الشرح:
الأية الأولى: قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].
شرع المؤلف ﵀ بصفات السلبية، أي صفات النفي.
وقد مر علينا فيما سبق أن صفات الله ﷿ ثبوتية وسلبية أي: منفية، لأن الكمال لا يتحقق إلا بالإثبات والنفي، إثبات الكمالات، ونفي النقائض.
قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾: الفاء مفرعة على ما سبق، وهو قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم: ٦٥]، فذكر سبحانه وتعالي الربوبية ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، وفرع على ذلك وجوب عبادته، لأن كل ما من أقر بالربوبية، لزمه الإقرار بالعبودية والألوهية، وإلا، صار متناقضًا.
فقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ﴾، أي: تذلل له من محبة وتعظيمًا، والعبادة، يراد بها المتعبد به، ويراد بها التعبد الذي هو فعل العبد،
[ ١ / ٣٥١ ]
كما سبق في المقدمة.
وقوله: ﴿وَاصْطَبِرْ﴾: اصطبر، أصلها في اللغة: اصتبر، فأبدلت التاء طاء لعلة تصريفية. والصبر: حبس النفس. وكلمة (اصطبر) أبلغ من (اصبر)، لأنها تدل على معاناة، فالمعني اصبر، وإن شق عليك ذلك، واثبت القرين لقرينه في القتال.
وقوله: ﴿لِعِبَادَتِهِ﴾، قيل: إن اللام بمعني (علي)، أي: اصطبر عليها، كما قال تعالي: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].
وقيل: بل اللام على أصلها، أي: اصطبر لها، أي كن مقابلًا لها بالصبر، كما يقابل القرين قرينه في ميدان القتال.
وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾: الاستفهام للنفي، وإذا كان الاستفهام بمعني النفي، كان مشربًا معني التحدي، يعني: إن كنت صادقًا، فأخبرنا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾؟ و(السمي): الشبيه والنظير.
يعني: هل تعلم له مساميًا أو نظيرًا يستحق مثل اسمه؟
والجواب: لا.
فإذا كان كذلك، فالواجب أن تعبده وحده.
وفيها من الصفات: قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، وهي من الصفات السلبية.
فما الذي تتضمنه من صفات الكمال (لأننا ذكرنا فيما سبق أن الصفات السلبية لابد أن تتضمن ثبوتًا) فما هو الثبوت الذي تضمنه النفي هنا؟
[ ١ / ٣٥٢ ]
الجواب: الكمال المطلق، فيكون المعني: هل تعلم له سميًا لثبوت كماله المطلق الذي لا يساميه أحد فيه؟
الآية الثانية: قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الأخلاص: ٤].
تقدم الكلام عليها، أي: ليس يكافئه أحد، وهو نكره في سياق النفي فتعم.
و﴿كُفُوًا﴾: فيها ثلاث قراءات: كفوًا، وكفئًا، وكفوًا، فهي بالهمزه ساكنة الفاء ومضمومتها، وبالواو مضمومة الفاء لا غير، وبهذا نعفرف خطأ الذين يقرؤون بتسكين الفاء مع الواو (كفوا).
هذه الآية أيضًا فيها نفي الكفء لله ﷿، وذلك لكمال صفاته، فلا أحد يكافئه، لا في علمه، ولا سمعه، ولا بصره، ولا قدرته، ولا عزته، ولا حكمته، ولا غير ذلك من صفاته.
الآية الثالثة: قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢].
هذه مفرع على قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، وكل هذا من توحيد الربوبية، ثم قال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] يعني: في الألوهية، لأن أولئك القوم المخاطبين لم يجعلوا لله
[ ١ / ٣٥٣ ]
أندادًا في الربوبية، إذا، فلا تجعلوا لله أندادًا في الألوهية كما أنكم تقرون أنه ليس له أندادًا في الربوبية.
وقوله: ﴿أَنْدَادًا﴾: جمع ند، وند الشيء ما كان منادًا (أي مكافئًا) له ومتشابهًا، وما زال الناس يقولون: هذا ند لهذا، أي: مقابل له ومكافئله.
وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: الجملة هنا حالية، وصاحب الحال هي الواو قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا﴾، والمفعول محذوف، يعني: وأنتم تعلمون أنه لا ند له.
