الإيمان عند أهل السنة قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد خالف المرجئةُ أهلَ السنة في ذلك وانقسموا إلى ثلاث طوائف: طائفة قالت: إن الإيمان هو العلم والمعرفة، ويلزم من قولهم إيمان إبليس وفرعون وغيرهما من الكفار، وطائفة قالت: إن الإيمان هو القول باللسان فقط، ويلزم منه إيمان المنافقين، أما الطائفة الثالثة فقالت: إن الإيمان قول وتصديق فقط، وهذه الطائفة هي أقرب طوائفهم إلى أهل السنة على ما في قولها من الغلط.
[ ٢٧ / ١ ]
حقيقة الإيمان والخلاف فيه بين طوائف المسلمين
يقول المصنف ﵀: [ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوار، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر؛ كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨]، قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]، ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة؛ بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]، وقوله ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)، ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم] .
سبق أن الإيمان عند أهل السنة مركب من ثلاثة أشياء: القول، والعقيدة، والعمل، وتعريفه كما يعرفه أهل السنة في كتبهم هو: قول وعمل واعتقاد، وبعضهم يزيد في هذا التعريف ويقول: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
[ ٢٧ / ٢ ]
طوائف المرجئة
والذين خالفوا أهل السنة في هذا هم المرجئة، والخوارج، والمعتزلة، وقد اتفق المعتزلة مع الخوارج في التعريف وخالفوهم في الأحكام وفي التسمية.
أما المرجئة فهم ثلاث طوائف لا يخرجون عنها، كما ذكرهم أبو الحسن الأشعري في (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين)، فقال: إنهم ثلاث طوائف.
الطائفة الأولى: الذين يقولون: إن الإيمان هو: العلم والمعرفة، ويُدخلون في هذا شيئًا من أعمال القلوب، وهي الخضوع والإقرار والمحبة فقط، فيقولون: إن الخضوع والإقرار والمحبة تدخل في الإيمان، وما عدا ذلك من أعمال القلب مثل الخشية والإنابة والخوف إلى غير ذلك لا تدخل فيه.
وهؤلاء افترقوا إلى أكثر من عشرين فرقة، ولكن يجمعهم هذا القول.
الطائفة الثانية: الذين قالوا: إن الإيمان هو القول باللسان، وهؤلاء هم الكرامية خاصة، ويلزمهم أن يكون المنافق مؤمنًا على هذا القول؛ لأن المنافق يقول بلسانه ولكن قلبه منطوٍ على الكفر.
الطائفة الثالثة: الذين يقولون: إن الإيمان قول وتصديق، وهؤلاء أقرب هذه الفرق الثلاث إلى أهل السنة، وهؤلاء لهم حجج شرعية من الكتاب والسنة، ولكنها لا تدل على ذلك.
[ ٢٧ / ٣ ]
بيان غلط المرجئة
وغلط المرجئة من حيث العموم من وجهين: الوجه الأول: ظنهم أن الإيمان والمعرفة إذا وجدت في القلب فإنها تكون هي الإيمان، وأنها تكون منفكة عن عمل القلب وتحركه، في إنابته، وإرادته، وخوفه، وخشيته، وغير ذلك، وغلطوا في هذا غلطًا عظيمًا؛ لأن الإنسان يعرف التفاوت العظيم بين الناس في هذه الأمور، فضلًا عن غلطهم في إخراج عمل الجوارح عن الإيمان.
الوجه الثاني: أنهم ظنوا أن كل من حكم الله جل وعلا بكفره أو حكم الرسول ﷺ بكفره، فإنما هو لخلو قلبه من العلم والمعرفة، فعندهم -مثلًا- إبليس ما عرف الله، وفرعون ما عرف ما جاء به موسى، وهكذا بقية الكفار، وهذا من أعظم الغلط أيضًا.
والمقصود: ذكر الأصول التي يأخذون بها، والتي غلطوا فيها وخالفوا أهل السنة حتى يتبين للإنسان سلامة مذهب أهل السنة، وأنهم على يقين من ذلك وعلى أصل أصيل، وأن المخالفين لهم غالطون غلطًا بينًا واضحًا.
أما الفرقة الثالثة التي قالت: إن الإيمان قول وتصديق، فإن بعضهم يجعل هؤلاء من مرجئة الفقهاء، ولكن كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية إن مرجئة الفقهاء لا يقتصرون على هذا، فإنهم لا يقولون إن الإيمان قول وتصديق فقط، بل يجعلون الأعمال إما من مقتضى التصديق أو من واجباته ومن لوازمه، ويتفقون مع أهل السنة على أن الذي يترك العمل الذي وجب عليه، أو يفعل ما حظر عليه من المحرمات، أنه مستوجب للعقاب، فإذا كانوا متفقين مع أهل السنة في ذلك، فيصبح الخلاف لفظيًا، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان.
[ ٢٧ / ٤ ]
حجج المرجئة
أما حججهم التي احتجوا بها: فمنها: أن الله جل وعلا غاير بين الإيمان والعمل، وهذا كثير في الكتاب، كقول الله جل وعلا: «الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» فعطف الإيمان على العمل، فقالوا: إن العطف يقتضي المغايرة.
