أهل السنة والجماعة يحبون جميع أصحاب رسول الله ﷺ ويترضون عنهم؛ لأن الله قد رضي عنهم، ويكفون عما شجر بينهم، ولا يذكرونهم إلا بالجميل، وينشرون فضائلهم، ولا يروون مثالبهم، وينزلونهم منازلهم، ويعرفون لأهل الفضل والسبق منهم فضله وسابقته.
[ ٢٩ / ١ ]
الكلام على الخلفاء الراشدين وخلافتهم وبعض من شهد له الرسول بالجنة
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رحمة واسعة: [وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي ﷺ، بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة.
ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ كالعشرة، وثابت بن قيس بن شماس وغيرهم من الصحابة.
ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بـ عثمان، ويربعون بـ علي ﵃ كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة.
مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄بعد اتفاقهما على تقديم أبي بكر وعمر - أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان وسكتوا، وربعوا بـ علي، وقدم قوم عليًا، وقوم توقفوا.
لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي، وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي ضللوا فيها مسألة الخلافة؛ وذلك لأنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله.
ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي) وقال أيضًا للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم، فقال: (والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي)، وقال ﷺ: (إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) .
ويتولون أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصًا خديجة ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية، والصديقة بنت الصديق ﵂ التي قال فيها النبي ﷺ: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) .
ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، ومن طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل] سبق أن من أصول أهل السنة سلامة ألسنتهم وقلوبهم من الطعن في صحابة الرسول ﷺ، ويعتقدون أنهم أفضل الأمة؛ لأنهم صحبوا رسول الله ﷺ وتلقوا الإيمان والعلم عنه ﷺ، وتربوا على يديه صلوات الله وسلامه عليه، فكانت لهم الميزة عن غيرهم لمناصرتهم الرسول ﷺ ومصاحبتهم له، وتلقيهم عنه.
وهذا مما خص الله جل وعلا به أهل السنة، وهذا ليس عن رأي رأوه أو مذهب تمذهبوا به من عند أنفسهم، أو على مستوى عقول أو أقيسة، وإنما ذلك اتباع لكتاب الله جل وعلا وسنة رسوله ﷺ، وقد قال الله جل وعلا في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] يعني أن الذين جاءوا بعد الصحابة يجب أن تكون صفتهم هذه: أنهم يستغفرون للصحابة ويتولونهم، ويسألون الله جل وعلا ألا يكون في قلوبهم غل لهم وحقد عليهم؛ لأن هذه صفة غير المؤمنين، بل صفة الذين يكونون خارجين من الإيمان، كما قال الله جل وعلا: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]، ولهذا قال الإمام مالك وغيره من السلف: كل من غاظه شأن الصحابة فهو ليس من المؤمنين.
وكذلك النصوص التي جاءت في كتاب الله في الثناء عليهم بقوله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠] إلى آخر الآية، وقوله جل وعلا: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] إلى آخر الآية، في آيات كثيرة.
وكذلك في أحاديث رسول الله ﷺ، فإنه كان يذكر فضلهم ويحذر من الكلام فيهم، بل صار في آخر حياته صلوات الله وسلامه عليه يكرر ذلك، ويقول: (الله الله في أصحابي! لا تتخذوهم غرضًا، فإن من أحبهم فإنما أحبهم بحبي، ومن أبغضهم فإنما أبغضهم ببغضي)، وغير ذلك مما يذكره ﷺ.
كذلك مما ينوه بفضلهم قوله ﷺ: (خير القرون الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) فجعل خير الناس وخير الأمة هم صحابته ﷺ.
ولهذا كل من تكلم فيهم بمسبة أو لعن أو تحقير لشأنهم فإنه يكون خارجًا عن سبيل المؤمنين، والله يوليه ما تولى، ومن تولى غير سبيل المؤمنين فقد توعده الله جل وعلا بأن يصليه جهنم.
[ ٢٩ / ٢ ]
أقسام الأخبار التي جاءت في خلاف الصحابة فيما بينهم
ومن طريقة أهل السنة والجماعة: أنهم يتميزون عن غيرهم من أهل البدع والضلال وأهل الانحراف، في موقفهم مما حدث بين صحابة الرسول ﷺ في زمن الفتن التي أخبر بها الرسول ﷺ، ويقولون الأمور التي جرت بين الصحابة ثلاثة أقسام: القسم الأول: رواه أهل الكذب مثل أبو مخنف، ومثل الكلبي وأمثالهم الذين يذكرون الأخبار ويزيدون فيها، وهذا لا يجوز تصديقه، لأن رواته كذبة عرفوا بالكذب.
