بالتسمي، فهو لم يلد ولم يتخذ ولدًا، بنو آدم قد يتخذ الإنسان منهم ولدًا وهو لم يلده بالتبني أو بالولاية أو بغير ذلك، وإن كان التبني غير مشروع، أما الله ﷿، فلم يلد ولم يولد، ولما كان يرد على الذهن فرض أن يكون الشيء لا والدًا ولا مولودًا لكنه متولد، نفى هذا الوهم الذي قد يرد، فقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وإذا انتفى أن يكون له كفوًا أحد، لزم أن لا يكون متولدًا ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، أي: لا يكافئه أحد في جميع صفاته.
في هذه السورة: صفات ثبوتية وصفات سلبية:
الصفات الثبوتية: ﴿اللَّهُ﴾ التي تتضمن الألوهية، ﴿أَحَدٌ﴾ تتضمن الأحدية ﴿الصَّمَدُ﴾ تتضمن الصمدية.
والصفات السلبية: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
ثلاثة إثبات، وثلاث نفي وهذا النفي يتضمن من الإثبات كمال الأحدية والصمدية.
قوله: "وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتاب الله حيث يقول: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ
[ ١ / ١٦٣ ]
الدليل على أن آية الكرسي أعظم آية
وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ".
الشرح:
قوله: "وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتاب الله" وهذه الآية تسمى آية الكرسي، لأن فيها ذكر الكرسي: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وهي أعظم آية في كتاب الله.
والدليل على ذلك: أن النبي ﷺ سأل أبي بن كعب، قال: "أي آية في كتاب الله أعظم؟ " فقال له: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فضرب على صدره، وقال: "ليهنك العلم أبا المنذر" (١).
يعني: أن النبي ﷺ أقره بأن هذه أعظم آية في كتاب الله، وأن هذا دليل على علم أبي في كتاب الله ﷿.
وفي هذا الحديث دليل على أن القرآن يتفاضل، كما دل عليه حديث سورة الإخلاص، وهذا موضع يجب فيه التفصيل، فإننا نقول: أما باعتبار المتكلم به، وهذا موضع يجب فيه التفصيل، فإننا نقول: أما باعتبار المتكلم به، فإنه لا يتفاضلن لأن المتكلم به واحد وهو الله ﷿، وأما باعتبار مدلولاته وموضوعاته فإنه يتفاضل، فسورة الإخلاص التي فيها الثناء على الله ﷿ بما تضمنته من الأسماء والصفات ليست كسورة المسد التي فيها بيان حال أبي لهب من حيث الموضوع كذلك، يتفاضل من حيث التأثير والقوة في الأسلوب، فإن من الآيات ما تجدها آية قصيرة
_________________
(١) رواه مسلم (٨١٠) عن أبي بن كعب ﵁ في كتاب صلاة المسافرين/ باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي.
[ ١ / ١٦٤ ]
تفسير آية الكرسي
لكن فيها ردع قوي للقلب وموعظة، وتجد آية أخرى أطول منها بكثير لكن لا تشتمل على ما تشتمل عليه الأولى، فمثلًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] .. إلخ، هذه آية موضوعها سهل، والبحث فيها في معاملات تجري بين الناس وليس فيها ذاك التأثير الذي يؤثره مثل قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، فهذه تحمل معاني عظيمة، فيها زجر وموعظة وترغيب وترهيب، ليست كآية الدين مثلًا مع أن آية الدين أطول منها.
قول المؤلف: "حيث يقول: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ": في هذه الآية يخبر الله بأنه منفرد بالألوهية، وذلك من قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ ﴾، لأن هذه جملة تفيد الحصر وطريقة النفي والإثبات هذه من أقوى صيغ الحصر.
وقوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: ﴿الْحَيُّ﴾ أي: ذو الحياة الكاملة المتضمنة لجميع صفات الكمال لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، ولا يعتريها نقص بوجه من الوجوه.
