الإيمان باليوم الآخر هو أحد أركان الإيمان السِّتة، وقد تقدم ذكر الإيمان باليوم الآخر إجمالًا، وهاهنا أراد مؤلف العقيدة (١) ﵀ ذكر بعض تفاصيل ذلك اليوم العظيم. وخلاصة مذهب أهل السنة في الإيمان باليوم الآخر على النحو الآتي:
أولًا: الإيمان بفتنة القبر. يجب الإيمان بأنَّ الناس يمتحنون في قبورهم بعد الموت، وهذا الامتحان أو الاختبار يقال له فتنة القبر، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أن الناس يمتحنون في قبورهم فيقال للإنسان: «مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومن نبيُّك؟. فالمؤمن يقول: ربِّي الله وديني الإسلام، ونبيّيَ محمد - ﷺ - والفاجر يقول: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، فيقال له: لا دريت ولا تليت، فَيُضرب بمطرقةٍ من حديد فيصيح صيحةً يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها لصعق» (٢). قال الله تعالى:
﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ﴾ (٣).
ثانيًا: نعيم القبر وعذابه: ورد به الكتاب والسنة، وأنه حق يجب الإيمان به. فإنّه بعد الفتنة في القبر نعوذ بالله من فتنة القبر وعذابه، بعد هذه الفتنة إما عذاب، وإما نعيم، فمن أجاب على أسئلة الامتحان في القبر نجا
_________________
(١) شيخ الإسلام ابن تيمية، والمقصود: «العقيدة الواسطية».
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب الميت يسمع خفق النعال، برقم ١٣٣٨.
(٣) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.
[ ٣٩ ]
ثالثا: القيامة الكبرى
رابعا: الميزان
وسعد في قبره، ويوم حشره، ومن لم يجب على هذه الأسئلة فقد خسر خسرانًا مبينًا نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. والنعيم أو العذاب في القبر يجري على الروح والجسد تبع له، وفي يوم القيامة على الروح والبدن جميعًا، والخلاصة أنّ عذاب القبر ونعيمه حقٌّ دلَّ عليه كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وإجماع الأمة الإسلامية.
ثالثًا: القيامة الكبرى: يجب الإيمان بأنّه بعد انتهاء مُدَّة الحياة الدنيا تقوم القيامة الكبرى حين ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الأولى، ثم ينفخ نفخة البعث والنشور فتعاد الأرواح إلى أجسادها فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين: حفاة، عراة، غرلًا ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ (١)، ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ*وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ (٢)، وأول من ينشقّ عنه القبر محمد - ﷺ -. وتدنو من العباد الشمس في هذا اليوم ويلجمهم العرق على حسب أعمالهم، ومنهم من يظله الله في ظله يوم لا ظلَّ إلاّ ظلُّه.
رابعًا: الميزان: وتُنصب الموازين يوم القيامة فتوزن فيها أعمال العباد
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٣)، ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (٤)، وهذا الميزان حقيقي له لسان وكفتان، ويوزن العامل وعمله.
خامسًا: الدواوين وتطاير الصحف: وفي هذا اليوم تُنشر الدواوين
_________________
(١) سورة المعارج، الآية: ٤٣.
(٢) سورة العاديات، الآيتان: ٩ - ١٠.
(٣) سورة الزلزلة، الآيتان: ٧ - ٨.
(٤) سورة المؤمنون، الآيتان: ١٠٢ - ١٠٣.
[ ٤٠ ]
سادسا: الحساب
وتفتح، فآخذٌ كتابه وصحائفَ أعماله بيمينه، فهذا له السعادة الأبدية التي لا يشقى بعدها أبدًا، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ (١)، نسأل الله من فضله، وأن يجعلنا منهم. ومنهم آخذٌ كتابه بشماله من وراء ظهره، فهذا له الشقاوة، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ (٢) الآيات، نعوذ بالله من غضبه وعقابه.
