١ - الإيمان بوجوده ﷾.
٢ - الإيمان بربوبيته، أي: الانفراد بالربوبية.
٣ - الإيمان بانفراده بالألوهية.
٤ - الإيمان بأسمائه وصفاته.
لا يمكن أن يتحقق الإيمان إلا بذلك.
فمن لم يؤمن بوجود الله، فليس بمؤمن، ومن آمن بوجود الله لا بانفراده بالربوبية، فليس بمؤمن، ومن آمن بالله وانفراده بالربوبية، فليس بمؤمن، ومن آمن بالله وانفراده بالربوبية والألوهية لكن لم يؤمن بأسمائه وصفاته، فليس بمؤمن، وإن كان الأخير فيه من يسلب عنه الإيمان بالكلية وفيه من يسلب عنه كمال الإيمان.
الإيمان بوجوده:
إذا قال قائل: ما الدليل على وجود الله ﷿؟
قلنا: الدليل على وجود الله: العقل، والحس، والشرع.
[ ١ / ٥٥ ]
دلالة العقل
ثلاثة كلها تدل على وجود الله، وإن شئت، فزد: الفطرة، فتكون الدلائل على وجود الله أربعة: العقل، والحس، والفطرة، والشرع. وأخرنا الشرع، لا لأنه لا يستحق التقديم، لكن لأننا نخاطب من لا يؤمن بالشرع.
ـ فأما دلالة العقل، فنقول: هل وجود هذه الكائنات بنفسها، أو وجدت هكذا صدفة؟
فإن قلت: وجدت بنفسها، فمستحيل عقلًا ما دامت هي معدومة؟ كيف تكون موجودة وهي معدومة؟! المعدوم ليس بشيء حتى يوجد، إذًا لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها وإن قلت: وجدت صدفة، فنقول: هذا يستحيل أيضًا، فأنت أيها الجاحد، هل ما أنتج من الطائرات والصواريخ والسيارات والآلات بأنواعها، هل وجد هذا صدفة؟! فيقول: لا يمكن أن يكون. فكذلك هذه الأطيار والجبال والشمس والقمر والنجوم والشجر والجمر والرمال والبحار وغير ذلك لا يمكن أن توجد صدفة أبدًا.
ويقال: إن طائفة من السُّمنية جاؤوا إلى أبي حنيفة ﵀، وهم من أهل الهند، فناظروه في إثبات الخالق ﷿، وكان أبو حنيفة من أذكى العلماء فوعدهم أن يأتوا بعد يوم أو يومين، فجاؤوا، قالوا: ماذا قلت؟ أنا أفكر في سفينة مملوءة من البضائع والأرزاق جاءت تشق عباب الماء حتى أرسلت في الميناء ونزلت الحمولة وذهبت، وليس فيها قائد ولا حمالون.
قالوا: تفكر بهذا؟! قال: نعم. قالوا: إذًا ليس لك عقل! هل يُعقل
[ ١ / ٥٦ ]
دلالة الحس
أن سفينة تأتي بدون قائد وتنزل وتنصرف؟! هذا ليس معقول! قال: كيف لا تعقلون هذا، وتعقلون أن هذه السماوات والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والناس كلها بدون صانع؟ فعرفوا أن الرجل خاطبهم بعقولهم، وعجزوا عن جوابه هذا أو معناه.
وقيل لأعرابي من البادية: بم عرفت ربك؟ فقال: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟
ولهذا قال الله ﷿: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥].
فحينئذ يكون العقل دالًا دلالة قطعية على وجود الله.
- وأما دلالة الحس على وجود الله، فإن الإنسان يدعو الله ﷿، يقول: يا رب! ويدعو بالشيء، ثم يستجاب له فيه، وهذه دلالة حسه، هو نفسه لم يدع إلا الله، واستجاب الله له، رأى ذلك رأي العين. وكذلك نحن نسمع عمّن سبق وعمّن في عصرنا، أن الله استجاب له.
الأعرابي الذي دخل والرسول ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة قال: هلكت الأموال، وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا قال أنس: والله، ما في السماء من سحاب ولا قزعة (أي: قطعة سحاب) وما بيننا وبين سلع (جبل في المدينة تأتي من جهته السحب) من بيت ولا دار وبعد دعاء الرسول ﷺ فورًا خرجت
[ ١ / ٥٧ ]
دلالة الفطرة
سحابًا مثل الترس، وارتفعت في السماء وانتشرت ورعدت، وبرقت، ونزل المطر، فما نزل الرسول ﷺ إلا والمطر يتحادر من لحيته ﵊ (١) وهذا أمر واقع يدل على وجود الخالق دلالة حسيية.
وفي القرآن كثير من هذا، مثل: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٣ - ٨٤] وغير ذلك من الآيات.
- وأما دلالة الفطرة، فإن كثيرًا من الناس الذين لم تنحرف فطرهم يؤمنون بوجود الله، حتى البهائم العُجم تؤمن بوجود الله، وقصة النملة التي رويت عن سليمان ﵊، خرج يستسقي، فوجد نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها نحو السماء، تقول: اللهم أنا خلق من خلقك، فلا تمنع عنا سقياك. فقال: ارجعوا، فقد سقيتم بدعوة غيركم (٢).
فالفطر مجبولة على معرفة الله ﷿ وتوحيده.
وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٣٣) كتاب الاستسقاء/ باب الاستسقاء في خطبة الجمعة، ومسلم (٨٩٧)،من حديث انس ﵁ في كتاب صلاة الاستسقاء/ باب الدعاء في الاستسقاء.
(٢) عزاه السيوطي في "الدر المنثور" لابن أبي شيبة، وأحمد في "الزهد "وابن أبي حاتم عن أبي الصديق الناجي. وانظر: "اجتماع الجيوش" لابن قيم (ص ٣٢٨، ٣٢١).
[ ١ / ٥٨ ]