من عقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بالموت وبما بعده، فيؤمنون بملك الموت وأنه موكل بقبض الأرواح، ويؤمنون بعذاب القبر ونعيمه، وأن القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، وأن العذاب في القبر يكون على الروح والجسد وغير ذلك مما بينه ربنا ﵎ ورسوله ﷺ.
[ ٢٥ / ١ ]
الإيمان بما بعد الموت
قال المؤلف عليه رحمة الله ﵎: [ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين].
الكرام الكاتبون هم الملائكة الموكلون بكتابة أعمال العباد، وهم المذكورون في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢]، وقوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] ومثل قوله ﷺ في الصحيح عن أبي هريرة: (يتعاقبون عليكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، فهؤلاء الكرام الكاتبون، يكتبون أعمال العباد حسنها وسيئها.
[ ٢٥ / ٢ ]
النزاع في المباحات هل تكتبها الملائكة أم لا؟
وقد تنازع أهل العلم في المباحات من الأقوال هل تكتب أو لا تكتب، على قولين مأثورين عن طائفة من الصحابة والأئمة: فمنهم من قال: إن كل شيء يكتب؛ لعموم قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ [ق:١٨].
ومنهم من قال: لا يكتب إلا ما كان من الحسنات والسيئات؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]، فهذان قولان مأثوران والمسألة فيها سعة.
[ ٢٥ / ٣ ]
الإيمان بملك الموت
قال: [ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين].
الله أعلم بماهية قبضه للأرواح، وإنما يؤمن أهل السنة والجماعة والجماهير من المسلمين بأن الله سبحانه قد وكل بالموت ملكًا يقبض أرواح العباد، وقد ثبت ذكر ملك الموت في السنة المتواترة عن النبي ﵌.
[ ٢٥ / ٤ ]
الإيمان بعذاب القبر وفتنته
قال: [وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا، وسؤال منكرٍ ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ، وعن الصحابة رضوان الله عليهم].
قوله: (على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة رضوان الله عليهم):
عذاب القبر مذكور في القرآن، ولكنه ذكر في القرآن مجملًا، وهو المذكور في مثل قوله تعالى إخبارًا عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر:٤٦]، وكأن مراد الطحاوي ﵀ بقوله: (على ما جاء عن رسول الله) أي: مفصلًا، فإن النبي ﷺ فصل عذاب القبر.
والأحاديث في عذاب القبر متواترة عن النبي ﷺ في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها، ومن ذلك حديث أنس المتفق عليه: (إن أحدكم إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، قال: فيأتيه ملكان ..).
وجاء عند ابن حبان: (أن أحدهما منكر والآخر نكير ..) ولهذا ذكر المصنف ذلك بقوله: (وسؤال منكر ونكير) وهذان اسمان للملكين، ولم يخرج في الصحيح تسميتهما، ولكن الأئمة ذكروا ذلك، وممن ذكر ذلك الإمام أحمد ﵀، واحتج على هذه التسمية بهذا الحديث، فهذا الحديث مستعمل في كلام الأئمة ﵏ ومحتجٌ به.
ومن ذلك أيضًا ما جاء في حديث زيد بن ثابت الثابت في الصحيح قال: (كنا مع رسول الله ﷺ، ونحن بضعة نفر، وهو على بغلة إذ جالت به وكادت أن تلقيه، وإذا أقبر خمسة أو ستة أو أربعة فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا، قال: من هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، ثم قال ﷺ: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع به).
وأيضًا في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير)، وفي روايةٍ في الصحيح: (وإنه لكبير) .. إلخ.
وأيضًا جاء من حديث ابن عمر ﵄ في الصحيح: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة ومقعده بالعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار)، فأحاديث عذاب القبر وكذا نعيمه متواترة عن النبي ﵌، وقد أجمع عليها السلف، وخالف في ذلك طوائف من المعتزلة، فأنكروا عذاب القبر أو أنكروا بعض تفاصيله.
[ ٢٥ / ٥ ]
عذاب القبر ونعيمه على الروح والجسد
وعند أهل السنة والجماعة أن عذاب القبر ونعيمه يكون على الروح والجسد، وأما قول من يقول: بأنه على الروح فقط، فإن هذا قول منكر مخالف لإجماع السلف، بل تعذب الروح متصلة بالجسد، ويقع العذاب عليهما معًا.
والروح لها أحوال مختلفة، ولهذا ذكر النبي ﷺ أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تطير في الجنة، وأن أرواح الأنبياء في عليين ..
ولكنها وإن كانت تنعم في الدرجات العليا فإنها تكون متصلة بالجسد نوع اتصال، وهذا هو المقصود من قولهم: إن العذاب يقع على الروح والجسد، فالمقصود بذلك ما يقع بالاتصال، وإن كانت الروح قد تفارق مفارقة ما، إما إلى نعيم وإما إلى عذاب.
وقد يكون العذاب أو النعيم على الروح والجسد مع أنهما في القبر، أي أن الروح تكون في القبر، فهذه أحوالٌ تختلف بحسب حال العبد، وذكر النبي ﷺ عن أهل الإيمان: أنه يفسح لهم في قبورهم، وما إلى ذلك، ولهذا قال في دعائه للموتى: (اللهم افسح لهم في قبورهم، ونور لهم فيها)، فالقصد أن أهل السنة أجمعوا على أن العذاب يكون على الروح والجسد، وقول من يقول: بأن الجسد لا علاقة له البتة، وإنما النعيم أو العذاب على الروح فقط، قول مبتدع وإن ذكره بعض المتأخرين من أهل السنة.
[ ٢٥ / ٦ ]
القبر روضة من الجنة أو حفرة من النار
قال: [والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران].
القبر إما أن يكون روضة من رياض الجنة، وذلك في حق أهل الإيمان والإسلام، وإما أن يكون حفرة من حفر النار، وذلك في حق أهل الكفر، وأما فساق أهل الملة فقد يعرض لهم في قبورهم ما هو من العذاب، ولكن لا يلزم أن يستمر هذا العذاب أو التضييق، بل يكون مآلهم إلى خيرٍ ورحمة من الله سبحانه.
[ ٢٥ / ٧ ]
الإيمان بالسمعيات
قال: [ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان].
جمهور الأصول السمعية متفق عليها بين عامة طوائف المسلمين، وإن كانت هناك مخالفات عند المبالغين في التأويل كبعض الغلاة من المعتزلة، أو من تأثر بالفلسفة من الأشاعرة، أو دخل في شيء من ذلك، أو في التصوف الإشراقي كـ أبي حامد الغزالي، حيث يعرض له في كلامه ما هو من التأويل لبعض هذه المسائل كمسألة الميزان ونحوه، وإلا فإن الأصل عند جماهير أهل القبلة -فضلًا عن إجماع أهل السنة والجماعة- هو الإيمان بهذه المسائل وأنها حقائق وماهيات الله أعلم بكيفيتها وماهيتها.
[ ٢٥ / ٨ ]