الآية الأولى
هو الرجل يقدم طفله الذي هو فلذة كبده وثمرة فؤاده، يقدمه إلى الطبيب ليشق جلده ويخرج المادة المؤذية فيه ولو أتى أحد من الناس يريد أن يشقه بظفره وليس بالمشرط، لقاتله، لكن هو يذهب إلى الطبيب ليشقه، وهو ينظر إليه، وهو فرح مسرور، يذهب به إلى الطبيب ليحمي الحديد على النار حتى تلتهب حمراء، ثم يأخذها ويكوي بها ابنه، وهو راض بذلك، لماذا يرضى بذلك وهو ألم للابن؟ لأنه مراد لغيره للمصلحة العظيمة التي تترتب على ذلك.
ونستفيد بمعرفتنا للإرادة من الناحية المسلكية أمرين:
الأمر الأول: أن نعلق رجاءنا وخوفنا وجميع أحوالنا وأعمالنا بالله، لأن كل شيء بإرادته وهذا يحقق لنا التوكل.
الأمر الثاني: أن نفعل ما يريده الله شرعًا، فإذا علمت أنه مراد لله شرعًا ومحبوب إليه، فإن ذلك يقوي عزمنا على فعله.
هذا من فوائد معرفتنا بالإرادة من الناحية المسلكية، فالأول باعتبار الإرادة الكونية، والثاني: باعتبار الإرادة الشرعية.
صفة المحبة.
هذه آيات في إثبات صفة المحبة:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [[البقرة: ١٩٥].
﴿وأحسنوا﴾ فعل أمر.
[ ١ / ٢٢٤ ]
والإحسان قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًا مندوبًا إليه، فما كان يتوقف عليه أداء الواجب، فهو واجب، وما كان زائدًا على ذلك فهو مستحب.
وبناء على ذلك، نقول: ﴿وأحسنوا﴾: فعل الأمر مستعمل في الواجب والمستحب.
والإحسان يكون في عبادة الله، ويكون في معاملة الخلق، فالإحسان في عبادة الله فسره النبي ﷺ حين سأله جبريل (١)، فقال: ما الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه". وهذا أكمل من الذي بعده، لأن الذي يعبد الله كأنه يراه عبادة طلب ورغبة، "فإن لم تكن تراه، فإنه يراك"، أي: فإن لم تصل إلى هذه الحال، فاعلم أنه يراك والذي يعبد الله على هذه المرتبة يعبده عبادة خوف وهرب، لأنه يخاف ممن يراه.
وأما الإحسان بالنسبة لمعاملة الخلق؟ فقيل في تفسيره: بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه.
بذل الندى: أي: المعروف، سواء كان ماليًا أو بدنيًا أم جاهيًا.
كف الأذى: أن لا تؤذي الناس بقولك ولا بفعلك.
وطلاقة الوجه: أن لا تكون عبوسًا عند الناس، لكن أحيانًا الإنسان يغضب ويعبس، فنقول: هذا لسبب، وقد يكون من
_________________
(١) رواه مسلم (٨) كتاب الإيمان/ باب بيان أركان الإيمان والإسلام، عن عمر بن الخطاب ﵁.
[ ١ / ٢٢٥ ]
الإحسان إذا كان سببًا لصلاح الحال.
ولهذا، إذا رجمن الزاني أو جلدناه، فهو إحسان إليه.
ويدخل في ذلك إحسان المعاملة في البيع، والشراء، والإجارة، والنكاح وغير ذلك، لأنك إذا عاملتهم بالطيب في هذه الأمور، صبرت على العسر، وأوفيت الحق بسرعة، هذا يعد بذل الندى، فإن اعتديت بالغش والكذب والتزوير، فأنت لم تكف الأذى، لأن هذا أذية. أحسن في عبادة لله وإلى عباد الله.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾: هذا تعليل للأمر، فهذا ثواب المحسن، أن الله يحبهن ومحبة الله مرتبة عالية عظيمة، ووالله إن محبة الله لتشترى بالدنيا كلها، وهي أعلى من أن تحب الله، فكون الله يحبك أعلى من أن تحبه أنت، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، ولم يقل: فاتبعوني، تصدقوا في محبتكم لله. مع أن الحال تقتضي هكذا، ولكن قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
ولهذا قال بعض العلماء: الشأن كل الشأن في أن الله يحبك لا أنك تحب الله.
