أصحاب رسول الله ﷺ هم صفوة الخلق الذين اختارهم الله سبحانه لصحبة نبيه ونصرته واتباعه، ورفع راية الدين من بعده، فكان لزامًا على كل من يأتي بعدهم موالاتهم ومحبتهم واتباع آثارهم.
[ ٢٨ / ١ ]
موالاة أصحاب النبي ﷺ ومحبتهم
قال المصنف ﵀: [ونحب أصحاب رسول الله ﷺ].
هذا من أصول أهل السنة، ولهذا قال شيخ الإسلام في الواسطية: (ومن أصول أهل السنة والجماعة، سلامة قلوبهم وألسنتهم من أصحاب رسول الله ﷺ)، وهذه جملة جامعة، لأن الإيمان يتحقق بسلامة القلوب وسلامة الألسنة، وأما من أظهر سلامة اللسان مع ما في قلبه من الطعن والبغي أو الانتقاص، فإن هذا من النفاق الباطن، ومن مرض القلب، وهذا لا يختص بالشيعة، بل يقع فيه كثير من المنتسبين إلى التسنن العام في مقابل الشيعة، كما يقع في ذلك بعض الكتاب، أو بعض المفكرين أو نحوهم، ممن يتكلمون في بعض مقامات الصحابة وأحوالهم، ولاسيما موقف الصحابة من مسألة الخلافة كموقف أبي بكر وموقف عمر مع الأنصار، أو الخلاف الذي حصل بين علي ومعاوية، فترى أنهم يعرضون ويطعنون في بعض الصحابة الأكابر، مع أنهم ليسوا على مذهب من التشيع معروف، بل هم مباعدون لهذه المذاهب، فهؤلاء وإن أجملوا أو حسنوا بعض العبارات فإن ما يكون في القلب يعلمه الله ﷾.
فالقصد أن عبارة شيخ الإسلام في الواسطية عبارة محكمة، فإنه قال: (ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم)، فلا بد أن يكون ذلك محققًا في القلب.
والصحابة هم السادة الذين أثنى الله ﷾ عليهم في كتابه، ومن الممتنع في العقل والشرع أن يكون هؤلاء السادة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، قد انحرفوا أو ضلوا أو نافقوا في زمنه ﷺ، أو ارتدوا من بعده، إلى غير ذلك من الأكاذيب التي يكذبها العقل قبل الشرع، ويقولها أهل البدع والضلال، ومقام الصحابة مقام مجمع عليه بين السلف، وقد ﵃، ورضوا عنه، ولهم درجة الصحبة التي لا يبلغها أحد.
قال: [ولا نفرط في حب أحدٍ منهم ولا نتبرأ من أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دينٌ وإيمانٌ وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان].
[ ٢٨ / ٢ ]
ترتيب الخلافة بعد النبي ﷺ
قال المصنف ﵀: [ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ، أولًا لـ أبي بكر الصديق ﵁، تفضيلًا له، وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لـ عمر بن الخطاب ﵁، ثم لـ عثمان بن عفان ﵁، ثم لـ علي ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون].
هذا مجمع عليه، حتى آل البيت من أصحاب السنة والجماعة يجمعون على ذلك، وإن كان علي بن أبي طالب -كما هو معروف- قد تأخر عن بيعة أبي بكر زمنًا، وبعض أهل التاريخ ينازعون في هذه المسألة، وهي مسألة طويلة.
[ ٢٨ / ٣ ]
موقف علي بن أبي طالب من بيعة أبي بكر
لكن الذي جاء في الصحيح من حديث عائشة ﵂ أن عليًا ﵁ لم يبايع أبا بكر ﵁ إلا بعد ستة أشهر، وهذه على كل حال مسألة مختصة، فإنه ثبت في الصحيح وغيره أن عليًا بايع بعد ذلك، وبيعة علي لـ أبي بكر متفق عليها.
وبيعة أبي بكر رضي الله تعالى عنه مجمع عليها بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم حتى علي، فإنه قبل بيعته لـ أبي بكر ما كان خارجًا عليه، فلا يفهم من عدم مبايعة علي لـ أبي بكر ﵄ في بداية الأمر أنه كان خارجًا على أبي بكر، ومعلوم أنه لا يلزم سائر الأعيان من أهل الحل والعقد أن يأتوا بأعيانهم للمبايعة، فقد يكون هناك موجبات وأسباب، أو حتى تقصير في الإتيان، لكن مع هذا لا يسمى هذا رفضًا أو إبطالًا من علي لبيعة أبي بكر أو تحريضًا للناس على الخروج عليه.
