يؤمن أهل السنة والجماعة بما جاء في كتاب ربهم وسنة نبيهم من أشراط الساعة، ومن أصولهم التي يعتقدونها: القصد إلى الجماعة، واجتناب الفرقة والاختلاف؛ فهم يزنون كل شيء بميزان الكتاب والسنة، فهما الميزان العدل الذي لا حيف فيه ولا جور.
[ ٣٠ / ١ ]
الإيمان بأشراط الساعة
قال المصنف ﵀: [ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم ﵇ من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها].
أشراط الساعة: هي مقدماتها التي تقع قبل وقوعها، والمشهور في كلام المتأخرين من أهل العلم أنهم يقسمون هذه الأشراط إلى الكبرى والصغرى، وإن كان بينهم نزاع في تحديد الكبرى، وأكثرهم يقولون: إن الكبرى هي العشر التي ذكرها النبي ﷺ في حديث حذيفة بن أسيد الذي رواه مسلم وغيره، قال: (اطلع علينا رسول الله ﷺ، ونحن نتذاكر، قال: فما تذاكرون؟ قلنا: الساعة.
قال: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر: الدخان والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاث خسوف، خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم)، فهذه الآيات العشر، وقد ذكر المصنف جملة منها، هي المشهورة عند كثير من أهل العلم بالآيات الكبرى، أو بالأشراط الكبرى، وإن كان هذا التقسيم لم يرد في النصوص أصلًا.
وهذه الأمة المحمدية جاءت بين يدي الساعة، وقد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح، أنه قال: (بعثت أنا والساعة كهاتين) وجاء عند الترمذي أن النبي ﷺ قال: (بعثت أنا والساعة نستبق، كادت أن تسبقني فسبقتها)، فإذا كان كذلك، علم أن هذه الأمة بين يدي الساعة، وعليه؛ فما ذكره النبي ﷺ مقدمة لها فإنه يسمى آية لها، أو شرطًا من اشتراطها، وأما تسميتها بالكبرى والصغرى فهذه من الأسماء الإضافية، فيراد بالكبرى ما بين يدي الساعة قريب منها، وهذا مما لا إشكال فيه، وهذا استنبطه أهل العلم من دلالات النصوص، فالنبي ﷺ مع أنه ذكر أنه بعث بين يدي الساعة، إلا أنه كان يخصص بعض الآيات بنوع من التخصيص، وهذا كمثل حديث حذيفة بن أسيد لما قال: (إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات)، فذكر آيات مقاربة لقيام الساعة.
فهذا التقسيم، وهو أن أشراطها تنقسم إلى صغرى وكبرى، لا ينبغي إنكاره، كما فعل بعض الباحثين والمعاصرين، كما لا ينبغي الالتفات إليه كثيرًا، فهو نوع من التقسيم العلمي إذا فسر بمراد صحيح فلا إشكال فيه، فمن تركه ولم يستعمله؛ فلأن النصوص لم تستعمله على هذا الوجه، ومن استعمله، فلكونه ظاهرًا من طرفٍ من نصوص السنة أن هناك آيات لها اختصاص، كهذه الآيات العشر، ولا شك أن بعض الآيات كنزول عيسى بن مريم، لا يمكن أن يقارن ببعض الآيات التي وقعت من سنوات مضت، وعن هذا قيل بهذا التقسيم بالصغرى والكبرى.
[ ٣٠ / ٢ ]
عدم جواز تحديد وقت الساعة
وقوله ﷺ: (بعثت أنا والساعة نستبق)، الساعة تعرب على أنها: مفعول معه، وهذا دليل على المعية والمقارنة بين النبوة وبين الساعة، وقد تكلم بعض العلماء على أن الساعة لا يعلم وقتها إلا الله ﷾، وهذا صريح في القرآن وفي كلام النبي ﷺ، ومع هذا فإن بعض العلماء في القرن التاسع ونحوه تكلم عن قيام الساعة، ولم يحددوها، وإنما تكلموا في قربها، وأنها قد تكون في قرنهم، أو في آخر قرنهم ..
