الشرح:
ذكر المؤلف ﵀ في إثبات علو الله على خلقه ست آيات.
الآية الأولى: قوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]
الخطاب لعيسى بن مريم الذي خلقه الله من أم بلا أب، ولهذا ينسب إلى أمه، فيقال: عيسى بن مريم.
يقول الله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: ذكر العلماء فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾؛ بمعنى قابضك، ومنه قولهم: توفى حقه؛ أي: قبضه.
القول الثاني: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: منيمك؛ لأن النوم وفاة؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً﴾ [الأنعام: ٦٠].
[ ١ / ٣٨٦ ]
العلو ينقسم إلى قسمين: علو معنوي وعلو ذاتي
القول الثالث: أنه وفاة موت: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: مميتك، ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٣].
والقول بأن ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ متوفيك بمعنى مميتك بعيد؛ لأن عيسى ﵇ لم يمت، وسينزل في آخر الزمان؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]؛ أي: قبل موت عيسى على أحد القولين، وذلك إذا نزل في آخر الزمان. وقيل: قبل موت الواحد؛ يعني: ما من أحد من أهل الكتاب إلا إذا حضرته الوفاة؛ أمن بعيسى، حتى وإن كان يهوديًا. وهذا القول ضعيف.
بقى النظر بين وفاة القبض ووفاة النوم، فنقول: إنه يمكن أن يجمع بينهما فيكون قابضًا له حال نومه؛ أي أن الله تعالى ألقى عليه النوم؛ ثم رفعه، ولا منافاة بين الأمرين.
قوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾: الشاهد هنا؛ فإن ﴿إِلَيَّ﴾ تفيد الغاية، وقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ يدل على أن المرفوع إليه كان عاليًا، وهذا يدل على علو الله ﷿.
فلو قال قائل: المراد: رافعك منزلة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: ٤٥].
قلن هذا لا يستقيم؛ لأن الرفع هنا عدى بحرف يختص بالرفع الذي هو الفوقية؛ رفع الجسد، وليس رفع المنزلة.
واعلم أن علو الله ﷿ ينقسم إلى قسمين: علو
[ ١ / ٣٨٧ ]
أدلة أهل السنة على علو الله سبحانه الذاتي
أولا: الكتاب
معنوي، وعلو ذاتي:
١ - أما العلو المعنوي؛ فهو ثابت لله بإجماع أهل القبلة؛ أي: بالإجماع من أهل البدع وأهل السنة؛ كلهم يؤمنون بأن الله تعالى عال علوًا معنويًا.
٢ - وأما العلو الذاتي؛ فيثبته أهل السنة، ولا يثبته أهل البدعة؛ يقولون: إن الله تعالى ليس عاليًا علوًا ذاتيًا.
فنبدأ أولًا بأدلة أهل السنة على علو الله ﷾ الذاتي فنقول: إن أهل السنة استدلوا على علو الله تعال علوًا ذاتيًا بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة:
أولًا: فالكتاب تنوعت دلالته على علو الله؛ فتارة بذكر العلو، وتارة بذكر القوقية، وتارة بذكر نزول الأشياء من عنده، وتارة بذكر صعودها إليه، وتارة بكونه في السماء
١) فالعلو مثل قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١].
٢) والفوقية: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠].
٣) ونزول الأشياء منه؛ مثل قوله: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥]، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩] وما أشبه ذلك.
[ ١ / ٣٨٨ ]
ثانيا: السنة
٤) وصعود الأشياء إليه؛ مثل قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، ومثل قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤].
٥) كونه في السماء؛ مثل قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦].
ثانيًا: وأما السنة فقد تواترت عن النبي ﷺ من قوله وفعله وإقراره:
١) فأما قول الرسول ﵊:
فجاء بذكر العلو والفوقية، ومنه قوله ﷺ "سبحان ربي الأعلى" (١)، وقوله لما ذكر السماوات؛ قال: "والله فوق العرش" (٢).