وإذا كان بعض المبتدعة قد سمى هذا رفضًا من علي ﵁، فكل هذا لم يكن، فضلًا عن كون علي رضي الله تعالى عنه جاء بعد ذلك وبايع أبا بكر ﵁، فهذه بيعة متفقٌ عليها.
ثم إن الكثيرين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما بايعوا عليًا بالتعيين مع أن بيعة علي ﵁ وخلافته مجمع عليها بين أهل السنة والجماعة، فإذا كان فعل علي ﵁ يعد طعنًا في بيعة أبي بكر ﵁، لزم أن يكون فعل هؤلاء الصحابة طعنًا في بيعة علي، فإن المتخلفين عن بيعة علي أكثر، ولم ينقل أن أحدًا تخلف عن بيعة أبي بكر إلا عليًا ثم جاء وبايع، وأما من عداه فإنهم بايعوه وأقروه، سواء جاءوا بالتعيين، أو أقروا إقرارًا، أو اتخذوا طاعته وسمعوا له، ومعلوم أن من سمع وأطاع فإنه يعد مبايعًا ولا يلزم بالضرورة أن يأتي بعينه، والإلزام من تكلف أهل البدع في التشكيك بخلافة إمام الأمة وصديقها رضي الله تعالى عنه.
ثم الخلافة من بعد أبي بكر في عمر رضي الله تعالى عنه، ثم الخلافة من بعده في عثمان ﵁، ثم الخلافة من بعده في علي ﵁، وخلافة الخلفاء الأربعة مجمع عليها بين السلف.
والحقيقة أن المسألة الممكنة التي لو فرض جدلًا أن فيها مثارًا من الإشكال والسؤال -ولهذا كان السلف يدرءون القول فيها، ويحققون الجزم بها- هي خلافة علي ﵁، فإن الناس كانوا فيها متفرقين حتى الصحابة وحتى حصل القتال، وأما بيعة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فإنها بإجماع أهل العلم كانت أحكم من بيعة علي ﵁، مع أن بيعة علي رضي الله تعالى عنه بيعة شرعية بإجماع السلف، وخلافته خلافة نبوية.
وقد كان الإمام أحمد وأمثاله يقولون: (من لم يربع بـ علي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله)، مع أن طائفة من الصحابة كانوا مقاتلين لـ علي، ولهذا قيل للإمام أحمد: فكيف بمن قاتله؟ فقال: (أنا لست من حربهم في شيء)، وقيل له أيضًا: قد كان لا يربع به من لا يقال له: إنه أضل من حمار أهله، يعنون بذلك من قاتله من الصحابة، كـ معاوية وغيره، فقال الإمام ﵀: (أنا لست من حربهم في شيء).
فالإمام أحمد ﵀ وغيره من أئمة السنة جزموا بخلافة علي وأنها خلافة راشدة بالسنة؛ لأن النبي ﷺ قال: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)، كما في حديث سفينة ﵁ المخرج في المسند وغيره، وهو حديث صحيح ذكره الإمام أحمد واحتج به وكذا غيره من أئمة السنة، فهذا هو الموجب عندهم.
ومعنى قوله: (أنا لست من حربهم في شيء)، أي أنه إذا اجتهد مجتهدٌ ولو كان صحابيًا فأخطأ في اجتهاده ولم يتبع عليًا رضي الله تعالى عنه، فإن اجتهاده وخطأه لا يمكن أن يكون موجبًا لترك ما ذكره الرسول ﷺ من البيان في هذه المسألة.
[ ٢٨ / ٤ ]
حكم التخميس بعمر بن عبد العزيز في الخلافة
ذكر بعض المتأخرين من أهل السنة، ونسبوا هذا القول لبعض المتقدمين -وكأنه لا يصح عن أحد من المتقدمين- أن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس، ولما بلغ الإمام أحمد عن بعض أهل العراق أنه كان يقول بأن عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الخامس، كان ينكر ذلك إنكارًا شديدًا، وموجب ذلك: أن الخلافة الراشدة التي قال فيها ﵊ في حديث العرباض في السنن والمسند: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء) هي خلافة الخلفاء الأربعة الراشدين فحسب، وأما عمر بن عبد العزيز فهو مقتدٍ بهم، ولا يعد خليفةً راشدًا على معنى الحديث النبوي، لأن الخليفة الراشد له سنة متبعة.