كل يدعي أنه يحب الله، لكن الشأن في الذي في السماء ﷿، هل يحبك أم لا؟ إذا أحبك الله ﷿، أحبتك الملائكة في السماء، ثم يوضع لك القبول في الأرض، فيحبك أهل
[ ١ / ٢٢٦ ]
الآية الثانية
الأرض (١)، ويقبلونك، ويقبلون ما جاء منك وهذه من عاجل بشرى المؤمن.
وفي هذه الآية من الأسماء: الله. ومن الصفات الألوهية، والمحبة.
الآية الثانية: قوله: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩].
﴿وَأَقْسِطُوا﴾: فعل أمر، والإقساط ليس هو القسط، بل هو من فعل رباعي، فالهمزة فيه همزة النفي، هذه الهمزة هي همزة النفي، إذا دخلت على الفعل، نفت معناه، فالفعل (قسط)، بمعنى: جار، فإذا أدخلت عليه همزة (أقسط)، صار بمعنى: عدل، أي: أزال القسط، وهو الجور، فيسمون مثل هذه الهمزة همزة السلب، مثل خطئ وأخطأ، خطئ، بمعنى ارتكب الخطأ عن عمد، وأخطأ: ارتكبه عن غير عمد.
فقوله: ﴿وَأَقْسِطُوا﴾، أي: اعدلوا، وهذا واجب، فالعدل واجب في كل ما تجب فيه التسوية:
يدخل في ذلك العدل في معاملة الله ﷿، ينعم الله
_________________
(١) لما رواه البخاري (٣٢٠٩) كتاب بدء الخلق/ باب ذكر الملائكة، ومسلم (٢٦٣٧) كتاب البر/ باب "إذا أحب الله عبدًا" عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل أن الله يحب فلانًا فأحببهو فيحبه جبريل، فينادي جبريل أهل السماء إن الله يحب فلانًا فأحبوهو فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض".
[ ١ / ٢٢٧ ]
عليك بالنعم، فمن العدل أن تقوم بشكره، يبين الله لك الحق، فمن العدل أن تتبع هذا الحق.
ويدخل في ذلك العدل في معاملات الخلق: أن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، ولهذا قال النبي ﵊: "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخله الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يجب أن يؤتي إليه" (١).
عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، مثلًا: إذا أردت أن تعامل شخصًا معاملة، فاعرضها أولًا على نفسك: هل إذا عاملك إنسان بها، هل ترضى أم لا؟ إن كنت ترضى، فعامله، وإلا، فلا تدافعه.
ويدخل في ذلك العدل بين الأولاد في العطية، قال النبي ﷺ: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" (٢).
ويدخل في ذلك العدل بين الورثة في الميراث، فيعطى كل واحد نصيبه، ولا يوصى لأحد منهم بشيء.
ويدخل في ذلك العدل بين الزوجات، بأن تقسم لكل واحدة مثل ما تقسم للأخرى.
_________________
(١) رواه مسلم (١٨٤٤) كتاب الإمارة/ باب وجوب الوفاء بيعة الخلفاء الأول فالأول، عن عبد الله بن عمرو ﵁.
(٢) رواه البخاري (٢٥٨٧) كتاب الهبة/ باب الإشهاد في الهبة، ومسلم (١٦٢٣) كتاب الهبات/ باب كراهية تفضيل بعض الأولاد في الهبة، عن نعمان بن بشير ﵄.
[ ١ / ٢٢٨ ]
الإسلام دين عدل وليس دين مساواة
ويدخل في ذلك العدل في نفسك، فلا تكلفها ما لا تطيق من الأعمال، إن لربك عليك حقًا، لنفسك عليك حقًا.
وعلى هذا فقس.
وهنا يجب أن ننبه على أن من الناس من يستعمل بدل العدل: المساواة! وهذا خطأ، لا يقال: مساواة، لأن المساواة قد تقتضي التسوية بين شيئين الحكمة تقتضي التفريق بينهما.