وجاء بذكر أن الله في السماء؛ مثل قوله ﷺ: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء" (٣).
_________________
(١) رواه مسلم (٧٧٢) من حديث حذيفة ﵁.
(٢) رواه ابن خزيمة في كتاب "التوحيد" (١/ ٢٤٤)، واللالكائي في "شرح السنة" (٦٥٩)، والطبراني في"كبير" (٩/ ٢٢٨)،وقال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٨٦): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، ورواه البيهقي "الأسماء والصفات" (٨٥١)، وأبو الشيخ في كتاب "العظم" (٢٧٩)، والدارميفي "الرد على الجهمي" (٨١)، وقال الذهبي في "العلو": إسناده صحيح. "مختصر العلو" (٤٨) من حديث ابن مسعود ﵁.
(٣) رواه البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤)؛ عن أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ١ / ٣٨٩ ]
٢) وأما الفعل؛ فمثل رفع أصبعه إلى السماء، وهو يخطب الناس في أكبر جمع، وذلك في يوم عرفة، عام حجة الوداع؛ فإن الصحابة لم يجتمعوا اجتماعًا أكبر من ذلك الجمع؛ إذ إن الذي حج معه بلغ نحو مئة ألف، والذي مات عنهم نحو مئة وأربعة وعشرين ألفًا: يعني: عامة المسلمين حضروا ذلك الجمع، فقال ﵊: "ألا هل بلغت؟ ". قالوا: نعم. "ألا هل بلغت؟ ". قالوا: نعم. "ألا هل بلغت؟ وكان يقول: "اللهم أشهد"؛ يشير إلى السماء بأصبعه، وينكتها إلى الناس (١).
ومن ذلك رفع يديه إلى السماء في الدعاء.
وهذا إثبات للعلو بالفعل.
٣) وأما التقرير؛ فإنه في حديث معاوية بن الحكم ﵁؛ أنه أتى بجارية يريد أن يعتقها، فقال لها النبي ﷺ: "أين الله؟ ". قالت: في السماء. فقال: "من أنا؟ ". قالت: رسول الله. قال: "أعتقها؛ فإنها مؤمنة" (٢).
فهذه جارية لم تتعلم، والغالب على الجواري الجهل، لا سيما أمة غير حرة، لا تملك نفسها، تعلم أن ربها في السماء، وضلال بني آدم ينكرون أن الله في السماء، ويقولون: إما
_________________
(١) رواه مسلم (١٢١٨)؛ من حديث جابر بن عبد الله ﵄؛ الطويل في صفة حج النبي ﷺ.
(٢) تقدم تخريجه (ص ٨٥) وهو عند مسلم.
[ ١ / ٣٩٠ ]
ثالثا: الإجماع
رابعا: العقل
أنه لا فوق العالم ولا تحته ولا يمين ولا شمال! أو أنه في كل مكان!!
ثالثًا: وأما دلالة الإجماع؛ فقد أجمع السلف على أن الله تعالى بذاته في السماء، من عهد الرسول ﵊، إلى يومنا هذا.
إن قلت كيف أجمعوا؟
نقول: إمرارهم هذه الآيات والأحاديث مع تكرار العلو فيها والفوقية ونزول الأشياء منه وصعودها إليه دون أن يأتوا بما يخالفها إجماع منهم على مدلولها.
ولهذا لما قال شيخ الإسلام: "إن السلف مجمعون على ذلك"؛ قال: "ولم يقل أحد منهم: إن الله ليس في السماء، أو: إن الله في الأرض، أو: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل ولا منفصل، أو: إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه".
رابعًا: وأما دلالة العقل؛ فنقول: لا شك أن الله ﷿ إما أن يكون في العلو أو في السفل، وكونه في السفل مستحيل؛ لأنه نقص يستلزم أن يكون فوقه شيء من مخلوقاته فلا يكون له العلو التام والسيطرة التامة والسلطان التام فإذا كان السفل مستحيلًا؛ كان العلو واجبًا.