القسم الثاني: مزيد فيه عن الواقع أو منقوص منه، وهذا يجب أن يمحص وينظر فيه على أصول أهل السنة، فما كان فيه من زيادة فتنفى، وما كان فيه من نقص فإنه يثبت النقص حتى يأتي على وجهه.
القسم الثالث: الثابت عنهم، ولهم فيه أعذار، وهم مجتهدون فيه، فهم لا يخلون إما أن يكونوا لهم فيه أجران لأنهم أصابوا، أو أن لهم أجرًا واحدًا على اجتهادهم وخطؤهم مغفور.
هذا هو قول أهل السنة، ولا يطلقون ألسنتهم فيهم، بل يكرهون الخوض في ذلك أشد الكراهة، ويقولون: لا يجوز أن يخاض في الأمور التي جرت؛ لأنها لا تخلو من هذه الأشياء، وأكثر الناس لا يميز بين الحق والباطل، فإذا قرأها لا يكاد يسلم من الإحن ومن الحقد ومن الأمور الباطلة؛ لأن هذه أوجدها أعداء الله، ولهذا يقول الإمام أبو زرعة: إذا رأيت الإنسان يقع في صحابة الرسول ﷺ فاعلم أنه زنديق.
وذلك أن الله حق، وكتابه حق، والرسول حق، والرسول ﷺ جاء بالكتاب وجاء بالوحي فتلقاه عنه صحابته، فهم الذين بلغوه عن الرسول ﷺ، والطاعن فيهم يريد أن يطعن في الإسلام، فيطعن فيهم لأنهم هم الواسطة بين الأمة وبين نبيهم ﷺ، فيجب أن يُحذر ويُعلم ذلك.
[ ٢٩ / ٣ ]
فضل أهل بدر وبيعة الرضوان
ثم مع هذا أهل السنة يرون أن الصحابة يتفاضلون، وأن بعضهم أفضل من بعض، فأهل بدر أفضل ممن لم يشهدها، وكذلك أهل بيعة الرضوان؛ لأن النصوص جاءت فيهم، وقد ثبت أن الرسول ﷺ قال: (إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وقال ﷺ: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل)، وصاحب الجمل الأحمر هو الجد بن قيس الذي اختفى عن البيعة، وكان منافقًا معروفًا، وعمر ﵁ استأذن النبي ﷺ حينما بعث حاطب بن أبي بلتعة بالكتاب إلى قريش يُعْلِمهم بمسير النبي ﷺ إليهم، فقال له: دعني أضرب عنقه؛ فإنه منافق، فنظر إليه الرسول ﷺ وقال: (وما يدريك؟ إنه شهد بدرًا، وإن الله جل وعلا قال لأهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وقال غلام له: إن حاطبًا سيدخل النار.
قال: (كلا؛ إنه قد شهد بدرًا وبايع تحت الشجرة) .
والله جل وعلا يقول: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد:١٠] إلى أن قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]، يعني: كل الصحابة وعدهم الله جل وعلا الحسنى، والحسنى هي الجنة، ولهذا قال الإمام ابن حزم ﵀: هذه الآية تدل على أن الصحابة كلهم في الجنة، لأنه جل وعلا قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]، وقد توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ.
ومع هذه النصوص وأضعافها كثير جدًا إلا أن أهل السنة لا يشهدون لمعين بأنه من أهل الجنة إلا من شهد له رسول الله ﷺ، كالعشرة الذين بشرهم الرسول ﷺ بالجنة، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير بن العوام، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأبو عبيدة.
وكذلك ممن شهد لهم النبي ﷺ بالجنة عبد الله بن سلام، وكذلك الحسن، والحسين، وكذلك ثابت بن قيس بن شماس، وكذلك عكاشة بن محصن فإنه ثبت أن الرسول ﷺ لما ذكر السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قام فقال: (يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم)، فهذه شهادة له بأنه من السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وكذلك غيرهم ممن ثبت به النص عن النبي ﷺ.
أما ما عدا ذلك فإن أهل السنة يرجون للمؤمنين الجنة، ويخافون على الفاسقين من المؤمنين أن يدخلوا النار، ولا يشهدون لأحد أنه من أهل الجنة، ولا بأن هذا الشخص بعينه من أهل النار، من مجرد أنه عمل معاصي أو أنه مات عليها، إلا أن يكون قد مات مشركًا أو مات كافرًا، فإن من مات مشركًا أو كافرًا فإنه مقطوع قطعًا لأخبار الله جل وعلا وأخبار رسوله بأنه من أهل النار.
وأهل بدر كان عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر، وأما أهل الحديبية فكانوا ألفًا وأربعمائة أو ألفًا وخمسمائة؛ يزيدون عن الأربعمائة وينقصون عن الخمسمائة.