وأما تسمية عمر بن عبد العزيز ﵁ ورحمه خليفة راشدًا، فمعنى ذلك أنه على منهاج الخلافة الراشدة، وهذا لا إشكال فيه، كما أنه يسوغ عند عامة أهل العلم أن يسمى السلاطين من المسلمين إذا جمعوا كلمة المسلمين خلفاء، وقد كان شائعًا تسمية بني أمية وسلاطين بني العباس بالخلفاء، فمن سمي خليفة على هذا الوجه فلا إشكال فيه، حتى عمر بن عبد العزيز، إذا قيل: إنه خليفة راشد، أي أنه مقتدٍ بهم، فنعم، أما إذا قيل: خليفة خامس، والخلفاء الراشدون خمسة، فهذا لا شك أنه غلط مخالف للسنة.
[ ٢٨ / ٥ ]
المفاضلة بين معاوية وعمر بن عبد العزيز
وعمر بن عبد العزيز ليس له سنة متبعة، بل إن معاوية بإجماع أهل العلم أفضل منه، وعمر بن عبد العزيز حقيقته أنه ملك، قال شيخ الإسلام ﵀: (وكان الخلفاء الراشدون، خلفاء الرسول ﷺ في الأمة، هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وما بقي من إمارة الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه، ثم جاء معاوية، فـ معاوية هو أول ملوك المسلمين وهو بإجماع أهل السنة والجماعة أفضل ملوكهم).
أي: فهو أول ملوك المسلمين، وسائر من بعده يسمون ملوكًا، وإذا سموا خلفاء فعلى المعنى العام، الذي هو إمارة المسلمين والقيام على شئونهم، أما الخلفاء الراشدون، فإن المقصود بكونهم خلفاء ليس هو خلافة المسلمين والقيام على شئونهم فحسب، بل هذا المعنى حاصل لهم مع كونهم خلفاء رسول الله ﷺ في الأمة، وهذه المنزلة خاصةٌ بـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، ولا تكون لـ معاوية فضلًا عن كونها لـ عمر بن عبد العزيز، قال شيخ الإسلام: (وإن كان حصل في زمن عمر بن عبد العزيز من مقامات العدل ما لم يتحقق في زمن معاوية، ومع هذا فإن معاوية أفضل منه بالإجماع).
وتفضيل عمر بن عبد العزيز على معاوية ليس محكمًا من أوجه كثيرة، حتى في مسألة العدل، لأن عمر بن عبد العزيز جاء في زمن فيه قدر من الاستقرار، بخلاف الزمن الذي جاء فيه معاوية رضي الله تعالى عنه، فإنه ما كان زمنًا مستقرًا، بل كان فيه منازعة بعض آل البيت، وكان معاوية يقابله مجتهدون أكابر كـ عبد الله بن الزبير والحسين بن علي، بخلاف عمر بن عبد العزيز فلم يكن يعارضه إلا معارض لا قيمة له، ولهذا لا ينبغي الطعن على معاوية بأي مسألة من المسائل أبدًا.
وأما قتاله لـ علي فقد خالف فيه، والحق مع علي رضي الله تعالى عنه، وقد جاءت الدلائل من السنة على أن عليًا أولى بالحق، وأن عمارًا تقتله الفئة الباغية، كما في حديث أم سلمة ﵂، فدل هذا على أن اجتهاد معاوية ﵁ كان خطأً، ولكنه خطأٌ مغفور من إمامٍ هو صاحب مقام في الاجتهاد.
[ ٢٨ / ٦ ]
حال يزيد بن معاوية
الطعن الذي يمكن أن يصح هو في شأن يزيد بن معاوية، ومعلوم أن يزيد بن معاوية ليس صحابيًا ولا له درجة الصحبة، وله بعض المحاسن التي تذكر، إلا أن له بعض الأغلاط الكبار، وأشد أغلاطه وأخسها حاله مع الحسين بن علي ﵁، وحاله مع أهل المدينة، ومع هذا فقد كان فيه قدرٌ واسع من العدل، ولكنه كان حريصًا على تصفية خصوم الدولة الأموية إذا ذاك، ولم يكن مباليًا بمقام ابن الزبير ومقام الحسين بن علي وما حصل من أهل المدينة، مع أن الظاهر في أهل المدينة أنهم أخطئوا فيما فعلوه، ولكن مع ذلك فإن تصرفه معهم خطأ، فإنه أرسل مسلم بن عقبة المري وأمره إن لم يستجب له أهل المدينة أن يستبيح المدينة ثلاثة أيام، ففعل، فكان هذا من أكبر الأغلاط التي وقع فيها يزيد، وإن كان هو لم يفعل بنفسه، ولكنه أرسل قائدًا يعرف حاله.
