انقسم الناس في مسألة علو الله تعالى إلى ثلاثة أقسام: قسم وصفوه بالمتقابلات المتنافيات، بل الممتنعات عقلًا، والتي تنفي وجود الشيء، وهؤلاء هم الجهمية، وقسم كانوا على نقيضهم وهم الذين قالوا: إن الله في كل مكان بذاته، أما القسم الثالث فهم أهل الحق وهم أهل السنة الذين يعتقدون أن الله فوق عرشه بائن من خلقه، وهو أيضًا معهم محيط بهم لا يخفى عليه شيء من أمرهم.
[ ١٥ / ١ ]
علو الله جل وعلا على خلقه لا ينافي معيته لهم
يقول المصنف ﵀: [وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش، وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف ولكن يصان عن الظنون الكاذبة: مثل أن يظن أن ظاهر قوله: (في السماء) أن السماء تقله أو تظله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان، فإن الله قد: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] وهو ﴿يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١]، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم:٢٥] .
فصل: وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب مجيب كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي﴾ [البقرة:١٨٦] وقوله ﷺ: (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)، وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته فإنه سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] في جميع نعوته وهو عليٌّ في دنوه قريب في علوه] .
العلو لله جل وعلا لا ينافي المعية؛ ولهذا جمع الله جل وعلا بين ذلك في آية واحدة كما سبق، وهو أنه تعالى يقول: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فجمع بين علوه واستوائه على عرشه وبين كونه معنا؛ ولهذا يقول الشيخ ﵀: كل هذا الكلام على ظاهره وعلى حقيقته ولا يجوز أن يحرف، ومقصوده بالتحريف: التأويل الباطل الذي سلكه أهل الكلام.
[ ١٥ / ٢ ]
أقسام الناس في مسألة العلو
وجملة الناس في مسألة علو الله: قسم: وصفوه بالمتقابلات المتنافيات بل الممتنعات في العقل، وهم الجهمية ومن سلك طريقهم فقالوا: لا فوق ولا تحت، ولا خارج العالم ولا داخل العالم، وليس له مكان ولا يجري عليه زمان، فيأتون بالأمور المتقابلة المتنافية التي يستحيل في العقل أن الشيء موجودًا إذا نفيت هذه الأمور، ولهذا قال العلماء من أهل السنة: الجهمية يعبدون عدمًا، وأما الذين قابلوهم فهم يعبدون صنمًا، ومنهم من يقول: الجهمية لا يعبدون شيئًا والمشبهة أو الحلولية يعبدون كل شيء.
ولا شك في بطلان هذا القول عقلًا وفطرةً وشرعًا.
القسم الثاني من أقسام الناس: وهم الذين وصفوه بأنه في كل مكان تعالى الله وتقدس، فجعلوه فوق العرش وتحت الثرى، وجعلوه فوق العالم وداخل العالم -تعالى الله وتقدس- وهذا المذهب عكس المذهب الذي قبله، وكلاهما باطل وكفر بالله جل وعلا.
المذهب الثالث: وهو قول أهل الحق أهل السنة: أنه فوق عرشه بائن من خلقه وهو أيضًا معهم محيط بهم لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وهذا الذي دلت عليه الأدلة وهو الذي يقرره الشيخ ﵀ في هذا الكتاب وغيره، وهو الذي تتفق عليه أدلة الشرع وأدلة العقل والفطرة وإجماع أتباع الرسل.
وقوله: (على حقيقته) يعني: أن العلو على الحقيقة، فهو جل وعلا عالٍ على خلقه، والمعية على الحقيقة ولكن الحقيقة كما سبق أن المعية معناها: المصاحبة، والمصاحبة تكون بحسب ما أضيفت إليه كما سبق التمثيل لذلك.
يقول الإنسان: معي مالي، وإن كان ماله في بلد وهو في بلد، ويقول: معي زوجتي وإن كانت زوجته في بلد وهو في بلد، يقول الله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح:٢٩] يعني: على الإيمان والجهاد، وهكذا في كل ما يأتي، فكلمة (مع) تدل على معنىً ظاهر يدل عليه السياق.
فإذا قال الله جل وعلا: (وهو معكم) فمعيته جل وعلا على ظاهرها: فإما أن تقتضي الإحاطة والاطلاع والعلم، وأنهم في قبضته لا يخرجون عن ذلك، وأنهم على مرأى ومسمع منه، أو تقتضي أنهم في حفظه ونصره وتأييده، فإن كانت مع المحسنين ومع المؤمنين ومع المتقين ومع النبيين فهي تقتضي النصر والتأييد والحفظ والكلاءة، وإن كانت عامة فهي تقتضي الاطلاع وأنهم في قبضته وأنهم لا يفوتونه، وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، فيعلم ذلك ويبصره ويسمعه وهو محيط بهم.