ومن أجل هذه الدعوة الجائرة إلى التسوية صاروا يقولون: أي فرق بين الذكر والأنثى؟! سووا بين الذكور والإناث! حتى إن الشيوعية قالت: أي فرق بين الحاكم والمحكوم، لا يمكن أن يكون لأحد سلطة على أحد، حتى بين الوالد والوالد، ليس للوالد سلطة على الولد وهلم جرًا.
لكن إذا قلنا بالعدل، وهو إعطاء كل أحد ما يستحقه، زال هذا المحذور، وصارت العبارة سليمة.
ولهذا، لم يأت في القرآن أبدًا: عن الله يأمر بالتسوية! لكن جاء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠]، ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].
وأخطأ على الإسلام من قال: إن دين الإسلام دين المساواة! بل دين الإسلام دين العدل، وهو الجمع بين المتساويين، والتفريق بين المفترقين، إلا أن يريد بالمساواة: العدل، فيكون أصاب في المعنى وأخطأ في اللفظ.
[ ١ / ٢٢٩ ]
الآية الثالثة
ولهذا كان أكثر ما جاء في القرآن نفي المساواة: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ [الرعد: ١٦]، ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠]، ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ﴾ [النساء: ٩٥].
ولم يأت حرف واحد في القرآن يأمر بالمساواة أبدًا، إنما يأمر بالعدل.
وكلمة (العدل) أيضًا تجدونها مقبوله لدى النفوس.
وأحببت أن أنبه على هذا، لئلا نكون في كلامنا إمعة، لأن بعض الناس يأخذ الكلام على عواهنه، فلا يفكر في مدلوله وفيمن وضعه وفي مغزاه عند من وضعه.
وفي الآية من الأسماء والصفات ما سبق في التي قبلها.
الآية الثالثة: قوله: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧].
﴿ما﴾: شرطية، وفعل الشرط: ﴿اسْتَقَامُوا﴾، وجوابه: ﴿فَاسْتَقِيمُوا﴾، أي: مهما استقام لكم المعاهدون الذين عاهدتهم عند المسجد الحرام بالوفاء بالعهد، فاستقيموا لهم في ذلك.
وهذه الجملة الشرطية تقتضي بمنطوقها، أنهم إذا استقاموا لنا، وجب أن نستقيم لهم، وأن نوفي بعهدهم. وتدل بمفهومها
[ ١ / ٢٣٠ ]
على أنهم إذا لم يستقيموا، لا نستقيم لهم.
والمعاهدون ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
قسم استقاموا على عهدهم وأمناهم، فيجب علينا أن نستقيم لهم، لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
وقسم خانوا ونقضوا العهد، فهؤلاء لا عهد لهم، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢].
وقسم ثالث يظهرون الاستقامة لنا، لكننا نخاف من خيانتهم، بمعنى أنه توجد قرائن تدل على أنهم يريدون الخيانة، فهؤلاء قال الله فيهم: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]، أي: انبذ إليهم عهدهم، فقل: لا عهد بيننا وبينكم.
فإذا قال قائل: كيف ينبذ العهد إليهم وهم معاهدون؟!
قلنا: لخوف الخيانة، فهؤلاء لا نأمنهم، لأنه يمكن في يوم من الأيام أن يصبحونا، فهؤلاء ننبذ إليهم على سواء، ولا نخونهم ما دام العهد قائمًا، لأنه لو قال المسلمون: نحن نخاف منهم الخيانة، سنبادرهم بالقتال. قلنا: هذا حرام، لا تقاتلوهم حتى تنبذوا إليهم العهد.
وقوله: ﴿الْمُتَّقِينَ﴾: المتقون هم الذين اتخذوا وقاية
[ ١ / ٢٣١ ]
شروط التوبة
من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا من أحسن وأجمع ما يقال في تعريف التقوى.
وفي الآية من الأسماء والصفات كالتي قبلها.
الآية الرابعة: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
التواب: صيغة مبالغة من التوبة، وهو كثير الرجوع إلى الله، والتوبة هي الرجوع إلى الله من معصيته إلى طاعته.
وشروطها خمسة:
الأول: الإخلاص لله تعالى بأن يكون الحامل له على التوبة مخافة الله ورجاء ثوابه.
الثاني: الندم على ما فعل من الذنب، وعلامة ذلك أن يتمنى أنه لم يقع منه.
