الآية الأولى
وفيها من الفوائد المسلكية: أن الإيمان بذلك يزيد المرء خوفًا من الله وخشية، سرًا وعلنًا.
وقوله: " ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: ٢].
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١].
وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] ".
الشرح:
هذه الآيات في تفصيل صفة العلم:
الآية الأولى: قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: ٢]:
هذه تفصيل لما سبق من عموم علمه تعالى.
﴿مَا﴾: اسم موصول يفيد العموم، كل ما يلج في الأرض مثل المطر والحب يبذر في الأرض والموتى والدود والنمل وغيره ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾، كالماء والزروع .. وما أشبه ذلك ﴿وَمَا يَنْزِلُ
[ ١ / ١٩١ ]
مِنَ السَّمَاءِ﴾، مثل المطر والوحي والملائكة وأمر الله ﷿، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾، كالأعمال الصالحة والملائكة والأرواح والدعاء.
وهنا قال ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾، فعدى الفعل بـ (في) وفي سورة المعارج قال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، فعداه بـ إلى، وهذا هو الأصل، فما وجه ونه عدى بـ (في) في قوله: ﴿يَعْرُجُ فِيهَا﴾؟
فالجواب: اختلف نحاة البصرة والكوفة في مثل هذا، فقال نحاة البصرة: إن الفعل يضمن معنى يتلائم مع الحرف، وقال نحاة الكوفة: بل الحرف يضمن معنى يتلائم مع الفعل.
فعلى الرأي الأول: يكون قوله: ﴿يَعْرُجُ فِيهَا﴾: مضمنًا معنى (يدخل)، فيصير المعنى: وما يعرج فيدخل فيها، وعليه يكون في الآية دلالة على أمرين: على عروج ودخول.
أما على الرأي الثاني، فنقول: (في) بمعنى (إلى) ويكون هذا من باب التناوب بين الحروف.
لكن على هذا القول لا تجد أن في الآية معنى جديدًا وليس فيها إلا اختلاف لفظ (إلى) لفظ (في) ولهذا كان القول الأول أصح وهو أن تضمن الفعل معنى يتناسب مع الحرف.
ولهذا نظير في اللغة العربية، قال الله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦]، والعين يشرب منها والذي يشرب به الإناء، فعلى رأي أهل الكوفة نقول: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ الباء بمعنى
[ ١ / ١٩٢ ]
الآية الثانية
(من)، أي: منها، وعى رأي أهل البصرة يضمن الفعل ﴿يَشْرَبُ﴾ معنى يتلائم مع حرف الباء والذي يتلائم معها يروى ومعلوم أنه لا ري إلا بعد شرب، فيكون هذا الفعل ضمن معنى غايته وهو الري.
وكذلك نقول في ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾: لا دخول في السماء إلا بعد العروج إليها، فيكون الفعل ضمن معنى الغاية.
ففي الآية ذكر الله ﷿ عموم علمه في كل شيء بنوع من التفصيل، ثم فصل في آية أخرى تفصيلًا آخر:
الآية الثانية: قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
﴿وَعِنْدَهُ﴾: أي: عند الله وهو خبر مقدم ﴿مَفَاتِحُ﴾ مبتدأ مؤخر.
ويفيد هذا التركيب الحصر والاختصاص، عنده لا عند غيره مفاتح الغيب وأكد هذا الحصر بقوله: ﴿لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ﴾، ففي الجملة حصر بأن علم هذه المفاتح عند الله بطريقتين: إحداهما: بطريقة التقديم والتأخير والثانية: طريقة النفي والإثبات.
كلمة ﴿مَفَاتِحُ﴾، قيل: أنه جمع مفتح، بكسر الميم وفتح التاء: المفتاح، أو أنها جمع مفتاح لكن حذفت منها الياء وهو قليل، ونحن نعرف أن المفتاح ما يفتح به الباب وقيل: جمع
[ ١ / ١٩٣ ]
مفاتح الغيب خمسة
مفتح، بفتح الميم والكسر التاء وهي الخزائن، فـ ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ خزانته، وقيل: ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾، أي: مبادئه، لأن مفتح كل شيء يكون في أوله، فيكون على هذا: ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾، أي: مبادئ الغيب، فإن هذه المذكورات مبادئ لما بعدها.
﴿الْغَيْبِ﴾: مصدر غاب يغيب غيبًا، والمراد بالغيب: ماكان غائبًا والغيب أمر نسب، لكن الغيب المطلق علمه خاص بالله.
هذه المفاتح سواء قلنا إن المفاتح: هي المبادئ، أو: هي الخزائن، أو: المفاتيح، لا يعلمها إلا الله ﷿، فلا يعلمها ملك، ولا يعلمها رسول، حتى إن أشرف الرسل الملكي وهو جبريل - سأل أشرف الرسل البشري - وهو محمد ﵊ قال: أخبرني عن الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" (١)، والمعنى: كما أنه لا علم لك بها، فلا علم لي بها أيضًا. فمن ادعى علم الساعة، فهو كاذب كافر، ومن صدقه، فهو أيضًا كافر، لأنه مكذب للقرآن.