إلخ، والحق أن التحديد للمسائل الخبرية، سواء كان تحديدًا للساعة، أو ما هو دون ذلك، كبعض الملاحم، والقتال الذي يكون مع اليهود أو غير ذلك؛ تحديد هذه الأمور بوقت معين وزمن معين وسنة معينة، لا شك أنه لا يجوز.
ولا شك أنه من الافتيات على الغيب، سواء استعمل لهذا التحديد بعض الاستقراءات من الآثار التي جاءت عن بعض أهل الكتاب أو غيرهم، أو ما يقع فيه بعض الناس -وهو أشد- من اعتبار هذه الأمور بالمنامات، فيفسرون بعض الرؤى بأنها هذه تدل على أنه سيقع القتال بين المسلمين واليهود في تاريخ كذا وكذا، وأن هذه هي الفتنة أو الملحمة التي ذكرها النبي ﷺ، ولا شك أن هذا بدعةٌ لا أصل لها، بل يجب في هذه الأمور أن يؤمن بما حدث به الرسول ﷺ، فضلًا عما جاء في كتاب الله، وأما مرسى هذه الأمور ووقتها وزمنها، فإن ذلك إلى الله ﷾ لا ينبغي التكلف بالبحث عنه.
[ ٣٠ / ٣ ]
تحريم تصديق من ادعى علم الغيب
قال ﵀: [ولا نصدق كاهنًا ولا عرافًا].
الكاهن والعراف: هو من ادعى معرفة شيء من الغيب، وقد تكلم العلماء في الفرق بين العراف والكاهن، إلا أن هذه التقاسيم ليس بالضرورة أن تكون مطردة على كل حال، وقد يقال: إن مثل هذه الأسماء بينها عموم وخصوص، وإنها تقترن في مقام وتفترق في مقام، وأن العراف يسمى كاهنًا وأن الكاهن يسمى عرافًا، وهذا هو أجود التحصيلات لها.
ويشترك الكاهن والعراف في ادعاء علم الغيب، وقد يختلفون في بعض الطرق والأدوات والوسائل، ومن ذلك الرمال أيضًا.
فالمقصود هنا: أن كل من ادعى علم الغيب من جهة نفسه، أو جهة غيره، سواء كان هذا الغير آدميًا أو كان جنيًا، فهو كاهن أو عراف أو رمال.
[ ٣٠ / ٤ ]
حكم إتيان الكهان والعرافين
والنبي ﷺ لما ذكرهم كما في حديث صفية بنت أبي عبيد عن بعض أزواج النبي ﷺ، قال: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاةٌ أربعين يومًا).
وجاء في مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من أتى كاهنًا أو عرافًا، فسأله عن شيء فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد)، وهذان الحديثان لا تعارض بينهما، فمن أتى كاهنًا أو عرافًا فسأله ولم يصدقه، فإن إتيانه يعد محرمًا، ووعيده قوله ﷺ: (لم تقبل له صلاة أربعين يومًا)، وأما من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه، فقد كفر، والمراد بالكفر هنا: الكفر الأكبر المخرج من الملة؛ لأن من صدق الكافر في كفره كان كافرًا، فإن الكاهن إنما كفر بدعوى علم الغيب، فمن صدقه في كفره فقد شاركه في الكفر.
[ ٣٠ / ٥ ]
حكم إتيان الساحر
وأما الساحر، فإنه يختلف عن الكاهن والعراف من وجه، ويشاركهم من وجه، أما مشاركته إياهم فبالكفر، والسحر الذي ذكر في القرآن -وهو المقصود عند العرب بالسحر- لا يكون إلا بنوع من الكفر، وهو أنه لا بد أن يصاحبه خضوع لشياطين الجن، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ..﴾ [البقرة:١٠٢].
