القرآن الكريم والسنة النبوية وحي من الله تعالى، فهما متفقان لا يخالف أحدهما الآخر، وتأتي السنة مبينة ومفسرة وموضحة لما في القرآن، فيجب الإيمان بالسنة وما ورد فيها كما يجب الإيمان بالقرآن وما ورد فيه، ومن ذلك: إثبات أسماء الله تعالى وصفاته على ما وردت في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.
[ ٨ / ١ ]
منزلة السنة
يقول المصنف ﵀: [(فصل): ثم في سنة رسول الله ﷺ، فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه، وما وصف الرسول به ربه ﷿ من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها، فمن ذلك قوله ﷺ: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) متفق عليه.
وقوله ﷺ: (لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته) الحديث متفق عليه.
وقوله ﷺ: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخلان الجنة) متفق عليه.
وقوله: (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره ينظر إليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب) حديث حسن.
] .
مضى في ما ذكره المؤلف ﵀ من صفات الله جل وعلا وأسمائه من القرآن، ولم يستقص وإنما ذكر أمثلة؛ لأن النهج والطريق واحد، ويكفي النوع عن الاستقصاء والإكثار، ثم بعد ذلك ثنى بذكر سنة المصطفى ﷺ، وذلك أن القرآن وأحاديث الرسول ﷺ كلاهما وحي، ولا يخالف أحدهما الآخر، بل السنة تبين وتفسر وتوضح القرآن.
[ ٨ / ٢ ]
السنة بيان للقرآن
الواقع أن السنة مع القرآن أقسام ثلاثة: الأول: قسم يأتي بإيضاحه وبيانه وتفسيره، وهذا كثير جدًا، فإن الله جل وعلا أمرنا بالصلاة، وأمرنا بالزكاة، وأمرنا بالصوم، فبين لنا رسول الله ﷺ الصلوات وأوقاتها وعددها، وعدد ركعاتها، وكذلك الزكاة وغيرها مما جاء مجملًا في القرآن، وهذا الذي أخبر الله جل وعلا عنه أنه أنزل إليه الكتاب ليبين للناس ما نزل إليهم، وقد قرن ربنا جل وعلا في مواضع متعددة: «الكتاب والحكمة»، والحكمة فسرت بأنها السنة.
الثاني: ما يأتي مطابقًا لقول الله جل وعلا: فيكون ذلك من توارد الأدلة واتفاقها.
يعني: يأتي مطابقًا تمامًا ليس فيه زيادة ولا نقص، وهذا أيضًا موجود بكثرة.
الثالث: ما يأتي مؤسسًا لشيء لم نعرفه من كتاب الله وآياته، وإنما يقوله الرسول ﷺ، ويكون الكتاب دل عليه في الجملة فقط، كما لعن عبد الله بن مسعود الواصلة والمستوصلة، فقيل له في ذلك فقال: (ومالي لا ألعن من لعنه الله ورسوله، فقيل له: أين لعن الله جل وعلا في كتابه للواصلة والمستوصلة؟ فقال: في قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧] وقد لعن رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة) .
[ ٨ / ٣ ]
وجوب الإيمان بالسنة الصحيحة
كل ما جاء به الرسول ﷺ فقد أمر الله جل وعلا بقبوله، وقد سلك السلف الصالح طريقة ابن مسعود حيث يستدلون بآيات الله ثم بأحاديث رسوله ﷺ، كما فعل الإمام أحمد والبخاري وغيرهما ممن سبقهما وممن أتى بعدهما ممن يسلك هذا الطريق، بخلاف أهل البدع فإنهم لا يقبلون أحاديث رسول الله ﷺ، ويزعمون أنها أخبار آحاد، إلا أن تكون متواترة، وهذا مع الأسف قد تعدى إلى بعض من يشتغل بالحديث، وممن يحسب من أهل السنة، وإن كان عن اجتهاد، ولكنه اجتهاد غير مفيد، بل هو خطأ محض، مثل ما يذكر بعض من يشتغل في شروح الأحاديث -بل ويشتغل في نقل السنة- أنه لا يقبل من السنة إلا ما كان متواترًا، وهذا تأثر بأهل البدع، وهذا المسلك سلكه جماعات، وبعضهم يعد من كبار العلماء، مثل الخطابي عفا الله عنا وعنه، فإنه ذكر في شرحه للبخاري أشياء من هذا القبيل، مع أنه ذكر في غير شرحه للبخاري قواعد لم يدل عليها كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ، فأنكر ما دلت عليه أحاديث الأفراد، مثل حديث ابن مسعود الذي فيه ذكر الأصابع، مع أنه حديث متفق عليه، فنص على أنه لم يدل على الأصابع كتاب ولا سنة، هكذا قال، وقصده السنة المتواترة، والمقصود: التمثيل فقط، وأن هذا من نهج أهل البدع، فيجب أن يقبل الحديث عن النبي ﷺ إذا كان صحيحًا أو حسنًا؛ فإن الحسن من أقسام الصحيح، والصحيح هو ما توافر فيه شروط خمسة كما هو معروف عند أهله: أن ينقله العدل عن مثله، وأن يكون السند متصلًا، وألا يكون فيه شذوذ ولا علة.