و﴿الْحَيُّ﴾ من أسماء الله، وقد تطلق على غير الله، قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام: ٩٥]، ولكن ليس الحي كالحي، ولا يلزم من الاشتراك في الاسم التماثل في المسمى.
﴿الْقَيُّومُ﴾ على وزن فيعول، وهذه من صيغ المبالغة، وهي
[ ١ / ١٦٥ ]
مأخوذة من القيام.
ومعنى ﴿الْقَيُّومُ﴾، أي: أنه القائم بنفسه، فقيامه بنفسه يستلزم استغناءه عن كل شيء، لا يحتاج إلى أكل ولا شرب ولا غيرها، وغيره لا يقوم بنفسه بل هو محتاج إلى الله ﷿ في إيجاده وإعداده وإمداده.
ومن معنى ﴿الْقَيُّومُ﴾ كذلك أنه قائم على غيره لقوله تعالى ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣]، والمقابل محذوف تقديره: كمن ليس كذلك، والقائم على كل نفس بما كسبت هو الله ﷿ ولهذا يقول العلماء القيوم هو القائم على نفسه القائم على غيره، وإذا كان قائمًا على غيره، لزم أن يكون غيره قائمًا به، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]، فهو إذًا كامل الصفات وكامل الملك والأفعال.
وهذان الاسمان هما الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب ولهذا ينبغي للإنسان في دعائه أن يتوسل به، فيقول: يا حي! يا قيوم! وقد ذكرا في الكتاب العزيز في ثلاثة مواضع: هذا أحدها، والثاني في سورة آل عمران: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢]، والثالث سورة طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ
[ ١ / ١٦٦ ]
الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١].
هذان الاسمان فيهما الكمال الذاتي والكمال السلطاني، فالذاتي في قوله: ﴿الْحَيُّ﴾ والسلطاني في قوله: ﴿الْقَيُّومِ﴾، لأنه يقوم على كل شيء ويقوم به كل شيء.
قوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾: والسنة النعاس وهي مقدمة النوم ولم يقل: لا ينام، لأن النوم يكون باختيار، والأخذ يكون بالقهر.
والنوم من صفات النقص، قال النبي ﵊:
"إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام" (١) لنقصها، لأنها تحتاج إلى النوم من أجل الاستراحة من تعب سبق واستعادة القوة لعمل مستقبل، ولما كان أهل الجنة كاملي الحياة، كانوا لا ينامون، كما صحت بذلك الآثار.
لكن لو قال قائل: النوم في الإنسان كمال، ولهذا، إذا لم ينم الإنسان، عد مريضًا.
_________________
(١) رواه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ كتاب الإيمان/ باب قوله ﵇: "إن الله لا ينام .. ".
[ ١ / ١٦٧ ]
فنقول: كالأكل في الإنسان كمال ولو لم يأكل، عد مريضًا لكن هو كمال من وجه ونقص من وجه آخر، كمال لدلالته على صحة البدن واستقامته ونقص لأن البدن محتاج إليه، وهو في الحقيقة نقص.
إذًا ليس كل كمال نسبي بالنسبة للمخلوق يكون كمالًا للخالق، كما أنه ليس كل كمال في الخالق يكون كمالًا في المخلوق، فالتكبر كمال في الخالق نقص في المخلوق والأكل والشرب والنوم كمال في المخلوق نقص في الخالق، ولهذا قال الله تعالى عن نفسه: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤].
وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾: ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم. ﴿وَمَا﴾: مبتدأ مؤخر، ففي الجملة حصر، طريقة تقديم ما حقة التأخير وهو الخبر. ﴿لَهُ﴾: اللام هذه للملك. ملك تام، بدون معارض. ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾: من الملائكة والجنة وغير ذلك مما لا نعلمه ﴿وَمَا فِي الأَرْضِ﴾: من المخلوقات كلها الحيوان منها وغير الحيوان.
وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾: تفيد أن السماوات عديدة، وهو كذلك وقد نص القرآن على أنها سبع ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦].