وقوله جل وعلا: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد:١٠]، يرى أهل السنة أن الفتح هو غزوة الحديبية، وفيها نزلت سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، وهذا هو قول الصحابة رضوان الله عليهم، وإن كان ابن كثير يقول: إن الجمهور يرون أن الفتح هو فتح مكة، ولاشك أن فتح مكة فتح عظيم، لكن الفتح الذي ذكر في هذه الآية: ﴿مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد:١٠] هو غزوة الحديبية وليس فتح مكة، وهذا أمر ظاهر وواضح من الأدلة.
[ ٢٩ / ٤ ]
فضل أبي بكر ﵁
قوله: (ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر) ﵁)، هذا ذكره لأن علي بن أبي طالب اُتخذ ذريعة يُرمى من خلفه صحابة الرسول ﷺ بكل باطل، بل بالكفر والضلال، فذكر أنه ثبت عنه من أكثر من ثمانين وجهًا بعضها في الصحيحين وبعضها في كتب العلماء من المسانيد والسنن -أنه قال: (خير هذه الأمة أبو بكر ثم عمر)، وفي بعضها: (ولو شئت لقلت الثالث، فقيل له: أنت؟ فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين) .
هذا ثابت عنه ﵁.
وهناك نصوص كثيرة ثابتة في الصحيحين وغيرهما: أن أبا بكر هو أفضل الأمة، وهو أحب الناس إلى رسول الله ﷺ؛ ولهذا ثبت من طرق متعددة أن رسول الله ﷺ قال: (لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن الله اتخذني خليلًا) .
وكذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن عمرو بن العاص أنه سأل رسول ﷺ فقال له: (يا رسول الله! أي الناس أحب إليك؟ فقال: عائشة.
فقال: من الرجال؟ قال: أبوها)، والأحاديث في تفضيل أبي بكر وتقديمه كثيرة جدًا، والله جل وعلا ذكر في كتابه أنه صاحب النبي ﷺ فقال: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ﴾ [التوبة:٤٠]، فهو صاحبه في الغار، وصاحبه في الهجرة، وصاحبه الذي لازمه منذ آمن به إلى أن فارق الدنيا، وكثيرًا ما كان يقول ﷺ: خرجت أنا وأبو بكر وعمر، وأتيت أنا وأبو بكر وعمر، وفعلت كذا أنا وأبو بكر وعمر.
وقد جاء أنه ﷺ كان يحدث أصحابه، فقال: (إن رجلًا كان يسوق بقرة، وبينما هو كذلك إذ ركبها، فالتفتت إليه وقالت: إنا لم نخلق لهذا، وإنما خلقنا للحرث.
فقالوا: سبحان الله! بقرة تتكلم؟! فقال ﷺ: آمنت به أنا وأبو بكر وعمر)، ولم يكن أبو بكر وعمر عنده يومئذٍ.
ومرة كان يحدث ﷺ فقال في حديثه: (بينما رجل كان مع غنمه إذ عدا عليه ذئب فأخذ شاة، فافتكها منه راعي الغنم، فأقعى الذئب على ذنبه، ثم قال: من لها يوم لا يكون لها راعٍ إلا أنا؟! فقالوا: سبحان الله! ذئب يتكلم؟! قال: آمنت به أنا وأبو بكر وعمر، ولم يكن أبو بكر وعمر يومئذٍ في المجلس)، في أشياء كثيرة تدل على أن أبا بكر هو أفضل الصحابة، وكذلك يليه عمر في الفضل.
يقول أنس ﵁ كما في البخاري: (إن أعلمنا برسول الله ﷺ أبو بكر)، لهذا يقول السمعاني ﵀: أجمع من يُعتد بإجماعه من الأئمة أن أعلم الصحابة أبو بكر ثم عمر.
فهو أفضلهم وأعلمهم، وهو أحبهم إلى رسول الله ﷺ، وهذا جاء في أحاديث كثيرة ثابتة.
أما الخلافة فهو خليفة رسول الله ﷺ، وهذا شيء خاص به، أي: كونه خليفة الرسول ﷺ، ولهذا كانت مدته شبيهة بمدة النبوة في زمن النبوة، ولم يقع فيها أي اختلاف وأي إشكال سوى الردة، ولما توفي بعدما أمضى سنتين خليفة وأوصى إلى عمر ﵁ تغير الاسم، فقيل: عمر أمير المؤمنين؛ لأنه لما قيل له: خليفة خليفة رسول الله ﷺ، قال هذا شيء طويل، ولكن قولوا: أمير المؤمنين.