وشروط الحسن هي نفسها، إلا أنه يكون من نقلها أخف ضبطًا ممن ينقل الحديث الصحيح، وهذا الحسن لذاته، أما الحسن لغيره فهو أن يختل فيه شرط، ولكنه ينجبر لكثرة طرقه كما هو معروف، وكل هذا مقبول عند أهل السنة، ولا فرق بين كون الحديث جاء بهذه الصفة وكان يدل على أحكام تتعلق بأفعال المكلفين، أو يدل على علم وعقيدة، لا فرق بين هذا وهذا، ويجب أن يقبل الجميع، وأهل السنة لا يفرقون بين العقائد وبين الفروع والأحكام في علم السند، إنما عندهم كل دليل من حديث رسول الله ﷺ دل على شيء من العلم سواء كان من الفروع أو من الأصول وجب قبوله.
قوله: (فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه)، هذه ألفاظ مترادفة.
تفسره: التفسير هو الإيضاح والكشف والبيان.
والتبيين: تبينه؛ لأنه يكون مجملًا في بعض الأماكن فتبينه.
وسنة الرسول ﷺ هي أقواله وأفعاله وتقريراته، فإذا أقر إنسانًا على فعل من الأفعال فإن ذلك يعد سنة، ويكون من هذا النوع، إما مبينًا ومفسرًا موضحًا أو يكون مطابقًا كما سبق، أو يكون أصلًا أثبت فيه ما لم يثبت في كتاب الله جل وعلا، ويدل على هذا ما رواه أهل السنن من قوله ﷺ: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)، فالكتاب هو القرآن، ومثله: أحاديثه التي يوحيها الله جل وعلا إليه، وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] .
وقد اشتغل العلماء في بيان ذلك وإيضاحه، ففرقوا بين الوحيين تفريقًا لا يؤثر في القبول أو في إثبات الأحكام والعقائد، وإنما الفرق من ناحية أن كلام الله جل وعلا معجز، ومتحدى به، ومتعبدٌ بتلاوته، أما أحاديث رسوله ﷺ فليست كذلك.
[ ٨ / ٤ ]
وجوب العمل بالحديث الصحيح
قوله: (وما وصف الرسول ﷺ به ربه ﷿ من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول) قوله: (تلقاها أهل المعرفة بالقبول) يقصد بهذا: أهل الحديث، فلا عبرة بقول غيرهم الذين ينكرونها وليسوا من أهل المعرفة، ولا عبرة بمن يقبل كل حديث وإن كان ضعيفًا، وإنما العبرة بأهل المعرفة، أي: معرفة الرجال والأسانيد، الذين يميزون بين المقبول وغير المقبول، فإذا حكم إمام من أئمة أهل الحديث أن هذا الحديث صحيح أو أنه حسن وجب العمل به.
[ ٨ / ٥ ]
وجوب الإيمان بآيات وأحاديث الصفات على ظاهرها
قوله: (وجب الإيمان بها كذلك)، (كذلك): يعني: مثلما سبق في وجوب الإيمان بما وصف الله جل وعلا به نفسه في كتابه من غير تمثيل ولا تعطيل، ومن غير تحريف ولا تكييف.
يعني: يجب أن يؤمن به بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف، بل يقبل النص على ظاهره كما قاله الله جل وعلا وكما قاله صلوات الله وسلامه عليه، وهذا هو الواجب لأمور: الأول: أن الله جل وعلا خاطبنا بلغة فصحى، وخاطب قومًا فصحاء بلغاء يعرفون اللغة، ولم يخاطبهم بألغاز وأحاج وكلام غريب، وهذا هو الخطاب الذي يقصد به القبول.
الثاني: أن المتبادر هو الظاهر، فلا يجوز أن نعدل عنه.
الثالث: أننا أمرنا بقبول ذلك وأخذه.
الرابع: أن الله كلف رسوله ﷺ بالبيان، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧]، والرسول ﷺ لم يأت عنه كلمة واحدة في أن -مثلًا- يد الله نعمته، أو أن استواءه على عرشه استيلاؤه على خلقه، أو أن رجله نوع من الخلق، أو أن رحمته ثوابه وما أشبه ذلك، ما جاء شيء من ذلك ولا في حديث ضعيف، وهذا يعطينا الثقة بأن المقصود هو الظاهر.
الخامس: أن الصحابة الذين تلقوا ذلك عنه صلوات الله وسلامه عليه لم يعرف عنهم شيء لا بأفعالهم ولا بأقوالهم يدل على أنهم فهموا من خطاب الله وخطاب رسوله ﷺ غير الظاهر، وهم أولى بالحق وأجدر به كما شهد لهم ربنا جل وعلا، وشهد رسوله ﷺ بأنهم خير القرون، وأنهم أفضل الأمة، بل الله اختارهم له إلى غير ذلك من الأوجه.
أما السنة فنقول أيضًا: إن الظاهر الواجب قبول ظاهر اللفظ على ما يفهم من لغة العرب، هذا الواجب ولا يجوز العدول عن ذلك؛ لما سبق، ولأن الله جل وعلا بعث رسوله ﷺ بأفصح الكلام، وهو أفصح الناس وأقدرهم على البيان، وهو صلوات الله وسلامه عليه شفيق على أمته، حريص على هدايتهم، ومع هذه الأمور لا يمكن إلا أن يبين ويوضح صلوات الله وسلامه عليه، وهذا أمر واضح وجلي لا يخفى، ولكن من أشرب قلبه البدع والهوى واتباع الباطل فإنه قد يعمى عن الأمور الظاهرة الجلية الواضحة.
