فإذا علمت انك سوف ترى ربك عيانًا بالبصر فوالله لا تساوي الدنيا عندك شيئًا.
فكل الدنيا ليست بشيء؛ لأن النظر إلى وجه الله هو الثمرة التي يتسابق فيها المتسابقون، ويسعى إليها الساعون وهي غاية المرام من كل شيء.
فإذا علمت هذا فهل تسعى إلى الوصول إلى ذلك أم لا؟!
والجواب: نعم؛ أسعى إلى الوصول إلى ذلك بدون تردد.
وإنكار الرؤية في الحقيقة حرمان عظيم، لكن الإيمان بها يسوق الإنسان سوقًا عظيمًا إلى الوصول إلى هذا الغاية؛ فهو يسر ولله الحمد؛ فالدين كله يسر حتى إذا وجد الحرج تيسر الدين فأصله ميسر وإذا وجد الحرج تيسر ثانية، وإذا لم يمكن القيام به أبدًا سقط؛ واجب مع العجز، ولا حرام مع الضرورة.
قال المؤلف ﵀: "وهذا الباب في كتاب الله كثير ومن تدبر القرآن طالبًا للهدى تبين له طريق الحق".
قوله: "وهذا الباب": الإشارة هنا إلى باب الأسماء والصفات.
قوله: "في كتاب الله كثير": ولذلك؛ ما من آية من كتاب الله إلا وتجد فيها غالبًا اسمًا من أسماء الله أو فعلًا من أفعاله أو حكمًا من أحكامه بل لو شئت لقلت: كل آية في كتاب الله
[ ١ / ٤٥٩ ]
فهي صفة من صفات الله لأن القرآن الكريم كلام الله ﷿؛ فكل آية منه فهي صفة من صفات الله ﷿.
وقوله: "ومن تدبر القرآن": تدبر الشيء معناه: التفكر فيه، كان الإنسان يستدبره مرة ويستقبله أخرى فهو يكرر اللفظ ليفهم المعنى
فالذي يتدبر القرآن بهذا الفعل واما النية فهي أن يكون "طالبًا للهدى" منه فليس قصده بتدبر القرآن أن ينتصر لقوله، أو أن يتخذ منه مجادلة بالباطل، ولكن قصده طلب الحق فإنه سوف تكون النتيجة قول المؤلف: "تبين له طريق الحق".
وما أعظمها من نتيجة!!
لكنها مسبوقة بأمرين: التدبر وحسن النية بأن يكون الإنسان طالبًا للهدى من القرآن فحينئذ يتبين له طريق الحق.
والدليل على ذلك عدة آيات؛ منها:
قول الله ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٣٢].
[ ١ / ٤٦٠ ]
والآيات في هذا كثيرة تدل على أن من تدبر القرآن - لكن بهذه النية، وهي طلب الهدى منه- لابد أن يصل إلى النتيجة وهي تبين طريق الحق.
أما من تدبر القرآن ليضرب بعضه ببعض وليجادل بالباطل ولينصر قوله كما يوجد عند أهل البدع وأهل الزيغ فإنه يعمى عن الحق والعياذ بالله:
لأن الله تعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]؛ على تقدير (أما)؛ أي: وأما راسخون في العلم فـ ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، وإذا قالوا هذا القول؛ فسيهديهم إلى بيان هذا المتشابه ثم قال: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُو الألْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].
[ ١ / ٤٦١ ]
شرح العقيدة الواسطية
لشيخ الإسلام ابن تيمية
شرحه
سماحة الشيخ محمد الصالح العثيمين
خرج أحاديثه واعتنى به
سعد بن فواز الصميل
[المجلد الثاني]
دار ابن الجوزي
[ ٢ / ٤٦٠ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٢ / ٢ ]
شَرحُ العَقِيدة الوَاسِطِيَّة
[ ٢ / ٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لقد جرى مني الإذن لـ «دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع» بطبعي مؤلفي «شرح العقيدة الواسطية» بشرط العناية بالتصحيح وأن لا يحتفظوا بحقوق الطبع.
كتبه محمد الصالح العثيمين في ٢٩/ ١٢/ ١٤١٥ هـ
الطبعة السادسة
جمادى الأولى ١٤٢١ هجري
دار ابن الجوزي
للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية
الدمام - شارع ابن خلدون - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٨٩ - ٨٤٦٧٥٩٣
ص ب: ٢٩٨٢ - الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠
الإحساء - الهفوف - شارع الجامعة - ت: ٥٨٨٣١٢٢
جدة: ت: ٦٥١٦٥٤٩
الرياض: ت: ٤٢٦٦٣٣٩
[ ٢ / ٤ ]