والغالب على السحرة أنهم كهان وعرافون، ولكن من كان ساحرًا فأخبر عن محل سحر المسحور، فإن من سأله وصدقه لا يكون كافرًا، والفرق أن من أتى كاهنًا أو عرافًا، أو حتى ساحرًا فسأله عن شيء من الغيب فصدقه فإنه يكفر؛ لأن الغيب لا يعلمه إلا الله، أما محل السحر، فليس هو من الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله، فالساحر الأول الذي سحر زيدًا يعلم مكان السحر، فيمكن أن بعض بني آدم يعلمون هذا المكان، فهذه مسألة لا بد من التفريق فيها، فالذي يقع من كون السحرة قد يخبرون عن محل السحر، هو كما يقرر الإمام ابن تيمية ﵀ أن الساحر لا بد أن يكون له معين وشيطان من الجن، وهذا الكبير من الجن الذي خضع له الساحر، يكون له جنودٌ وأعوان، ومعلوم أن الجن عندهم من سرعة الانتقال والمراقبة والحركة شيء كثير، ومن ذلك ما ذكر في قصة سليمان قال: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ..﴾ [النمل:٣٩]، فيقع في أعوان هذا الساحر من يراقب ويتابع، فقد يرى سحر أحد السحرة، فيعلم مكانه، فيحدث كبيره من الجن بذلك، وكبيره من الجن يحدث من خضع له من السحرة.
فإذا سحر شخص وجاء إلى هذا الساحر يسأله عن مكان السحر لم يكفر؛ لأن السحر ليس من الغيب المطلق، إلا إن كان تصديق زيدٍ لهذا الساحر لاعتقاده أن علمه بهذا علم سرٍ مختص، وأن هذا الساحر يمكن أن يعلم الأشياء الخفية، وأن عنده القدرة على النفوذ والعلم بهذا السر، فإنه يكفر حينئذٍ؛ لأنه اعتقد فيه أنه يعلم الغيب.
[ ٣٠ / ٦ ]
حكم النشرة
ولهذا فكثير من الفقهاء من الحنابلة وغيرهم رخصوا في مسألة النشرة، وهي فك السحر، ومعلوم أن هذا يتضمن سؤال الساحر عن محل السحر، ولو كان كفرًا لما كان من مورد النزاع بين أهل العلم، ومعلوم أن مسألة النشرة فيها خلاف، وإن كان المنسوب إلى جماهير السلف هو النهي عنها.
ولا شك أن الأولى والأقوى من قول العلماء هو تركها والبعد عنها؛ لما يقارنها من الفتن والشر إلى غير ذلك، فليس المقصود أن الراجح هو قول من يقول من الحنابلة أو غيرهم بجوازه، بل الراجح هو عدم ذلك، ولكن المقصود أن يعلم من هذا الخلاف أن سؤال الساحر عن محل السحر لا يلزم أن يكون كفرًا، بل قد يكون كفرًا مخرجًا من الملة، وقد لا يكون كذلك.
[ ٣٠ / ٧ ]
تحريم قراءة الكف
ومما يجب إنكاره، ما ابتلي به كثير من المسلمين من سؤال بعض الكهان والعرافين عن بعض مستقبلهم وأحوالهم من جهة الرزق، أو الولد أو غير ذلك، ويقرءون لهم الطالع، فيقول ولدت في أي نجم وفي أي برج؟ فيقول: ولدت في برج الأسد مثلًا، وفي طالع كذا، وربما قال له: ارفع يدك، فيقرأ كفه، فمن سأله وصدقه فلا شك أن هذا من الكفر الأكبر، وإن كان كثير من المسلمين يجهلون ذلك، ولا شك أن من ادعى العلم الطالع، أو ادعى العلم بقراءة الكف، أنه كاهن عراف كافر، وهو المقصود بكلامه ﵌، وإن سُمي باسمٍ معاصرٍ قد يزينه كثير من الناس.
[ ٣٠ / ٨ ]
وزن المقالات بالكتاب والسنة والإجماع
قال ﵀: [ولا من يدعي شيئًا يخالف الكتاب والسنة، وإجماع الأمة].
يعني: ولا نصدق من يدعي شيئًا يخالف الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، فهذه الأصول الثلاثة هي أصول العلم، وبها توزن مقالات الناس.
أما الكتاب فبينٌ، وأما السنة فهي كل ما صح عن النبي ﷺ عند أئمة السنة والحديث، فما تلقاه أئمة السنة والحديث بالقبول، فإنه من اللازم اعتباره، واللازم هنا له جهتان:
الجهة الأولى: التصديق، وهذه جهةٌ مطردة.