[ ٨ / ٦ ]
إثبات صفة النزول
قال: (مثل قوله ﷺ: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)، جاء بالنصب: فأغفر له، فأستجيب له، فأعطيه، وجاء بالرفع.
أما النصب فهو على جواب الطلب كما هو معروف، وأما الرفع فهو على الاستئناف، وكلاهما صحيح، وكلاهما روي به الحديث؛ فلهذا تجده في بعض كتب الحديث مرفوعًا، وفي بعضها منصوبًا، وكله صحيح.
وهذا من الكلام الفصيح الجلي الظاهر، وتأويله يكون تحريفًا.
فالنزول في اللغة: هو الإتيان من العلو إلى ما هو أسفل، ولا يفهم منه إلا هذا، والنزول هنا أسند إلى الله جل وعلا: (ينزل ربنا) هكذا يقول الرسول ﷺ.
(ينزل ربنا) فينزل: فعل مضارع، والفاعل هو الرب جل وعلا، فالتكلف بل التحريف بأن النازل شيء آخر رد لكلام الرسول ﷺ، كفعل أهل التأويل مثل الأشاعرة وأساتذتهم وقدوتهم من المعتزلة ممن يقبل الحديث، وإلا فكثير منهم لا يقبله.
المؤولة يقولون: (ينزل أمره)، أو (تنزل رحمته)، أو (ينزل ملك) وما أشبه ذلك، وهذا باطل، والحديث يبطله من وجوه عدة: الوجه الأول: أن النزول هنا مغيّا بغاية، وهو آخر الليل، ومن المعلوم عقلًا وشرعًا أن أمر الله ينزل دائمًا ليس في آخر الليل فقط، بل ينزل في الليل والنهار وفي أوله وآخره ووسطه، وفي كل وقت أراد الله جل وعلا، وهذا الوجه واضح وجلي.
الوجه الثاني: أنه لا يعقل أن الأمر يقول: من يدعوني فأستجيب له! ولا الرحمة تقول ذلك إلى آخره، فهذا باطل قطعًا، وكذلك الملك لا يمكن أن يقول: من يستغفرني فأغفر له، من يسألني فأستجيب له، لا يمكن أن يقول هذا الملك ولا أحد من الخلق، فتعين أن يكون النازل والقائل هو الله جل وعلا لا غيره، وهذا واضح أيضًا وجلي.
الوجه الثالث: أنه جعل النزول إلى سماء الدنيا، وأمر الله ينزل إلى الأرض وإلى كل مكان ورحمته وملائكته كذلك، فدل هذا على أن التأويل باطل.
الوجه الرابع: أن مذهبهم يبطل تأويلهم، وهو أنهم أنكروا علو الله جل وعلا.
إذًا: أمره من أين ينزل وهو في كل مكان؟! عندهم أن الله في كل مكان تعالى الله وتقدس، فمن أين ينزل الأمر؟! فلا بد أن يكون المذهب باطلًا حتى يصح تأويلهم، وكل ذلك باطل، إلى غير ذلك من الأوجه الكثيرة التي أوصلها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى ما يقرب من أربعين وجهًا في شرح هذا الحديث، وكلها تبطل التأويلات، ويكفينا هذه الأوجه.
وقد احتج الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري على أن النازل ملك بالحديث الذي رواه النسائي وقال الحافظ: إنه صحيح، وهو: (أن الله جل وعلا يمهل حتى إذا صار آخر الليل أمر ملكًا فينادي: من يستغفر الله فيغفر الله له؟ من يدعوه فيستجيب له؟) إلى آخره.
وقال: (يتعين أن يكون هذا هو المراد، والأحاديث التي جاءت على خلاف ذلك يجب أن تأول إليه) وبهذا قال الأشاعرة، وكأنه أمر متفق عليه عندهم، والجواب عن هذا من وجوه: الوجه الأول: أن هذا الحديث لا يساوي ما في الصحيحين، وهذا الحديث رواه ما يقرب من ثمانية عشر صحابيًا عن النبي ﷺ، بل قال بعض الحفاظ: إنه متواتر عن رسول الله ﷺ، فكيف يترك ما كان بهذه الصفة بحديث قد تكلم فيه، وضعفه بعض الحفاظ، ثم كيف يحكم على الأحاديث التي بلغت حد التواتر بحديث هذه صفته، فهذا تحكم لا يجوز.
الوجه الثاني: على تقدير صحة ما رواه النسائي ﵀، فإنه لا يخالف هذه الأحاديث الثابتة، فيكون ربنا جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا كما قال ﷺ وأخبر بذلك، ويأمر أيضًا ملكًا أن يقول ذلك، فيكون بذلك اتفاق الأحاديث، ولا يكون فيها خلاف، وليس في هذا أي إشكال.
وقوله: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة) كل ليلة هذا عام في الليالي، ولكن في آخر الليل، وقوله: (حين يبقى ثلث الليل الآخر) (الآخر) صفة للثلث، فالليل ثلاثة أقسام: أول ووسط وآخر، والأمر واضح لا إشكال فيه.
