* قوله: "ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله - ﷺ - باطنًا وظاهرًا".
لما فرغ المؤلف مما يريد ذكره من طريقة أهل السنة العقدية؛ شرع في ذكر طريقتهم العملية:
* قوله: "اتباع الآثار": لا اتباع إلا بعلم؛ إذًا؛ فهم حريصون على طلب العلم؛ ليعرفوا آثار الرسول ﵊ ثم يتبعوها.
* فهم يتبعون آثار الرسول - ﷺ - في العقيدة والعبادة والأخلاق والدعوة إلى الله تعالى؛ يدعون عباد الله إلى شريعة الله في كل مناسبة، وكلما اقتضت الحكمة أن يدعوا إلى الله؛ دَعَوا إلى الله، ولكنهم لا يخبطون خبط عشواء، وإنما يدعون بالحكمة؛ يتبعون آثار الرسول ﵊ في الأخلاق الحميدة في معاملة
[ ٢ / ٣٠٧ ]
الناس باللطف واللين، وتنزيل كل إنسان منزلته؛ يتبعونه أيضًا في أخلاقه مع أهله، فتجدهم يحرصون على أن يكونوا أحسن الناس لأهليهم؛ لأن النبي - ﷺ - يقول: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (١).
ونحن لا نستطيع أن نحصر آثار الرسول ﵊، ولكن نقول على سبيل الإجمال في العقيدة والعبادة والخلق والدعوة: في العبادة لا يتشددون ولا يتهاونون ويتبعون ما هو أفضل.
وربما يشتغلون عن العبادة بمعاملة الخلق للمصلحة؛ كما كان الرسول يأتيه الوفود يشغلونه عن الصلاة؛ فيقضيها فيما بعد.
* قوله: "ظاهرًا وباطنًا": الظهور والبطون أمر نسبي: ظاهرًا فيما يظهر للناس، وباطنًا فيما يسرونه بأنفسهم. ظاهرًا في الأعمال الظاهرة، وباطنًا في أعمال القلوب
فمثلًا؛ التوكل والخوف والرجاء والإنابة والمحبة وما أشبه ذلك؛ هذه من أعمال القلوب؛ يقومون بها على الوجه المطلوب، والصلاة فيها القيام والقعود والركوع والسجود والصدقة والحج والصيام، وهذه من أعمال الجوارح؛ فهي ظاهرة.
_________________
(١) رواه: الترمذي (٣٨٩٥)، والدارمي (٢١٧٧)، وابن ماجة (١٩٧٧)، وابن حبان (٤١٧٧)؛ عن عائشة ﵂. والحديث صححه الألباني في "الصحيحة" (٢٨٥).
[ ٢ / ٣٠٨ ]
* ثم اعلم أن آثار الرسول - ﷺ - تنقسم إلى ثلاثة أقسام أو أكثر:
أولًا: ما فعله على سبيل التعبد؛ فهذا لا شك أننا مأمورون باتباعه؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]؛ فكل شيء لا يظهر فيه أنَّه فعله تأثرًا بعادة أو بمقتضى جبلة وفطرة أو حصل اتفاقًا؛ فإنه على سبيل التعبد، ونحن مأمورون به.
ثانيًا: ما فعله اتفاقًا؛ فهذا لا يشرع لنا التأسي فيه؛ لأنه غير مقصود؛ كما لو قال قائل: ينبغي أن يكون قدومنا إلى مكة في الحج في اليوم الرابع من ذي الحجة! لأن الرسول - ﷺ - قدم مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة (١). فنقول: هذا غير مشروع؛ لأن قدومه - ﷺ - في هذا اليوم وقع اتفاقًا.
ولو قال قائل: ينبغي إذا دفعنا من عرفة ووصلنا إلى الشعب الَّذي نزل فيه - ﷺ - وبال أن ننزل ونبول ونتوضأ وضوءًا خفيفًا كما فعل النبي - ﷺ - فنقول: هذا لا يشرع.
وكذلك غيرها من الأمور التي وقعت اتفاقًا؛ فإنه لا يشرع التأسي فيه بذلك؛ لأنه - ﷺ - فعله لا على سبيل القصد للتعبد،
_________________
(١) كما رواه الإمام أحمد في "المسند" (٣/ ٣٦٦)؛ من حديث جابر قال: "وقدمنا الكعبة في أربع مضين من ذي الحجة أيامًا أو ليالي "، وهو عند الطبراني في "الكبير" (٧/ ١٢٣)، وهو حديثٌ صحيح، وأصلُه في "صحيح مُسلم".
