الشرح:
ذكر المؤلف ﵀ الآيات الدالة على كلام الله تعالى وأن القرآن من كلامه تعالى.
الآية الأولى والثانية: قوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢].
﴿وَمَنْ﴾: اسم استفهام بمعنى النفي، وإتيان النفي بصيغة الإستفهام أبلغ من إتيان النفي مجردًا؛ لأنه يكون بالاستفهام مشربًا معنى التحدي؛ كأنه يقول: لا أحد أصدق من الله حديثًا، وإذا كنت تزعم خلاف ذلك؛ فمن اصدق من الله؟
وقوله: ﴿حَدِيثًا﴾ و﴿قِيلًا﴾: تمييز لـ ﴿أَصْدَقُ﴾.
وإثبات الكلام في هاتين الآيتين يؤخذ من: قوله: ﴿أَصْدَقُ﴾؛ لأن الصدق يوصف به الكلام، وقوله: ﴿حَدِيثًا﴾ لأن الحديث هو الكلام، ومن قوله في الآية الثانية: ﴿قِيلًا﴾؛ يعني: قولًا، والقول لا يكون إلا باللفظ.
[ ١ / ٤١٨ ]
ففيهما إثبات الكلام لله ﷿، وأن كلامه حق وصدق، ليس فيه كذب بوجه من الوجوه.
الآية الثالثة: قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٦].
قوله: ﴿يَا عِيسَى﴾: مقول القول، وهي جملة من حروف: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾.
ففي هذا إثبات أن الله يقول: وأن قوله مسموع، فيكون بصوت، وأن قوله كلمات وجمل، فيكون بحرف.
ولهذا كانت عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الله يتكلم بكلام حقيقي متى شاء، كيف شاء، بما شاء، بحرف وصوت، لا يماثل أصوات المخلوقين.
"متى شاء ": باعتبار الزمن.
"بما شاء": باعتبار الكلام؛ يعني: موضوع الكلام من أمر أو نهي أو غير ذلك.
" كيف شاء": يعني على الكيفية والصفة التي يريدها ﷾. قلنا: إنه بحرف وصوت لا يشبه أصوات المخلوقين.
الدليل على هذا من الآية الكريمة ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾: هذا حروف.
[ ١ / ٤١٩ ]
الآية الرابعة: قوله: ﴿وتمت كلمة ربك﴾
وبصوت؛ لأن عيسى يسمع ما قال.
لا يماثل أصوات المخلوقين؛ لأن الله قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
الآية الرابعة: قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].
﴿كَلِمَةُ﴾؛ بالإفراد، وفي قراءة ﴿كَلِمَاتُ﴾؛ بالجمع، ومعناها واحد؛ لأن ﴿كَلِمَةُ﴾ مفرد مضاف فيعم.
تمت كلمات الله ﷿ على هذين الوصفين: الصدق والعدل، والذي يوصف بالصدق الخبر، والذي يوصف بالعدل الحكم، ولهذا قال المفسرون: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام.
فكلمات الله ﷿ في الأخبار صدق لا يعتريها الكذب بوجه الوجوه، وفي الأحكام عدل لا جور فيها بوجه من الوجوه.
هنا وصفت الكلمات بالصدق والعدل. إذا؛ فهي أقوال؛ لأن القول هو الذي يقال فيه: كاذب أو صادق.
الآية الخامسة: قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤].
[ ١ / ٤٢٠ ]
الآية السادسة: قوله: ﴿منهم من كلم الله﴾
الآية السابعة: قوله: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾
﴿اللَّهُ﴾: فاعل؛ فالكلام واقع منه.
﴿تَكْلِيمًا﴾: مصدر مؤكد، والمصدر المؤكد –بكسر الكاف-؛ قال العلماء: إنه ينفي احتمال المجاز. فدل على أنه كلام حقيقي؛ لأن المصدر المؤكد ينفي احتمال المجاز.