وقوله: (فيقول) يعني: أنه إذا نزل إلى سماء الدنيا يقول: من يدعوني؟ والدعاء -كما سبق- نوعان: دعاء مسألة ودعاء عبادة، ودعاء العبادة أعم، والقراءة والتسبيح والتكبير والصلاة والصوم وغير ذلك هذا كله دعاء عبادة؛ لأن كل من يفعل شيئًا من هذه الأمور يريد بذلك القرب إلى الله والإثابة، ودفع الهم والعذاب، فهو في الواقع داعٍ لربه.
وقوله: (فأستجيب له) يدلنا على أن الداعي يستجاب له ولابد، فمن دعا الله استجاب له، ولكن هذا المفهوم قد قيد بنصوص أخرى: أولًا: أن الله لا يستجيب إلا بمشيئته جل وعلا، فإن الرسول ﷺ يقول: (إذا سألتم الله فاعزموا المسألة فإنه لا مستكره له) .
يعني: أن دعاء الداعي لا يحمله على أن يعطي شيئًا كرهًا، فالأمر بمشيئته، إذا شاء أن يستجيب استجاب، وإن شاء ألا يستجب لا يستجيب.
ثانيًا: أن السائل قد يكون تخلفت الإجابة بسببه هو، بأن يكون يأكل حرامًا، أو يكون قلبه مشغولًا لاهٍ، فإنه جاء في الحديث: (إن الله لا يستجيب من قلب غافل لاه)، أو أنه يكون مستعجلًا؛ فإنه جاء في الحديث: (إن الله يجيب دعوة العبد ما لم يعجل)، أي: ما لم يستجعل، يقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي، فيترك الدعاء.
وقد يؤخر الله جل وعلا إجابة عبده حتى يسمع إلحاحه ودعاءه وابتهاله؛ لأنه جل وعلا يريد ويحب ما ينفع العبد ويقربه إلى ربه جل وعلا كما سيأتي.
وقوله: (من يسألني) قال أولًا: (من يدعوني)، ثم قال: (من يسألني)، وسبق أن الدعاء أعم، والمسألة أخص؛ ولهذا فرق بينهما، فالسؤال هو طلب الشيء المعين الذي يسأل من أمور الدنيا والآخرة، أما الدعاء فهو عام، وقال في الأول: (فأستجيب له)، وقال في الآخر: (فأعطيه) فالدعاء الذي في ضمنه العبادة، أو يشتمل على العبادة يناسبه الإجابة، وأما المسألة فيناسبها العطاء.
وقوله: (من يستغفرني فأغفر له) الاستغفار استفعال، وهو طلب المغفرة، والمغفرة هي: الستر والوقاية.
يعني: أن يستر ذنبه، ويوقى تبعته، فيسأل الإنسان ربه أن يستر ذنبه، وأن يقيه تبعة الذنب الذي كان عليه، وفي ضمن هذا: أن يمحي ذنبه، حتى لا يفتضح به في صحيفته، وقد يبقى ولكن الله يستره كما جاء في الحديث الصحيح من حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين حينما سئل وقيل له: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ فقال: سمعته يقول: (يدني الله جل وعلا عبده المؤمن فيضع عليه كنفه -يعني: ستره- فيقرره بذنوبه.
يقول: عملت يوم كذا كذا وكذا وكذا، فإذا رأى أنه قد هلك قال الله جل وعلا له: أنا سترتها عليك في الدنيا، وأغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفته بيمينه) .
وقوله: (فيضع عليه كنفه) حتى لا يتبين للناس حينما يذكّر بذنوبه تغير الوجه، فإنه يتغير وجهه عندما يرى أنه قد هلك حتى يبشره ربه جل وعلا بمغفرته وستره له، فهذا نوع.
[ ٨ / ٧ ]
الرد على المتكلمين المنكرين لصفة النزول
ونوع: أن الله يبدل السيئات حسنات.
اعترض على هذا الحديث من ناحية الواقع والعقل المتكلمون الرادون لأحاديث رسول الله ﷺ، وقالوا: هذا لا يمكن في الواقع ولا في العقل، قالوا: إننا نشاهد اختلاف الليل، فمثلًا: آخر الليل هنا هو أول الليل لقوم غربنا، وهو نهار لقوم شرقنا، فإذا قيل: إنه ينزل آخر الليل لكل قوم، يلزم من ذلك أن يكون دائمًا نازلًا في الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة.
وهذا باطل.
والجواب عن هذا: أن هذا القول مبني على القياس -أي: قياس أفعال المخلوق المحصور المحدود على أفعال الله جل وعلا- وهذا هو أصل التشبيه وأصل البلاء، وأصل التعطيل أيضًا، فيحصل التشبيه أولًا، ثم ينفى ما وصف الله جل وعلا به نفسه ووصفه به رسوله، ويعطل عن ذلك، فنقول: يصح هذا القول لو كان النازل مخلوقًا محصورًا محدودًا، وإلا فأفعال الله جل وعلا لا يجوز قياسها بمثل هذه الأقيسة التي تكون للمخلوق، فهو على كل شيء قدير، يكلم ويحاسب ويرى المخلوق أنه وحده يكلم وهو جل وعلا يكلم الجميع كلهم في آن واحد، ونزوله من هذا النوع في آن واحد، وإن اختلفت الأوقات والأماكن، فلا يجوز قياسه على ما يكون من فعل المخلوق الضعيف، وقد علم أن الله جل وعلا وسع كرسيه السموات والأرض، وأن الكرسي بالنسبة للعرش صغير جدًا، وأنه جل وعلا فوق عرشه، وهو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، فلا يجوز أن يقاس بشيء محدود محصور.