الثالث: الإقلاع عن الذنب، بتركه إن كان محرمًا، أو تداركه إن كان واجبًا يمكن تداركه.
الرابع: العزم على أن لا يعود إليه.
الخامس: أن تكون في وقت تقبل فيه التوبة، وهو ما كان قبل حضور الموت وطلوع الشمس من مغربها، فإن كانت بعد حضور الموت أو بعد طلوع الشمس من مغربها، لم تقبل.
فالتواب: كثير التوبة.
ومعلوم أن كثرة التوبة تسلتزم كثرة الذنب، ومن هنا نفهم بأن
[ ١ / ٢٣٢ ]
الآية الخامسة
الإنسان مهما كثر ذنبه، إذا أحدث لكل ذنب توبة، فإن الله تعالى يحبه، والتائب مرة واحدة من ذنب واحد محبوب إلى الله ﷿ من باب أولى، لأن من كثرت ذنوبه وكثرت توبته يحبه الله، فمن قلت ذنوبه، كانت محبة الله له بالتوبة من باب أولى.
وقوله: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾: الذين يتطهرون من الأحداث ومن الأنجاس في أبدانهم وما يجب تطهيرة.
وهنا جمع بين طهارة الظاهر وطهارة الباطن: طهارة الباطن بقوله: ﴿التَّوَّابِينَ﴾، والظاهر بقوله: ﴿الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
وفي الآية من الأسماء والصفات ما سبق في التي قبلها.
الآية الخامسة: قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
يسمى علماء السلف هذه الآية: آية المحنة، يعني الامتحان، لأن قومًا ادعوا أنهم يحبون الله فأمر الله نبيه أن يقول لهم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾، وهذا تحد لكل من ادعى محبة الله، أن يقال له: إن كنت صادقًا في محبة الله، فاتبع الرسول، فمن أحدث في دين رسول الله ﷺ ما ليس منه، وقال: إنني أحب الله ورسوله بما أحدثته، قلنا له: هذا كذب لو كانت محبتك صادقة، لا تبعت الرسول ﵊، ولم تتقدم بين يديه بإدخال شيء في شريعته ليس من دينه، فكل من كان أتبع لرسول الله ﷺ، كان لله أحب.
[ ١ / ٢٣٣ ]
الآية السادسة
وإذا أحب الله وقام بعبادته، فإن الله تعالى يحبه، بل إن الله ﷿ يعطيه أكثر مما عمل، يقول تعالى في الحديث القدسي: "من ذكرني في نفسهن ذكرته في نفسي"، ونفس الله أعظم من نفوسنا. "ومن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه". وفي الحديث أيضًا: "أن من تقرب إليه شبرًا تقرب الله إليه ذراعًا، ومن تقرب إليه ذراعًا، تقرب إليه باعًا، ومن أتى إلى الله يمشي، أتاه الله هرولة" (١).
إذا فعطاه الله ﷿ وثوابه أكثر من عملك.
وفي الآية من الأسماء والصفات مما سبق في التي قبلها.
الآية السادسة: قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].
الفاء واقعة في جواب الشرط في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، أي: إذا ارتددتم عن دين الله، فإن ذلك لا يضر الله شيئًا، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وهذا كقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨].
فكل من ارتد عن دين الله، فإن الله لا يعبأ به، لأنه تعالى غني عنه، بل يزيله ويأتي بخير منه، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ بدل منهم ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وإذا كانوا يحبون الله ويحبهم الله فسوف
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤٠٥) كتاب التوحيد/ باب قوله تعالى: "ويحذركم الله نفسه"، ومسلم (٢٦٧٥) عن أبي هريرة رضي اللع عنه في كتاب الذكر والدعاء/ باب الحث على باب الحث على ذكر الله تعالى.
[ ١ / ٢٣٤ ]
يقومون بطاعته.
وتمام الآية: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أما المؤمنين أذلة، يخفضون أجنحتهم للمؤمنين، ويلينون لهم، ويتطامنون، ومع الكفار أعزة أقوياء، لا يظهرون الذل أمام الكافر أبدًا.