والأرضون أشار القرآن إلى أنها سبع بدون تصريح، وصرحت، بها السنة، قال الله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، مثلهن في العدد دون الصفة وفي
[ ١ / ١٦٨ ]
السنة قال النبي ﵊: "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا، طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين" (١).
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾: ﴿مَنْ ذَا﴾ اسم استفهام أو نقول: ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام، و﴿ذَا﴾: ملغاة، ولا يصح أن تكون ﴿ذَا﴾: اسمًا موصولًا في مثل هذا التركيب، لأنه يكون معنى الجملة: من الذي الذي! وهذا لا يستقيم.
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ الشفاعة في اللغة: جعل الوتر شفعًا، قال تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣]. وفي الاصطلاح: هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، فمثلًا: شفاعة النبي ﷺ لأهل الموقف أن يقضى بينهم: هذه شفاعة بدفع مضرة، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوها بجلب منفعة.
وقوله: " ﴿عِنْدَهُ﴾ أي: عند الله.
﴿إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: إذنه له وهذه تفيد إثبات الشفاعة، لكن بشرط أن يأذن ووجه ذلك أنه لولا ثبوتها، لكان الاستثناء في قوله ﴿إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾: لغوًا لا فائدة فيه.
وذكرها بعد قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ يفيد أن هذا الملك الذي هو خاص بالله ﷿، أنه ملك تام السلطان، بمعنى أنه لا أحد يستطيع أن يتصرف، ولا بالشفاعة التي هي خير، إلا بإذن الله، وهذا من تمام ربوبيته وسلطانه ﷿.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٤٥٢) كتاب المظالم/ باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض، ومسلم (١٦١٠) عن سعيد بن زيد ﵁ كتاب المساقاة/ باب تحريم الظلم وغصب الأرض.
[ ١ / ١٦٩ ]
شروط الشفاعة وفائدتها
وتفيد هذه الجملة أن له إذنًا والإذن في الأصل الإعلام، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]، أي إعلام من الله ورسوله، فمعنى ﴿بِإِذْنِهِ﴾، أي: إعلامه بأنه راض بذلك.
وهناك شروط أخرى للشفاعة: منها: أن يكون راضيًا عن الشافع وعن المشفوع له، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩].
وهناك آية تنتظم الشروط الثلاثة ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، أي: يرضى عن الشافع والمشفوع له، لأن حذف المعمول يدل على العموم.
إذا قال قائل: ما فائدة الشفاعة إذا كان الله تعالى قد علم أن هذا المشفوع له ينجو؟
فالجواب: أن الله ﷾ يأذن بالشفاعة لمن يشفع من أجل أن يكرمه وينال المقام المحمود.
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ العلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، والله ﷿ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ المستقبل، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الماضي، وكلمة ﴿مَا﴾ من صيغ العموم تشمل كل ماض وكل مستقبل، وتشمل أيضًا ما كان من فعله وما كان من أفعال الخلق.
وقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَاءَ﴾: الضمير في
[ ١ / ١٧٠ ]
الكرسي موضع قدمي الله -﷿-
﴿يُحِيطُونَ﴾ يعود على الخلق الذي دل عليهم قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾، يعني لا يحيط من في السماوات والأرض بشيء من علم الله إلا بما شاء.
وقوله: ﴿مِنْ عِلْمِهِ﴾: يحتمل من علم ذاته وصفاته، يعني: أننا لا نعلم شيئًا عن الله وذاته وصفاته إلا بما شاء مما علمنا إياه ويحتمل أن (علم) هنا بمعنى معلوم، يعني: لا يحيطون بشيء من معلومه، أي: مما يعلمه، إلا بما شاءه، وكلا المعنيين صحيح وقد نقول: إن الثاني أعم، لأن معلومه يدخل فيه علمه بذاته وبصفاته وبما سوى ذلك.
وقوله: ﴿إِلاّ بِمَا شَاءَ﴾: يعني: إلا بما شاء مما علمهم إياه، وقد علمنا الله تعالى أشياء كثيرة عن أسمائه وصفاته وعن أحكامه الشرعية، ولكن هذا الكثير هو بالنسبة لمعلومه قليل، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥].
وقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾: بمعنى شمل، يعني: أن كرسيه محيط بالسماوات والأرض، وأكبر منها، لأنه لولا أنه أكبر ما وسعها.
والكرسي، قال ابن عباس ﵄: "إنه موضع
[ ١ / ١٧١ ]
قدمي الله ﷿" (١)، وليس هو العرش، بل العرش أكبر من الكرسي وقد ورد عن النبي ﵊: "أن السماوات والسبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وأن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة" (٢).
هذا يدل على عظم هذه المخلوقات وعظم المخلوق يدل على عظم الخالق.
قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾: يعني: لا يثقله ويكرثه حفظ السماوات والأرض.
وهذه من الصفات المنفية، والصفة الثبوتية التي يدل عليها هذا النفي هي كمال القدرة والعلم والقوة والرحمة.
وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾: ﴿الْعَلِيُّ﴾ على وزن فعيل،
_________________
(١) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب "السنة" (٥٨٦)، وابن أبي شيبة في كتاب "العرش" (٦١)، وابن خزيمة في "التوحيد" (٢٤٨)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٢٨٢) وقال: صحيح عن شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ورواه الدارقطني في كتاب "الصفات" (٣٦) عن ابن عباس موقوفًا عليه، وعزاه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ٣٢٣) للطبراني، وقال: رجاله رجال الصحيح، وقال الألباني في "مختصر العلو" (٤٥): إسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب "العرش" رقم (٥٨)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٨٦٢) من حديث أبي ذر ﵁، وابن مردويه كما عند ابن كثير (١/ ٣٠٩) والحديث صححه الألباني في السلسة الصحيحة برقم (١٠٩) وقال: إنه لا يصح حديث مرفوع عن النبي ﷺ في صفة العرش إلا هذا الحديث.
[ ١ / ١٧٢ ]
آية الكرسي تتضمن خمسة أسماء لله وستة وعشرين صفة
وهي صفة مشبهة، لأن علوه ﷿ لازم لذاته، والفرق بين الصفة المشبهة واسم الفاعل أن اسم الفاعل طارئ حادث يمكن زواله، والصفة المشبهة لازمة لا ينفك عنها الموصوف.
وعلو الله ﷿ قسمان: علو ذات، وعلو صفات:
فأما علو الذات، فإن معناه أنه فوق كل شيء بذاته، ليس فوقه شيء ولا حذاءه شيء.
وأما علو الصفات، فهي ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، يعني: أن صفاته كلها عليًا، ليس فيها نقص بوجه من الوجوه.
أما ﴿الْعَظِيمُ﴾، أيضًا صفة مشبهة، ومعناها: ذو العظمة، وهي القوة والكبرياء وما أشبه ذلك مما هو معروف من مدلول هذه الكلمة.
وهذه الآية تتضمن من أسماء الله خمسة وهي: الله، الحي، القيوم، العلي، العظيم.
وتتضمن من صفات الله ستًا وعشرين صفة منها خمس صفات تضمنتها هذه الأسماء.
السادسة: انفراده بالألوهية.
السابعة: انتفاء السنة والنوم في حقه، لكمال حياته وقيوميته.
الثامنة: عموم ملكه، لقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾.
[ ١ / ١٧٣ ]
التاسعة: انفارد الله ﷿ بالملك، ونأخذه من تقديم الخبر.
العاشرة: قوة السلطان وكماله، لقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾.
الحادية عشرة: إثبات العندية، وهذا يدل على أنه ليس في كل مكان، ففيه الرد على الحلولية.
الثانية عشرة: إثبات الإذن من قوله: ﴿إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾.
الثالثة عشرة: عموم علم الله تعالى لقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
الرابعة عشرة والخامسة عشرة: أنه ﷾ لا ينسى ما مضى، لقوله: ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ولا يجهل ما يستقبل، لقوله ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾.
