستغن عن خلقه، ولكنه خلق الخلق لحكمة.
وجميع حكمته سبحانه لا يعلمها الناس، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وإذا كان أمره ﷾ يخفى على كثير من الناس مراده به فكيف بحكمته -ويريد بذلك قوله تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١]- التي لا يعلمها على التمام ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما يعرفون أصولها وجملها، كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، لكن سائر ما يقع في هذا الكون من الحركة والسكون والأفعال والتقدم والتأخر والمآلات وما إلى ذلك، فإن تفاصيل العلم بهذه الأشياء محض حق الله ﷾.
[ ٢ / ١١ ]
عموم رزق الله لخلقه
قول المصنف ﵀: [رازق بلا مئونة] أي: أن الله ﷾ هو الرازق يرزق من يشاء، ومسألة الرزق تكلمت المعتزلة فيها من جهة أن رزقه ﷾ هل هو سائر ما يقع لعباده حتى ولو كان العبد كافرًا، أم أن الرزق لا يضاف إلا لمن آمن به؟
فذهب طائفة من المعتزلة إلى أن الرزق خاص بمن آمن به، قال شيخ الإسلام ﵀: وهذا تخصيص مخالف لإجماع السلف، بل رزقه ﷾ لسائر من خلق من بني آدم وغيرهم من آمن منهم ومن كفر.
قال المصنف عليه رحمة الله: [مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة].
الجمل التي تقدم ذكرها إلى هذه الجملة كلها مجملة متفق عليها في الجملة بين سائر طوائف المسلمين، ولم يذكر المصنف جملةً مختصةً يقع بها التمييز لمذهب السلف عن غيرهم.
وبعض الطوائف قد تفسر بعض هذه الجمل تفسيرًا يختلف عن تفسير السلف لها، لاختلافهم في مناطاتها، مثلًا قاعدة: (أن الله ﷾ مستحق للكمال منزه عن النقص)، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: هذه قاعدة متفق عليها بين سائر طوائف المسلمين، لا أحد ينازع في كون الباري سبحانه مستحقًا للكمال منزهًا عن النقص، وإنما اختلف المسلمون في تحقيق مناطها.
أي: في تفسير الكمال: هل هو بإثبات الصفات أم بنفي الصفات كما ذهبت الجهمية والمعتزلة وكثير من الطوائف الكلامية، أم بإثبات بعض الصفات ونفي بعضها، أم بالتفويض؟
[ ٢ / ١٢ ]
حقيقة الموت عند أهل السنة وغيرهم
قوله: (مميت بلا مخافة) أي: أن الله ﷾ هو الخالق المحيي المميت، والموت عند أهل السنة والجماعة مخلوق، كما نقل الإجماع عليه غير واحد منهم الإمام ابن تيمية ﵀، وكذلك عند جمهور الطوائف الكلامية.
وهذا هو ظاهر القرآن والسنة؛ فإن الله ﷾ قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك:١ - ٢]، فجعل الموت أحد مخلوقاته، وكذلك ثبت عن النبي ﵌ كما في الصحيحين أنه قال: (يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنا)، فالموت مخلوق خلافًا للفلاسفة الذين زعموا أن الموت عدم محض.
[ ٢ / ١٣ ]