الآية الأولى
وهذه الآية تعليل للآية التي قبلها وبيان لعاقبتها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]، فإن هذا من أكبر الأمور أن يقول الإنسان ما لا يفعل.
ووجه ذلك أن يقال: إذا كنت تقول الشيء ولا تفعلها، فأنت بين أمرين: إما كاذب فيما نقول، ولكن تخوف الناس، فنقول لهم الشيء وليس بحقيقة. وإما أنك مستكبر عما تقول، تأمر الناس به ولا تفعله، وتنهى الناس عنه وتفعله.
وفي الآية من الصفات: المقت، وأنه يتفاوت.
ومن الناحية المسلكية: التحذير من أن يقول الإنسان مالا يفعل.
آيات صفة المجئ والإتيان
الشرح:
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى لإثبات صفة المجيء والإتيان آيات أربع.
الآية الأولى: قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠].
قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾: ﴿هَلْ﴾: استفهام بمعنى النفي، يعني: ما ينظرون، وكلما وجدت (إلا) بعد الاستفهام، فالاستفهام
[ ١ / ٢٧٤ ]
يكون للنفي. هذه قاعدة، قال النبي ﵊: "هل أنت إلا أصبع دميت" (١)، أي: ما أنت.
ومعنى: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ هنا: ينتظرون لأنها لم تتعد بـ (إلى)، فلو تعدت بـ (إلى) لكان معناها النظر بالعين غالبًا، أما إذا تعدت بنفسها، فهي بمعنى: ينتظرون. أي: ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام، وذلك يوم القيامة.
﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ﴾: و﴿فِي﴾: هنا بمعنى (مع)، فهي للمصاحبة، وليس للظرفية قطعًا، لأنها لو كانت للظرفية، لكانت الظلل محيطة بالله، ومعلوم أن الله تعالى واسع عليم، ولا يحيط به شيء من مخلوقاته.
فـ ﴿فِي ظُلَلٍ﴾، أي: مع الظلل، فإن الله عند نزوله جل وعلا للفصل بين عباده ﴿تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾: غمام أبيض، ظلل عظيمة، لمجيء الله ﵎.
وقوله: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ الغمام، قال العلماء: إن السحاب الأبيض، كما قال تعالى ممتنًا على بني إسرائيل: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧]، والسحاب الأبيض يبقي
_________________
(١) تمثل به النبي ﷺ في بعض المشاهد وقد دميت إصبعه، فقال: "هل أنت إلاّ إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت". أخرجه البخاري (٦١٤٦) كتاب الأدب/ باب ما يجوز من الشعر، ومسلم (١٧٦٩) عن جندب بن سفيان البجلي ﵁ في كتاب الجهاد/ باب ما لقى النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين.
[ ١ / ٢٧٥ ]
الآية الثانية
الجو مستنيرًا، بخلاف الأسود والأحمر، فإنه تحصل به الظلمة، وهو أجمل منظرًا.
وقوله: ﴿وَالْمَلائِكَةِ﴾: الملائكة بالرفع معطوف على لفظ الجلالة الله، يعني: أو تأتيهم الملائكة، وسبق بيان اشتقاق هذه الكلمة، ومن هم الملائكة.
والملائكة تأتي يوم القيامة، لأنها تنزل في الأرض، ينزل أهل السماء الدنيا، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة وهكذا إلى السابعة؟ يحيطون بالناس.
وهذا تحذير من هذا اليوم الذي يأتي على هذا الوجه، فهو مشهد عظيم من مشاهد يوم القيامة، يحذر الله به هؤلاء المكذبين.
الآية الثانية: قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨].
نقول في ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ما قلناه في الآية السابقة، أي: ما ينتظر هؤلاء إلا واحدة من هذه الأحوال:
أولًا: ﴿إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾، أي: لقبض أرواحهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠].
ثانيًا: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾: يوم القيامة للقضاء بينهم.
ثالثًا: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ وهذه طلوع الشمس من
[ ١ / ٢٧٦ ]
الآية الثالثة
مغربها، فسرها بذلك النبي ﷺ (١).
وإنما ذكر الله هذه الأحوال الثلاث:
لأن الملائكة إذا نزلت لقبض أرواحهم، لا تقبل منهم التوبة، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [الإنسان: ١٨].
وكذلك أيضًا إذا طلعت الشمس من مغربها، فإن التوبة لا تقبل، وحينئذ لا يستطيعون خلاصًا مما هم عليه.
وذكر الحالة الثالثة بين الحالين، لأن وقت الجزاء وثمرة العمل، فلا يستطيعون التخلص في تلك الحال مما عملوه.