[ ١٥ / ٣ ]
وجوب استحضار عظمة الله جل وعلا
وينبغي للإنسان أن يستحضر مع هذا ما ذكره الشيخ بعد ذلك من الأمور العظيمة التي لا يحيط بها عقل الإنسان، الدالة على عظمة الله جل وعلا كقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] وقوله: (يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا)، ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم:٢٥] فهذه تدل على عظمته وأنه أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء، وأنه تعالى ليس بحاجة لا إلى عرش ولا إلى غيره وإنما العرش والسماء والكرسي وكل شيء محتاج إليه، وهذا استدلال بعظمته على كمال قدرته تعالى وتقدس.
وقوله: (ولكن يصان عن الظنون الكاذبة) يعني: أن هذا الكلام ظاهر، ولكن لو قدر أن إنسانًا لا يفهمه على حقيقته وعلى مراد المتكلم منه فإنه يجب أن يفهم ويعلم المراد، (والظنون الكاذبة) مثل أن يظن ظان أنه إذا قال جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] أنه محتاج إلى العرش تعالى وتقدس، أو أن استواءه على العرش كاستواء المخلوق على ما يركب عليه ويستوي عليه فهذا لا يجوز أن يعتقد.
وكذلك إذا قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] فيظن أن السماء تكون ظرفًا له أو أنها تقله تعالى وتقدس.
وكذلك إذا قال الرسول ﷺ: (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر) فالظنون السيئة: أن يظن بأنه إذا نزل إلى السماء الدنيا أن شيئًا من المخلوقات يكون فوقه؛ تعالى الله وتقدس فهو أكبر من المخلوقات كلها وأعظم منها ولا يمكن أن يكون شيء فوقه؛ لأن العلو من لوازم الذات، أي: أن علوه على كل شيء لا ينفك عنه أبدًا فهو عال فوق جميع خلقه وإن نزل إلى سماء الدنيا، بل وإن نزل إلى الأرض كما يأتي يوم القيامة جل وعلا للفصل بين خلقه يأتي وهو فوق كل شيء، ولو شاء لقبض المخلوقات كلها في سماواته وأرضه ومن فيها بيده جل وعلا فصارت بالنسبة إليه كخردلة صغيرة حقيرة ليست بشيء.
فإذا كان هذا شيء من بعض عظمته جل وعلا فكيف يظن أنه يكون داخل مخلوقات؟ تعالى الله وتقدس.
قوله: (أن يظن جاهل أو ضال) أن يظن جاهل في ذلك أو ضال ضل في دينه وفي عقله.
[ ١٥ / ٤ ]
قرب الله جل وعلا لا ينافي علوه
ثم بعد هذا يقول: (وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب مجيب)، وهذا من الأمور التي لا تنافي العلو أيضًا، فكونه قريبًا مجيبًا لا ينافي أنه فوق عرشه عال على جميع مخلوقاته، وقربه من صفاته، وهو قرب حقيقي على ظاهره يليق بعظمته تعالى وتقدس، وقد جمع بين القرب والإجابة في قوله جل وعلا: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي) وقد جاء في سبب نزول هذه الآية أن بعض الصحابة قال: (يا رسول الله! أبعيد ربنا فنناديه أم قريب فنناجيه؟ فأنزل الله جل وعلا هذه الآية: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي) ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]) فالقرب جاء ذكره في كتاب الله ولكنه جاء بصيغتين: بصيغة الجمع، وبصيغة الإفراد، أما صيغة الجمع: فكقوله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] وكقوله جل وعلا: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] في حالة المحتضر.
وأما صيغة الإفراد: فمثل هذه الآية ومثل قوله ﷺ: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) وكثير من النصوص جاءت بصيغة الإفراد.