وقد علمنا الرسول ﵊: "وإذا لقيتموهم في طريق، فاضطروهم إلى أضيقه" (١)، فإذا لاقاكم اليهود والنصاري، ولو كانوا ألفًا وأنتم عشرة، نشق هذا الجمع، ولا نفسح لهم الطريق، بل نلجئهم إلى أضيقه، فنريهم العز بديننا لا بأنفسنا، لأننا نحن بشر وهم بشر، حتى يتبين لهم أن دين الإسلام هو الظاهر، وأن المتمسك به هو العزيز.
﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾: يجاهدون في سبيل الله، كل من قام ضد دين الله من كافر وفاسق وملحد ومارق يجاهدونه، وكل إنسان يقابلونه من السلام بما يليق به، فمن قاتلهم بالحديد والنار، قاتلوه بالحديد والنار، ومن قاتلهم بالجدال والخصام الكلامي، جادلوه بمثل ذلك، فهم يجاهدون في الله بكل نوع من أنواع الجهاد.
﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ لا يخافون نقد الناس عليهم، يقولون الحق ولو كان على أنفسهم.
_________________
(١) رواه مسلم (٢١٦٧) عن أبي هريرة ﵁ في كتاب السلام/ باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام.
[ ١ / ٢٣٥ ]
الآية السابعة
لكنهم يستعملون الحكمة في هذا الجهاد ويرومون الوصول إلى الغاية، فإذا رأوا أن الدعوة تستوجب التأخر في بعض الأمور، تأخروا، وإذا رأوا أن الدعوة تقتضي اللين في بعض الأحوال، استعملوه، لأنهم يريدون الوصول إلى غاية معينة، والوسيلة حسب ما تقتضيه الحال.
ثم قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].
وفي الآية من الأسماء والصفات ما سبق في التي قبلها، وزيادة أن الله تعالى يكون محبوبًا.
الآية السابعة: قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤].
هذه الآية في سورة الصف، وسورة الصف في الحقيقة هي سورة الجهاد، لأن الله تعالى بدأها بالثناء على المقاتلين في سبيله، ثم دعا إلى الجهاد في آخرها، ثم ذكر بين ذلك أن الله سيظهر دينه على كل الأديان ولو كره المشركون.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾: لا يتقدم أحد على أحد ولا يتأخر، حتى في الجهاد.
والصلاة جهاد مصغر، فيها قائد يجب اتباعه، فإن لم تتبعه، بطلت صلاتك، قال النبي ﷺ: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة
[ ١ / ٢٣٦ ]
حمار" (١)، والصف في الصلاة نظير الصف في الجهاد، وكان الرسول ﵊ يصفهم في الجهاد كما يصفهم في الصلاة "كأنهم بنيان" والبنيان كما قال الرسول ﵊: "يشد بعضه بعضًا" (٢)، يتماسك بعضه ببعض، ولهذا قال: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾، فليس كالمفرق: فالمرصوص أشد تماسكًا.
فهؤلاء الذين علق الله المحبة لهم بأعمالهم لهم عدة صفات:
أولًا: يقاتلون، فلا يركنون إلى الخلود والخمول والكسل والجمود الذي يضعف الدين والدنيا.
ثانيًا: الإخلاص، لقوله: ﴿فِي سَبِيلِهِ﴾.
ثالثًا: يشد بعضهم بعضًا، لقوله: ﴿صَفًَّا﴾.
رابعًا: أنهم كالبنيان، والبنيان حصن منيع.
خامسًا: لا يتخللهم ما يمزقهم، لقوله: ﴿مَّرْصُوصٌ﴾.
هذه خمس صفات علق الله المحبة لهؤلاء عليها.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٩١) كتاب الأذان/ باب أثم من رفع رأسه قبل الإمام، ومسلم (٤٢٧) عن أبي هريرة ﵁ في كتاب الصلاة/ باب تحريم سبق الإمام.
(٢) رواه البخاري (٦٠٢٦) كتاب الآداب/ باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا.، ومسلم كتاب البر والصلة (٢٥٨٥) باب تراحم المؤمنين عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" ثم شبك بين أصابعه.
[ ١ / ٢٣٧ ]
إضافة الشارح آية تاسعة في المحبة: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾
وفي الآية من الأسماء والصفات ما سبق في التي قبلها.