[ ١ / ٣٩١ ]
خامسا: الفطرة
وهناك تقرير عقلي آخر، وهو أن نقول: إن العلو صفة كمال باتفاق العقلاء، وإذا كان صفة كمال؛ وجب أن يكون ثابتًا لله؛ لأن كل صفة كمال مطلقة؛ فهي ثابتة لله.
وقولنا: "مطلقة": احترازًا من الكمال النسبي، الذي يكون كمالًا في حال دون حال؛ فالنوم مثلًا نقص، ولكن لمن يحتاج إليه ويستعيد قوته به كمال.
خامسًا: وأما دلالة الفطرة: فأمر لا يمكن المنازعة فيها ولا المكابرة؛ فكل إنسان مفطور على أن الله في السماء، ولهذا عندما يفجؤك الشيء الذي لا تستطيع دفعه، وإنما تتوجه إلى الله تعالى بدفعه؛ فإن قلبك ينصرف إلى السماء حتى الذين ينكرون علو الذات لا يقدرون أن ينزلوا أيديهم إلى الأرض.
وهذه الفطرة لا يمكن إنكارها.
حتى إنهم يقولون: إن بعض المخلوقات العجماء تعرف أن الله في السماء كما في الحديث الذي يروى أن سليمان بن داود ﵊ وعلى أبيه خرج يستسقي ذات يوم بالناس، فلما خرج؛ رأى نملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها نحو السماء، تقول:
"اللهم! إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن سقياك". فقال: "ارجعوا؛ فقد سقيتم بدعوة غيركم" (١). وهذا إلهام فطري.
_________________
(١) تقدم (ص ٥٨).
[ ١ / ٣٩٢ ]
مخالفو أهل السنة والجماعة والرد عليهم
فالحاصل أن: كون الله في السماء أمر معلوم بالفطرة.
والله؛ لولا فساد فطرة هؤلاء المنكرين لذلك؛ لعلموا أن الله في السماء بدون أن يطالعوا أي كتاب؛ لأن الأمر الذي تدل عليه الفطرة لا يحتاج إلى مراجعة الكتب.
والذين أنكروا علو الله ﷿ بذاته يقولون: لو كان في العلو بذاته؛ كان في جهة، وإذا كان في جهة؛ كان محدودًا وجسمًا، وهذا ممتنع!
والجواب عن قولهم: "إنه يلزم أن يكون محدودًا وجسمًا، وهذا ممتنع! والجواب عن قولهم: "إنه يلزم أن يكون محدودًا وجسمًا"؛ نقول:
أولًا: لا يجوز إبطال دلالة النصوص بمثل هذه التعليلات، ولو جاز هذا؛ لأمكن كل شخص لا يريد ما يقتضيه النص أن يعلله بمثل هذه العلل العليلة.
فإذا كان الله أثبت لنفسه العلو، ورسوله، ﷺ أثبت له العلو، والسلف الصالح أثبتوا له العلو؛ فلا يقبل أن يأتي شخص ويقول: لا يمكن أن يكون علو ذات؛ لأنه لو كان علو ذات؛ لكان كذا وكذا.
ثانيًا: نقول: إن كان ما ذكرتم لازمًا لإثبات العلو لزومًا صحيحًا؛ فلنقل به؛ لأن لازم كلام الله ورسوله حق؛ إذ أن الله تعالى يعلم ما يلزم من كلامه. فلو كانت نصوص العلو تستلزم معني فاسدًا، لبينه، ولكنها لا تستلزم معني فاسدًا.
[ ١ / ٣٩٣ ]
ثالثًا: ثم نقول: ما هو الحد والجسم الذي أجلبتم علينا بخيلكم ورجلكم فيها.