[ ١٥ / ٥ ]
أقسام قرب الله جل وعلا
ومن العلماء من قسم القرب إلى قسمين: كـ ابن القيم ﵀ فجعله قربًا عامًا وقربًا خاصًا: القرب العام هو معنى اسمه الباطن؛ لأنه جاء في تفسيره عن النبي ﷺ أنه قال: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر ليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء) فجعل البطون: القرب، وقال: هذا عام، فيكون ذلك قريب المعنى من المعية العامة؛ لأنه قربه من خلقه عام، ويكون معنى أنه الباطن: مثل ما فسره الرسول ﷺ: (ليس دونك شيء) يعني: أنه قريب من خلقه إذا شاء أن يعمل فيهم ما يشاء فهم بقبضته ولا يحول بينه وبينهم حائل، وهذا المعنى العام.
والثاني: ما جاء في القرآن وفي حديث الرسول ﷺ: أنه قريب من الداعي وقريب من السائل، فهو قريب من الداعي بالإجابة كما قال: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي) وليس هذا على إطلاقه فإن كل مسألة وكل دعوة تجاب إذا شاء الله فهي داخلة في مشيئته، ولكن هذا من العبادة التي يحث الله جل وعلا عليها، وإذا وجدت الشروط التي يجب أن تكون في الداعي وانتفت الموانع فإن الله جل وعلا يجيبه، والمقصود: وصف الله بذلك.
ولكن كونه يقسم هذا التقسيم فقد يتوهم بعض الناس أنه يقسم القرب نفسه إلى قسمين، والصواب أن هذه صفة وهذه صفة: فصفة الباطن غير صفة القريب؛ لأن القرب جاء مقيدًا بكونه قريبًا من الداعي، أما كونه قريبًا من قبض الروح، أو التصرف فيه بما يشاء فهو من معنى البطون، فقوله: (الباطن) هو معنى المعية العامة (هو معكم) .
ومعلوم أن معاني كتاب الله لا تتنافر ولا تتفاوت، وكذلك المعاني التي جاء بها الرسول ﷺ، ومعلوم أنه يجب على العبد أن يتفقه فيها وأن يعرفها على مراد المتكلم؛ لئلا يقع في الزلل ويقع في الضلال ويكون ذلك زيادة قرب له من الله جل وعلا، وهذا من أفضل ما يتعلمه الإنسان ويبحث عنه جهده طالبًا الحق مخلصًا لله جل وعلا في ذلك فإنه إذا كان بهذه الصفة فإن الله جل وعلا يوفقه.
ثم قال: (وقوله ﷺ: (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) هذا لا يخرج عما ذكر في الآية؛ لأن هذا في الدعاء والداعي، ولا يكون هذا من النوع العام بل هذا من الخاص؛ لأنه لما كان الصحابة رضوان الله عليهم يرفعون أصواتهم بالذكر أو بالتكبير أمرهم الرسول ﷺ بالرفق بأنفسهم فقال: (أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته) فكان مثل قوله: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي) .
[ ١٥ / ٦ ]
لا يجوز تشبيه الله بخلقه وقياس أفعاله وصفاته على أفعالهم وصفاتهم
قوله: (وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته)؛ لأن هذا من خصائص الله وصفاته، ولا يجوز أن يكون ذلك نظير وصف مخلوق، فإن المخلوق إذا كان عاليًا لا يكون باطنًا، ولا يكون قريبًا، وإنما هذا لصغره ولضعفه ولكونه محتاجًا وفقيرًا، ولا يجوز أن يفهم الإنسان مما وصف الله جل وعلا به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ الذي يفهمه من الأجسام والمخلوقات الصغيرة الفانية الفقيرة، فإن الله ليس كمثله شيء، فهو عال في استوائه ودان في قربه ومعيته، وهذا خاص به جل وعلا.
وقد سبق أن معيته وقربه لا تنافي علوه وبينونته عن خلقه وكونه فوق الخلق كلهم، بل هذا حق وهذا حق على ظاهره، ولهذا فإن الصحابة رضوان الله عليهم لم يشكل عليهم ذلك لما خوطبوا به، بل فهموه على ظاهر اللفظ، ولو أشكل لسألوا رسول الله ﷺ كما سألوه عن الأحكام التي أشكلت حتى بينت لهم، وعدم السؤال منهم يدل على أنه ظاهر وجلي عندهم، ولا سيما أن هذا من أمور الإيمان التي يجب على الإنسان فهمها وتحقيقها.
ولهذا نقول: إن هذه الأمور داخلة في الإيمان الواجب، فالذي لا يؤمن بذلك يكون إيمانه إما منتفيًا، أو ناقصًا النقص الذي يعاقب عليه؛ لأنه نقص في شيء واجب، ومسائل الإيمان بعضها مرتبط ببعض، فمن لم يصف الله جل وعلا بالعلو فقد كفره السلف كما روي ذلك عن طوائف منهم، وكذلك الذي يصفه بأنه داخل العالم كفروه؛ لأنه لم يؤمن بالله الإيمان الذي يجب على العبد.