أرأيت لو قلت: جاء زيد. فيفهم أنه جاء هو نفسه، ويحتمل أن يكون المعنى جاء خبر زيد، وإن كان خلاف الظاهر، لكن إذا أكدت فقلت: جاء زيد نفسه. أو: جاء زيد. انتفى احتمال المجاز.
فكلام الله ﷿ لموسى كلام حقيقي، بحرف وصوت سمعه، ولهذا جرت بينهما محاورة؛ كما في سورة طه وغيرها. ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣].
﴿مِنْهُمْ﴾؛أي: من الرسل
﴿مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾: الاسم الكريم ﴿اللَّهُ﴾ فاعل كلم، ومفعولها محذوف يعود على ﴿مَنْ﴾، والتقدير: كلمه الله.
الآية السابعة: قوله: وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣].
أفادت هذه الآية أن الكلام يتعلق بمشيئته، وذلك لأن الكلام صار حين المجيء.، لا سابقًا عليه، فدل هذا على أن كلامه يتعلق بمشيئته. فيبطل به قول من قال: إن كلامه هو المعنى القائم بالنفس، وإنه لا يتعلق بمشيئته، وذلك لأن الكلام صار حين المجيء، لا سابقًا عليه، فدل هذا على أن كلامه يتعلق بمشيئته.
فيبطل به قول من قال: إن كلامه هو المعنى القائم بالنفس،
[ ١ / ٤٢١ ]
الآية الثامنة: قوله: ﴿وناديناه من جانب الطور﴾
وإنه لا يتعلق بمشيئته؛ كما تقوه الأشاعرة.
وفي هذه الآية إبطال زعم من زعم أن موسى فقط هو الذي كلم الله، وحرف قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ إلى نصب الاسم الكريم؛ لأنه في هذه الآية لا يمكنه زعم ذلك ولا تحريفها.
الآية الثامنة: قوله: وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾. [مريم:٥٢].
﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾: ضمير الفاعل يعود إلى الله، وضمير المفعول يعود إلى موسى؛ أي: نادى الله موسى.
﴿نَجِيًّا﴾: حال، وهو فعيل بمعنى مفعول؛ أي: مناجي.
والفرق بين المناداة والمناجاة أن المناداة تكون للبعيد، والمناجاة تكون للقريب وكلاهما كلام.
وكون الله ﷿ يتكلم مناداة ومناجاة داخل في قول السلف: "كيف شاء".
فهذه الآية مما يدل على أن الله يتكلم كيف شاء مناداة كان الكلام أو مناجاة.
الآية التاسعة: قوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء:١٠].
﴿وَإِذْ نَادَى﴾؛ يعني: واذكر إذ نادى.
[ ١ / ٤٢٢ ]
والشاهد قوله: ﴿رَبُّكَ مُوسَى﴾: فسر النداء بقوله: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
فالنداء يدل على أنه بصوت، و﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: يدل على أنه بحرف.
الآية العاشرة: قوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف:٢٢].
﴿وَنَادَاهُمَا﴾: ضمير المفعول يعود على آدم وحواء.
﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾: يقرر أنه نهاهما عن تلكما الشجرة، وهذا يدل على أن الله كلمهما من قبل، وأن كلام الله بصوت وحرف، ويدل على أنه يتعلق بمشيئته؛ لقوله: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾؛ فإن هذا القول بعد النهي، فيكون متعلقًا بالمشيئة.
الآية الحادية عشرة: قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥].
يعني: واذكر يوم يناديهم، وذلك يوم القيامة، والمنادي هو الله ﷿: ﴿فَيَقُولُ﴾.
وفي هذه الآية إثبات الكلام من وجهين: النداء والقول.
وهذه الآيات تدل بمجموعها على أن الله يتكلم بكلام حقيقي، متى شاء، بما شاء، بحرف وصوت مسموع، لا يماثل أصوات المخلوقين.
وهذه هي العقيدة السلفية عقيدة أهل السنة والجماعة.
[ ١ / ٤٢٣ ]