[ ٢ / ٣٠٩ ]
والتأسي به تعبد.
ثالثًا: ما فعله بمقتضى العادة؛ فهل يشرع لنا التأسي به؟
الجواب: نعم؛ ينبغي لنا أن نتأسى به، لكن بجنسه لا بنوعه.
وهذه المسألة قل من يتفطن لها من الناس؛ يظنون أن التأسي به فيما هو على سبيل العادة بالنوع، ثم ينفون التأسي به في ذلك.
ونحن نقول: نتأسى به، لكن باعتبار الجنس؛ بمعنى أن نفعل ما تقتضيه العادة التي كان عليها الناس؛ إلا أن يمنع من ذلك مانع شرعي.
رابعًا: ما فعله بمقتضى الجبلة؛ فهذا ليس من العبادات قطعًا، لكن قد يكون عبادة من وجه؛ بأن يكون فعله على صفة معينة عبادة: كالنوم؛ فإنه بمقتضى الجبلة، لكن يسن أن يكون على اليمين، والأكل والشرب جبلة وطبيعة، ولكن قد يكون عبادة من جهة أخرى، إذا قصد به الإنسان امتثال أمر الله والتنعم بنعمه والقوة على عبادته وحفظ البدن، ثم إن صفته أيضًا تكون عبادة كالأكل باليمين، والبسملة عند البداءة، والحَمْدلة عند الانتهاء.
وهنا نسأل: هل اتخاذ الشعر عادة أو عبادة؟
يرى بعض العلماء أنَّه عبادة، وأنه يسن للإنسان اتخاذ الشعر.
ويرى آخرون أن هذا من الأمور العادية؛ بدليل قول الرسول
[ ٢ / ٣١٠ ]
اتباع سبيل السابقين الأولين
- ﷺ - للذي رآه قد حلق بعض رأسه وترك بعضه؛ فنهاهم عن ذلك، وقال: "احلقوا كله أو ذروا كله" (١)، وهذا يدل على أن اتخاذ الشعر ليس بعبادة، وإلا؛ لقال: أبقه، ولا تحلق منه شيئًا!
وهذه المسألة ينبغي التثبت فيها، ولا يحكم على شيء بأنه عبادة؛ إلا بدليل؛ لأن الأصل في العبادات المنع؛ إلا ما قام الدليل على مشروعيته.
* * *
* قوله: "واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار"؛ أي: ومن طريقة أهل السنة اتباع إلخ؛ فهي معطوفة على "اتباع الآثار".
* قوله: "السابقين"؛ يعني: إلى الأعمال الصالحة.
* وقوله: "الأولين"؛ يعني: من هذه الأمة.
* والمهاجرون: من هاجروا إلى المدينة.
* والأنصار: أهل المدينة في عهد النبي - ﷺ -.
_________________
(١) رواه مسلم (٢١٢٠)؛ عن ابن عمر من طريق معمر عن أيوب عن نافع، ولم يسق لفظه. وهو عند عبد الرزاق في "مصنفه" (١٩٥٦٤)، وأبو داود (٤١٩٥)، والنسائي (٨/ ١٣٠)، وأحمد (٢/ ٨٨)؛ بلفظ: "احلقوا كله أو ذروا كله". قال الحميدي: وحكى أبو مسعود الدمشقي أن في رواية مسلم أن النبي - ﷺ - رأى غلامًا قد حلق بعض رأسه وترك بعض، فنهاهم عن ذلك وقال: "احلقوا كله أو ذروا كله"، انظر: "جامع الأصول" (٤/ ٧٥٣).
[ ٢ / ٣١١ ]
اتباع سنة الخلفاء الراشدين
* وإنما كان اتباع سبيلهم من منهج أهل السنة والجماعة؛ لأنهم أقرب إلى الصواب والحق ممن بعدهم، وكلما بعد الناس عن عهد النبوة؛ بعدوا من الحق، وكلما قرب الناس من عهد النبوة؛ قربوا من الحق، وكلما كان الإنسان أحرص على معرفة سيرة النبي - ﷺ - وخلفائه الراشدين؛ كان أقرب إلى الحق.
ولهذا ترى اختلاف الأمة بعد زمن الصحابة والتابعين أكثر انتشارًا وأشمل لجميع الأمور، لكن الخلاف في عهدهم كان محصورًا.