والجهة الثانية: الاستدلال، وهذه بحسب حال الناظر.
فقد يكون الحديث عنده صحيحًا لكن لا يستدل به على مسألة ما لكونه يرى أنه ليس دليلًا عليها.
[ ٣٠ / ٩ ]
الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد
وينبه في هذه المسألة إلى مسألة تقسيم السنة إلى متواتر وآحاد، وسبق الإشارة إلى ذلك، فإن التقسيم المستعمل عند علماء الكلام الذي قالوا به: أن الآحاد لا يستعمل في العقائد، وحقيقة هذا المذهب أن السنة كلها لا تستعمل في العقائد؛ لأنهم قالوا: إنما يستعمل المتواتر.
وجمهورهم يعرفون المتواتر بأنه: ما رواه جماعة عن جماعة بإسناد متصل يستحيل تواطؤهم على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس، وصفة المتواتر على هذا الوجه: أن يرويه من الصحابة عشرة، وعن كل واحدٍ من العشرة عشرة، فيكون الرواة عن الصحابة مائة، وعن هؤلاء المائة، عن كل واحدٍ عشرة وهكذا، وهذا قد صرح كثير من الحفاظ كـ ابن الصلاح ونحوه بأنه لا مثال له، وبعضهم يقول: إنه لا ينضبط له إلا حديثٌ أو حديثان.
فعلى هذه الطريقة لا يستدل بشيء من السنة إلا في محلٍ أو محلين، هذا إذا سلم هذا المحل أو ذاك، وعليه فحقيقة قول من يقول من المتكلمين وأهل البدع: إنه لا يستدل إلا بالمتواتر؛ أنه لا يستدل بالسنة في العقائد؛ إلا إذا فسر المتواتر بما هو معروف في كلام السلف، وهو ما تلقاه الأئمة بالقبول، فإن هذا إذا التزموا به لزم من ذلك بطلان عقائدهم وبدعهم، كأحاديث الرؤية والشفاعة وغيرها.
ولهذا فأهل البدع يقولون عن أحاديث الرؤية: إنها آحاد، ويقولون عن أحاديث الشفاعة: إنها آحاد، مع أنها في الحقيقة متواترة على المعنى المعروف في كلام الشافعي وبعض المتقدمين من أهل العلم، فالقصد أن ما صح عن النبي ﷺ، وتلقاه العلماء بالقبول، فإنه يجب التزامه.
وأما الأحاديث التي تنازع فيها المتقدمون من السلف، من أئمة السنة والحديث، ككثير من الأحاديث المنقولة في الأحكام، فإن هذه مقامها على قدر من الاجتهاد باعتبار صحتها، فمن صححها فإنه يعتبرها، ومن لم يصححها لنوع من النظر والعلم رآه في هذه الرواية أو هذا الإسناد، فإنه لا يجوز أن يضاف إلى مخالفة السنة والجماعة.
وكذلك الإجماع، يقول الإمام ابن تيمية ﵀: (والإجماع المنضبط هو إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم)، فإن الإجماع يُذكر في كلام أهل العلم، ويراد به إما الإجماع المنضبط، وهو الحجة اللازمة التي مخالفته بدعة وضلال، وإما أن يراد الإجماع السكوتي، وهو في الجملة حجة ظنية، وإن كان بين الأصوليين نزاع في حجية الإجماع السكوتي.
[ ٣٠ / ١٠ ]
القصد إلى الجماعة من أصول السنة
قال: [ونرى الجماعة حقًا وصوابًا، والفرقة زيغًا وعذابًا].
المراد بالجماعة هنا: الجماعة المقتفية أثر النبوة، وهم المهتدون بهدي رسول الله ﵌، وهذا من مقاصد الشريعة الكلية.
ومن أصول السنة، القصد إلى الجماعة، والبعد عما يوجب افتراق القلوب، وهذا من الأدب الواجب، ومن أخلاق النبوة التي يجب على طالب العلم أن يعلمها وأن يفقهها، وأن يربي نفسه عليها.