الجملة الحالية هنا صفة كاشفة، والصفة الكاشفة كالتعليل للحكم، فكأنه قال: لا تجعلوا لله أندادًا، لأنكم تعملون أنه لابد له، فإذا كنتم تعلمون ذلك، فكيف تلجعلونه فتخالفون علملكم؟!
وهذه أيضًا سلبية، وذلك من قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، لأنه لا ند له، لكمال صفاته.
الآية الرابعة: قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
﴿وَمِنَ﴾: تبعيضية، والميزان لـ ﴿مِنْ﴾ التبعيضية أن يحل محلها: بعض، يعني: وبعض الناس.
﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾: يتخذهم أندادًا، يعني: في المحبة، كما فسره بقوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، ويجوز أن نقول: إن المراد بالأنداد ما هو أعم من المحبة، يعني: أندادًا
[ ١ / ٣٥٤ ]
ما نستفيده من الناحية المسلكية من الآيات
يعبدونهم كما يعبدون الله، وينذرون لهم كما ينذرون لله، لأنهم يحبونهم كحب الله، يحبون هذه الأنداد كحب الله ﷿.
وهذا إشراك في المحبة، بحيث تجعل غير الله مثل الله في محبته.
وينطبق ذلك على من أحب رسول الله كحب الله، لأنه يجب أن تحب رسول الله صلي الله عليه وسلم محبة ليست كمحبة الله، لأنك إنما تحب الرسول صلي الله عليه وسلم تبعًا لمحبة الله ﷿، لا علي أنه مناد لله، فكيف بمن يحبون الرسول صلي الله عليه وسلم أكثر مما يحبون الله؟!
وهنا يجب أن نعرف الفرق بين المحبة مع الله والمحبة لله:
المحبة مع الله: أن تجعل غير الله مثله في محبته أو أكثر. وهذا شرك.
والمحبة في الله أو لله: هي أن تحب الشيء تبعًا لمحبة الله ﷿.
والذي نستفيده من الناحية المسلكية في هذا الآيات:
أولا: في قوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]: إذا علمنا أن الله تعالي موصوف بالجلال، فإن ذلك يستوجب أن نعظمه، وأن نجله. وإذا علمنا أنه موصوف بالإكرام فإن ذلك يستوجب أن نرجو كرمه وفضله. وبذلك نعظمه بما يستحقه من التعظيم والتكريم.
ثانيًا: قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾، فالفوائد
[ ١ / ٣٥٥ ]
الآية الخامسة: قوله: ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا﴾
المسلكية في ذلك هو أن يعبد العبد ربه، ويصطبر للعبادة، لا يمل، ولا يتعب، ولا يضجر، بل يصبر عليها صبر القرين لقرينه في المبارزة في الجهاد.
ثالثًا: قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢]، ففيها تنزيه لله ﷿، وأن الإنسان يشعر في قلبه بأن الله تعالي منزه عن كل نقص، وأنه لا مثيل له، ولا ندله، وبهذا يعظمه حق تعظيمه بقدر استطاعته.
رابعًا: قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، فمن فوائدها من الناحية المسلكية: أنه لا يجوز للإنسان أن يتخذ أحدًا من الناس محبوبًا كمحبة الله، وهذه تسمي المحبة مع الله.
الآية الخامسة: قوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الأسراء: ١١١].
﴿وَقُلِ﴾: الخطاب في مثل هذا: إما خاص بالرسول ﵊، أو عام لكل من يصح توجيه الخطاب إليه.
فإن كان خاصًا بالرسول صلي الله عليه وسلم، فهو خاص به بالقصد الأول، وأمته تبع له.
وإن كان عامًا، فهو يشمل الرسول صلي الله عليه وسلم وغيره بالقصد الأول.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: سبق تفسيه هذه الجملة، وأن الحمد هو
[ ١ / ٣٥٦ ]
وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾: اللام هنا للاستحقاق والاختصاص:
للاستحقاق، لأن الله تعالي يحمد وهو أهل للحمد.
والاختصاص، لأن الحمد الذي يحمد الله به ليس كالحمد الذي يحمد به غيره، بل هو أكمل وأعظم وأعم وأشمل.
وقوله: ﴿الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾: هذا من الصفات السلبية: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ لكمال صفاته وكمال غناه عن غيره، ولأنه لا مثيل له، فلو اتخذ ولدًا، لكان الولد مثله، لو كان له ولد، لكان محتاجًا إلي الولد يساعده ويعينه، لو كان له ولد، لكان ناقصًا، لأنه إذا شابهه أحد من خلقه، فهو نقص.