[ ٢٩ / ٥ ]
فضل عمر بن الخطاب ﵁
ثم يليه في الفضل عمر ﵁، وقد سماه رسول الله ﷺ (الفاروق)؛ لأن الله فرق به بين الحق والباطل، وقد جاء في المسند وغيره أن الرسول ﷺ قال: (لو لم أبعث فيكم لبعث عمر)، وثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال: (إنه كان فيمن كان قبلكم محدثون، وإن يكن في أمتي فمنهم عمر) .
وثبت أنه ﷺ قال: (ما سلك عمر طريقًا إلا سلك الشيطان طريقًا غيره)، أي: أن الشيطان كان يفر من عمر ﵁.
وهو الخليفة بعد أبي بكر وبقي في الخلافة عشر سنوات، ثم قتل وهو يصلي، طعنه مجوسي يقال له: أبو لؤلؤة من الحاقدين على الإسلام الذين يتربصون به ويريدون أن يوقفوا مدده، ولكن الأمر ليس في قتل عظماء الإسلام؛ لأن الإسلام دين الله جل وعلا هو يتولى نصره ويتولى نشره في الأرض، فلم يصنعوا شيئًا.
[ ٢٩ / ٦ ]
فضل عثمان ﵁
قوله: (ويثلثون بـ عثمان ﵁) أي: في الخلافة والفضل، ففضلهم على ترتيب خلافتهم، وذلك أن خلافة عثمان ﵁ كانت باتفاق الصحابة، فقد بقوا يتشاورون وقتًا حتى أجمعوا على عثمان ﵁؛ ولهذا يقول أيوب السختياني والإمام أحمد والدارقطني وغيرهم، يقولون: (من لم يثلث بـ عثمان ﵁ في الخلافة والفضل فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار) .
أزرى، أي: احتقرهم وانتقصهم ولم ير لهم رأيًا، وذلك لأن هذا وقع بإجماع المهاجرين والأنصار، فهم أجمعوا على أن يكون هو الخليفة، وله فضائل كثيرة.
[ ٢٩ / ٧ ]
فضل علي ﵁، والخلاف في المفاضلة بين علي وعثمان ﵄
قوله: (ويربعون بـ علي ﵁) أي: في الخلافة والفضل.
ثم إنه ذكر أن مسألة التفضيل بين علي وعثمان مسألة وقع فيها خلاف بين أهل السنة، فمنهم من فضل علي بن أبي طالب ﵁ على عثمان، ولكن تقرر الأمر فيما بعد على أن عثمان هو أفضل.
[ ٢٩ / ٨ ]
الخلافة الراشدة وحكم الخلاف في ترتيبها
وأما الخلافة فليس فيها خلاف أن خلافة الخلفاء الأربعة على الترتيب المذكور، وأنها هي خلافة النبوة؛ لما جاء في المسند والسنن وغيرها، من حديث سفينة مولى رسول الله عن النبي ﷺ أنه قال: (خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تكون ملكًا)، والثلاثون السنة تنتهي بانتهاء خلافة علي ﵁؛ لأن خلافة أبي بكر سنتان، وعمر عشر، وعثمان ﵁ اثنتا عشرة سنة، ثم علي أربع سنوات، ويبقى من الثلاثين قليل كملت بخلافة الحسن بن علي ستة أشهر، ثم بعد ذلك صارت ملكًا، فهذه هي المذكورة في حديث العرباض بن سارية حينما قال: قال رسول الله ﷺ: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)، فالخلفاء الراشدون هم هؤلاء بنص أحاديث رسول الله ﷺ، وهذه عقيدة أهل الحق الذين يتبعون الكتاب والسنة، ومن خالف ذلك فهو من أهل الزيغ والضلال.
وقوله: (إن التفضيل ليس من الأصول التي يضلل بها)، يعني: التفضيل بين الخليفتين علي ﵁ وعثمان؛ لأن فيها نصوصًا، ومن قدم واحدًا منهما على الآخر يستدل بنصوص من أحاديث الرسول ﷺ، ولكنه رأي مرجوح؛ والراجح خلافه، وفرق بين الشيء الذي يكون مرجوحًا ويكون ضعيفًا، وبين الشيء الذي يضلل به الإنسان إذا سلكه، ويكون ضالًا من أهل الضلال، فالذي يكون به التضليل هو مسألة الخلافة، فالذي يقول مثلًا: إن الصحابة اغتصبوا الخلافة من علي، وكتموا وتمالئوا على الكذب والكتمان، بل وكفروا فلم يبق منهم إلا قليل، فهناك فرق بين من يقول هذا ومن يقول بالتفضيل.