ومع كثير من الأسف، فإن كثيرًا من النفوس عندها نوع من الاستعداد للافتراق، وأحيانًا قد يكون بعض طلاب العلم عنده هذا الاستعداد أكثر مما عند العامة، أي: ترى في قلوب بعض العوام من الاستقرار أكثر مما في نفوس بعض طلبة العلم، وهذا مما يجب على طالب العلم أن ينظره في نفسه، وليس صحيحًا أن تفسر سائر الواردات التي ترد على النفس بكونها من تتبع الحق، فقد يكون هذا تتبعًا للحق، وقد يعرض لبعض الناس -ولو كان من أولي العلم- ما يفرق به ولا يكون موجب ذلك من الحق اللازم.
وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما تكلم عن هذه المسألة، قال: (ومعلوم أنه يعرض لكثيرٍ من أهل العلم الكبار، بعض مقامات الغلط حتى ما هو من الهوى الخفي، فمثل هذا يقع لبعض الأكابر من أهل العلم، بل يقع لبعض الصحابة، وقد يعرض لبعض النفوس درجة من درجات الهوى الخفي، ولهذا كان من فقه السلف، أنهم كانوا يسمون من خرج عن السنة والجماعة: أهل الأهواء، مع أن بعضهم قد يكون خروجه في مسألة ما غير صادر عن هوى محض، ولكن لا بد أن يقارن من خالف المتواتر شيء من الهوى، قد يكون هذا الهوى بينًا وهذا يسلم منه طلاب العلم في الجملة؛ لما هم فيه من العلم والتقوى .. إلخ).
ولكن الشأن في الهوى الخفي، والنفوس فيها إرادات كثيرة، وفيها متعلقات كثيرة، وليس من الصواب أن يكون طالب العلم ليس له حال إلا الاشتغال بإخوانه من أهل العلم الذين قد يخالفونه في بعض المسائل، مع أن إنكار المنكر -لو كان- فرض كفاية، فتكفي مرة أو مرتان أو ثلاث، بينما تجد أن البعض تمضي عليه سنوات لا يردد في مجالسه إلا قضية أو قضيتين، وهذه القضية قد لا تتعلق إلا بكتاب أو بشخص، أو تكون قضية نسبية أو اجتهادًا سائغًا.
ومعلوم أن فروض الكفايات كثيرة، وهناك أيضًا فروض الأعيان التي تجب على المسلم وهي أولى، فينبغي لطالب العلم، أن يكون فقيهًا وأن يكون مهتديًا حقًا ومقتفيًا أثر السلف ﵏ فيما كانوا عليه من السعي إلى اجتماع القلوب والنفوس والحرص على السنة، ويعلم أن الناظر لا بد أن يخطئ، وقد يغلط فيقول قولًا يخالف ظواهر الأدلة وإن كان من أهل السنة.
ومثل هذا لا شك أنه يجب إنكاره، ويجب تحقيق السنة، وتحقيق سبيل السلف، لكن الإنكار على مثل هذا لا بد أن يكون على قدرٍ من الفقه والحكمة والاعتدال، وأما تخبيب النفوس وتقوية الإرادات النفسية التي تقوم على الانتصار، والاختصاص، والاصطفاء الذي ليس عليه أثر؛ هذا كله مما ينبغي لطالب العلم أن يبتعد عنه، وأن يدرك أن هذا العلم الذي بعث به رسول الله ص، متضمن للرحمة، وهكذا العلم الذي آتاه الله أولياءه، ومن كان علمه لا رحمة معه، فما أوتي العلم الذي رضيه الله - لعباده.
ولهذا لما ذكر الله ﷾ الخضر قال: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥]، قال شيخ الإسلام: (وعلم الأنبياء والأولياء الذين اقتدوا بهم يجمع هذا المقام وهذا المقام؛ لأن العبد إذا تعطل عن مقام الرحمة قوي في نفسه بعض الإرادات التي تبعثه على الانتصار، فاتخذ العلم بغيًا)، والذي يشكل حقيقة هو الاستطالة بالحق، وأول بدعة حدثت في الإسلام وهي بدعة الخوارج استطال أهلها بالحق؛ لأنهم ادعوا الحق دليلًا على بدعتهم -أي جعلوه شعارًا لبدعتهم- فقالوا لـ علي: (حكمت الرجال في دين الله، ولا حكم إلا لله)، فالكلمة حق، وعلي نفسه قال: (كلمة حق أُريد بها باطل)، فينبغي لطالب العلم أن ينتبه من كلمة حق أريد بها باطل، بل ينبغي لطالب العلم أن ينتبه من كلمة حق أريد بها حق لكن الكلمة ليست في محلها، فقد تكون الكلمة حقًا والشخص يريد حقًا، لكن المقام ليس هو المقام المشروع.