فمن طريقة أهل السنة والجماعة أن ينظروا في سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فيتبعوها؛ لأن اتباعها يؤدي إلى محبتهم، مع كونهم أقرب إلى الصواب والحق؛ خلافًا لمن زهد في هذه الطريقة، وصار يقول: هم رجال ونحن رجال! ولا يبالي بخلافهم!! وكأن قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي قول فلان وفلان من أواخر هذه الأمة!! وهذا خطأ وضلال؛ فالصحابة أقرب إلى الصواب، وقولهم مقدم على قول غيرهم من أجل ما عندهم من الإيمان والعلم، وما عندهم من الفهم السليم والتقوى والأمانة، وما لهم من صحبة الرسول - ﷺ -.
* * *
* قوله: "واتباع وصية رسول الله - ﷺ - ": حيث قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل
[ ٢ / ٣١٢ ]
بدعة ضلالة" (١)
* "اتباع": معطوفة على "اتباع الآثار".
* والوصية: العهد إلى غيره بأمر هام.
* ومعنى: "عليكم بسنتي " إلخ: الحث على التمسك بها، وأكد هذا بقوله: "وعضوا عليها بالنواجذ"، وهي أقصى الأضراس؛ فأمر بالتمسك بها باليد والعض عليها بالأضراس مبالغة في التمسك بها.
* والسنة: هي الطريقة ظاهرًا وباطنًا.
* والخلفاء الراشدون: هم الذين خلفوا النبي - ﷺ - في أمته علمًا وعملًا ودعوة.
* وأول من يدخل في هذا الوصف وأولى من يدخل فيه: الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي.
* ثم يأتي رجل في هذا العصر، ليس عنده من العلم شيء، ويقول: أذان الجمعة الأول بدعة؛ لأنه ليس معروفًا على عهد الرسول - ﷺ -، ويجب أن نقتصر على الأذان الثاني فقط!
_________________
(١) رواه أحمد (٤/ ١٢٦)، وأبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجة (٤٣ - ٤٤)، والحاكم (١/ ٩٥ - ٩٦)، وابن حبان (١/ ١٨٧)؛ من حديث العرباض بن سارية ﵁، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح ليس له علة، ووافقه الذهبي. وقد نقل الألباني في "إرواء الغليل" (٨/ ١٠٧) تصحيح جماعةٍ من أهل العلم له.
[ ٢ / ٣١٣ ]
التحذير من الابتداع في الدين
فنقول له: إن سنة عثمان ﵁ سنة متبعة إذا لم تخالف سنة رسول الله - ﷺ -، ولم يقم أحد من الصحابة الذين هم أعلم منك وأغير على دين الله بمعارضته، وهو من الخلفاء الراشدين المهديين، الذين أمر رسول الله - ﷺ - باتباعهم.
ثم إن عثمان ﵁ اعتمد على أصل، وهو أن بلالًا يؤذن قبل الفجر في عهد النبي - ﷺ -، لا لصلاة الفجر، ولكن ليرجع القائم ويوقظ النائم، كما قال ذلك رسول الله - ﷺ -، فأمر عثمان بالأذان الأول يوم الجمعة (١)، لا لحضور الإمام، ولكن لحضور الناس؛ لأن المدينة كبرت واتسعت واحتاج الناس أن يعلموا بقرب الجمعة قبل حضور الإمام؛ من أجل أن يكون حضورهم قبل حضور الإمام.
* فأهل السنة والجماعة يتبعون ما أوصى به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الحث على التمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي؛ إلا إذا خالف كلام رسول الله - ﷺ - مخالفة صريحة؛ فالواجب علينا أن نأخذ بكلام رسول الله - ﷺ - ونعتذر عن هذا الصحابي، ونقول: هذا من باب الاجتهاد المعذور فيه.
* قول النبي - ﷺ -: "وإياكم ومحدثات الأمور": "إياكم": هذه
_________________
(١) لما رواه السائب بن يزيد: "إن الَّذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة؛ عثمان بن عفان ﵁". أخرجه البخاري (٩١٢، ٩١٣).
[ ٢ / ٣١٤ ]
للتحذير؛ أي: أحذركم.
* و"الأمور": بمعنى: الشؤون، والمراد بها أمور الدين، أما أمور الدنيا؛ فلا تدخل في هذا الحديث؛ لأن الأصل في أمور الدنيا الحل؛ فما ابتدع منها؛ فهو حلال، إلا أن يدل الدليل على تحريمه. لكن أمور الدين الأصل فيها الحظر؛ فما ابتدع منها؛ فهو حرام بدعة؛ إلا بدليل من الكتاب والسنة على مشروعيته.