الآية الثامنة: قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤].
﴿الْغَفُورُ﴾: الساتر لذنوب عباده المتجاوز عنها.
﴿الْوَدُودُ﴾ مأخوذ من الود، وهو خالص المحبة، وهي بمعنى: واد، وبمعنى: مودود، لأنه ﷿ محب ومحبوب، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، فالله ﷿ واد ومودو، واد لأوليائه، وأولياؤه يودونه يحبونه، يحبون الوصول إليه وإلى جنته ورضوانه.
وفي الآية اسمان من أسماء الله: الغفور، والودود. وصفتان: المغفرة، والود.
وأتمنى لو أن المؤلف أضاف آية تاسعة في المحبة، وهي الخلة، لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، والخليل هو من كان في أعلى المحبة، فالخلة أعلى أنواع المحبة، لأن الخليل هو الذي وصل حبه إلى سويداء القلب وتخلل مجاري عروقه، وليس فوق الخلة شيء من أنواع المحبة أبدًا.
يقول الشاعر لمعشوقته:
قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمي الخليل خليلًا
فالنبي ﵊ يحب أصحابه كلهم، لكن ما
[ ١ / ٢٣٨ ]
اتخذ واحدًا منهم خليلًا أبدًا، قال النبي عليه الصلاة وهو يخطب الناس: "لو كنت متخذًا خليلًا من أمتي لاتخذت أبا بكر" (١)، إذًا، أبو بكر هو أحب الناس إليه، لكن لم يصل إلى درجة الخلة، لأن الرسول ﷺ لم يتخذ أحدًا خليلًا، لكن إخوة الإسلام ومودته، وأما الخلة، فهي بينه وبين ربه، قال النبي ﷺ: " إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا" (٢).
والخلة لا نعلم أنها ثبتت لأحد من البشر، إلا لاثنين، هما إبراهيم محمد عليهما الصلاة والسلام، لقول النبي ﷺ: "إن الله اتخذني خليلًا".
وهذه الخلة صفة من صفات الله ﷿، لأنها أعلى أنواع المحبة، وهي توقيفية، فلا يجوز أن نثبت لأحد من البشر أنه خليل إلا بدليل، حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إلا هذين الرسولين الكريمين، فهما خليلان لله ﷿.
وهذه الآية: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ هي التي استشهد بها من قتل الجعد بن درهم رأس المعطلة الجهمية، أول ما أنكر قال: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا فقتله خالد بن عبد الله القسري ﵀ (٣)، حيث خرج به موثقًا في يوم عيد
_________________
(١) رواه البخاري (٢٣٥٦)، رواه مسلم (٢٣٨٣) كتاب فضائل الصحابة/ باب فضائل أبي بكر الصديق.
(٢) رواه مسلم (٥٣٢) عن جندب بن عبد الله ﵁.
(٣) خالد بن عبد الله القسري، قال الذهبي: "الأمير أبو الهيثم الذهلي صاحب ما وراء النهر، له آثار حميدة ببخارى أكرم بها المحدثون وأعطاهم، طلب منه البخاري أن يحدث بقصره الصحيح يسمعه أولاده فأبى، فتألم، وأخرجه من البخارى كان يمشي في طلب الحديث ولا يركب، وأنفق في ذلك ألف ألف درهم، مات سنة سبعين ومأتين" "سير الأعلام النبلاء" (١٣/ ١٣٧)
[ ١ / ٢٣٩ ]
الأضحى، وخطب الناس، وقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإن مضح بالجعد بن درهم، لأنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، ثم نزل فذبحه (١).
ويقول ابن القيم في ذلك (٢):
ولأجل ذا ضحى بجعد خالد القسري يوم ذبائح القربان
إذ قال إبراهيم ليس خليله كلا ولا موسى الكليم الداني
شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان
فلدينا الآن محبة وود وخلة، فالمحبة والود مطلقة، والخلة خاصة بإبراهيم ومحمد.
ويجب أن يكون اعتمادنا في الأمور الغيبية على الأدلة السمعية، لكن لا مانع من أن نستدل بأدلة عقلية، لإلزام من أنكر أن تكون المحبة ثابتة بالأدلة العقلية، مثل الأشاعرة، يقولون: لا يمكن أن تثبت المحبة بين الله وبين العبد أبدًا، لأن العقل لا يدل عليها، وكل ما لا يدل عليه العقل، فإنه يجب أن ننزه الله عنه.