والغرض من هذه الآيات والتي قبلها تحذير هؤلاء المكذبين من أن يفوتهم الأوان ثم لا يستطيعون الخلاص من أعمالهم.
الثالثة: قوله: ﴿كَلاّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٢].
﴿كَلاّ﴾ هنا للتنبيه، مثل (ألا).
وقوله: ﴿إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾: هذا يوم القيامة.
وأكد هذا الدك لعظمته، لأنها تدك الجبال والشعاب وكل شيء يدك، حتى تكون الأرض كالأديم، والأديم هو الجلد، قال الله تعالى: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:
_________________
(١) رواه البخاري (٤٦٣٦) كتاب التفسير/ باب "لا ينفع نفس إيمانها"، ومسلم (١٥٧) عن أبي هريرة ﵁ في كتاب الإيمان/ باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان.
[ ١ / ٢٧٧ ]
الآية الرابعة
١٠٦ - ١٠٧]. ويحتمل أن يكون تكرار الدك تأسيسًا لا تأكيدًا، ويكون المعنى: دكًا بعد دك.
قال ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، يعني: يوم القيامة، بعد أن تدك الأرض وتسوى ويحشر الناس يأتي الله للقضاء بين عباده.
وقوله: ﴿وَالْمَلَكُ﴾: (الـ) هنا للعموم، يعني: وكل ملك، يعني: الملائكة ينزلون في الأرض.
﴿صَفًّا صَفًّا﴾، أي: صفًا من وراء صف، كما جاء في الأثر: "تنزل ملائكة السماء الدنيا فيصفون، ومن ورائهم ملائكة السماء الثانية، ومن ورائهم ملائكة السماء الثالثة" (١) هكذا.
الآية الرابعة: قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥].
يعني: اذكر يوم تشقق السماء بالغمام.
و﴿تَشَقَّقُ﴾: أبلغ من تنشق، لأن ظاهرها تشقق شيئًا
_________________
(١) رواه الحاكم (٤/ ٥٦٩ و٥٧٠) وقال: "رواة الحديث عن آخرهم محتج بهم غير علي بن جدعان، وهو وإن كان موقوفًا على ابن عباس فإنه عجيب بمرة". وقال الذهبي: "إسناده قوي"، ورواه الدارمي في "الرد على الجهمية" (١٤٢ و١٤٣) عن ابن عباس والضحاك. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ١٢٣) لعبد حميد وابن أبي الدنياء وابن جرير وابن منذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس وابن كثير في "تفسيره" (٣/ ٣١٦).
[ ١ / ٢٧٨ ]
فشيئًا، ويخرج هذا الغمام، يثور ثوران الدخان، ينبعث شيئًا فشيئًا.
تشقق السماء بالغمام، مثل ما يقال: تشقق الأرض بالنبات، يعني: يخرج الغمام من السماء ويثور متتابعًا، وذلك لمجيء الله ﷿ للفضل بين عباه، فهو يوم رهيب عظيم.
قوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾: ينزلون من السماوات شيئًا فشيئًا، تنزل ملائكة السماء الدنيا، ثم الثانية، ثم الثالثة وهكذا.
وهذه الآية في سياقها ليس فيها ذكر مجيء الله، لكن فيها الإشارة إلى ذلك، لأن تشقق السماء بالغمام إنما يكون لمجيء الله تعالى، بدليل الآيات السابقة.
هذه أربع آيات ساقها المؤلف لإثبات صفة من صفات الله، وهي: المجيء والإتيان.
وأهل السنة والجماعة يثبتون أن الله يأتي بنفسه هو، لأن الله تعالى ذكر ذلك عن نفسه، وهو سبحانه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلًا من غيره وأحسن حديثًا، فكلامه مشتمل على أكمل العلم والصدق والبيان والإرادة، فالله ﷿ يريد أن يبين لنا الحق وهو أعلم وأصدق وأحسن حديثًا.
لكن يبقى السؤال: هل نعلم كيفية هذا المجيء؟
الجواب: لا نعلمه، لأن الله ﷾ أخبرنا أنه
[ ١ / ٢٧٩ ]
يجيء، ولم يخبرنا كيف يجيء، ولأن الكيفية لا تعلم إلا بالمشاهدة أو مشاهدة النظير أو الخبر الصادق عنها، وكل هذا لا يوجد في صفات الله تعالى، ولأنه إذا جهلت الذات، جهلت الصفات، أي: كيفيتها، فالذات موجودة وحقيقية ونعرفها ونعرف ما معنى الذات وما معنى الذات وما معنى النفس، وكذلك نعرف ما معنى المجيء، لكن كيفية الذات أو النفس وكيفية المجيء غير معلوم لنا.
فنؤمن بأن الله يأتي حقيقة وعلى كيفية تليق به مجهولة لنا.