والله تعالى غني عما سواه، لكن هما بالنسبة للمخلوق كمال ولهذا، إذا كان الإنسان لا يأكل، فلا بد أن يكون عليلًا بمرض أو نحوه هذا نقص.
والنوم بالنسبة للخالق نقص، وللمخلوق كمال، فظهر الفرق.
التكبر كمال للخالق ونقص للمخلوق، لأنه لا يتم الجلال والعظمة إلا بالتكبر حتى تكون السيطرة كاملة ولا أحد ينازعه .. ولهذا توعد الله تعالى من ينازعه الكبرياء والعظمة، قال: "من نازعني واحدًا منهما عذبته" (١).
فالمهم أنه ليس كل كمال في المخلوق يكون كمالًا في الخالق ولا كل نقص في المخلوق يكون نقصًا في الخالق إذا كان الكمال أو النقص اعتباريًا.
هذه ستة مباحث تحت قوله: "ما وصف به نفسه" وكلها مباحث هامة، وقدمناها بين يدي العقيدة، لأنه سينبني عليها ما يأتي إن شاء الله تعالى.
قوله: "وبما وصفه به رسوله": ووصف رسول الله ﷺ لربه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إما بالقول، أو بالفعل، أو بالإقرار.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٢٠) عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄، قلا: قال رسول الله ﷺ: "العز إزاره والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته"، كتاب البر/ باب تحريم الكبر، ورواه أحمد (٢/ ٤١٤) بنحو عن أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ٨٣ ]
- القول
- الفعل
أ- أما القول، مثل "ربنا! الله الذي في السماء تقدس اسمك. أمرك في السماء والأرض" (١) وقوله في يمينه: "لا ومقلب القلوب" (٢).
ب- وأما الفعل، فهو أقل من القول، مثل إشارته إلى السماء يستشهد الله على إقرار أمته بالبلاغ، وهذا في حجة الوداع في عرفة، خطب الناس، وقال: "ألا هل بلغت؟ " قالوا: نعم ثلاث مرات. قال "اللهم! أشهد" يرفع إصبعه إلى السماء، وينكتها إلى الناس (٣) فرفع إصبعه إلى السماء، هذا وصف الله تعالى بالعلو عن طريق الفعل.
وجاءه رجل وهو يخطب الناس يوم الجمعة، قال: يا رسول الله! هلكت الأموال .. فرفع يديه (٤) وهذا أيضًا وصف لله بالعلو عن طريق الفعل.
وغير ذلك من الأحاديث التي فيها فعل النبي ﵊ إذا ذكر صفة من صفات الله.
وأحيانًا يذكر الرسول ﵊ من صفات الله بالقول ويؤكدها بالفعل، وذلك حينما تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] فوضع إبهامه على أذنه اليمنى، والتي
_________________
(١) رواه الإمام أحمد (٦/ ٢٠)، وأبو داود/ كتاب الطب/ باب كيف الرقى، والنسائي ص ٢٩٩، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١/ ١٦٤)، والدرامي في "الرد على الجهمية" ص ٢٧٢، والحاكم (١/ ٣٤٤)، قال شيخ الإسلام: "حديث حسن" وسيأتي ص ٤١٨ ".
(٢) البخاري/ كتاب القدر/ باب "يحول بين المرء وقلبه".
(٣) رواه مسلم) ١٢١٨) عن جابر بن عبد الله ﵄ في كتاب الحج/ باب حجة النبي ﷺ.
(٤) رواه البخاري (١٠١٣ و١٠١٤) في كتاب الاستسقاء، ومسلم (٨٩٧)؛عن أنس بن مالك ﵁ في كتاب صلاة الاستسقاء.
[ ١ / ٨٤ ]
- الإقرار
تليها على عينه وهذا إثبات للسمع والبصر بالقول والفعل (١).
وحينئذ نقول: إن إثبات الرسول عليه والسلام للصفات يكون بالقول ويكون بالفعل، مجتمعين ومنفردين.
جـ- أما الإقرار، فهو قليل بالنسبة لما قبله، مثل: إقراره الجارية التي سألها: "أين الله؟ " قالت: في السماء. فأقرها وقال: "أعتقها" (٢).
وكإقراره الحبر من اليهود الذي جاء وقال للرسول ﵊: إننا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع والثرى على إصبع .. آخر الحديث، فضحك النبي ﷺ تصديقًا لقول (٣)، وهذا إقرار.
إذا قال قائل: ما وجه وجوب الإيمان بما وصف الرسول به ربه أو: ما دليله؟
_________________
(١) قال الحافظ في "الفتح" (١٣/ ٣٧٣): أخرجه أبو داود بسند قوي على شرط مسلم؛ من رواية أبي يونس عن أبي هريرة؛ رأيت رسول الله ﷺ يقرأها، يعني: قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ويضع إصبعيه في كتاب السنة/ باب في الجهمية. قال أبو يونس: وضع أبو هريرة إبهامه على أذنيه والتي تليها على عينه. والحديث صححه الألباني في "صحيح أبي داود" (٤٧٣٨).
(٢) قصة الجارية. رواها مسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ في كتاب المساجد/ باب تحريم الكلام في الصلاة.
(٣) رواه البخاري (٤٨١١) كتاب التفسير/ باب "وما قدروا الله حق قدره". ومسلم (٢٧٨٦) (١٩)؛ عن عبد الله بن مسعود ﵁ في كتاب صفة القيامة.
[ ١ / ٨٥ ]