ثم إن هذا النزول الذي ذكره الرسول ﷺ مثل ما مضى في الآيات: شيء يليق بالله جل وعلا، ولا يجوز أن يكون مثل نزول المخلوق، ولا يجوز أن يعتقد بأنه إذا نزل إلى سماء الدنيا أن شيئًا من السماء الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو الخامسة أو السادسة والسابعة يكون فوقه تعالى الله وتقدس، فهو ينزل إلى السماء الدنيا وهو فوق عرشه عالٍ على خلقه؛ لأنه أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وكذلك يوم القيامة ينزل إلى الأرض وهو فوق عرشه؛ ولهذا اتفق علماء أهل السنة على أن العلو من صفات الذات، وصفات الذات هي الصفات التي لا تفارق الله جل وعلا سبحانه في حال من الأحوال، بل تكون ملازمة له دائمًا وأبدًا، بخلاف صفات الأفعال فإنها تتعلق بمشيئته، إذا شاء فعلها وإذا شاء لم يفعلها، والنزول من صفات الأفعال، أما العلو فهو من صفات الذات.
[ ٨ / ٨ ]
إثبات صفة الفرح
قوله ﷺ: (لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته) الحديث.
هكذا المؤلف ﵀: (الحديث) منصوب، والناصب له شيء مقدر، إما اقرأ الحديث أو أعني الحديث، وفي هذا دليل على أنه يرى جواز اختصار الحديث، وقد أكثر منه الإمام البخاري ﵀ في صحيحه، والقول الصواب الصحيح، أنه يجوز ذلك إذا أمن اللبس، وأمن أن يقال على رسول الله ﷺ مالم يقله: فيجوز أن يختصر على موضع الشاهد، وكثير من العلماء يفعل ذلك، وكأنه شيء اتفقوا عليه، كما أن رواية الحديث بالمعنى أيضًا تجوز على الصحيح بشروط، منها: أن يكون المعنى الذي أدلي به لا يختلف عن المعنى الذي نقل عنه، وأن يكون الذي رواه بالمعنى يعرف ذلك ويفقهه.
والحديث هو في الصحيحين، ولكن في رواية مسلم أشياء ليست في رواية البخاري وتمامه: (الله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته يضلها في أرض مهلكة، عليها متاعه وشرابه، فييئس منها، فيأتي إلى المكان الذي فقدها فيه ويضع رأسه تحت شجرة ينتظر الموت، يقول: أموت هاهنا، فبينما هو كذلك إذا راحلته واقفة على رأسه، فأخذ بخطامها وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) .
[ ٨ / ٩ ]
مسائل في حديث: (لله أشد فرحًا بتوبة عبده)
في هذا الحديث مسائل: الأولى وهي المقصودة: أن الله جل وعلا موصوف بأنه يفرح، وأن فرحه من صفاته تعالى وتقدس، ولكن فرحه ليس كفرح المخلوق؛ لأن فرح المخلوق يليق بضعفه وبفقره أما فرح الله جل وعلا فهو عن غنى وعن رحمة وإحسان، ثم لا يجوز أن يكون الرب جل وعلا والعبد يماثل أحدهما الآخر في شيء من الصفات، وهذا أصل يجب أن يكون بين أعيننا دائمًا، فالله ليس كمثله شيء، لا في صفته ولا في ذاته.
وأصل ثان هو: أن باب الصفات باب واحد، فما قيل في صفة يقال في الصفة الأخرى، لا فرق بين الاستواء والنزول، ولا فرق بين النزول والفرح، ولا بين اليد والعزة، يعني: صفة ذات أو صفة معنى، كلها سواء، فالله يختص بصفاته، والعبد يختص بصفاته وما يليق به.
الثانية: أن فرح الرب جل وعلا بتوبة عبده ليس عن حاجة، فهو غني عن طاعة المطيعين وتوبة التائبين، ولكنها رحمته وفضله وإحسانه، وهذا يدلنا على أنه جل وعلا يكره عذاب العباد، ولكن تعذيبهم إنما هو بأفعالهم وكفرهم ومعاصيهم.
الثالثة: أن هذا يدلنا على فضل التوبة، وأنها محبوبة إلى الله، وكذلك التائب، وأنه تغفر ذنوبه.
الرابعة: أن الإنسان لو أخطأ من شدة فرحه، أو من شدة غضبه أو ما أشبه ذلك، فتكلم -مثلًا- بكلام الكفر لا يكون كافرًا ولا يؤاخذ بذلك؛ لأن قوله: (اللهم أنت عبدي، وأنا ربك) بسبب أنه غلب عليه الفرح، وأصبح لا يميز بين الكلام، ولو اعتقده لكان كافرًا، لكنه لا يؤاخذ بذلك.