ثم الذي يقول هذا ليس له أي معتمد، بل يقابله قوم آخرون مثل طائفة يقال لها الراوندية تزعم أن الخليفة هو العباس بن عبد المطلب، وأنه هو الوصي، وقولهم مثل قول الذين يقولون: إن الوصي هو علي بن أبي طالب، وكلها دعاوى، والدعوى لا تعجز أحدًا.
أما إذا كان هناك نصوص يعتمدون عليها فهي مكذوبة على رسول الله ﷺ، أو أنها محرفة وموضوعة، وليس هناك شيء، وإنما هي دعوى، وقد يُؤتى بشيء يُلبس به تلبيس مع أن الأمر في ذلك واضح وجلي.
والرسول ﷺ بقي مريضًا وقتًا وهو يأمر أن يصلي بالناس أبو بكر ﵁، ولما اعترض من اعترض غضب ﷺ على ذلك؛ لأن عائشة ﵂ كرهت أن يكون أبو بكر هو الذي يصلي بالناس بعد رسول الله ﷺ؛ لأنها قالت: لا يقوم رجل بعد رسول الله ﷺ فيكون بمنزلة النبي ﷺ، بل يتذكر الناس مقام الرسول ﷺ فيكرهون هذا الرجل الذي قام مقامه؛ لأنه لا أحد يصل إلى مرتبة رسول الله ﷺ في قلوب الصحابة رضوان الله عليهم في قلوب الناس.
فكانت تقول له: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل رقيق كثير البكاء؛ إذا قرأ لا يُسمِع الناس من البكاء، لو أمرت غيره أن يصلي بالناس، ثم ذهبت إلى حفصة وقالت لها: قولي له هذا القول لعله يأمر غيره، فلما قالت له ذلك قال: (إنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس)، وكان يتأكد من ذلك صلوات الله وسلامه عليه.
وثبت أن رسول الله ﷺ قال: (ائتوني بكتاب؛ أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده أبدا) .
فاختلفوا عنده، فمنهم من قال: نأتي بالكتاب، ومنهم من قال: إنه مريض ويخشى أن يكون كلامه هذا ليس كلامًا في تمام عقله وصحته، فلما اختلفوا قال: (قوموا عني، فما أنا فيه خير مما أنتم فيه، ثم بعد ذلك قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم لئلا يقول قائل أو يتمنى متمنٍ، ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر)، فرأى أن ترك الكتابة أولى وأحسن فتركها، وإلا لو أراد أن يكتب فلا أحد يحول بينه وبين كتابته صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا الكتاب لما جاء هكذا مبهمًا قال أهل الباطل: إنه كان يريد أن يكتب وصية لـ علي بن أبي طالب، ولكن عمر حال بينه وبين ذلك، وهذا من الافتراء، فإنه ثبت في بعض الطرق في الصحيح، أنه قال لـ عائشة: (ادعي لي أباك وأخاك، وائتوني بكتاب أكتب له حتى لا يقول قائل ولا يتمنى متمنٍ)، ولكن تبين له أن ترك الكتابة أولى فتركها.
وكذلك ثبت أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقال لها: (ائتيني يوم كذا -يعني فيما بعد-، فقالت: أرأيت إن لم أجدك؟ -كأنها تقول: أرأيت إن متّ؟ - فقال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر) .
وثبت في الصحيح أن الرسول ﷺ رأى رؤيا -وهي وحي- فقال: (كنت على بئر فاستقيت منها ما شاء الله أن أستقي، فجاء أبو بكر ليعقبني فنزع ذنوبًا أو ذنوبين، وكان في نزعه ضعف والله يغفر له)، والذنوب والذنوبان عبارة عن المدة، فإنه بقي بعده سنتان فقط، قال: (ثم جاء عمر وتحولت الدلو غربًا، فلم أر عبقريًا يفري فريه، حتى ضرب الناس -روى الناس- بعطن)، وغير ذلك كثير من النصوص، ولهذا قال بعض أهل السنة: إن خلافة أبي بكر بالنص، ولكنها ليست بالنص الجلي وإنما هي بالنص الخفي، والصواب أنها جاءت الإشارة إليها في أحاديث عن رسول الله ﷺ، ولكن خلافته صارت بمبايعة الصحابة له.
وقوله: (وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة واحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله)؛ أي: للنصوص التي ذكرنا بعضها، وهذا باتفاق أهل السنة خلاف أهل البدع.
[ ٢٩ / ٩ ]
مكانة أهل البيت عند أهل السنة والجماعة
قوله: (ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي» .
أهل بيته هم الذين حرمت عليهم الصدقة، وهم آل عقيل، وآل العباس، وآل علي، وآل الحارث بن عبد المطلب، وكذلك أزواجه صلوات الله وسلامه عليه من أهل بيته، وكذلك بناته، وذريتهم إلى يوم القيامة.