* قال النبي ﵊: "فإن كل بدعة ضلالة": الجملة مفرعة على الجملة التحذيرية، فيكون المراد بها هنا توكيد التحذير وبيان حكم البدعة.
* "كل بدعة ضلالة": هذا كلام عام مسور بأقوى لفظ دال على العموم، وهو لفظ (كل)، فهو تعميم محكم صدر من الرسول - ﷺ -، والرسول ﵊ أعلم الخلق بشريعة الله، وأنصح الخلق لعباد الله، وأفصح الخلق بيانًا، وأصدقهم خبرًا؛ فاجتمعت في حقه أربعة أمور: علم ونصح وفصاحة وصدق، نطق بقوله: "كل بدعة ضلالة".
فعلى هذا: كل من تعبد لله بعقيدة أو قول أو فعل لم يكن شريعة الله؛ فهو مبتدع.
- فالجهمية يتعبدون بعقيدتهم، ويعتقدون أنهم منزهون لله.
والمعتزلة كذلك. والأشاعرة يتعبدون بما هم عليه من عقيدة باطلة.
[ ٢ / ٣١٥ ]
مفاسد البدعة
- والذين أحدثوا أذكارًا معينة يتعبدون لله بذلك، ويعتقدون أنهم مأجورون على هذا.
- والذين أحدثوا أفعالًا يتعبدون لله بها ويعتقدون أنهم مأجورون على هذا.
كل هذه الأصناف الثلاثة الذين ابتدعوا في العقيدة أو في الأقوال أو في الأفعال؛ كل بدعة من بدعهم، فهي ضلالة، ووصفها الرسول ﵊ بالضلالة؛ لأنها مركب، ولأنها انحراف عن الحق.
- والبدعة تستلزم محاذير فاسدة:
فأولًا: تستلزم تكذيب قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] لأنه إذا جاء ببدعة جديدة يعتبوها دينًا؛ فمقتضاه أن الدين لم يكمل.
ثانيَّا: تستلزم القدح في الشريعة، وأنها ناقصة، فأكملها هذا المبتدع.
ثالثًا: تستلزم القدح في المسلمين الذين لم يأتوا بها؛ فكل من سبق هذه البدع من الناس دينهم ناقص! وهذا خطير!!
رابعًا: من لوازم هذه البدعة أن الغالب أن من اشتغل ببدعة؛ انشغل عن سنة؛ كما قال بعض السلف: "ما أحدث قوم بدعة؛ إلا هدموا مثلها من السنة".
خامسًا: أن هذه البدع توجب تفرق الأمة؛ لأن هؤلاء
[ ٢ / ٣١٦ ]
خطأ من قسم البدعة إلى أقسام
توجيه قول عمر - ﵁ -: نعمت البدعة هذه
المبتدعة يعتقدون أنهم هم أصحاب الحق، ومن سواهم على ضلال!! وأهل الحق يقولون: أنتم الذين على ضلال! فتتفرق قلوبهم.
فهذه مفاسد عظيمة، كلها تترتب على البدعة من حيث هي بدعة، مع أنَّه يتصل بهذه البدعة سفه في العقل وخلل في الدين.
* وبهذا نعرف أن من قسم البدعة إلى أقسام ثلاثة أو خمسة أو ستة؛ فقد أخطأ، وخطؤه من أحد وجهين:
- إما أن لا ينطبق شرعًا وصف البدعة على ما سماه بدعة.
- وإما أن لا يكون حسنًا كما زعم.
فالنبي - ﷺ - قال: "أكل بدعة ضلالة"؛ فقال: "كل"؛ فما الَّذي يخرجنا من هذا السور العظيم حتَّى نقسم البدع إلى أقسام؟
* فإن قلت: ما تقول في قول أمير المؤمنين عمر ﵁ حين خرج إلى الناس وهم يصلون بإمامهم في رمضان، فقال: نعمت البدعة هذه. فأثنى عليها، وسماها بدعة (١)؟!
فالجواب أن نقول: ننظر إلى هذه البدعة التي ذكرها؛ هل ينطبق عليها وصف البدعة الشرعية أو لا.
فإذا نظرنا ذلك؛ وجدنا أنَّه لا ينطبق عليها وصف البدعة الشرعية؛ فقد ثبت أن النبي - ﷺ - صلى بأصحابه في رمضان ثلاث
_________________
(١) رواه البخاري (٢٠١٠).