[ ٣٠ / ١١ ]
الإسلام هو دين الله
قال ﵀: [فدين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ف﴾ [المائدة:٣]].
الإسلام يطلق ويراد به المعنى الخاص، وهو شريعة محمد ﷺ، وهذا معنى قوله ﷺ: (بني الإسلام على خمس ..) فالمراد بالإسلام في حديث ابن عمر هذا المتفق عليه الإسلام بمعناه الخاص، وهو شريعة رسول الله ﷺ، ويذكر الإسلام مطلقًا ويراد به التوحيد، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨]، ولهذا نقول: إن نوحًا ولوطًا وموسى ﵈ كانوا على الإسلام، وعن هذا قال الله ﷾ عن إبراهيم: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران:٦٧]، أي: موحدًا.
فدين الله في الأرض والسماء هو الإسلام، ولهذا قال ﵊ كما في حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه: (نحن معاشر الأنبياء أولاد علات وديننا واحد)، وأولاد العلات: هم الأخوة الذين أبوهم واحد وأمهاتهم مختلفة، فشرائع المرسلين تختلف، ولكن توحيدهم واحد، وهو إفراد الله ﷾ بالعبادة، وهذه هي أحكم كلمةٍ أرادها الله ﷾ من عباده، أي: التوحيد.
ولهذا ينبغي لطالب العلم أن يوظف جهده لتقرير هذا الأصل، ولتقرير فقهه، والعناية بأصول الدين، وأخصها توحيد الله ﷾ والدعوة إليه.
[ ٣٠ / ١٢ ]
اعتدال دين الإسلام بين الغلو والتقصير
قال المصنف ﵀: [وهو بين الغلو والتقصير].
الغلو: هو الزيادة، ثبت عنه ﷺ كما في الصحيح أنه قال: (هلك المتنطعون)، وهذا معنى الغلو، أي التكلف، ومن هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنهم كثيرًا ما يقولون لأقوامهم: ﴿وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]، ومن معنى هذه الآية، أنهم لم يأتوا بهذا من جهة أنفسهم، وهذا المعنى وإن كان بينًا إلا أنه ينبغي لطالب العلم أن يفقهه، وأن الأصل، أن الإنسان لا يتكلم ويخاطب غيره بأمرٍ ونهي شرعي، إلا إذا تحقق عنده أن هذا الأمر وهذا النهي قد جاءت به الشريعة.
فالمسائل منها ما محل إجماع، وهي مسائل بينة، ومنها ما هو محل نزاع بين السلف، ومسائل النزاع تنقسم إلى قسمين:
الأول: مسائل فيها آثار من السنة، ولكن خالف من خالف لموجب من الموجبات، إما لعدم بلوغ النص إليه أو لغير ذلك.
الثاني: مسائل هي في أصلها ليس فيها آثار مختصة، وإنما مبناها على مقام من الاجتهاد والفقه ونحو ذلك.
فينبغي لطالب العلم أن يعرف قدر كل مسألة، فالأصل يجب أن يكون أصلًا، والخلاف يبقى خلافًا، والاجتهاد يبقى اجتهادًا، وأما أن يتكلف بعض طلاب العلم في المسائل ليحسم في كل مسألة حسمًا تامًا فهذا وجه من الغلط في دراسة الفقه، بخلاف مسائل الأصول.
مثال ذلك: من يدرس مسألة الرؤية وهي من مسائل أصول الدين، ومن الطريقة السنية الصحيحة اللازمة النظر إلى أدلة المعتزلة، والرد على جميعها وإبطالها؛ لأن إثبات الرؤية هو قول السلف، وهو الحق المطلق، وما ضاد هذا القول أو ناقضه فهو باطل ولا بد، ولا يمكن أن يكون حقًا، بل يقضى بكونه باطلًا وضلالًا.