وأهل السنة يحبونهم بمحبة رسول الله ﷺ، ويحفظون فيهم وصيته، ويتولون المؤمنين منهم، أما الكافرون فليسوا له بأولياء كما نص هو ﷺ على ذلك، وقال: (إن آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله جل وعلا والمؤمنون) أي: الذين يتبعون سنته ويقتفون أثره، وآل فلان الذين ذكرهم هم من أقاربه صلوات الله وسلامه عليه.
ومعلوم أن الله جل وعلا أوجب الإيمان على كل عبد، وإذا لم يؤمن فليس بينه وبين الله صلة، حتى ولو كان ابن نبي، فإذا كان كافرًا فهو من أهل النار، والله جل وعلا يقول لنوح ﵇ في ولده: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] فولده الذي هو من صلبه ليس من أهله، وأخبر جل وعلا أن امرأة نوح وامرأة لوط في النار، وأن نوحًا ولوطًا لم يغنيا عنهما من الله شيئًا، فالصلة التي بين العباد وبين الله جل وعلا هي الإيمان، ومتابعة الرسول ﷺ، فأهل بيته الذين يُتولون هم المؤمنون الذين آمنوا بالله وبرسوله ﷺ، ويجب أن يُحبوا بمحبة الرسول ﷺ.
وكذلك يجب أن يُعرف قرابتهم، ويُعرف لهم قدرهم، وتحفظ فيهم وصية الرسول ﷺ بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، ويميزوا عن الناس بقرابة رسول الله ﷺ في الحب والتولي، كذلك أزواجه ﷺ، ويدل على هذا الحديث الذي ذكره هنا، وهذا الحديث ثابت في صحيح مسلم، وغديرخم: موضع قرب الجحفة، وخم: غيضة أشجار مجتمعة أضيف الغدير إليها، والغدير: هو الماء الذي يتجمع في منخفض في الوادي من السيل، وهذا القول كان بعد رجوعه من حجة الوداع، وكان في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، فإنه خطب الصحابة رضوان الله عليهم، وقال لهم: (إنه يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله -فحث على كتاب الله وأمر بالالتزام به- ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله أهل بيتي، أذكركم الله أهل بيتي)، يعني: أنه أوصى بأن يُحفظ لهم حقهم.
وفي رواية ثبتت في الصحيح أنه ﷺ قال في هذا اليوم: (إن عبدًا خيره الله جل وعلا بين ما عنده وبين أن يعطيه من الدنيا ما يريد فاختار ما عند الله) فبكى أبو بكر، فعجب الصحابة لبكائه وقالوا: ما لهذا الشيخ؟ الرسول ﷺ يخبر عن عبد خيره الله جل وعلا بين ما عنده أو أن يعطيه من الدنيا ما يريد فاختار ما عنده فصار يبكي، يقول: فتبين أن العبد هو رسول الله ﷺ، وتبين أن أبا بكر هو أعلم الصحابة برسول الله ﷺ، فهو يخبر عن قرب أجله، وهذا معنى قوله: (يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب) يعني: ملك الموت الذي يقبض الروح، ثم بقي بعد ذلك قرابة ثلاثة أشهر وتوفاه الله جل وعلا.
قوله: (وقال للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم)، والجفاء هو: إظهار الخشونة وعدم التلطف، وعدم إظهار المحبة والمودة، فغضب رسول الله ﷺ وقال: (والله! لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي)، أي: لمحبة الرسول ﷺ.
وعم الرجل هو صنو أبيه، ولهذا كان عمر ﵁ يقول له: (والله! لإسلامك أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم؛ وذلك أن إسلامك أحب إلى رسول ﷺ من إسلام الخطاب) يعني: والده.
فمحبتهم من الإيمان، لأنها من محبة ما يحبه الرسول ﷺ؛ ولأن الله جل وعلا اصطفى بني هاشم من قريش، كما أخبر الرسول ﷺ، والاصطفاء هو: الاختيار، قال ﷺ: (إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)، فهو صفوة بعد صفوة بعد صفوة، ولكن أهل بيته وقرابته لهم حق القرابة، وحق المحبة، وحق التولي زيادة على تولي المسلمين لقرابة رسول الله ﷺ.