وهذه المفاتح؟ فسرها أعلم الخلق بكلام الله محمد ﷺ حين قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] (٢)، فهي خمسة أمور:
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٥٤).
(٢) رواه البخاري (٤٧٧٨) عن ابن عمر ﵁ في كتاب التفسير/ باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.
[ ١ / ١٩٤ ]
الأول: علم الساعة: فعلم الساعة مبدأ مفتاح لحياة الآخرة، وسميت الساعة بهذا، لأنها ساعة عظيمة، يهدد بها جميع الناس، وهي الحاقة والواقعة، والساعة علمها عند الله لا يدري أحد متى تقوم إلا الله ﷿.
الثاني: تنزيل الغيث: لقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾: ﴿الْغَيْثَ﴾: مصدر ومعناه: إزالة الشدة والمراد به المطر، لأنه بالمطر نزول شدة القحط والجدب وإذا كان هو الذي ينزل الغيث، كان هو الذي يعلم وقت نزوله.
والمطر نزوله مفتاح لحياة الأرض بالنبات، وبحياة النبات يكون الخير في المرعى وجميع ما يتعلق بمصالح العباد.
وهنا نقطة: قال: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾، ولم يقل: وينزل المطر، لأن المطر أحيانًا ينزل ولا يكون فيه نبات، فلا يكون غيثًا، ولا تحيا به الأرض، ولهذا ثبت في "صحيح مسلم": "ليست السَّنَة ألا تمطروا، إنما السنة أن تمطروا ولا تنبت الأرض شيئًا" (١)، والسنة القحط.
الثالث: علم ما في الأرحام: لقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾، أي: أرحام الإناث، فهو ﷿ يعلم ما في الأرحام، أي: ما في بطون الأمهات من بني آدم وغيرهم، ومتعلق العلم عام بكل شيء، فلا يعلم ما في الأرحام إلا من خلقها ﷿.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٩٠٤) عن أبي هريرة ﵁ في كتاب الفتن/ باب في سكنى المدينة.
[ ١ / ١٩٥ ]
فإن قلت: يقال الآن: إنهم صاروا يعلمون الذكر من الأنثى في الرحم، فهل هذا صحيح؟
نقول: إن هذا الأمر وقع ولا يمكن إنكاره، لكنهم لا يعلمون ذلك إلا بعد تكوين الجنين وظهور ذكورته أو أنوثته، وللجنين أحوال أخرى لا يعلمونها، فلا يعلمون متى ينزل، ولا يعلمون إذا نزل إلى متى يبقى حيًا ولا يعلمون هل يكون شقيًا أو سعيدًا، ولا يعلمون هل يكون غنيًا أم فقيرًا .. إلى غير ذلك من أحواله المجهولة.
إذًا أكثر متعلقات العلم فيما يتعلق بالأجنة مجهول للخلق، فصدق العموم في قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾.
الرابع: علم ما في الغد: وهو ما بعد يومك: لقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ وهذا مفتاح الكسب في المستقبل، وإذا كان الإنسان لا يعلم ما يكسب لنفسه، فعدم علمه بما يكسبه غيره أولى.
لكن لو قال قائل: أنا أعلم ما في الغد، سأذهب إلى المكان الفلاني، أو أقرأ، أو أزور أقاربي فنقول: قد يجزم بأنه سيعمل، ولكن يحول بينه وبين العمل مانع.
الخامس: علم مكان الموت: لقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾، ما يدري أي أحد هل يموت في أرضه أو في أرض أخرى؟ في أرض إسلامية أو أرض كافر أهلها؟ ولا يدري هل يموت في البر أو في البحر أو في الجو؟ وهذا شيء مشاهد.
[ ١ / ١٩٦ ]
ولا يدري بأي ساعة يموت، لأنه إذا كان لا يمكنه أن يدري بأي أرض يموت وهو قد يتحكم في المكان، فكذلك لا يدري بأي زمن وساعة يموت.
فهذه الخمسة هل مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا الله وسميت مفاتح الغيب، لأن علم ما في الأرحام مفتاح للحياة الدنيا، ﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ مفتاح للعمل المستقبل ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ مفتاح لحياة الآخرة، لأن الإنسان إذا مات، دخل عالم الآخرة، وسبق بيان علم الساعة وتنزيل الغيث، فتبين أن هذه المفاتح كلها مبادئ لكل ما وراءها، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
ثم قال ﷿: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٥٩]: هذا إجمال، فمن يحصي أجناس ما في البر؟ كم فيها من عالم الحيوان والحشرات والجبال والأشجار والأنهار أمور لا يعلمها إلا الله ﷿ والبحر كذلك فيه من العوالم مالا يعلمه إلا خالقه ﷿، يقولون: إن البحر يزيد على البر ثلاثة أضعاف من الأجناس، لأن البحر أكثر من اليابس.