اليهود قالوا: لله ولد، وهو عزير!
والنصارى قالوا: لله ولد، وهو المسيح!
والمشركون قالوا: لله ولد، وهم الملائكة!
وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾: هذا معطوف على قوله: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، يعني: والذي لم يكن له شريك في الملك، لا في الخلق، ولا في الملك، ولا في التدبير.
كل ما سوى الله، فهو مخلوق لله، مملوك له، يدبره كما
[ ١ / ٣٥٧ ]
يشاء، ولم يشاركه أحد في ذلك، كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢] على سبيل التعين، ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ: ٢٢] على سبيل الشيوع، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]، لم يعاونه أحد في هذه السموات والأرض، ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]، وبهذا تقطعت جميع الأسباب التي يتعلق بها المشركون في آلهتهم.
فالآلهة هذه لا تملك من السماوات والأرض شيئًا معينًا، وليست شريكة لله، ولا معينة، ولا شفاعة، إلا بإذنه، يقول: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١].
وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾: لم يكن له ولي، لكن قيد بقوله: ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾.
و﴿مِّنَ﴾ هنا للتعليل، لأن الله تعالى له أولياء: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]، وقال تعالى في الحديث القدسي: "من عادى لي وليًا، فقد آذنته بالحرب .. " (١)، ولكن الولي المنفي هو الولي من الذل، لأن الله تعالى له العزة جميعًا، فلا يلحقه الذل بوجه من الوجوه، لكمال عزته.
وقوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾، يعني: كبر الله ﷿ تكبيرًا،
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٠٢) كتاب الرفاق/ باب التواضع، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٣٥٨ ]
ما نستفيده من الناحية المسلكية لهذه الآية
الآية السادسة: قوله: ﴿يسبح لله ما في السماوات. . . .﴾
بلسانك وجنانك: اعتقد في قلبك أن الله أكبر من كل شيء، وأن له الكبرياء في السماوات والأرض، وكذلك بلسانك تكبره، تقولك: الله أكبر!
وكان من هدي النبي ﷺ وأصحابه أنهم يكبرون كلما علوا نشزًا (١)، أي: مرتفعًا، وهذا في السفر، لأن الإنسان إذا علا في مكانه، قد يشعر في قلبه أنه مستعل على غيره، فيقول: الله أكبر. من أجل أن يخفف تلك العلياء التي شعر بها حين علا وارتفع.
وكانوا إذا هبطوا، قالوا: سبحان الله. لأن النزول سفول، فيقول: سبحان الله، أي: أنزهه عن السفول الذي أنا الآن فيه.
وقوله: ﴿تَكْبِيرًا﴾: هذا مصدر مؤكد، يراد به التعظيم، أي: كبره تكبيرًا عظيمًا.
والذي نستفيده من الناحية المسلكية في هذه الآية:
أن الإنسان يشعر بكمال غنى الله عز جل عن كل أحد، وانفراده بالملك، وتمام عزته وسلطانه، وحينئذ يعظم الله ﷾ بما يستحق أن يعظم به بقدر استطاعته.
ونستفيد حمد الله تعالى على تنزهه عن العيوب، كما يحمد على صفات الكمال.
الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي
_________________
(١) رواه البخاري (٢٩٩٣) كتاب الجهاد/ باب التسبيح إذا هبط واديًا عن جابر ﵄ قال: "كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا" وسيأتي في (٢/ ٥٤).
[ ١ / ٣٥٩ ]
الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١].
﴿يُسَبِّحُ﴾، بمعنى: ينزه عن كل صفة نقص وعيب، و(سبح) تتعدى بنفسها وتتعدى باللام.
- أما تعهديها بنفسها، فمثل قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٩].
- وأما تعديها باللام، فهي كثيرة، فكل السور المبدوءة بهذا متعدية باللام.
قال العلماء: وإذا أريد مجرد الفعل، تعدت بنفسها: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾، أي: تقولوا: سبحان الله!
وإذا أريد بيان القصد والإخلاص، تعدت باللام، ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾، أي: سبحوا إخلاصًا لله واستحقاقًا.