[ ٢٩ / ١٠ ]
مكانة أمهات المؤمنين ﵅ عند أهل السنة والجماعة
وكذلك أهل السنة يتولون أزواج رسول الله ﷺ، ويعلمون أنهن زوجاته في الجنة كما أخبر بذلك ﷺ، وقد أخبره الله جل وعلا بهذا، فهن أمهات المؤمنين من جهة تحريم النكاح، ومن جهة وجوب الطاعة والتولي والمحبة، لا من جهة القرابة، أو جهة الإرث، أو جواز النظر، أو جواز الخلوة؛ فإنه لا يجوز شيء من ذلك، وإنما هن أمهات المؤمنين؛ لأنهن يحرمن على جميع المؤمنين بعد رسول الله ﷺ، كما نص الله جل وعلا على ذلك، ولأنهن يجب برهن ومودتهن وطاعتهن في طاعة الله جل وعلا.
وهن زوجاته ﷺ في الآخرة، وقد توفي ﷺ عن تسع زوجات، وأفضلهن خديجة ﵂ وعائشة.
[ ٢٩ / ١١ ]
الخلاف في التفضيل بين خديجة وعائشة وذكر بعض فضائلهن
أهل السنة يختلفون أيهما أفضل خديجة أو عائشة؟ والله أعلم بأفضلهن، ولكن قد جاء لكل واحدة منهما خصائص ليست للأخرى، وجاء لكل واحدة منهن فضائل ليست للأخرى.
فمن خصائص خديجة: كونها أول زوجة تزوجها ﷺ، وقد تزوجها وعمره خمس وعشرون سنة وكانت تزيد عليه في العمر بخمس عشرة سنة، وكل أولاده كانوا منها ما عدا إبراهيم، وكانت تناصره وتساعده وتواسيه، وكلما اشتد عليه أمر يأت إليها فتواسيه وتسليه، وتقول له: (والله! لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتعمل كذا وتعمل كذا) فتذكر من محاسنه وتشجعه وتسليه، وكذلك كانت تساعده في الدعوة بمالها وبنفسها، وكان يحبها ﷺ كثيرًا، حتى إن عائشة ﵂ قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة ولم أدركها، ولكن من كثرة ما يذكرها رسول الله ﷺ، وكان إذا ذبح ذبيحة أهدى إلى صواحبها ما يكفيهن.
وبعث إليها رب العالمين السلام مع جبريل، فقال جبريل للرسول ﷺ: (هذه خديجة قد جاءتك على يدها إناء، فإذا جاءتك فأقرئها من الله السلام)، وهذا شيء من خصائصها لم يشاركها فيه غيرها.
أما عائشة ﵂ فهي الصديقة بنت الصديق، وهي أحب النساء إلى رسول الله ﷺ، كما في الحديث الذي في صحيح مسلم: (أنه لما سئل: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة) والرسول ﷺ لا يداري أحدًا، ولا يخشى إلا الله، ولا يكتم شيئًا، فلهذا لما سئل عن ذلك قال: (أحب الناس إلي عائشة، قيل له: ومن الرجال؟ قال: أبوها) .
ومن خصائصها: كثرة ما تلقته عن الرسول ﷺ من العلم، وما نشرته من الفقه والأحاديث التي سمعتها من رسول الله ﷺ، فهي من المكثرين من الأحاديث عن رسول الله ﷺ.
ومن خصائصها: أن الوحي كان ينزل على رسول الله ﷺ وهو متلحف معها في لحافها.
ومن خصائصها: أن الرسول ﷺ توفي في يومها وهي محتضنة له، فمات صلوات الله وسلامه عليه بين سحرها ونحرها.
ومن خصائصها: أن الله جل وعلا طهرها وذكر براءتها مما رميت به بالوحي الذي أوحاه إلى رسوله ﷺ، وأصبح وحيًا يتلى إلى يوم القيامة، ولهذا يقول العلماء: من رماها بشيء من ذلك فإنه يجب قتله وهو كافر بالله جل وعلا؛ لأنه مكذب لكتاب الله جل وعلا.
وفي الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)، والثريد: هو الخبز إذا أدم باللحم، وهذا هو أفضل الطعام.
[ ٢٩ / ١٢ ]
موقف أهل السنة من الرافضة
قوله: (ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم) .
يعني: أن أهل السنة مذهبهم البراءة ممن يبغض الصحابة ويسبهم، والبراءة معناها: البغض وإظهار العداوة، فأهل السنة يبغضونهم، ويظهرون العداوة لهم، ويتبرءون منهم.
وقد اختلف العلماء في حكم سب الصحابة، فمنهم من يرى أن سبهم كبيرة من كبائر الذنوب، وأما لعنهم فهو كفر بالله جل وعلا، ومعلوم أن هذا مخالف لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهو على كل حال ضلال، ومن فعله فهو ضال.