[ ٢ / ٣١٧ ]
توجيه قوله - ﷺ -: "من سن في الإسلام سنة حسنة"
ليال، ثم تركه خوفًا من أن تفرض عليهم، فثبت أصل المشروعية، وانتفى أن تكون بدعة شرعية، ولا يمكن أن نقول: إنها بدعة، والرسول - ﷺ - قد صلاها!!
وإنما سماها عمر ﵁ بدعة؛ لأن الناس تركوها، وصاروا لا يصلون جماعة بإمام واحد، بل أوزاعًا؛ الرجل وحده والرجلان والثلاثة والرهط، فلما جمعهم على إمام واحد؛ صار اجتماعهم بدعة بالنسبة لما كانوا عليه أولًا من هذا التفرق.
فإنه خرج ﵁ ذات ليلة، فقال: لو أني جمعت الناس على إمام واحد؛ لكان أحسن، فأمر أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، فقاما للناس بإحدى عشرة ركعة، فخرج ذات ليلة والناس يصلون بإمامهم، فقال: نعمت البدعة هذه.
إذًا، هي بدعة نسبية؛ باعتبار أنها تركت ثم أنشئت مرة أخرى.
فهذا وجه تسميتها ببدعة.
وأما أنها بدعة شرعية، ويثني عليها عمر؛ فكلَّا.
وبهذا نعرف أن كلام رسول الله - ﷺ - لا يعارضه كلام عمر ﵁.
* فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين قول الرسول - ﷺ -: "من سن في الإسلام سنة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها إلى
[ ٢ / ٣١٨ ]
أهل السنة يعتقدون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -
يوم القيامة"؛ فأثبت أن الإنسان يسن سنة حسنة في الإسلام؟
فنقول: كلام الرسول - ﷺ - يصدق بعضه بعضًا، ولا يتناقض؛ فيريد بالسنة الحسنة السنة المشروعة، ويكون المراد بسنها المبادرة إلى فعلها.
يعرف هذا ببيان سبب الحديث، وهو أن النبي - ﷺ - قاله حين جاء أحد الأنصار بصرة (يعني: من الدراهم)، ووضعها بين يدي النبي - ﷺ - حين دعا أصحابه أن يتبرعوا للرهط الذين قدموا من مضر مجتابي النمار، وهم من كبار العرب، فتمعر وجه النبي - ﷺ - لما رأى من حالهم، فدعا إلى التبرع لهم، فجاء هذا الرجل أول ما جاء بهذه الصرة، فقال: "من سن في الإسلام سنة حسنة؛ فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" (١).
أو يقال: المراد بالسنة الحسنة ما أحدث ليكون وسيلة إلى ما ثبتت مشروعيته؛ كتصنيف الكتب وبناء المدارس ونحو ذلك.
وبهذا نعرف أن كلام الرسول - ﷺ - لا يناقض بعضه بعضًا، بل هو متفق؛ لأنه ﵊ لا ينطق عن الهوى.
* * *
* قوله: "ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله":
* هذا علمنا واعتقادنا، وأن ليس في كلام الله من كذب،
_________________
(١) رواه مسلم (١٠١٧) عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁.
[ ٢ / ٣١٩ ]
بل هو أصدق الكلام؛ فإذا أخبر الله عن شيء بأنه كائن، فهو كائن، وإذا أخبر عن شيء بأنه سيكون؛ فإنه سيكون، وإذا أخبر عن شيء بأن صفته كذا وكذا؛ فإن صفته كذا وكذا.
* فلا يمكن أن يتغير الأمر عما أخبر الله به، ومن ظن التغير؛ فإنما ظَنّه خطأ؛ لقصوره أو تقصيره.
مثال ذلك لو قال قائل: إن الله ﷿ أخبر أن الأرض قد سطحت، فقال: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠]، ونحن نشاهد أن الأرض مكورة؛ فكيف يكون خبره خلاف الواقع؟
فجوابه أن الآية لا تخالف الواقع، ولكن فهمه خاطئ إما لقصوره أو تقصيره؛ فالأرض مكورة مسطحة، وذلك لأنها مستديرة، ولكن لكبر حجمها لا تظهر استدارتها إلا في مساحة واسعة تكون بها مسطحة، وحينئذ يكون الخطأ في فهمه؛ حيث ظن أن كونها قد سطحت مخالف لكونها كروية.
فإذا كنا نؤمن أن أصدق الكلام كلام الله؛ فلازم ذلك أنَّه يجب علينا أن نصدق بكل ما أخبر الله به في كتابه، سواء كان ذلك عن نفسه أو عن مخلوقاته.