فاللام هنا تبين كمال الإرادة من الفاعل، وكمال الاستحقاق من المسبح، وهو الله.
وقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾: عام يشمل كل شيء.
لكن التسبيح نوعان: تسبيح بلسان المقال، وتسبيح بلسان الحال.
- أما التسبيح بلسان الحال، فهو عام: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].
[ ١ / ٣٦٠ ]
الآية السابعة والثامنة: قوله: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان﴾
- وأما التسبيح بلسان المقال، فهو عام كذلك، لكن يخرج منه الكافر، فإن الكافر لم يسبح الله بلسانه، ولهذا يقول تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الحشر: ٢٣]، ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٥٩] فهم لم يسبحوا الله تعالى، لأنهم أشركوا به ووصفوه بما لا يليق به.
فالتسبيح بلسان الحال يعني: أن حال كل شيء في السماوات والأرض تدل على تنزيه الله ﷾ عن العبث وعن النقص، حتى الكافر إذا تأملت حاله، وجتها تدل على تنزه الله تعالى عن النقص والعيب.
وأما التسبيح بلسان المقال، فيعني: أن يقول: سبحان الله.
وقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾:
هذه الصفات الأخيرة صفات ثبوتية، وسبق ذكر معناها، لكن ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ صفة سلبية، لأن معناها، تنزيهه عما لا يليق به.
الآية السابعة والثامنة: وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ١ - ٢].
﴿تَبَارَكَ﴾، بمعنى: تعالى وتعاظم.
و﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾: هو الله ﷿.
وقوله: ﴿الْفُرْقَانَ﴾، يعني به: القرآن، لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين المسلم والكافر، وبين البر والفاجر، وبين الضار
[ ١ / ٣٦١ ]
والنافع، وغير ذلك مما فيه الفرقان، فكله فرقان.
﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾: محمد ﵊، فوصفه بالعبودية في مقام التحدث عن تنزل القرآن عليه، وهذا المقام من أشرف مقامات النبي ﷺ.
وله وصفه الله تعالى بالعبودية في مقام تنزل القرآن عليه، كما هنا، وكما في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١]، ووصفه بالعبودية في مقام الدفاع عنه والتحدي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، ووصفه بالعبودية في مقام تكريمة بالمعراج، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأسراء: ١]، وقال في سورة النجم: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، مما يدل على أن وصف الإنسان بالعبودية لله يعد كمالًا، لأن العبودية لله هي حقيقة الحرية، فمن لم يتعبد له، كان عابدًا لغيره.
قال ابن القيم ﵀ (١).
هربوا من الرق الذي خلقوا له
وبلوا برق النفس والشيطان
و" الرق الذي خلقوا له ": عبادة الله ﷿.
و" بلوا برق النفس والشيطان ": حيث صاروا أرقاء لنفوسهم، وأرقاء للشيطان، فما من إنسان يفر من عبودية الله، إلا وقع في عبودية هواه وشيطانه، قال الله تعالي: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ
_________________
(١) "الكافية الشافية" لابن القيم بشرح ابن عيسى (٢/ ٤٦٦).
[ ١ / ٣٦٢ ]
ما نستفيده من هذه الآيات من الناحية المسلكية
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣].
قوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾: اللام هنا للتعليل، والضمير في ﴿لِيَكُونَ﴾ عائد على النبي ﵊، لأنه أقرب مذكور، ولأن الله تعالي قال: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ [الأعراف: ٢]، وقال تعالي: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، فالمنذر: الرسول ﵊.
وقوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾: يشمل الجن والإنس.
وقوله: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾: سبق معناهما، وهما صفة سلبية.
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾: الخلق: الإيجاد على وجه معين.
والتقدير: بمعني التسوية أو بمعني القضاء في الأزل، والأول أصح، ويدل لذلك قوله تعالي: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلي:٢]، وبه تكون الآية على الترتيب الذكري والمعنوي، وعلى الثاني تكون الآية على الترتيب الذكري.
ونستفيد من هذه الآيات من الناحية المسلكية:
أنه يجب علينا أن نعرف عظمة الله ﷿، وننزهه عن كل نقص، وإذا علمنا ذلك، ازددنا محبة له وتعظيمًا.