قوله: (فإنه سبحانه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) في جميع نعوته) وكذلك (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) في أوصافه وأفعاله و(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) في ذاته، وهذا أمر متفق عليه بين أهل السنة وأهل البدع، فلا يخالف أحد في أنه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) في ذاته، فإذا كان كذلك فهذا أصل يجب أن تتبعه بقية خصائصه: من أن أوصافه ليس كمثله فيها شيء، وكذلك أفعاله وكذلك حقوقه التي تلزم عباده فإنه لا يجوز أن يمثل في خلقه بشيء من ذلك.
[ ١٥ / ٧ ]
عظمة الله جل وعلا
ولهذا يخبرنا جل وعلا أنه سريع الحساب، وأنه يحاسب خلقه في وقت واحد من أولهم إلى آخرهم، قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينهم حجاب يحجبه ولا ترجمان يترجم له)، يكلمه بلا واسطة في الموقف، والكلام يكون للمؤمنين من أولهم إلى آخرهم، وكم عددهم؟! وكل واحد يرى أنه يكلمه وحده! مع أنه يكلم الخلق كلهم في آن واحد! فهذا لا يتصور أن يقع مثله أو قريب منه من مخلوق.
وكذلك في الدنيا الآن إذا قام الدعاة المحتاجون، أو العباد المصلون في آن واحد يدعون ربهم، كل واحد يسمعه الله جل وعلا ويعلم حاله ولا يشغله سماع هذا عن سماع الآخر من أولهم إلى آخرهم، وهذا شيءٌ من قدرة الله جل وعلا، فأفعاله تعالى لا يجوز أن تقاس بأفعال المخلوقين، حتى يقال: إن العلو والقرب، أو العلو والمعية متنافية؛ لأن الإنسان يجب أن يعلم أن هذا من خصائصه كما مثل.
[ ١٥ / ٨ ]
الأسئلة
[ ١٥ / ٩ ]
العلم من لوازم المعية، وأما معناها فالمصاحبة
السؤال
أشكل علي أن العلم من مستلزمات المعية وليست المعية هي العلم.
الجواب
المعية معناها المصاحبة، ومن لازم المصاحبة العلم، وعلمه جل وعلا لا يكون بهذا الوصف فقط وإنما فسر العلماء المعية بذلك ردًا على الذين يقولون: إنه مع الخلق بذاته! تعالى الله وتقدس، فقالوا: معهم بعلمه، حتى يكون ذلك أقرب إلى رد هذا الباطل وأقرب إلى أذهان عامة المسلمين.
[ ١٥ / ١٠ ]
معنى قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله)
السؤال
ما معنى قول الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]؟
الجواب
الصواب أن هذه الآية في القبلة، يعني: الاتجاه والجهة التي يصلى إليها، فإذا كان الإنسان في مكان وكان يعرف جهة القبلة، فذاك وإن كان لا يعرف جهة القبلة فأي وجهة صلى إليها فهي صحيحة إذا اجتهد ونظر.
[ ١٥ / ١١ ]
معنى قوله تعالى: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)
السؤال
ما هو تفسير قول الله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] وهل صحيح أن المقصود بالقرب هنا: الملائكة؟
الجواب
ورد القرب في كتاب الله جل وعلا على نمطين: نمط عبر عنه بالإفراد، ونمط عبر عنه بالجمع، ومعلوم أن العظيم الذي له أعوان يمتثلون أمره ويفعلون ما يقوله ويدبره ولا يخرجون عن فعله؛ إذا فعل شيئًا يقول: نحن فعلنا ونحن عملنا، وهذا موجود عند الناس، فتجد الرئيس يقول: نحن أمرنا بكذا، وإن كان الفاعل غيره من وزراء وغيرهم، فإذا قال جل وعلا: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) وأريد بذلك الملائكة الذين يقبضون روحه، فإن الكلام صحيحٌ.
[ ١٥ / ١٢ ]
المعية والقرب صفتان
السؤال
هل المعية هي القرب؟
الجواب
ذكرنا أن بعض العلماء يقسم القرب إلى قسمين: قرب عام، ويقصد به معنى قوله جل وعلا: ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣] فهذا قريب من المعية في المعنى، وليس القرب هو المعية؛ لأن هذه صفة وهذه صفة.
[ ١٥ / ١٣ ]