أتريدون بالحد أن شيئًا من المخلوقات يحيط بالله؟ فهذا باطل ومنتف عن الله، وليس بلازم من إثبات العلو لله أو تريدون بالحد أن الله بائن من خلقه غير حال فيهم؟ فهذا حق من حيث المعني، ولكن لا نطلق لفظه نفيًا ولا إثباتًا، لعدم ورود ذلك.
وأما الجسم، فنقول: ماذا تريدون بالجسم؟ أتريدون أنه جسم مركب من عظم ولحم وجلد ونحو ذلك؟ فهذا باطل ومنتف عن الله، لأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. أم تريدون بالجسم ما هو قائم بنفسه متصف بما يليق به؟ فهذا حق من حيث المعني، لكن لا نطلق لفظه نفيًا ولا إثباتًا، لما سبق.
وكذلك نقول في الجهة، هل تريدون أن الله تعالي له جهة تحيط به؟ فهذا باطل، وليس بلازم من إثبات علوه. أم تريدون جهة علو لا تحيط بالله؟ فهذا حق لا يصح نفيه عن الله تعالي.
الآية الثانية: قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨].
﴿بَل﴾: للإضراب الإبطالي، لإبطال قولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨]، فكذبهم الله بقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾.
[ ١ / ٣٩٤ ]
الآية الرابعة: قوله: ﴿ياهامان ابن لي صرحا. . . .﴾
والشاهد قوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، فإنه صريح بأن الله تعالي عال بذاته، إذ الرفع إلي الشيء يستلزم علوه.
الآية الثالثة: قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
﴿إِلَيْهِ﴾: إلي الله ﷿.
﴿يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾: و﴿الكَلِمُ﴾ هنا اسم جمع، مفرده كلمة، وجمع كلمة كلمات، والكلم الطيب يشمل كل كلمة يتقرب بها إلي الله، كقراءة القرآن والذكر والعلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكل كلمة تقرب إلي الله ﷿، فهي كلمة طيبة، تصعد إلي الله ﷿، وتصل إليه، والعمل الصالح يرفعه الله إليه أيضًا.
فالكلمات تصعد إلي الله، والعمل الصالح يرفعه الله، وهذا يدل على أن الله عال بذاته، لأن الأشياء تصعد إليه وترفع.
الآية الرابعة: قوله: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧].
هامان وزير فرعون، والآمر بالبناء فرعون.
﴿صَرْحًا﴾، أي بناء عاليًا.
﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾، يعني: لعلي أبلغ الطرق التي توصل إلي السماء.
[ ١ / ٣٩٥ ]
الآية الخامسة والسادسة: قوله: ﴿أأمنتم من في السماء﴾
﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، يعني: أنظر إليه، وأصل إليه مباشرة، لأن موسي قال له: أن الله في السماء. فموه فرعون على قومه بطلب بناء هذا الصرح العالي ليرقي عليه ثم يقول: لم أجد أحدًا، ويحتمل أنه قاله على سبيل التهكم، يقول: إن موسي قال: إلهه في السماء، اجعلونا نرقي لنراه!! تهكمًا.
وأيا كان، فقد قال: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾، للتمويه على قومه، وإلا، فهو يعلم أنه صادق، وقد قال له موسي: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، فلم يقل: ما علمت! بل أقره على هذا الخبر المؤكد باللام و(قد) والقسم. والله ﷿ يقول في آية أخري: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].
الشاهد من هذا: أن أمر فرعون ببناء صرح يطلع به على إله موسي يدل على أن موسي صلي الله عليه وسلم قال لفرعون وآله: إن الله في السماء. فيكون علو الله تعالى ذاتيًا قد جاءت به الشرائع السابقة.
الآية الخامسة والسادسة: قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦ - ١٧].
والذي في السماء هو الله ﷿، لكنه كنى عن نفسه بهذا، لأن المقام مقام إظهار عظمته، وأنه فوقكم، قادر عليكم، مسيطر عليكم، مهيمن عليكم، لأن العالي له سلطة على من تحته.
﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾، أي: تضطرب.
[ ١ / ٣٩٦ ]