لكن إذا كانت المسألة من مسائل النزاع بين الأئمة الأربعة، تجد أن البعض يذكر الأقوال وأدلتها، ويرى أن الترجيح غير ممكن إلا إذا استطاع أن يقضي قضاءً مبرمًا وتامًا على كل دليل في الأقوال الأخرى التي لم يرجحها، فمثلًا: إذا قال: الراجح قول الحنابلة قال: الجواب عن أدلة المالكية، فما يدع دليلًا من أدلتهم إلا ويجعل الاستدلال به متعذرًا، وهكذا ..
وهذا لا شك أنه غلط؛ لأن هذه مسائل مقولة بالأحرى والأخلق والأظهر والأرجح، ومقام الاستدلال مقام دقيق عند الأئمة، كما قدتقدمت الإشارة لهذا.
والمجتهدون ينقسمون إلى أقسام: فهناك المجتهد المطلق، وهناك المجتهد في المذهب، ويريدون بالمجتهد في المذهب من يستدل بأقوال الإمام، وكثير من أصحاب الأئمة الأربعة من هذا القبيل، كما أنهم قد أضافوا إلى مذاهب أئمتهم بعض الأقوال التي ما كانت محققة عن الأئمة الأربعة، وأيضًا فإنهم استدلوا لمذاهب أئمتهم، فالاستدلال الذي يستدل به حنبلي متأخر لقول الإمام أحمد، ليس بالضرورة أن يكون هو الدليل الذي كان الإمام أحمد يعتبره، ولا يقال على هذا: إن ما في كتب الحنابلة ليست هي دليل المذهب الحنبلي، بل لابد أن ما في كتب الحنابلة ينتهي إلى دليل المذهب الحنبلي، وهكذا بقية المذاهب.
والذي ينبغي لطالب العلم هو أن يمحص وأن ينظر في كلام الأئمة وفي مسائلهم الأولى وفي كلام كبار أئمتهم ماأمكن، وأما التعجل بهذا الوجه، فليس طريقة مناسبة.
[ ٣٠ / ١٣ ]
عدم التشديد في مسائل الخلاف والاعتدال فيها
المقصود: أن المسائل الخلافية ينبغي ألا يشدد فيها، فالصحابة كانوا يختلفون وما كان يضيق بعضهم على بعض في قوله، إلا إذا قال -ولو كان فقيهًا أو إمامًا أو كان مجتهدًا- قولًا ظاهر المخالفة للسنة والآثار، كإنكار الصحابة على ابن عباس في مسألة العول مع أن ابن عباس كان يقول: هاتوا دليلًا من كلام الله أو من كلام رسوله، لكن فقه جماهير الصحابة في مسألة العول هو الصواب.
فإذا قال إمامٌ متقدم أو معاصر قولًا يخالف صريح الكتاب أو ظاهر الأدلة والمأثور عن عامة الصحابة، فهذا ينكر، وأحيانًا بعض طلاب العلم ينكرون أقولًا ويقولون: إنها مخالفة للسنة، مع أن عليها العامة من السلف، مثلًا: الحائض إذا طهرت في وقت العصر، لا شك أنها تصلي العصر، لكن هل تصلي الظهر؟ المسألة فيها نزاع، فمن العدل أن يقال: المسألة فيها نزاع، وتبقى مسألة خلافية، لكن الإشكال أن ترى بعض طلاب العلم أحيانًا يقرر أن القول بأنها تقضي الظهر قول لا دليل عليه، مع أن الإمام أحمد يقول: عامة التابعين على هذا القول إلا الحسن، أي أنها تصلي الظهر والعصر، فكيف يقال: بأن هذا القول لا دليل عليه وعامة التابعين على هذا القول؟ ولو كان القائل واحدًا لقلنا: إنه اجتهد فأخطأ، ولكن هذا قول الجماهير.