السادسة عشرة: كمال عظمة الله، لعجز الخلق عن الإحاطة به.
السابعة عشرة: إثبات الكرسي، وهو موضع القدمين.
التاسعة عشرة والعشرون والحادية والعشرون: إثبات العظمة والقوة والقدرة، لقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾، لأن عظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق.
[ ١ / ١٧٤ ]
علو الله بذاته
الرد على من خالف أهل السنة في علو الله
الثانية والثالثة والرابعة والعشرون: كمال علمه ورحمته وحفظه، من قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾.
الخامسة والعشرون: إثبات علو الله لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله ﷾ عال بذاته، وأن علوه من الصفات الذاتية الأزلية الأبدية.
وخالف أهل السنة في ذلك طائفتان: طائفة قالوا: إن الله بذاته في كل مكان وطائفة قالوا: إن الله ليس فوق العالم ولا تحت العالم ولا في العالم ولا يمين ولا شمال ولا منفصل عن العالم ولا متصل.
والذين قالوا بأنه في كل مكان استدلوا بقول الله تعالى: ﴿وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]، وعلى هذا، فليس عاليًا بذاته، بل العلو عندهم علو صفة.
أما الذين قالوا: إنه لا يوصف بجهة، فقالوا: لأننا لو وصفناه بذلك، لكان جسمًا، والأجسام متماثلة، وهذا يستلزم التمثيل وعلى هذا، فننكر أن يكون في أي جهة.
ولكننا نرد على هؤلاء وهؤلاء من وجهين:
[ ١ / ١٧٥ ]
الوجه الأول: إبطال احتجاجهم.
والثاني: إثبات نقيض قولهم بالأدلة القاطعة.
١ - أما الأول، فنقول لمن زعموا أن الله بذاته في كل مكان: دعواكم هذه دعوى باطلة يردها السمع والعقل:
- أما السمع، فإن الله تعالى أثبت لنفسه أنه العلي والآية التي استدللتم بها لا تدل على ذلك، لأن المعية لا تستلزم الحلول في المكان، ألا ترى إلى قول العرب: القمر معنا، ومحله في السماء؟ ويقول الرجل: زوجتي معي، وهو في المشرق وهي في المغرب؟ ويقول الضابط للجنود: اذهبوا إلى المعركة وأنا معكم، وهو في غرفة القيادة وهم في ساحة القتال؟ فلا يلزم من المعية أن يكون الصاحب في مكان المصاحب أبدًا، والمعية يتحدد معناها بحسب ما تضاف إليه، فنقول أحيانًا: هذا لبن معه ماء وهذه المعية اقتضت الاختلاط. ويقول الرجل متاعي معي، وهو في بيته غير متصل به، ويقول: إذا حمل متاعه معه: متاعي معي وهو متصل به. فهذه كلمة واحدة لكن يختلف معناها بحسب الإضافة، فبهذا نقول: معية الله ﷿ لخلقة تليق بجلاله ﷾، كسائر صفاته، فهي معية تامة حقيقية، لكن هو في السماء.
- وأما الدليل العقلي على بطلان قولهم، فنقول: إذا قلت: إن الله معك في كل مكان، فهذا يلزم عليه لوازم باطلة، فيلزم عليه:
أولًا: إما التعدد أو التجزؤ، وهذا لازم باطل بلا شك،
[ ١ / ١٧٦ ]
وبطلان اللازم يدل على بطلان اللزوم.
ثانيًا: نقول: إذا قلت: إنه معك في الأمكنه، لزم أن يزداد بزيادة الناس، وينقص بنقص الناس.
ثالثًا: يلزم على ذلك ألا تنزهه عن المواضع القذرة، فإذا قلت: إن الله معك وأنت في الخلاء فيكون هذا أعظم قدح في الله ﷿.
فتبين بهذا أن قولهم مناف للسمع ومناف للعقل، وأن القرآن لا يدل عليه بأي وجه من الدلالات، لا دلالة مطابقة ولا تضمن ولا التزام أبدًا.