ومن آيتي الفرقان نستفيد بيان هذا القرآن العظيم، وأن مرجع العباد، وأن الإنسان إذا أراد أن تتبين له الأمور، فليرجع إلى
[ ١ / ٣٦٣ ]
الآية التاسعة والعاشرة: قوله: ﴿ما اتخذ الله من ولد. . . .﴾
القرآن، لأن الله سماه فرقانًا: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١].
ونستفيد أيضًا من الناحية المسلكية التربوية: أن تتأكد وتزداد محبتنا لرسول الله صلي الله عليه وسلم حيث كان عبد الله، قائمًا بإبلاغ الرسالة وإنذار الخلق.
ونستفيد أيضًا: أن النبي ﵊ آخر الرسل، فلا نصدق بأي دعوي للنبوة من بعده، لقوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾، ولو كان بعده رسول، لكان تنتهي رسالته بهذا الرسول، ولا كانت للعالمين كلهم.
الآية التاسعة والعاشرة: قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩١ - ٩٢].
ينفي الله تعالي في هذه الآية أن يكون اتخذ ولدًا، أو أن يكون معه إله.
ويتأكد هذا النفي بدخول ﴿مِنْ﴾ في قوله ﴿مِنْ وَلَدٍ﴾، وقوله: ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾، لأن زيادة حرف الجر في سياق النفي ونحو تفيد التوكيد.
فقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾، يعني: ما اصطفي أحدًا يكون ولدًا له، لا عزير، ولا المسيح، ولا الملائكة ولا غيرهم،
[ ١ / ٣٦٤ ]
لأنه الغني عما سواه.
وإذا انتفي اتخاذه الولد فانتفاء أن يكون والدًا من باب أولي.
وقوله: ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾: ﴿إِلَهٍ﴾، بمعني: مألوه، مثل: بناء، بمعني: مبني، وفراش، بمعني: مفروش، فالإله بمعني المألوه، أي: المعبود المتذلل له.
يعني: ما كان معه من إله حق، أما الآلهات الباطلة، فهي موجودة، لكن لكونها باطلة، كانت كالعدم، فصح أن يقال: ما كان مع الله من إله.
﴿إِذًا﴾، يعني: لو كان معه إله.
﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: لو كان هناك إله آخر يساوي الله ﷿، لكان له ملك خاص ولله ملك خاص، يعني: لا نفرد كل واحد منهم بما خلق، قال: هذا خلقي لي، وكذلك الآخر.
وحينئذ، يريد كل منهما أن يسيطر على الآخر كما جرت به العادة، فملوك الدنيا كل واحد منهم يريد أن يسيطر على الآخر، وتكون المملكة كلها له، وحينئذ:
إما أن يتمانعا، فيعجز كل واحد منهما عن الآخر، وإذا عجز كل واحد منهما عن الآخر، ما صح أن يكون واحد منهما إلهًا، لأن الإله لا يكون عاجزًا.
[ ١ / ٣٦٥ ]
وإما أن يعلو أحدهما على الآخر، فالعالي هو الإله.
فترجع المسألة إلي أنه لابد أن يكون للعالم إله واحد، ولا يمكن أن يكون للعالم إلهان أبدًا لأن القضية لا تخرج من هذين الاحتمالين.
كما أننا أيضًا إذا شاهدنا الكون علوية وسفلية، وجدنا أنه كون يصدر عن مدبر واحد، وإلا، لكان فيه تناقض، فأحد الإلهين يقول مثلًا: أنا أريد الشمس تخرج من المغرب! والثاني يقول: أريدها تطلع من المشرق! واتفاق الإرادتين بعيد جدًا، ولا سيما أن المقام مقام سلطة، فكل واحد يريد أن يفرض رأيه.
ومعلوم أننا لا نشاهد الآن الشمس تطلع يومًا مع هذا ويومًا مع هذا، أو يومًا تتأخر لأن الثاني منعها ويومًا تتقدم لأن الأول أمر الثاني بإخراجها، فلا تجد هذا، نجد الكون كله واحدًا متناسبًا متناسقًا، مما يدل دلالة ظاهرة على أن المدبر له واحد، وهو الله ﷿.
فبين الله ﷾ بدليل عقلي أنه لا يمكن التعدد، إذ لو أمكن التعدد، لحصل هذا، لا نفصل كل واحد عن الثاني، وذهب كل إله بما خلق، وحينئذ إما أن يعجز أحدهما عن الآخر، وإما أن يعلو أحدهما الآخر، فإن كان الأول، لم يصلح أي واحد منهما للألوهية، وإن كان الثاني، فالعالي هو الإله، وحينئذ يكون الإله واحدًا.