* قوله: "وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -":
* "الهدي": هو الطريق التي كان عليها السالك.
والطرق شتى، لكن خيرها طريق النبي - ﷺ -؛ فنحن نعلم ذلك ونؤمن به، نعلم أن خير الهدي هدي محمد - ﷺ - في العقائد
[ ٢ / ٣٢٠ ]
والعبادات والأخلاق والمعاملات، وأن هدي محمد - ﷺ - ليس بقاصر؛ لا في حسنه وتمامه وانتظامه وموافقته لمصالح الخلق، ولا في أحكام الحوادث التي لم تزل ولا تزال تقع إلى يوم القيامة؛ فإن هدي محمد - ﷺ - كامل تام، فهو خير الهدي؛ أهدى من شريعة التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وجميع الهدي.
فإذا كنا نعتقد ذلك؛ فوالله؛ لا نبغي به بديلًا.
* وبناء على هذه العقيدة لا نعارض قول رسول الله - ﷺ - بقول أحد من الناس، كائنًا من كان، حتَّى لو جاءنا قول لأبي بكر، وهو خير الأمة، وقول لرسول الله - ﷺ -؛ أخذنا بقول رسول الله - ﷺ -.
* وأهل السنة والجماعة بنوا هذا الاعتقاد على الكتاب والسنة:
- قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧].
- وقال النبي - ﷺ - وهو يخطب الناس على المنبر: "خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -" (١).
ولهذا تجد الذين اختلفوا في الهدي وخالفوا فيه: إما مقصرين عن شريعة الرسول - ﷺ -، وإما غالين فيها، بين متشددين وبين متهاونين، بين مفرِّط ومفرِط، وهدي الرسول - ﷺ - يكون بين هذا وهذا.
_________________
(١) رواه مسلم (٨٦٧) عن جابر بن عبد الله ﵁.
[ ٢ / ٣٢١ ]
تقديم كلام الله وكلام رسوله - ﷺ - على غيره
* قوله: "ويؤثرون كلام الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس":
* "يؤثرون"؛ أي: يقدمون.
* "كلام الله على كلام غيره": من سائر أصناف الناس في الخبر والحكم؛ فأخبار الله عندهم مقدمة على خبر كل أحد.
* فإذا جاءتنا أخبار عن أمم مضت وصار القرآن يكذبها؛ فإننا نكذبها.
مثال ذلك: اشتهر عند كثير من المؤرخين أن إدريس قبل نوح، وهذا كذب؛ لأن القرآن يكذبه؛ كما قال تعالى: ﴿* إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، وإدريس من النبيين؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴾ [مريم: ٥٦]، إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [مريم: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد: ٢٦]؛ فلا نبي قبل نوح إلا آدم فقط.
* * *
* قوله: "ويقدمون هدي محمد - ﷺ - على هدي كل أحد":
* "يقدمون هدي محمد - ﷺ -"؛ أي: طريقته وسنته التي هو عليها.
* "على هدي كل أحد": في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات والأحوال وفي كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا
[ ٢ / ٣٢٢ ]
سبب تسميتهم بأهل الكتاب والسنة والجماعة
صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
* * *
* قوله: "ولهذا": اللام في قوله: "ولهذا" للتعليل، أي: ومن أجل إيثارهم كلام الله وتقديم هدي رسول الله - ﷺ -.
* "سموا أهل الكتاب والسنة": لتصديقهما والتزامهما وإيثارهما على غيرهما. ومن خالف الكتاب والسنة، وادعى أنَّه من أهل الكتاب والسنة، فهو كاذب؛ لأن من كان من أهل شيء لا بد أن يلزمه ويلتزم به.
* * *
* قوله: "وسموا أهل الجماعة، لأن الجماعة هي الاجتماع، وضدها الفرقة":
* قوله: "وسموا أهل الجماعة، لأن الجماعة هي الاجتماع، وضدها الفرقة"؛ فالجماعة اسم مصدر اجتمع يجتمع اجتماعًا وجماعة؛ فالجماعة هي الاجتماع؛ فمعنى أهل الجماعة أهل الاجتماع؛ لأنهم مجتمعون على السنة، متآلفون فيها، لا يضلل بعضهم بعضًا، ولا يبدع بعضهم بعضًا، بخلاف أهل البدع.
* قوله: "وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسمًا لنفس القوم المجتمعين": هذا في استعمال ثان، حيث صار لفظ (الجماعة)
[ ٢ / ٣٢٣ ]