وهذا يدل على أن حكاية الكفر ليست بكفر، فإذا حكى الإنسان قول كافر فلا يكفر بذلك.
[ ٨ / ١٠ ]
إثبات صفة الضحك
قال: (وقوله ﷺ: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة) متفق عليه) .
فيه إثبات صفة الضحك لله جل وعلا، وهي صفة كمال كالفرح، وضحكه يليق به تعالى وتقدس ولا يجوز أن يكون كضحك المخلوق، وما يلزم منه أن يكون المخلوق قد فعل شيئًا خرج به عن العادة التي اعتادها فأوجب له الرحمة، والله جل وعلا ضحكه يليق به، والمخلوق يجهل أشياء كثيرة جدًا، والله علّام الغيوب، فضحكه ضحك يخصه ولا يشاركه فيه المخلوق، ولا يجوز أن يكون ذلك، ولا يلزم من ضحك المخلوق نفي ضحك الرب جل وعلا كما يقول أهل البدع: هذا يجب أن يرد ولا يثبت على أصولهم التي سبق أن قررناها.
وفي هذا دليل ظاهر على فضل الشهادة في سبيل الله، وأن الذي يقتل في سبيل الله يدخل الجنة، وأن القتل في سبيل الله يكفر الذنوب، وأن التوبة تمحو كل ذنب حتى القتل، وبهذا يرد على الذين يقولون: (إن القاتل لا توبة له)، ويستدلون ببعض النصوص كقوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣] إلى آخر الآية.
نقول: هذه الآية من النصوص التي يجب أن يوقف عليها ولا تؤول، ولكن لا يعارض بها الثابت من النصوص الأخرى، مثل قوله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، ومثل هذا الحديث ونحوه.
وقد فُسر هذا الحديث تفسيرًا جليًا كما في صحيح مسلم: كيف يقتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة؟ فذكر أنه الرجل يقاتل في سبيل الله فيقتله الكافر، ثم يسلم ذلك الكافر ويقاتل في سبيل الله فيقتل فيدخل الجنة.
وهذا التفسير جاء عن النبي ﷺ وله حكم المرفوع.
[ ٨ / ١١ ]
إثبات صفة العجب
قال: [وقوله ﷺ: (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب خيره) وفي رواية: (ينظر إليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب) حديث حسن، رواه أبو داود وغيره] .
المقصود هنا: إثبات العجب لله جل وعلا، وأنه يعجب، والعجب صفة من صفاته، وقد جاء في قراءة: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢]-بضم التاء- (عجبتُ)، فيكون المقصود: الله جل وعلا، فيكون ذلك مطابقًا لهذا الحديث، ومن توارد الأدلة، والعجب ظاهر ولا يحتاج إلى تفسير، فيجب أن يثبت لله كما قاله الرسول ﷺ، وكما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم، وذكر السبب في قوله: (من قنوط) .
والقنوط هو: شدة الإياس من الشيء، وكون الإنسان ييئس من رحمة الله جل وعلا ليس له وجه لأمور: الأول: أن الله جل وعلا هو الرب، والرب هو الذي يتولى تربية عباده لمصالحهم فلا يضيعهم.
الثاني: أنه الرحمن الرحيم.
الثالث: أن فضله وخيره ملأ السموات والأرض.
الرابع: أنه جل وعلا يستجيب الداعين كما مر إلى غير ذلك من أمور كثيرة كلها تمنع من كون الإنسان يقنط، لهذا قال (عجب ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره)، (غيره) يعني: تغييره الحالة التي أنتم عليها إلى حال أحسن، فإنه قد علم أن مع العسر يسرًا، وأنه ما اشتد أمر إلا وأعقبه الفرج قريبًا؛ ولهذا كان من أمثال العرب: (اشتدي أزمة تنفرجي)، هذا من أمثالهم، كل إنسان يقع في أزمة وفي شدة، وإذا اشتدت انفرجت، وهذه سنة الله جل وعلا في خلقه.
وأما قوله: (وقرب خيره) بالخاء فهذا أيضًا له وجه، وأن خيره قريب من عباده، وقوله: (ينظر إليكم) فيه إثبات النظر لله جل وعلا، وأنه ينظر إلى خلقه، ولا يخفى عليه شيء.
(أزلين) يعني: أنكم في حالة شدة، والأزل هو المشتد، وأمر مشتد، (ينظر إليكم أزلين) يعني: من تأخر المطر.
يعني: في شدة.
وقوله: (قنطين) يعني مستبعدين الخير، آيسين منه.
(فيظل يضحك) هنا: إثبات صفة الضحك.
(فيظل) يعني: يبقى.
وهذا يكون وقتًا دون وقت، فليس دائمًا يضحك، بل يضحك إذا شاء كما أنه يعجب إذا شاء.
(يعلم أن فرجكم قريب) يعني: تغير حالكم التي أنتم عليها قريب.
[ ٨ / ١٢ ]
الأسئلة
[ ٨ / ١٣ ]
الكتاب والسنة ميزان العقيدة
السؤال
كيف نرد على من يقول: إن بعض الحفاظ على غير عقيدة السلف؟ وإذا كان كذلك فكيف نقبل الإيضاح منهم في شرح الأحاديث؟
الجواب
أولًا: ليس كل الحفاظ على عقيدة السلف، والحفظ ملكة يعطيها الله جل وعلا من يشاء، ولا يلزم أن يكون الحافظ على عقيدة صافية.