٢ - أما الآخرون، فنقول لهم:
أولًا: إن نفيكم للجهة يستلزم نفي الرب ﷿، إذ لا نعلم شيئًا لا يكون فوق العالم ولا تحته ولا يمين ولا شمال، ولا متصل ولا منفصل، إلا العدم، ولهذا قال بعض العلماء: لو قيل لنا صفوا الله بالعدم ما وجدنا أصدق وصفًا للعدم من هذا الوصف.
ثانيًا: قولكم: إثبات الجهة يستلزم التجسيم! نحن نناقشكم في كلمة الجسم:
ما هذا الجسم الذي تنفرون الناس عن إثبات صفات الله من أجله؟!
أتريدون بالجسم الشيء المكون من أشياء مفتقر بعضها إلى
[ ١ / ١٧٧ ]
بعض لا يمكن أن يقوم إلى باجتماع هذه الأجزاء؟! فإن أردتم هذا، فنحن لا نقره، ونقول: إن الله ليس بجسم بهذا المعنى، ومن قال: إن إثبات علوه يستلزم هذا الجسم، فقوله مجرد دعوى ويكفينا أن نقول: لا قبول.
أما إن أردتم بالجسم الذات القائمة بنفسها المتصفة بما يليق بها، فنحن نثبت ذلك، ونقول: إن لله تعالى ذاتًا، وهو قائم بنفسه، متصف بصفات الكمال، وهذا هو الذي يعلم به كل إنسان.
وبهذا يتبين بطلان قول هؤلاء الذين أثبتوا أن الله بذاته في كل مكان، أو أن الله تعالى ليس فوق العالم ولا تحته ولا متصل ولا منفصل ونقولك هو على عرشه استوى ﷿.
أما أدلة العلو التي يثبت بها نقيض قول هؤلاء وهؤلاء، والتي تثبت ما قاله أهل السنة والجماعة، فهي أدلة كثيرة لا تحصر أفرادها، وأما أنواعها، فهي خمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة.
- أما الكتاب، فتنوعت أدلته على علو الله ﷿ منها التصريح بالعلو والفوقية وصعود الأشياء إليه ونزولها منه وما أشبه ذلك.
- أما السنة، فكذلك، فتنوعت دلالتها، واتفقت السنة بأصنافها الثلاثة على علو الله بذاته، فقد ثبت علو الله بذاته في السنة من قول الرسول ﷺ وفعله وإقراراه.
[ ١ / ١٧٨ ]
- أما الإجماع، فقد أجمع المسلمون قبل ظهور هذه الطوائف المبتدعة على أن الله تعالى مستو على عرشه فوق خلقه.
قال شيخ الإسلام: "ليس في كلام الله ولا رسوله، ولا كلام الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ما يدل لا نصًا ولا ظاهرًا على أن الله تعالى ليس فوق العرش وليس في السماء، بل كل كلامهم متفق على أن الله فوق كل شيء".
وأما العقل، فإننا نقول: كل يعلم أن العلو صفة كمال، وإذا كان صفة كمال، فإنه يجب أن يكون ثابتًا لله، لأن الله متصف بصفات الكمال، ولذلك نقولك إما أن يكون الله في أعلى أو في أسف أو في المحاذي، فالأسفل والمحاذي ممتنع، لأن الأسفل نقص في معناه، والمحاذي نقص لمشابهة المخلوق ومماثلته، فلم يبق إلا العلو، وهذا وجه آخر في الدليل العقلي.
- وأما الفطرة، فإننا نقول: ما من إنسان يقول: يارب! إلا وجد في قلبه ضرورة بطلب العلو.
فتطابقت الأدلة الخمسة.
وأما علو الصفات، فهو محل إجماع من كل من يدين أو يتسمى بالإسلام.
السادسة والعشرون: إثبات العظمة لله ﷿، لقوله: ﴿الْعَظِيمُ﴾.
[ ١ / ١٧٩ ]