القدر هو أحد أركان الإيمان الستة، وقد تقدم ذكر الإيمان بالقدر إجمالًا ثم ذكره المؤلف ﵀ هنا تفصيلًا. والقدر هو تقدير الله تعالى للأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنَّها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه لذلك ومشيئته له ووقوعها على حسب ما قدَّرها وخلقه لها (١)، وللقدر أربع مراتب يجب الإيمان بها كما آمن بها أهل السنة، على النحو الآتي.
المرتبة الأولى: الإيمان بأنّ الله تعالى علم بما الخلق عاملون به بعلمه الأزلي الأبد، فقد علم جميع أحوالهم: من الطاعات، والأرزاق، والآجال، فهو سبحانه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٢)، ﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣).
المرتبة الثانية: كتابة الله لجميع الأشياء في اللَّوح المحفوظ: الدقيقة والجليلة، ما كان، وما سيكون، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (٥).
_________________
(١) انظر: الأجوبة الأصولية، ص١٢١.
(٢) سورة الطلاق، الآية: ١٢.
(٣) سورة العنكبوت، الآية: ٦٢.
(٤) سورة الحديد، الآية: ٢٢.
(٥) سورة يس، الآية: ٢٢.
[ ٤٧ ]
المرتبة الثالثة: المشيئة النافذة التي لا يردها شيء
المرتبة الثالثة: المشيئة النافذة التي لا يردها شيء، والقدرة التي لا يعجزها شيء، فجميع الحوادث وقعت بمشيئة الله وقدرته فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاّ أَن يَشَاءَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).
المرتبة الرابعة: الخلق كُلُّهُ لله تعالى، فهو الخالق وكل ما سواه
مخلوق له. لا إله غيره، ولا رب سواه، قال الله تعالى: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٢) (٣)، وقال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ الله﴾ (٤)، فالله الخالق لكل شيء وقع، ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسوله - ﷺ -، ونهاهم عن معصيته وهو سبحانه يحب المحسنين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، وهو الحكيم العليم، وقد جمع بعضهم مراتب القدر في بيت واحد قال فيه:
علمُ كتابة مولانا مشيئتهُ وخلقه وهو إيجاد وتكوين
والإيمان بكتابة المقادير يدخل فيه خمسة تقادير:
_________________
(١) سورة التكوير، الآية: ٢٩.
(٢) سورة الزمر، الآية: ٦٢.
(٣) انظر: الكواشف الجلية، ص٦٢١.
(٤) سورة فاطر، الآية: ٣.
[ ٤٨ ]
١ - التقدير الشَّامل لجميع المخلوقات بمعنى أنَّ الله علمها، وكتبها، وشاءها وخلقها، وتقدم ذكر ذلك بأدلته في المراتب الأربع.
٢ - التقدير الثاني كتابة الميثاق حينما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ (١) الآيات.
٣ - التقدير العُمُري: تقدير رزق العبد، وأجله، وعمله، وشقي، أو سعيد في بطن أمه. ودليله حديث ابن مسعود - ﵁ - (٢).
٤ - التقدير السَّنوي ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٣)،قال ابن عباس: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر، والأرزاق (٤).
٥ - التقدير اليومي قال الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٥)، فالله تعالى كل يوم يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين (٦)، وهذا التقدير هو سوق المقادير إلى المواقيت التي قدرت لها فيما سبق. وهذا التقدير اليومي تفصيل من التقدير الحولي، والحولي تفصيل من
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٧٢.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، برقم ٢٦٤٣.
(٣) سورة الدخان، الآية: ٤.
(٤) ذكره في الدر المنثور، ٦/ ٢٥ بنحوه، وعزاه إلى محمد بن نصر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(٥) سورة الرحمن، الآية: ٢٩.
(٦) انظر: معارج القبول، ٢/ ٣٤٥.
[ ٤٩ ]
أقلام المقادير التي دلت عليها السنة
التقدير العمري عند نفخ الروح في الجنين في بطن أمه، والعمري تفصيل من التقدير العمري الأول يوم الميثاق، وهو تفصيل من التقدير الذي خطه القلم في الإمام المبين (١)، وأقلام المقادير التي دلت عليها السنة أربعة أقلام:
١ - القلم الأول العام الشامل لجميع المخلوقات.
٢ - القلم الثاني حين خلق آدم وهو قلم عام أيضًا لكنه لبني آدم.
٣ - القلم الثالث حين يرسل الملك إلى الجنين في بطن أمه ويكتب به الأربع الكلمات.
٤ - القلم الرابع الموضوع على العبد عند بلوغه الذي بأيدي الكرام الكاتبين، وهذا القلم يكتبون به ما يفعله بنو آدم (٢).
وإذا علم العبد أن كلًا من عند الله فالواجب إفراده سبحانه بالعبادة والتَّقوى (٣). فعلى العبد أن يبذل الأسباب، ويسأل الله التوفيق والهداية، ويعلم أنَّه لا يصيبه إلا ما كتبه الله له ويعلم علمًا يقينًا أنّ الله لا يضيع أجر
_________________
(١) انظر: معارج القبول، ٢/ ٣٤٧.
(٢) قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز ﵀: «الأقلام لا يحصيها إلا الله جل وعلا فالجزم بالأربعة ليس بجيد، وقد ذكر ابن القيم في بعض كتبه الأقلام الأربعة، ولكن ليس المعنى أنه ليس هناك قلم آخر، وقد قيل: إنّ هناك قلمًا خامسًا، وهو ما يكتب به ما يحدث في السنة في ليلة القدر .. والحاصل أنّ الأقلام لا يجوز الجزم بأنَّها أربعة فقط، فالأقلام كثيرة، والله الذي يعلمها ويحصيها، ولهذا قال في حديث المعراج: «يسمع فيه صريف الأقلام »، فقد تكون أربعة، وقد تكون مائة، وقد تكون ألفًا، وقد يكون لكل شيء قلم خاص، فربنا هو العالم بها - ﷾ -». سمعته منه أثناء تقريره على شرح العقيدة الطحاوية وهو مسجل في ٣٢ شريطًا.
(٣) شرح العقيدة الطحاوية بتحقيق الأرنؤوط، ص٢٣٥.
[ ٥٠ ]
المحسنين، ولا يظلم مثقال ذرة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (١).
_________________
(١) سورة الزلزلة، الآيتان: ٧ - ٨.
[ ٥١ ]