قال: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُهَا﴾: هذا تفصيل، فأي ورقة في أي شجرة صغيرة أو كبيرة قريبة أو بعيدة تسقط، فالله تعالى يعلمها، ولهذا جاءت ﴿وَمَا تَسْقُطُ﴾ النافية و﴿مِنْ﴾ الزائدة، ليكون ذلك نصًا في العموم، والورقة التي تخلق يعلمها من باب أولى، لأن عالم ما يسقط عالم بما يخلق ﷿.
[ ١ / ١٩٧ ]
انظر إلى سعة علم الله تعالى كل شيء يكون، فهو عالم به، حتى الذي لم يحص وسيحصل، فهو تعالى عالم به.
قال: ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ﴾: حبة صغيرة لا يدركها الطرف في ظلمات الأرض يعلمها ﷿.
﴿ظُلُمَاتِ﴾: جمع ظلمة ولنفرض أن حبة صغيرة غائصة في قاع البحر، في ليلة مظلمة مطيرة، فالظلمات: أولًا: طين البحر. ثانيًا: ماء البحر. ثالثًا: المطر. رابعًا: السحاب. خامسًا: الليل، فهذه خمس ظلمات من ظلمات الأرض ومع ذلك هذه الحبة يعلمها الله ﷾ ويبصرها ﷿.
قال: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ﴾: هذا عام، فما من شيء إلا وهو إما رطب وإما يابس.
﴿إِلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: ﴿كِتَابٍ﴾، بمعنى مكتوب. ﴿مُبِينٍ﴾ أي: مظهر وبين، لأن (أبان) تستعمل متعديًا ولازمًا فيقال: أبان الفجر، بمعنى ظهر الفجر ويقال: أبان الحق بمعنى أظهره والمراد بالكتاب هنا: اللوح المحفوظ.
كل هذه الأشياء معلومة عند الله ﷾ ومكتوبة عنده في اللوح المحفوظ، لأن الله تعالى "لما خلق القلم، قال له: اكتب قال القلم: ماذا أكتب؟ قال: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة" (١)، فكتب في تلك اللحظة ما هو كائن إلى يوم
_________________
(١) رواه أحمد (٥/ ٣١٧)، وأبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٢١٥٥)، والحاكم (٢/ ٤٩٨) وصححه، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٨٠٤)، والآجري في "الشريعة" (١٧٨)، وابن أبي عاصم في "السنة" (١٠٥)، والحديث صححه الألباني في "الصحيحة" (١٣٣)، وفي "السنة" لابن أبي عاصم (١/ ٤٨ و٤٩).
[ ١ / ١٩٨ ]
الآية الثالثة
القيامة ثم جعل سبحانه في أيدي الملائكة كتبًا تكتب ما يعمله الإنسان، لأن الذي في اللوح المحفوظ قد كتب فيه ما كان يريد الإنسان أن يفعل، والكتاب التي تكتبها الملائكة هي التي يجزى عليها الإنسان ولهذا يقول الله ﷿: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]، أما علمه بأن عبده فلانًا سيصبر أو لا يصبر، فهذا سابق من قبل، لكن لا يترتب عليه الثواب والعقاب.
الآية الثالثة: قوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١].
﴿مَا﴾: نافية.
﴿أُنْثَى﴾ فاعل ﴿تَحْمِلُ﴾ لكنه معرب بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
وهنا إشكال: كيف تقول زائد وليس في القرآن زائد؟
فالجواب: أنه زائد من حيث الإعراب، أما من حيث المعنى، فهو مفيد وليس في القرآن شيء زائد لا فائدة منه، ولهذا نقول: هو زائد، زائد بمعنى أنه لا يخل بالإعراب إذا حذف، زائد من حيث المعنى يزيد فيه.
[ ١ / ١٩٩ ]
الآية الرابعة
وقوله: ﴿مِنْ أُنْثَى﴾: يشمل أي أنثى، سواء آدمية أو حيوانية أخرى الذي يحمل حيوانًا واضح أنه داخل في الآية، كبقرة، وبعير، وشاة .. وما أشبه ذلك، ويدخل في ذلك الذي يحمل البيض، كالطيور، لأن البيض في جوف الطائر حمل.
﴿وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾، فابتداء الحمل بعلم الله، وانتهاؤه وخروج الجنين بعلم الله ﷿.
الآية الرابعة: قوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
﴿لِتَعْلَمُوا﴾: اللام للتعليل، لأن الله قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الطلاق: ١٢]، فقد خلق هذه السماوات السبع والأرضين السبع، وأعلمنا بذلك، لنعلم ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
القدرة وصف يتمكن به الفاعل من الفعل بدون عجز، فهو على كل شيء قدير، يقدر على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود، فالسماوات والأرض كانت معدومة، فخلقها الله ﷿ وأوجدها على هذا النظام البديع.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾: كل شيء، الصغير والكبير، والمتعلق بفعله أو بفعل عباده والماضي واللاحق والحاضر، كل ذلك قد أحاط الله سبحانه به علمًا.
وذكر الله ﷿ العلم والقدرة بعد الخلق، لأن الخلق لا
[ ١ / ٢٠٠ ]