- وكذلك مسألة اعتبار طلاق الثلاث واحدة، فكونك تقول بأن الراجح أن طلاق الثلاث واحدة لحديث ابن عباس عند مسلم، هذا لا إشكال فيه، وقد أفتى به شيخ الإسلام، وأفتى به بعض الأكابر من المعاصرين، لكن الإشكال هو أن تقول: إن القول بأن طلاق الثلاث ثلاث لا دليل عليه، فهل يطبق عامة أهل العلم على مسألة ليس فيها دليل؟!
وليس المقصود من هذا الكلام أن يقال: إنه ينبغي لطالب العلم أن يتبع الجمهور، بل يجب على طالب العلم أن يتبع الدليل، لكن يجب أن يتأدب، فإذا اختار قولًا فلا يقول عن القول الآخر إنه لا دليل عليه، فهذا إنما يقال في مسائل البدع، أو في مسائل ظاهرة الشذوذ عن السنة والفقه، وأما الأقوال التي عليها أكابر العلماء، فلا شك أنه من غير الممكن ذلك.
يقول شيخ الإسلام: (وقد اعتبرت مسائل الشريعة في الجملة، فما وقع عليه النظر، فإن القول الذي يذهب إليه الجمهور من السلف يكون هو الصواب في الجملة)، وعلل ذلك بقوله: (لأنه من المتعذر أن السنة في المسألة تخفى على جمهور أئمة سلف الأمة، ولاسيما إذا اختلفت أمصارهم)، فإذا رأيت العراقيين والحجازيين والشاميين يقولون قولًا، فهنا ينبغي أن تنتبه.
كذلك أيضًا إذا رأيت الليث بن سعد في مصر، ومالكًا في المدينة، والثوري في العراق، والأوزاعي في الشام -وهؤلاء الأربعة كما قال شيخ الإسلام وغيره: هم أعلم الأئمة في طبقة تابع التابعين- إذا رأيت مثل هؤلاء الأربعة أجمعوا على قول فيجب ألا تقول عن مثل هذا القول إنه لا دليل عليه.
[ ٣٠ / ١٤ ]
وسطية أهل السنة في الأسماء والصفات والقدر
قال المصنف ﵀: [وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس].
التشبيه: هو تشبيه صفات الله، والذين أحدثوا هذه البدعة هم أئمة الرافضة كـ هشام بن الحكم وهشام بن سالم وداود الجواربي، ثم انتقل الرافضة من بعد ظهور المعتزلة البغدادية في الجملة إلى مذهب المعتزلة، والتعطيل هو تعطيل صفات الله بالتحريف الذي سموه تأويلًا على طريقة الجهمية والمعتزلة، ويدخل في ذلك ما استعمله طائفة من متكلمة الصفاتية في الصفات الفعلية وغيرها.
قوله: (وبين الجبر والقدر)، الجبر: هو القول بأن العبد مجبور على فعله، والقدر: هو نفي القدر، والقدرية على قسمين: غلاةٌ، وغير غلاة، وقد تقدم الكلام عليهم.
قوله: (وبين الأمن والإياس)، هذا في مسائل الأحوال، وتقدم التعليق على هذه المسألة.
[ ٣٠ / ١٥ ]
الكلام عن مصطلح الظاهر والباطن
قال المصنف ﵀: [فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرًا باطنًا].
قوله: (ظاهرًا وباطنًا) الدين لا ينقسم إلى ظاهر وباطن، باعتبار أن الشريعة الظاهرة تخالف الحقيقة الباطنة، وأما أن الأعمال منها ما هو ظاهر، ومنها ما هو باطن، فلا شك أن هذا صحيح، وقد قال الله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠]، فالذنوب منها ما هو باطن ومنها ما هو ظاهر، والأعمال الصالحة كذلك، فمنها ما هو ظاهر ومنها ما هو باطن، وإنما المنكر جَعْلُ الدين شريعة ظاهرة، وحقيقة باطنة، ثم التفريق بينهما، كقول من يقول: إن العامة يكلفون بالظواهر، وأما الخاصة فيكلفون بالباطن، ونحو ذلك من الطرق التي أحدثها الباطنية من الصوفية أو المتشيعة.
[ ٣٠ / ١٦ ]