فإن قيل: ألا يمكن أن يصطلحا وينفرد كل واحد بما خلق؟
[ ١ / ٣٦٦ ]
ما نستفيده من الناحية المسلكية
فالجواب: أنه لو أمكن ووقع، لزم أن يختل نظام العالم.
ثم إن اصطلاحهما لا يكون إلا لخوف كل واحد منهما من الآخر، وحينئذ لا تصلح الربوبية ولواحد منهما، لعجزه عن مقاومة الآخر.
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون﴾، أي: تنزيهًا لله ﷿ عما يصفه به الملحدون المشركون الذي يقولون في الله سبحانه مالا يليق به.
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: الغيب: ما غاب عن الناس، والشهادة: ما شهده الناس.
﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: ﴿فَتَعَالَى﴾، يعني: ترفع وتقدس.
﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: عن الأصنام التي جعلوها آلهة مع الله تعالى.
وفي هاتين الآيتين من صفات النفي: تنزه الله تعالى عن اتخاذ الولد الذي وصفه به الكافرون، وعن الشريك له في الألوهية الذي أشرك به المشركون.
وهذا النفي لكمال غناه وكمال ربوبيته وإلهيته.
ونستفيد منهما من الناحية المسلكية: أن الإيمان بذلك يحمل الإنسان على الإخلاص لله ﷿.
الآية الحادية عشرة: قوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
[ ١ / ٣٦٧ ]
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤].
يعني: لا تجعلوا لله مثلًا، فتقولون: مثل الله كمثل كذا وكذا أو تجعلوا له شريكًا في العبادة.
يعني ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، بمعنى: أنه ﷾ يعلم بأنه ليس له مثل، وقد أخبركم بأنه لا مثل، وقد أخبركم بأنه لا مثل له، في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] وما أشبه ذلك، فالله يعلم وأنتم لا تعلمون.
يقال: إن هذه الجملة تتضمن الدليل الواضح على أن الله ليس له مثل، وأنها كضرب المثل في امتناع المثل، لأننا نحن لا نعلم والله يعلم، فإذا انتفى العلم عنا، وثبت لله، فأين المماثلة؟! هل يماثل الجاهل من كان عالمًا؟!
ويدلك على نقص علمنا: أن الإنسان لا يعلم ما يفعله في اليوم التالي: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، وأن الإنسان لا يعلم روحه التي بين جنبيه: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥].
وما زال الفلاسفة والمتفلسفة وغيره يبحثون عن حقيقة هذه الروح، ولم يصلوا إلى حقيقتها، مع أنها هي مادة الحياة، وهذا يدل على نقصان العلم في المخلوق، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
[ ١ / ٣٦٨ ]
فإن قلت: كيف تجمع بين هذه الآية: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]؟!
الجواب: أنه هناك يخاطب الذين يشركون به في الألوهية فيقول: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ في العبادة والألوهية ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه لا ند له في الربوبية، بدليل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]. أما هنا: ففي باب الصفات: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾، فتقولوا: مثلًا: إن يد الله مثل يد كذا! وجه الله مثل وجه كذا! وذات الله مثل الذات الفلانية وما أشبه هذا، لأن الله تعالى يعلم وأنتم لا تعلمون وقد أخبركم بأنه لا مثيل له.
أو يقال: إن إثبات العلم لهم خاص في باب الربوبية، ونفيه عنهم خاص في باب الألوهية، حيث أشركوا بالله فيها، فنزلوا منزلة الجاهل.
وهذه الآية تتضمن من الكما كمال صفات الله ﷿، حيث إنه لا مثيل له.
أما الفائدة المسلكية التي تؤخذ من هذه الآية، فهي: كمال تعظيمنا للرب ﷿، لأننا إذا علمنا أنه لا مثيل له، تعلقنا به رجاءً وخوفًا، وعظمناه، وعلمنا أنه لا يمكن أن يماثله سلطان ولا
[ ١ / ٣٦٩ ]
الآية الثانية عشرة: قوله: ﴿قل إنما حرم ربي. . . .﴾
ملك ولا وزير ولا رئيس، مهما كانت عظمة ملكيتهم ورئاستهم ووزارتهم، لأن الله سبحانه ليس له مثل.