الدليل الثاني: أنهم قالوا: إن الله جل وعلا خاطب المؤمنين باسم الإيمان قبل مخاطبتهم بالأوامر والنواهي، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، ونحو هذه الآية، فجعلوا هذا دليلًا على أن العمل غير الإيمان.
الدليل الثالث: يقولون: لو أن رجلًا آمن بالله وبرسوله ﷺ لحظةً قبل الظهر ثم قبل دخول وقت صلاة الظهر مات لحكم بأنه من أهل الجنة، وأنه مؤمن، وهو لم يعمل خيرًا في إسلامه، فجعلوا هذا أيضًا من الأدلة على أن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان.
وكل هذه الأدلة منقوضة، ونقضها واضح لا يحتاج إلى الاستدلال عليه؛ لأن أدلتهم مجرد ألفاظ خالية عن المعاني التي ربط الله جل وعلا بعضها ببعض، فقد يُعطف الشيء على نظيره أو على مثيله، وقد يكون عطف عام على خاص أو بالعكس، كما هو معروف، يقول جل وعلا: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى:١-٤] إلى آخر هذه المعطوفات، وهي لا تدل على المغايرة.
أما كون الخطاب جاء باسم الإيمان فهذا أيضًا واضح أنه ليس دليلًا على أن العمل غير داخل في الإيمان؛ لأن الذي يمتثل الأوامر هو من تحلى بالإيمان.
وأما دليلهم الثالث فنقول: هذا لم يجب عليه إلى الآن أي عمل، وهو ما ترك شيئًا من الإيمان وجب عليه، وإنما امتثل في قلبه واستعد للعمل، ولكنه لم يصل إلى الوقت الذي يجب عليه العمل فيه، فليس ملومًا.
وبهذا نعرف أن مذهب أهل السنة في الإيمان هو المذهب الصحيح الذي يجب أن يُعتقد، ومن أجل ذلك يذكره العلماء في العقائد.
أما أهل المعاصي الذين فيهم الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة والخوارج فقد سبق الكلام عليهم، وبيان أن الذي يرتكب كبيرة لا يسلب منه الإيمان بالكلية، ولا يعطى الإيمان الكامل، فلا يطلق عليه الإيمان مطلقًا، وإنما يطلق عليه بقيد، فيقال: إنه مؤمن ناقص الإيمان، أو يقال: إنه مؤمن مرتكب كبيرة أو كبائر، أو يقال: إنه مؤمن فاسق، أو إنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، كما يعبر بذلك كثير من أهل السنة.
[ ٢٧ / ٥ ]
الإيمان يزيد وينقص
أما زيادة الإيمان ونقصه فأمره واضح أيضًا، وأدلته كثيرة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والأدلة على زيادة الإيمان جاءت منصوصًا عليها في آيات متعددة، أما النقص فقد توقف فيه من توقف من أهل السنة لعدم النص عليه من الكتاب، ولكن الواقع أنه منصوص عليه في آيات متعددة، منها قوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة:١٢٤-١٢٥] فالذي تزيده رجسًا إلى رجسه هذا فيه نقص الإيمان.
وكذلك قوله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، فمعلوم أن هذه الآية نزلت في يوم عرفة في حجة الوداع، وقد استدل البخاري بهذه الآية على أن الإيمان ينقص.
ووجه الاستدلال بها: أن الذي يقبل الزيادة يقبل النقص، وأن الدين قبل أن يتم كان ناقصًا، ولا يلزم من هذا أن الذين توفوا قبل ذلك اليوم كان إيمانهم ناقصًا، بل كان إيمانهم كاملًا؛ لأن هذا هو الذي يجب عليهم.
ومن المعلوم أن المرجئة أنفسهم يقرون بزيادة الإيمان، بمعنى: أنه إذا جاء شيء من الأوامر أو النواهي والتزم بها فإن الإنسان يزداد إيمانه بذلك، ولكن الخلاف في نفس التصديق الذي يكون في القلب هل يكون فيه زيادة ونقص أو لا؟ والصواب: أنه يزيد وينقص، فالتصديق الذي يكون في القلب -إذا سُلِّم بأن الإيمان هو التصديق- فإنه يزيد وينقص؛ لأن تصديق بعض الناس ليس كتصديق بعض، فبعض الناس لو شُكِكَ ولُبس عليه لشك، وبعضهم لا يقبل الشك؛ بل يكون تصديقه يقينيًا، والعمل يتبع ذلك، فبعض الناس يقوم بالعمل ويأتي به على الوجه المطلوب حسب استطاعته، وبعض الناس قد يخل به، وقد يتساهل.
[ ٢٧ / ٦ ]
الأسئلة
يقول المصنف ﵀: [ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوار، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر؛ كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨]، قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]، ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة؛ بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢]، وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]، وقوله ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)، ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم] .