_________________
(١) ذكرها البخاري في"خلق أفعال العباد" برقم (١٢)، والدارمي في الرد على الجهمية (١٧)، وقوى إسناده الألباني في مختصر العلو (١٣٥)، وانظر مختصر الصواعق لابن القيم (١٣/ ١٠٧١).
(٢) "الكافية الشافية" لابن القيم بشرح ابن عيسى (١/ ٥٠).
[ ١ / ٢٤٠ ]
أسباب نيل محبة الله
فنحن نقول: نثبت المحبة بالأدلة العقلية، كما هي ثابتة عندنا بالأدلة السمعية، احتجاجًا على من أنكر ثبوتها بالعقل، فنقول وبالله التوفيق:
إثابة الطائعين بالجنات والنصر والتأييد وغيره، هذا يدل بلا شك على المحية، ونحن نشاهد بأعيننا ونسمع بآذاننا عمن سبق وعمن لحق أن الله ﷿ أيد من أيد من عباده المؤمنين ونصرهم وأثابهم، وهل هذا إلا دليل على المحبة لمن أيدهم ونصرهم وأثابهم ﷿؟!
وهنا سؤالان:
الأول: بماذا ينال الإنسان محبة الله ﷿؟ وهذه هي التي يطلبها كل إنسان، والمحبة عبارة عن أمر فطري يكون في الإنسان ولا يملكه، ولهذا يروى أن الرسول ﵊ قال في العدل بين زوجاته: "هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك" (١)؟
فالجواب: أن المحبة لها أسباب كثيرة:
منها: أن ينظر الإنسان: من الذي خلقه؟ ومن الذي أمده
_________________
(١) رواه أحمد (٦/ ١٤٤)، وأبو داود (٢١٣٤)، وابن ماجة (١٩٧١)، والنسائي (٧/ ٦٤)، والترمذي (١١٤٠)، وابن حبان (١٠/ ٥)، والحاكم (٢/ ١٨٧)؛ وصححه ووافقه الذهبي. واختلف في وصله وإرساله. وانظر "ارواء الغليل" (٢٠١٨).
[ ١ / ٢٤١ ]
بالنعم منذ كان في بطن أمه؟ ومن الذي أجرى إليك الدم في عروقك قبل أن تنزل إلى الأرض إلا الله ﷿؟ من الذي دفع عنك النقم التي انعقدت أسبابها، وكثيرًا ما تشاهد بعينك آفات ونقمًا تهلكك، فيرفعها الله عنك؟
وهذا لا شك أنه يجلب المحبة، ولهذا ورد في الأثر: "أحبوا الله لما يغذوكم به من النعم" (١).
واعتقد لو أن أحدًا أهدى إليك قلمًا، لأحببته، فإذا كان كذلك، فأنت انظر نعمة الله عليك النعم العظيمة الكثيرة التي لا تحصيها، تحب الله.
ولهذا إذا جاءت النعمة وأنت في حاجة شديدة إليها، تجد قلبك ينشرح، وتحب الذي أسداها إليك، بخلاف النعم الدائمة، فأنت تذكر هذه النعم التي أعطاك الله، وتذكر أيضًا أن الله فضلك على كثير من عباده المؤمنين، إن كان الله من عليك بالعلم، فقد فضلك بالعلم، أو بالعبادة، فقد فضلك بالعبادة، أو بالمال: فقد فضلك بالمال، أو بالأهل، فقد فضلك بالأهل، أو بالقوت فقد فضلك بالقوت، وما من نعمة إلا وتحتها ما هو دونها، فأنت إذا رأيت هذه النعمة العظيمة، شكرت الله وأحببته.
_________________
(١) رواه الترمذي/ كتاب المناقب (٣٧٨٩)، والحاكم (٢/ ١٥٠) البيهقي في الشعب (١٣٧٨)، والطبراني (٣/ ٣١)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢١١)، والحديث ضعفه الألباني في تعليقه على "فقه السيرة" (٢٣).
[ ١ / ٢٤٢ ]