الآية الثانية عشرة: قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
﴿قُلْ﴾: الخطاب للنبي ﷺ، أي: قل معلنًا للناس.
﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، وذلك لقابلة تحريم من حرم ما أحل الله.
﴿حَرَّمَ﴾، بمعنى: منع، وأصل هذه المادة (ح ر م) تدل على المنع، ومنه حريم البئر: للأرض التي تحميه حوله: لأنه يمنع من التعدي عليه.
﴿الفَوَاحِشَ﴾: جمع فاحشة، وهي الذنب الذي يستفحش، مثل: الزنى واللواط.
والزنى، قال الله فيه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢].
وفي اللواط، قال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠].
ومن الزنى أن يتزوج الإنسان امرأة لا تحل له لقرابة أو رضاع أو مصاهرة، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾
[ ١ / ٣٧٠ ]
[النساء: ٢٢]، بل إن هذا أشد من الزنى، لأنه وصفه بثلاثة أوصاف: فاحشة، ومقت، وساء سبيلًا، وفي الزنى وصفه الله بوصفين: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢].
وقوله: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾: قيل: إن المعنى ما ظهر فحشه وما خفي، وقيل: المعنى ما ظهر للناس وما بطن عنهم، باعتبار فعل الفاعل، لا باعتبار العمل، أي: ما أظهره الإنسان للإنسان وما أبطنه.
قوله: ﴿وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، يعني: حرم الإثم والبغي بغير الحق.
والإثم: المراد به ما يكون سببًا له من المعاصي.
والبغي: العدوان على الناس، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢].
وفي قوله: ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: إشارة إلى أن كل بغي فهو بغير حق، وليس المراد أن البغي ينقسم إلى قسمين: بغي بحق، وبغي بغير حق، لأن البغي كله بغير حق.
وعلى هذا، فيكون الوصف هنا من باب الوصف الكاشف، ويسميها العلماء صفة كاشفة، أي: مبينة، وهي التي تكون كالتعليل لموصوفها.
قوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾: هذه معطوفة على ما سبق، يعني: وحرم ربي أن تشركوا بالله ما لم ينزل به
[ ١ / ٣٧١ ]
الفائدة المسلكية من هذه الآية
سلطانًا، يعني: أن تجعلوا له شريكًا لم ينزل به سلطانًا، أي حجة، وسميت الحجة سلطانًا، لأنها سلطة للمحتج بها.
وهذا القيد: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾: نقول فيه كما قلنا في ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، أي: أنه قيدكاشف، لأن كل من أشرك بالله، فليس له سلطان بشركه.
قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، يعني: وحرم أن تقولوا على الله ما لا تعلمون، فحرام علينا أن نقول على الله مالا نعلم، سواء كان في ذاته أو أسمائه أو صفاته أو أفعاله أو أحكامه.
فهذه خمسة أشياء حرمها الله علينا.
وفيها رد على المرشكين الذين حرموا مالم يحرمه الله.
إذا قال قائل: أين الصفة السلبية في هذه الآية؟
قلنا: هي ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، فالاثنتان جميعًا من باب الصفات السلبية: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا﴾، يعني: لا تجعلوا لله شريكًا لكماله. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ كذلك، لكماله، فإنه من تمام سلطانه أن لا يقول عليه أحد ما لا يعلم.
الفائدة المسلكية من هذه الآية هي: أن تتجنب هذه الأشياء الخمسة التي صرح الله تعالى بتحريمها.
وقد قال أهل العلم: إن هذه المحرمات الخمسة مما أجمعت الشرائع على تحريمها.
[ ١ / ٣٧٢ ]
الموضع الأول: في سورة الأعراف
ويدخل في القول على الله بغير علم تحريف نصوص الكتاب والسنة في الصفات وغيرها، فإن الإنسان إذا حرف نصوص الصفات، مثل أن يقول: المراد باليدين النعمة فقد قال على الله مالا يعلم من وجهين:
الوجه الأول: أنه نفي الظاهر بلا علم.
والثاني: أثبت لله خلافه بغير دليل.
فهو يقول: لم يرد الله كذا، وأراد كذا، فنقول: هات الدليل على أنه لم يرد، وعلى أنه أراد كذا! فإن لم تأت بالدليل فإنك قد قلت على الله ما لا تعلم.