عرفًا: اسمًا للقوم المجتمعين.
* وعلى ما قرره المؤلف تكون (الجماعة) في قولنا: "أهل السنة والجماعة": معطوفة على (السنة)، ولهذا عبر المؤلف بقوله: "سموا أهل الجماعة"، ولم يقل: سموا جماعة؛ فكيف يكونون أهل الجماعة وهم جماعة؟!
نقول: الجماعة في الأصل: الاجتماع؛ فأهل الجماعة؛ يعني: أهل الاجتماع، لكن نقل اسم الجماعة إلى القوم المجتمعين نقلًا عرفيًّا.
* * *
* قوله: "والإجماع هو الأصل الثالث الَّذي يعتمد عليه في العلم والدين":
* يعني به الدليل الثالث؛ لأن الأدلة أصول الأحكام؛ حيث تبنى عليها.
* والأصل الأول هو الكتاب، والثاني السنة، والإجماع هو الأصل الثالث، ولهذا يسمون: أهل الكتاب والسنة والجماعة.
* فهذه ثلاثة أصول يعتمد عليها في العلم والدين، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب والسنة؛ فأصلان ذاتيان، وأما الإجماع؛ فأصل مبني على غيره؛ إذ لا إجماع إلا بكتاب أو سنة.
* أما كون الكتاب والسنة أصلًا يُرجع إليه؛ فأدلته كثيرة؛
[ ٢ / ٣٢٤ ]
منها:
- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
- وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢].
- وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
- قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
ومن أنكر أن تكون السنة أصلًا في الدليل؛ فقد أنكر أن يكون القرآن أصلًا.
ولا شك عندنا في أن من قال: إن السنة لا يرجع إليها في الأحكام الشرعية؛ أنَّه كافر مرتد عن الإسلام؛ لأنه مكذب ومنكر للقرآن، فالقرآن في غيرما موضع جعل السنة أصلًا يرجع إليه.
- وأما الدليل على أن الإجماع أصل؛ فيقال:
أولًا: هل الإجماع موجود أو غير موجود؟
قال بعض العلماء: لا إجماع موجود؛ إلا على ما فيه نص، وحينئذ؛ يستغنى بالنص عن الإجماع.
فمثلًا؛ لو قال قائل: العلماء مجمعون على أن الصلوات المفروضة خمس؛ فهذا صحيح، لكن ثبوت فرضيتها بالنص.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
الأدلة على حجية الإجماع
ومجمعون على تحريم الزنى؛ فهذا صحيح، لكن ثبوت تحريمه بالنص. ومجمعون على تحريم نكاح ذوات المحارم؛ فهذا صحيح، لكن ثبوت تحريمه بالنص.
ولهذا قال الإمام أحمد: من ادعى الإجماع؛ فهو كاذب، وما يدريه؟ لعلهم اختلفوا (١).
* والمعروف عند عامة العلماء أن الإجماع موجود، وأن كونه دليلًا ثابت بالقرآن والسنة:
- فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]؛ فإن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ﴾: يدل على أن ما أجمعنا عليه لا يجب رده إلى الكتاب والسنة؛ اكتفاء بالإجماع! وهذا الاستدلال فيه شيء!!
- ومن ذلك قوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، فقال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
- واستدلوا أيضًا بحديث: "لا تجتمع أمتي على
_________________
(١) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في "مسائله عن أبيه" (٣٧)، وانظر "أعلام الموقعين" لابن القيم (١/ ٣٠).
[ ٢ / ٣٢٦ ]
أهل السنة والجماعة يزنون ما عليه الناس من قول أو عمل باطن أو ظاهر، بالكتاب والسنة والإجماع
ضلالة" (١).
وهذا الحديث حسنه بعضهم وضعفه آخرون، لكن قد نقول: إن هذا، وإن كان ضعيف السند، لكن يشهد لمتنه ما سبق من النص القرآني.
فجمهور الأمة أن الإجماع دليل مستقل، وأننا إذا وجدنا مسألة فيها إجماع؛ أثبتناها بهذا الإجماع.
وكأن المؤلف ﵀ يريد من هذه الجملة إثبات أن إجماع أهل السنة حجة.
* * *
* قوله: "وهم يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة أو ظاهرة مما له تعلق بالدين".
* "الأصول الثلاثة": هي الكتاب والسنة والإجماع.
* يعني: أن أهل السنة والجماعة يزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من قول أو عمل، باطن أو ظاهر، لا يعرفون
_________________
(١) رواه الترمذي (٣/ ٢٠٧)، وابن ماجة (٢/ ١٣٠٣)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ١١٥). وذكره السخاوي في "المقاصد" (٤٦٠)، وقال عنه: "وبالجملة فهو حديث مشهور المتن ذو أسانيد كثيرة وشواهد متعددة؛ في المرفوع وغيره". وذكره الهيثمي في "المجمع" (٥/ ١٢٩)، وقال: "رواه الطبراني بإسنادين، رجال أحدهما ثقات رجال الصحيح، خلا مرزوق مولى آل طلحة وهو ثقة". وحسّنه الألباني في "ظلال الجنّة" (٨٠).
[ ٢ / ٣٢٧ ]
الإجماع المنضبط هو ما كان عليه السلف الصالح
أنَّه حق؛ إلا إذا وزنوه بالكتاب والسنة والإجماع؛ فإن وجد له دليل منها؛ فهو حق، وإن كان على خلافه؛ فهو باطل.
* قوله: "والإجماع الَّذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة":
* يعني: أن الإجماع الَّذي يمكن ضبطه والإحاطة به هو ما كان عليه السلف الصالح، وهم القرون الثلاثة، الصحابة والتابعون وتابعوهم.
* ثم علل المؤلف ذلك بقوله: "إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة"؛ يعني: أنَّه كثر الاختلاف ككثرة الأهواء؛ لأن الناس تفرقوا طوائف، ولم يكونوا كلهم يريدون الحق، فاختلفت الآراء وتنوعت الأقوال.
* "وانتشرت الأمة": فصارت الإحاطة بهم من أصعب الأمور.
فشيخ الإسلام ﵀ كأنه يقول: من ادعى الإجماع بعد السلف الصالح، وهم القرون الثلاثة، فإنه لا يصح دعواه الإجماع، لأن الإجماع الَّذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح، وهل يمكن أن يوجد إجماع بعد الخلاف؛ فنقول: لا إجماع مع وجود خلاف سابق ولا عبرة بخلاف بعد تحقق الإجماع.
* * *
[ ٢ / ٣٢٨ ]