الدليل الأول والرد عليه من وجوه
في الرضى، فإذا كان الغضب محجوب عن الله فأهل الرضى يرون الله ﷿.
وهذا استدلال قوي جدًا لأنه لو كان الكل محجوبين لم يكن مزية لذة هؤلاء.
وعلى هذا، فنقول: الآية خمس، ويمكن أن نلحق بها قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] على ما سنقرره في الرد على النفاة إن شاء الله.
فهذا قول أهل السنة في رؤية الله تعالى وأدلتهم، وهي ظاهر جلية، لا ينكرها إلا جاهل أو مكابر.
وخالفهم في ذلك طوائف من أهل التعطيل من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم، واستدلوا بأدلة سمعية متشابة وأدلة عقلية متداعية:
أما الأدلة السمعية:
فالأول: قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣].
ووجه الدلالة أن (لن) للنفي المؤبد، والنفي خبر، وخبر الله تعالى صدق، لا يدخله النسخ.
[ ١ / ٤٥٥ ]
والرد عليهم من وجوه:
- الأول: منع كون (لن) للنفي المؤبد؛ لأنه مجرد دعوى:
قال ابن مالك في "الكافية":
ومن رأى النفي بلن مؤبدًا فقوله اردد وسواه فاعضدا
- الثاني: أن موسى عليه صلاة والسلام لم يطلب من الله الرؤية في الآخرة؛ وإنما طلب رؤية حاضرة؛ لقوله: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾؛ أي: الآن. فقال الله تعالى له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾؛ يعني: لن تستطيع أن تراني الآن، ثم ضرب الله تعالى له مثلًا بالجبل حيث تجلى الله تعالى له فجعله دكًا، فقال: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، فلما رأى موسى ما حصل للجبل؛ علم أنه هو لا طاقة برؤية الله، وخر صعقًا لهول ما رأى.
ونحن نقول: إن رؤية الله تعالى في الدنيا مستحيلة؛ لأن الحال البشرية لا تستطيع تحمل رؤية الله ﷿ كيف وقد قال النبي ﷺ عن ربه ﷿: "حجابه النور، لو كشف لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (١).
أما رؤية الله تعالى في الآخرة فممكنة؛ لأن الناس في ذلك اليوم يكونون في عالم آخرة تختلف فيه أحوالهم عن حالهم في الدنيا؛ كما يعلم ذلك من نصوص الكتاب والسنة فيما يجري للناس في عرصات القيامة وفي مقرهم في دار النعيم أو الجحيم.
- الوجه الثالث: أن يقال استحالة رؤية الله في الآخرة عند
_________________
(١) سبق تخريجه ص (٢٨٤).
[ ١ / ٤٥٦ ]
الدليل الثاني والرد عليه
المنكرين لها مبنية على أن إثباتها يتضمن نقصًا في حق الله تعالى! كما يعللون نفيهم بذلك، وحينئذ يكون سؤال موسى لربه الرؤية دائرًا بين الجهل بما يجب لله ويستحيل في حقه أو الاعتداء في دعائه حين طلب من الله ما لا يليق به إن كان عالمًا بأن ذلك مستحيل في حق اللهو وحينئذ يكون هؤلاء النفاة أعلم من موسى فيما يجب لله تعالى ويستحيل في حقه!! وهذا غاية الضلال!
وبهذا الوجه يتبين أن في الآية دليلًا عليهم لا دليلًا لهم.
وهكذا كل دليل من الكتاب والسنة الصحيحة يستدل به على باطل أو نفي حق فسيكون دليلًا على من أورده، لا دليلًا له.
الدليل الثاني لنفاة رؤية الله تعالى: قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
والرد عليهم: أن الآية فيها نفي الإدراك، والرؤية لا تستلزم الإدراك؛ ألا ترى أن الرجل يرى الشمس ولا يحيط بها إدراكًا؟!
فإذا أثبتنا أن الله تعالى يرى؛ لم يلزم أن يكون يدرك بهذه الرؤية لأن الإدراك أخص من مطلق الرؤية.
ولهذا نقول: إن نفي الإدراك يدل على وجوه أصل الرؤية لأن نفي الأخص يدل على وجوه الأعم ولو كان الأعم منتفيًا لوجب نفيه وقيل: لا تراه الأبصار، لأن نفيه يقتضي نفي الأخص ولا عكس ولأنه لو كان الأعم منتفيًا لكان نفي
[ ١ / ٤٥٧ ]