سبق أن الإيمان عند أهل السنة مركب من ثلاثة أشياء: القول، والعقيدة، والعمل، وتعريفه كما يعرفه أهل السنة في كتبهم هو: قول وعمل واعتقاد، وبعضهم يزيد في هذا التعريف ويقول: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
[ ٢٧ / ٧ ]
خلاف أهل السنة مع مرجئة الفقهاء
السؤال
ذكر شيخ الإسلام في كتاب (الإيمان) أن الاختلاف بين أهل السنة ومرجئة الفقهاء اختلاف حقيقي، وفي موضع آخر أنه اختلاف لفظي، فكيف يجمع بينهما؟
الجواب
هم يختلفون، كما ذكرنا أنهم طوائف، فبعضهم الخلاف معهم لفظي، وبعضهم حقيقي.
[ ٢٧ / ٨ ]
أنواع الكفر وبيان غلط حصره في كفر التكذيب
السؤال
فضيلة الشيخ! يقول صاحب كتاب (التقرير في مسألة التكفير) في كتابه: إن الكفر المخرج من الملة هو كفر التكذيب فقط، ما صحة هذا القول؟ وهل هو من أقوال المرجئة؟
الجواب
العلماء ذكروا أن الكفر خمسة أقسام: منها كفر التكذيب، ومنها كفر الإعراض، ومنها كفر الدعوة، أي: الذي يدعو غير الله، ومنها كفر النفاق، وليس محصورًا في كفر التكذيب فقط، فكون الإنسان يكذب فقد وقع في الكفر، ولكن كفر الجحود غير كثير؛ وذلك أن الله جل وعلا أيد رسله بمعجزات ودلائل باهرة يلزم منها أن يصدق رسوله، وأن يكون صادقًا، أما إذا كان التكذيب عنادًا وجحودًا فهذا شيء آخر، والتكذيب بمجرد أنه ما تبين له قليل في الكفار.
والمقصود: أن الكفر أنواع، وليس محصورًا في كفر التكذيب، وهناك أنواع كثيرة ذكرها الفقهاء في كتب الفقه في كتاب سموه (حكم المرتد)، والمرتد: هو الذي ترك دين الإسلام بعدما كان مسلمًا، فذكروا أشياء كثيرة، ولاسيما كتب الأحناف فإنهم توسعوا في هذا كثيرًا، وبعض العلماء جمع شيئًا مما ذكره الفقهاء في كتب مستقلة، مثل ابن حجر الهيتمي، فإنه له كتاب سماه (الإعلام بقواطع الإسلام)، وهو مطبوع، ذكر أنواعًا كثيرة جدًا إذا فعلها الإنسان صار كافرًا، نسأل الله العافية! ونقل كلام العلماء في ذلك، ومنها كتاب (الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة) وغير ذلك من الكتب.
[ ٢٧ / ٩ ]
الشروط بين المسلمين والكفار ينظر فيها إلى المصلحة
السؤال
هل يجوز الاستدلال بصلح الحديبية على أنه من جاء من عند الكفار إلينا وهو مسلم أن نرجعه إليهم في هذا العصر؟
الجواب
على كل حال هذه الشروط التي شرطها الرسول ﷺ لاشك أنها سنة، إلا الشيء الذي يثبت أنه خاص به صلوات الله وسلامه عليه، ولكن ينظر إلى المصلحة، والرسول ﷺ عرف أن هذا لا يتم، ولهذا لما جاء أبو جندل يرسف في حديده، طالب به والده، فروجع فأبى، فنفذ الأمر، وهو شرط معتبر، ثم إن الذين جاءوا إليه ﷺ وأرجعهم كونوا لأنفسهم عصابة حرب، وصاروا يحاربون قريشًا، ولا يتركون لها شيئًا يخرج إلا أخذوه، وفي النهاية طلبت قريش من الرسول ﷺ أن يؤويهم وأن يأخذهم ويفكهم منهم، فالرسول ﷺ يعلم بالوحي الذي يوحيه الله إليه ما لا يعلم غيره، ولكن إذا قدر أن مثل هذه الشروط وقعت بين إمام المسلمين وبين الكفار فمرجعها النظر إلى المصلحة.
[ ٢٧ / ١٠ ]
الفرق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة
السؤال
هل يوجد فرق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة؟
الجواب
الفرقة الناجية هي الطائفة المنصورة، ولكن قد تكون ناجية بلا نصر، يعني: تنجو وإن كانت مقتولة، ولا يستلزم أن يكون لها نصر؛ لأن الإنسان قد يثبت على حق فيقتل فيكون ناجًا، ولا يلزم أن يكون منصورًا على الكفار، فالنصر في الواقع هو الثبات على الدين.
فكون الإنسان يثبت على دينه حتى يلاقي ربه فهذا هو النصر.
[ ٢٧ / ١١ ]
الذين يدخلون الجنة بغير حساب ليسوا معينين من طائفة بعينها
السؤال
ورد في الحديث أن سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، فهل هؤلاء كلهم من الصحابة؟
الجواب
ليس لازمًا، والله أعلم بهم، ومثل هذا لا يوجد فيه نص على أنهم كلهم من الصحابة، ولا أنهم من غير الصحابة.
[ ٢٧ / ١٢ ]