سادسًا: الحساب: ويجب الإيمان بذلك؛ لأنَّ الله أخبر بذلك وأخبر به رسوله - ﷺ -. فإنّ الله يوقف عباده على أعمالهم قبل الانصراف من المحشر، فيرى كل إنسان عمله سواء كان خيرًا أو شرًا، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (٣).
وقال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (٤)، ويُسأل الإنسان في هذا اليوم العظيم عن أربع: «عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه
_________________
(١) سورة الحاقة، الآيات: ١٩ - ٢٣.
(٢) سورة الحاقة، الآيات: ٢٥ - ٣٣.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٣٠.
(٤) سورة الكهف، الآية: ٤٩.
[ ٤١ ]
سابعا: الحوض المورود
فيم فعل» (١)، وقال النبي - ﷺ -: «ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه الله ليس بينه وبينه تُرجمان، فينظر أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاءَ وجهه، فاتقوا النار ولو بشِقِّ تمرة» (٢)، ويقول الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣)، والكفار لا يحاسبون حساب من توزن حسناتهم، وإنما يوقفون على أعمالهم ويقرُّون بها؛ فإنّهم لا حسنات لهم. نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
سابعًا: الحوض المورود: ومن مذهب أهل السنة التصديق الجازم بأنّ حوض النبي - ﷺ - في عرصات القيامة، «وأنَّ ماءه أشدُّ بياضًا من اللَّبن، وأحلى من العسل، وآنيته عدد نجوم السماء، وطوله شهر وعرضه شهر، من شرب منه شربةً لم يظمأ بعدها أبدًا» (٤)، وهذا الحوض مُختصٌّ بمحمد - ﷺ -. والأنبياء كل له حوض، ولكن الحوض الأعظم هو لمحمد - ﷺ -. وهذا الحوض في الأرض، ويصب فيه ميزابان من الجنة من الكوثر، ومنبر الرسول - ﷺ - على حوضه.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة، باب في القيامة، برقم ٢٤١٧، وأبو يعلى في مسنده، ١٣/ ٤٢٨، برقم ٧٤٣٤، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، برقم ٩٤٦، وفي صحيح الجامع، برقم ٧٣٠٠.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب الصدقة قبل الرد، برقم ١٤١٣، ومسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار، برقم ١٠١٦/ ٦٧.
(٣) سورة الحجر، الآيتان: ٩٢ - ٩٣.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب في الحوض، برقم ٦٥٧٩، ومسلم في كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - وصفاته، برقم ٢٢٩٢.
[ ٤٢ ]
ثامنا: الصراط وبعده القنطرة بين الجنة والنار
تاسعا: الشفاعة
١ - الشفاعة العظمى
ثامنًا: الصِّراط وبعده القنطرة بين الجنة والنار: يجب الإيمان بذلك وأنه حقّ، وهو الجسر المنصوب على متن جهنم بين الجنة والنار، يمرّ عليه الأوّلون والآخرون، وهذا الصّراط أحدُّ من السيف، وأدقُّ من الشعرة. فنسأل الله الثبات. والناس يمرُّون عليه على حسب أعمالهم. فمنهم من يتجاوزه كلمح البصر، ومنهم من يمرُّ كالبرق، ومنهم من يمرُّ كالريح، ومنهم من يمرُّ كالفرس الجواد، ومنهم من يمرُّ كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عَدْوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يسقط في جهنم، وعلى حافة الجسر كلاليب تخطف من أُمِرَتْ بخطفه، فإذا تجاوز المؤمنون وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعضٍ، فإذا نُقُّوا أُذِن لهم في دخول الجنة (١).
تاسعًا: الشفاعة هي سؤال الخير للغير، وقد ذكر المؤلف ﵀ ثلاثة أقسام من الشفاعة: ثنتان خاصتان بمحمد - ﷺ -، والثالثة يشفع هو وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي على النحو الآتي:
١ - الشَّفاعة العظمى وهي شفاعته - ﷺ - لأهل الموقف حتى يُقضى بينهم حين يتراجع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
٢ - شفاعته - ﷺ - في أهل الجنة أن يدخلوها (٢). وهاتان الشفاعتان
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب المظالم، باب قصاص المظالم، برقم ٢٤٤٠، ومسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، برقم ١٩٥.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب في قول النبي - ﷺ -: أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعًا، برقم ١٩٦، ١٩٧.