ثانيًا: الإيضاح والبيان والكلام يجب أن يعرض على كتاب الله ممن قاله، فكل من قال قولًا يجب أن يعرض قوله على كلام الله وكلام رسوله، فإن كان موافقًا لذلك قبل، ليس لأنه قاله فلان، بل لأنه وافق كلام الله وكلام رسوله ﷺ ولو كان القائل عدوًا، ولا يجوز يعرف الحق بفلان وفلان، إذا جاء من فلان قبل، وإذا جاء من الآخر لا يقبل! هذا لا يجوز أن يكون.
[ ٨ / ١٤ ]
نسخ السنة لأحكام القرآن
السؤال
أليس نسخ السنة لبعض أحكام القرآن قسم رابع من من أقسام السنة؟
الجواب
لا.
فالقرآن أيضًا ينسخ بعضه بعضًا، فهذا مثله.
[ ٨ / ١٥ ]
بيان من الفرقة الناجية
السؤال
ما هي الفرقة الناجية؟ وهل يقال لمن خالف ذلك: مبتدع؟
الجواب
الفرقة الناجية لا يحتاج أن يسأل عنها؛ لأن الرسول ﷺ بينها فقال: (من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي)، هذه الفرقة الناجية.
[ ٨ / ١٦ ]
مصادر التشريع
السؤال
ما هي مصادر التشريع؟ وما حكم من أنكر مصدرًا منه؟
الجواب
مصادر التشريع الكتاب والسنة، أما الإجماع والقياس فلا بد أن يستند إلى أصل من الكتاب والسنة، فهذه مصادر التشريع، وإذا أنكر الإنسان كتاب الله وسنة رسوله فالأمر واضح، لا يحتاج إلى أن يسأل عن حكم هذا.
[ ٨ / ١٧ ]
متى يبدأ الثلث الأخير من الليل
السؤال
متى يبدأ الثلث الأخير من الليل بالساعة؟
الجواب
يختلف الليل والنهار، فمرة يطول، ومرة يقصر، فهو مختلف ولا ينضبط بالساعة التي كل وقت له تحديد، لكن ينبغي أن يعرف متى يبدأ الليل، ومتى ينتهي، فإذا عرف ذلك فالأمر سهل، فالليل يبدأ من غروب الشمس وينتهي بطلوع الفجر الثاني، هذا الليل الذي جاء ذكره في الشرع.
[ ٨ / ١٨ ]
وقت الأذان الأول في آخر الليل
السؤال
هل الوقت بين أذان الفجر الأول والأذان الثاني من ثلث الليل الآخر؟
الجواب
إذا كان الأذان قبل طلوع الفجر فهو من آخر الليل.
يعني: من الثلث الأخير.
والأمر واضح، ولا يحتاج أن يسأل عن مثل هذا.
[ ٨ / ١٩ ]
أدب السؤال
السؤال
هل هذه العبارة: (من لم يكفر الكافر فهو كافر) صحيحة؟
الجواب
أولًا: الأسئلة يجب أن تكون من نفس الدرس، ولا تخرج عن الدرس، أما أن تخرج عن الدرس فلا يصلح أن نجيب عليها.
الثاني: السؤال يجب أن يكون في أمر مشكل، يستفهم الإنسان عنه ويريد الإفادة، فإذا كان السؤال ليس كذلك فلا يجوز الإجابة عليه.
[ ٨ / ٢٠ ]
الفرق بين السنة الخلْقية والخُلُقية
السؤال
ما هي السنة الخلْقية؟ وهل يلزمنا التأسي بالنبي فيها؟
الجواب
لا؛ لأن السنة الخلْقية تتمثل في صفاته ﷺ، كونه طويلًا، وكونه كذا وكذا، أما الخُلُقية فهي الصفات التي تخصه، وينبغي للإنسان أن يتشبه به فيها، والشيء الذي يلزم الناس معرفته هو ما يلزمهم العمل به.
[ ٨ / ٢١ ]
تفسير قوله تعالى: (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا)
السؤال
ما هو المراد بقوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر:٢]؟ وهل يحمل على الفعل الحقيقي أم يؤول بإتيان أمره وقضائه؟
الجواب
هذا ظاهر من سياق الآية، ولو فسر بأنه حقيقي لصار باطلًا، فإن هذه السورة تسمى سورة بني النضير، وهم اليهود الذين أنزل الله جل وعلا في قلوبهم الرعب، وقال فيهم جل وعلا: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]، فأتاهم أمره بجند من ملائكته، ورسوله ومن معه من عباد الله، هذا ظاهر الآية، ومثلها قوله جل وعلا: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾ [النحل:٢٦]؛ لأن الله لا يأتي من سيسان الحيطان ومن قواعد الأرض، وهذا هو ما يجب أن يفهم، وهو يدلنا على أنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ لفظًا معينًا على نسق واحد في جميع موارده، بل يجب عليه أن يتعرف على مراد المتكلم من قرائن الأحوال والسياق.