وكذلك الحسين بن علي لما اضطره ابن زياد إلى القتل صبرًا، مع أن الحسين بن علي تراجع مع جيش ابن زياد أن يذهب إلى يزيد بن معاوية في الشام، أو يذهب إلى أحد الثغور، أو يرجع إلى مكة، فرفض ابن زياد ومن معه فقتلوه ومن معه صبرًا، ولما بلغ الأمر يزيد بن معاوية أظهر التأسف وأكرم النساء اللاتي وصلن إلى الشام من أهل البيت، لكن هذا كله حتى الكفار يفعلونه، ولا يمكن أن يعتذر عن يزيد بن معاوية بكونه لما جاءه نساء الحسين ومن معهن أكرمهم وقدرهم فهذا لا بد أن يفعله؛ إذ لا يمكن أن يقتل نساء الحسين بن علي ومن معهن.
فالقصد أنه لا شك أن يزيد بن معاوية مؤاخذ، لا نقول عند الله، ولكن لا شك أنه غلط واستحق الطعن فيه بسبب ما تصرف به في مسألة المدينة ومسألة الحسين بن علي، فإنه صحابي من أشرف الصحابة، وابنٌ لرسول الله ﷺ، وقتل صبرًا وفي أنواع من الظلم متوالية ومتواترة، فلا ينبغي أن يستحي أهل السنة من ذكر يزيد بن معاوية بهذا مع ما له من الحسنات والفضائل والعدل في مقامات متعددة، فأحسن ما يكون حال يزيد بن معاوية مع الحسين بن علي، ما قال أبو سفيان في يوم أحد: (ما أمرت بها ولم تسؤني)، مع أن الظاهر أنه أمر بها بشكل آخر، فإنه أرسل رجلًا يعرف حاله وهو ابن زياد، والدليل على هذا أنه ما قتل ابن زياد ولا عاقبه معاقبة بينة.
وكانت طريقة بني أمية أن يجعلوا أكثر المشاكل في وجه القادة، مثل الحجاج بن يوسف لما قتل ابن الزبير، ومثل مسلم بن عقبة لما استباح المدينة، ومثل ابن زياد لما قتل الحسين، فيجعلون هذا في وجه القادة، ثم يظهرون الندم والتأسف، وهذه طريقة شائعة في سياسة بني أمية.
[ ٢٨ / ٧ ]
العشرة المبشرون بالجنة
قال: [[وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ، وبشرهم بالجنة، نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله ﷺ وقوله الحق، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة، ﵃ أجمعين]].
من شهد له رسول الله ﷺ بالجنة ليس محصورًا في هؤلاء العشرة، بل هناك غيرهم.
وسعد هنا هو ابن أبي وقاص، وسعيد هو ابن زيد.
[ ٢٨ / ٨ ]
بغض الصحابة من النفاق
قال: [ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ، وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق].
أي: لأن النبي ﷺ ذكر ذلك، ومنه قوله ﷺ في حديث البراء: (لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق)، فحب الصحابة ﵃ أنصارًا كانوا أو مهاجرين إيمان، وبغضهم نفاق، والمهاجرون كما هو معلوم جنسهم أعظم وأفضل من جنس الأنصار؛ لأن الله قدمهم لما معهم من الهجرة والنصرة، وإن كان الأعيان لا يلزم أن يطرد فيهم هذا.
أحيانًاَ يستدل بعض الشيعة على نفاق بعض الصحابة بأنهم قاتلوا عليًا، ويذكرون في هذا قول النبي ﷺ لـ علي -وهو حديث صحيح مخرج في صحيح مسلم وغيره- عن علي ﵁: (إنه لعهد النبي الأمي إلي، أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق)، قالوا: ومن قاتله فقد أبغضه، وأي بغضٍ أشد من رفع السيف في وجهه .. إلى غير ذلك.