[ ٤٣ ]
٣ - شفاعته - ﷺ -، والنبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وغيرهم فيمن استحق النار من المؤمنين أن لا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها
خاصتان به - ﷺ -.
٣ - شفاعته - ﷺ -، والنبيين، والصِّدِّيقين، والشُّهداء، والصَّالحين، وغيرهم فيمن استحق النار من المؤمنين أن لا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها. ويخرج الله من النار بغير شفاعة بل بفضله ورحمته أقوامًا، ويبقى في الجنة فضل عن من دخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها أقوامًا فيدخلهم الجنة.
وقد أوصلها في شرح الطحاوية إلى ثمانية أقسام هي:
١ - الشفاعة العظمى لفصل القضاء.
٢ - الشفاعة في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم.
٣ - الشفاعة في أقوام أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها.
٤ - الشفاعة في رفع درجات من دخل الجنة.
٥ - الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب.
٦ - شفاعته في تخفيف العذاب عمن يستحقه، كشفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه.
٧ - شفاعته لأن يُؤذن لجميع المؤمنين بدخول الجنة. وهي خاصة به كما تقدم.
٨ - شفاعته في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النار فيخرجون منها وهذه الشفاعة يشاركه غيره فيها. وهي تتكرر منه - ﷺ - أربع مرات:
أ - يشفع فيمن كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان.
ب - ثم فيمن كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان.
جثم فيمن كان في قلبه أدنى حبة من خردل من إيمان.
[ ٤٤ ]
د - ثم فيمن قال لا إله إلا الله (١)، وفي الصحيح قال فيقول الله تعالى: «شفعت الملائكة وشفع النبيُّون، وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط» (٢)، وبعضهم أوصل الشفاعة إلى ستة أقسام:
١ - الشفاعة العظمى.
٢ - الشفاعة في دخول الجنة.
٣ - الشفاعة فيمن استحقَّ النار أن لا يدخلها.
٤ - الشفاعة فيمن دخلها أن يخرج منها.
٥ - الشفاعة في رفع درجات أقوام ممن دخل الجنة.
٦ - الشفاعة في تخفيف العذاب عن أبي طالب (٣). وقد قال - ﷺ -: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (٤) والشفاعة المثبتة لها شرطان:
الشرط الأول: إذن الله للشَّافع.
الشرط الثاني: رِضى الله عن المشفوع له.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه، برقم ٤٤، ومسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، برقم ١٩٣/ ٣٢٥.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، برقم ١٨٣.
(٣) انظر الروضة الندية، ص٥٣٠، وشرح الطحاوية، ١٩٩، تحقيق الأرنؤوط. وانظر: الكواشف الجلية، ص٥٨٩.
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب في الشفاعة، برقم ٤٧٣٩،والترمذي في كتاب صفة القيامة، باب رقم ١١،برقم ٢٤٣٥،وأحمد في المسند،٣/ ٢١٣،والحاكم في المستدرك، ٢/ ٣٨٢، قال أبو عيسى: «هذا حديث حسن صحيح غريب»، وقال الحاكم: «على شرط الشيخين».وقال الذهبي: «على شرط مسلم».وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم ٣٧١٤.
[ ٤٥ ]
عاشرا: الجنة والنار
عاشرًا: الجنة والنار. ومذهب أهل السنة في الجنة والنار هو الاعتقاد الجازم بأنّ الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، فالجنة دار أوليائه والنار دار أعدائه، وأهل الجنة فيها مخلدون، وأهل النار من الكفار فيها مخلدون، وأنَّ النار والجنة موجودتان وقد رآهما رسول الله - ﷺ - في صلاة الكسوف، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة أنَّ الموت يجاء به في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ويُذبح ويقال: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت (١).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، برقم ٢٨٤٩.
[ ٤٦ ]