[ ٨ / ٢٢ ]
رؤية الله ﷿ في المنام
السؤال
هل يمكن رؤية الله في المنام، نرجو بيان ذلك؟
الجواب
نعم يمكن رؤية الله ﷿ في المنام، ولكن يجب أن يعلم أن الذي يراه النائم في منامه ليس هو الله وإنما هو مثال يمثل له على حسب ما في قلبه من الإيمان، فإذا كان إيمانه صحيحًا وحسنًا يرى صورة تناسب إيمانه، وإن كان ضعيفًا رأى ما يناسب إيمانه؛ ولهذا لما كان الرسول ﷺ أحسن الخلق إيمانًا قال: (رأيت ربي في أحسن صورة)، يعني: في النوم، والذي رآه صلوات الله وسلامه عليه هو مثال لله جل وعلا حسب ما عنده من الإيمان، وكذلك الحال مع كل نائم.
أما الله جل وعلا فهو لا يرى في الدنيا، كما أن رؤيته في الآخرة لا يصاحبها إحاطة به، وإنما يرى المؤمنون وجهه جل وعلا، ولهذا قال: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣]؛ لأن الإدراك: هو الإحاطة إحاطة بالشيء كما بين القرآن ذلك، فإنه جل وعلا قال في قصة موسى مع فرعون: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١-٦٢]، فبين أن كل جمع كان يرى الجمع الآخر، ومع ذلك نفى موسى ﵇ الإدراك وقال: كلا، فالإدراك غير الرؤية.
[ ٨ / ٢٣ ]
الفرق بين التفويض المحمود والتفويض المذموم
السؤال
ما الفرق بين التفويض المحمود والتفويض المذموم، حيث إن هناك من يستدل بقول الإمام مالك في تفسيره للاستواء، ويقول: هذا هو التفويض؟ فهل هذا صحيح بارك الله فيكم؟
الجواب
التفويض المحمود هو تفويض حقيقة الشيء، أما المعنى فلا يجوز تفويضه، والمطلوب من المسلم في ذلك الفهم والإيمان والعمل، والله جل وعلا يقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢]، وهذا ذم للذين لا يعرفون معاني القرآن، والله لا يخاطبنا بشيء لا يفهم، ولكن الشيء الذي لا يدرك ولا يمكن للعقل استيعابه وإدراكه؛ ومعرفته فهذا الذي يفوض، ومنه حقائق صفات الله جل وعلا، أما المعاني والتي منها كونه ينزل إلى السماء الدنيا، ويأتي إلى الأرض فهذا نعرفه، أما كيفية النزول فهو مما لا يدرك ولا يعرف؛ لأن الكيفية يلزم لها أمران: الأمر الأول: أن تشاهد الشيء حتى تعرف كيفيته، والمشاهدة هنا ممتنعة، فلا أحد يشاهد الله ولا يراه.
الأمر الثاني: أن يكون لهذا المكيف شيء مثله، والله لا مثيل له تعالى وتقدس.
فانتفت الكيفية بهذين الأمرين قطعًا، فالتفويض الجائز: أن يفوض الإنسان حقيقة الشيء إلى الله جل وعلا ويؤمن بالشيء الذي يدركه ويعلمه ويعرفه.
[ ٨ / ٢٤ ]
دراسة العقيدة سبب زيادة الإيمان ومعرفة الرحمن
السؤال
هناك من يقول: إن دراسة العقيدة ليست ضرورية في ازدياد الإيمان ومعرفة الله ﷿، فما حكم ذلك؟
الجواب
نسأل الله العافية! إن هذا الكلام يدل على أن قائله ما عرف الحقيقة؛ لأن الإنسان لن يؤمن إلا بالعقيدة، ولن يزداد إيمانًا إلا بالعقيدة، ولن يعرف ربه إلا بالعقيدة، فالله جل وعلا بعدما أخبرنا أن له الأسماء الحسنى أمرنا أن ندعوه بها، ولا يمكن للإنسان أن يعرف ربه جل وعلا إلا بصفاته، والمؤمنون تتفاوت درجاتهم ويتفاوت إيمانهم في هذا المعنى، فالجاهل الذي يقول: لا معنى لدراسة العقيدة؛ ما عرف الحقيقة من وجوده في الواقع، فيجب عليه أن يجتهد في تعلم ما يتعلق بأسماء الله وأوصافه وأفعاله التي يفعلها؛ لأن الله جل وعلا لا يعرف على الحقيقة إلا بهذه الطريقة، ولا تكون هذه الطريق إلا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فقط، أما مجرد معرفة الآثار التي تكون للصفات فهذا يشترك فيه البهائم والكفار والمؤمنون، مثل: الرزق والرحمة وما أشبه ذلك، فإنها من آثار صفات الله، ويستدل بها أيضًا على ثبوت الصفات، ولكن هذه لا تكفي، فيتعين أن يعرف الإنسان ربه بأسمائه وصفاته وأفعاله من كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله ﷺ؛ ولهذا فإن العلماء يسمون التفقه في الصفات وفي الأسماء الفقه الأكبر، ويقابله الفقه الأصغر الذي هو في أفعال الخلق، وهي الأحكام التي يجب عليهم أن يفعلوها، فيفرقون بين هذا وهذا.
[ ٨ / ٢٥ ]