فيقال: لا شك أن هذا ليس طريقًا للتحصيل، وإلا لو كان كذلك للزم أن من قاتل أنصاريًا يكون متصفًا بذلك، وقد ذكر كثير من أهل الأخبار والسير أنه كان في جيش معاوية بعض الأنصار، فيلزم أن الحكم ينطبق على علي ومن معه، ولا شك أن هذه طريقة ليست من طرق الفقه المأثورة عن سلف الأمة، وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع اقتتالهم متوالين في قلوبهم، أي: بينهم قدرٌ من الموالاة والمحبة في قلوبهم، وإن اجتهدوا فيما اجتهدوا فيه فأخطئوا، وهذا بين في كلام علي رضي الله تعالى عنه.
[ ٢٨ / ٩ ]
الكلام على القتال بين علي ومعاوية
وقد تنازع أهل السنة والحديث في القتال بين علي وأهل الشام، أي: بين معاوية ومن معه، فمنهم من قال: إن الصواب كان مع علي، ومنهم من قال: إن الصواب كان في ترك القتال، وكلا القولين مأثور عن السلف ﵏.
وأما من صوب قتال معاوية فإن هذا قولٌ غلط لم يقله أحدٌ من السلف، وكذلك من قال: إن هذا الزمن ليس فيه إمام أو خليفة شرعي، وإنما هو زمنٌ فتن، فهذا قول لطائفة من المتكلمين وبعض الفقهاء؛ وإنما القولان المأثوران عن السلف إما تصويب القتال من جهة علي، وإما تصويب ترك القتال.
وشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: (إن جمهور أهل السنة والحديث يذهبون إلى أن الصواب هو ترك القتال؛ لأن معاوية ومن معه غاية الأمر أن يكونوا بغاةً، ولم يؤمر لا في الكتاب ولا في السنة بقتال الطائفة الباغية ابتداءً، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ..﴾ [الحجرات:٩]، فإن قتال الطائفة الباغية إنما شُرع بعد الصلح، قال: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)، فالمشروع هو الصلح وليس البدء بالقتال.
ويستدل لذلك أيضًا بما ثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال عن الحسن: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، قال شيخ الإسلام: (ولو كان القتال مشروعًا لما كان من امتنان الله وفضله على المسلمين أن يرفع عنهم ما هو مشروع)، أي: لكانت النعمة في بقاء هذا المشروع واستمراره، فهذان الدليلان هما أخص ما استدل به شيخ الإسلام، وقال: إن هذا هو القول الذي عليه جمهور أهل السنة والحديث، وذكر أنه الراجح في مذهب الإمام أحمد.
والحقيقة أن المسألة فيها إشكال، ولا يلزم أن يجزم فيها عند طالب العلم بجزم؛ لأن الاستدلال بالآية مشكل من جهة، وهي أنه وإن كان القتال إنما يشرع بعد الصلح؛ لكن إذا كان الصلح متعذرًا أو لم يكن ممكنًا، فهل يبقى أن القتال لا يشرع بحال؟ وهل علي رضي الله تعالى عنه أمكنه الصلح وتركه؟ هذه مسألة لا يمكن الجزم بها، أو يجزم بأن عليًا ما كان يمكنه الصلح، لكن على أقل تقدير نقول: لا يمكن لأحدٍ أن يقول: إن عليًا كان يمكنه الصلح، ولكنه أعرض عنه.
وكذلك قوله ﷺ: (إن ابني هذا سيد)، يقال: إن هذا كان في حق الحسن، ومعلوم أن الحسن ليس كأبيه، فلو كان القتال من أبيه مشروعًا لم يلزم أن تكون مواصلة القتال من قبل الحسن مشروعة، فإن مقام علي ليس هو مقام الحسن، فالمسألة ليس فيها شيء بين، وإن كان الرسول ﷺ قال: (تقتل عمارًا الفئة البغية)، فهذه مسألة اجتهاد.
ومما يدل على أن المسألة مسألة اجتهاد: أن الصحابة ﵃ كانوا مختلفين فيها، ومن ترك القتال لا يلزم أنه لم يكن مع علي، فإن أسامة بن زيد، كما ثبت عنه في الصحيح قال لـ علي: (يا أبا الحسن! لو كنت في شق الأسد، لأحببت أن أكون معك فيه) أي أنه كان مواليًا تمامًا لـ علي، قال: (ولكن هذا أمرٌ لا أراه) وحتى علي نفسه، فقد كان متبرمًا من القتال، وكان يمتدح مقام سعد بن أبي وقاص، وامتداحه له مشهور معروف، فالقصد أن هذه المسألة ليست بينة، بل هي من مسائل الاجتهاد، ومن اجتهد من الصحابة فله أجران ومن أخطأ فله أجر.
[ ٢٨ / ١٠ ]