وتقابل طريقة الرافضة طريقة النواصب، والنواصب: جمع ناصب، وهو: من نصب العداء لأهل البيت، والنواصب يقصد بهم المروانية، وهذه فرقة سياسية كانت تدافع وتكافح لوجود الرئاسات والملك، وانقرضت وانتهت ولا وجود لها.
ومن النواصب الخوارج؛ لأنهم يعادون أهل البيت وبعض الصحابة.
[ ٢٩ / ١٣ ]
الأسئلة
[ ٢٩ / ١٤ ]
حال حديث: (أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ)
السؤال
فضيلة الشيخ: ذكر أن أفضل الأمة وأعلمها أبو بكر الصديق ﵁، فكيف نجمع بين ذلك وبين حديث الرسول ﷺ: (أعلم أمتي بالحلال والحرام معاذ)؟
الجواب
الحديث ليس بصحيح.
[ ٢٩ / ١٥ ]
مارية القبطية ﵂ من أمهات المؤمنين
السؤال
هل مارية القبطية من أمهات المؤمنين؟
الجواب
نعم؛ لأنها كانت سرية تسراها ﷺ ولم يكن يقسم لها، وإنما كان يقسم لنسائه.
[ ٢٩ / ١٦ ]
المقصود بإجماع العشرة
السؤال
إذا قيل: إجماع العشرة، فهل يقصد به العشرة المبشرون بالجنة؟
الجواب
هذا يختلف باختلاف أصحاب الكتب الذين لهم اصطلاحات؛ لأن كل صاحب كتاب له اصطلاح، فإذا ذكر أنه يقصد كذا فيذكر اصطلاحه، وهذا ليس من الأمور العامة.
[ ٢٩ / ١٧ ]
حال حديث: (أنا وأبو بكر كفرسي رهان)
السؤال
هل ورد أن الرسول ﷺ قال: (أنا وأبو بكر كفرسي رهان، لو لم أدرك النبوة لأدركها أبو بكر)؟
الجواب
لم يرد، الوارد كما في المسند وغيره: (لو لم أبعث فيكم لبعث عمر) .
[ ٢٩ / ١٨ ]
فضل الصحبة لا يمكن لأحد إدراكه بعد الصحابة
السؤال
هل أجمعت الأمة على أن من صاحب الرسول ﷺ ولو مدة يسيرة، هو أفضل ممن يأتي بعدهم من التابعين والعلماء إلى قيام الساعة؟
الجواب
نعم؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يدرك فضل صحبة النبي ﷺ، والصحابة أدركوا هذا الفضل، الصحبة تطلق على الرجل إذا لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ولو ساعة، فكل من لقيه مؤمنًا به ومات على ذلك فهو أفضل ممن يأتي بعده، هذا في الجملة.
[ ٢٩ / ١٩ ]
الحسن بن علي ﵄ من الخلفاء الراشدين
السؤال
هل الحسن بن علي يعتبر من الخلفاء الراشدين لأنه كمل الثلاثين؟
الجواب
نعم، وهذا ذكره الرسول ﷺ فقال: (ابني هذا سيد، وسيصلح الله جل وعلا به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين)، وفي رواية: (لعل الله أن يصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين)، وكلمة (لعل) في كلام الله وكلام الرسول ﷺ يقول العلماء: إنها للوجوب، وإنها تقع، وليست للتعليل أو الترجي.
[ ٢٩ / ٢٠ ]
زوجات النبي ﷺ في الآخرة
السؤال
ذكر بأن زوجات الرسول ﷺ في الدنيا هن زوجاته في الآخرة، فهل للرسول ﷺ زوجات من الحور العين؟
الجواب
الرسول ﷺ أفضل الخلق لا يسأل عما له، فإن هذا شيء لا يدرك.
[ ٢٩ / ٢١ ]
قبول صلاة من صلى أمام الإمام
السؤال
من صلى أمام الإمام هل تقبل صلاته؟
الجواب
القبول عند الله ولا أحد يعرف هل صلاته قبلت أو ما قبلت، وإنما الإنسان إذا جاء بالعبادة بشروطها وبأركانها فيرجو أن الله يقبل ذلك منه، ويخاف أن الله يردها، فيجب أن يكون بين الخوف والرجاء دائمًا، أما أنه يجزم بأنها قبلت صلاته فهذا لا يمكن إلا بوحي يوحيه الله جل وعلا.
[ ٢٩ / ٢٢ ]
حكم خلع لباس الإحرام قبل التقصير أو الحلق
السؤال
رجل اعتمر ولم يقصر إلا بعد أن خلع لباس الإحرام وارتدى ثيابه المخيطة فما حكم ذلك؟
الجواب
هو أخل بذلك، ولكن ما دام أنه قد قصر فيكفيه هذا.
[ ٢٩ / ٢٣ ]