الوسطية مطلب شرعي وصفة محبوبة اصطفى الله تعالى لها هذه الأمة، وقوامها وحقيقتها العدل واتباع النصوص، وقد حظي أهل السنة باستحقاق هذا الوصف العظيم في العمل والاعتقاد، فهم في صفات الله تعالى وسط بين المعطلة والمشبهة، وفي أفعال العباد وسط بين الجبرية والقدرية، وفي الوعيد وسط بين المرجئة والوعيدية، وفي الصحابة الكرام وسط بين الروافض والخوارج، وفي غير ذلك من أبواب العلم والعمل.
[ ١٥ / ١ ]
أهمية موضوع الصفات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى آتاه اليقين.
أما بعد: فإن باب الصفات من أطول أبواب العقيدة، وهو باب مهم؛ لأنه يتعلق بالله ﷾، ولأن أهل البدع والضلالة خاضوا فيه بالباطل، وانحرفوا فيه عن جادة السلف الصالح رضوان الله عليهم.
فمن هنا كان للحديث فيه أهمية عظيمة ومكانة ومنزلة رفيعة.
ومن جهة أخرى: فإن لصفات الله ﷾ آثارًا تربوية وإيمانية تتعلق بحياة الإنسان، ولهذا فالحديث عنها مهم وله أهمية قصوى.
[ ١٥ / ٢ ]
مفهوم الوسطية
وهذا الباب منطلقه هو قول الله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].
فقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، هذا خبر وأمر فهو خبر من جهة بيان حال الصحابة رضوان الله عليهم وتزكية منهجهم، وأمر لمن يأتي بعدهم بأن يلتزم بهذا المنهج الوسط.
[ ١٥ / ٣ ]
معاني الوسطية
والوسطية لها ثلاثة معانٍ: العدل والخير والتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط.
أما العدل فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب التفسير، في تفسير سورة البقرة، في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، عن أبي سعيد الخدري ﵁ وفي آخره: أن الرسول ﷺ قال: (الوسط: العدل).
وأما الخيرية فإن الوسط في لغة العرب: تطلق على الخير فإذا قيل: هذا أوسط القوم، يعني: أعقلهم وأكثرهم معرفةً وإدراكًا، ومن ذلك قول الله ﷾: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم:٢٨]، في قصة أهل البستان الذي أحرقه الله ﷾ في سورة القلم، قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم:٢٨].
والمقصود: بأوسطهم: يعني: أعقلهم وأخيرهم وأحسنهم وأفضلهم، وكوننا أمةً وسطًا، يعني: من خير الأمم فنحن من ناحية التاريخ آخر الأمم ومن ناحية الخيرية خير الأمم.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب قبلنا) أي: نحن الآخرون زمنًا، والأولون مكانةً يوم القيامة.
وأول زمرة تدخل الجنة هم من هذه الأمة وروي أنهم: المهاجرون فيدخلونها ويتمتعون فيها قبل الناس بأربعين سنة كما روي ذلك في بعض الأحاديث المرفوعة.
وأما كوننا خير أمة، فهذا كما قال الله ﷿: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، تفسر قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] والقرآن كما تعلمون يفسر بعضه بعضًا وأفضل التفسير هو تفسير القرآن بالقرآن؛ لأن الله ﷿ أعلم بمراد نفسه ﷾.
وأما المعنى الثالث وهو: الوسط، بمعنى: المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وقد رجحه بعض أهل العلم، فمن رجحه من المتقدمين ابن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآية، ومن المتأخرين: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في هذا الكتاب.
[ ١٥ / ٤ ]
بيان ما ناله أهل السنة من مضامين الوسطية
والحقيقة: أن كون هذه الأمة أمةً وسطًا يشمل ذلك كله فأهل السنة هم أعدل الناس، وهم أهل العدل وأهل الميزان المستقيم والصراط غير المعوج، وعامة الفرق الضالة ليس عندهم عدل فتجدهم يكفر ويفسق بعضهم بعضًا بالهوى، ولمجرد المخالفة الشخصية، بينما أهل السنة والجماعة لا يتبعون أهواءهم، وإنما يتبعون الدليل والسنة وطريقة الرسول ﷺ، وهذا هو الذي ميزهم عن كثير من الفرق الضالة المنحرفة، فنجد أن المعتزلة مثلًا: كما يقول: أبو المظفر السمعاني ﵀ في كتابه الانتصار لأهل الحديث: (إن ميزة أهل السنة: الجماعة، وميزة أهل البدع: الفرقة والاختلاف) ويقول الشاطبي ﵀ في كتابه الاعتصام: (والتفرق من أخس أوصاف المبتدعة) ويذكر أن البغداديين من المعتزلة يكفرون البصريين، والبصريون يكفرون البغداديين وأن الرجل يكفر أباه، والأب يكفر ابنه، فـ أبو علي الجبائي يكفر أتباع أبي هاشم، وأتباع أبي هاشم يكفرون أتباع أبي علي، والذي يحكم بينهم بالعدل هم أهل السنة والجماعة.
ولهذا أمرنا الله ﷾ بالعدل دائمًا، وأمثلة العدل في السنة النبوية وفي سيرة الرسول ﷺ كثيرة جدًا حتى مع اليهود والنصارى والمخالفين؛ لأن الظلم محرم حتى مع الكفار، فالظلم محرم في ذاته وقبيح حتى مع الكفار ونحن أمة العدل، ولا يجوز للإنسان أن يظلم أحدًا، ولا يجوز للمسلم إذا كره فرقةً من الفرق أن يكيل لها الاتهامات.
ونحن نكرههم بحق ولا نكرههم بباطل وهوى، إلا أنه لا يجوز لنا أن نكيل لهم الاتهامات وبعض الناس إذا غضب يكيل الاتهامات، جزافًا ويرميها رميًا، وليس هذا هو منهاج السلف الصالح رضوان الله عليهم، وإنما منهجهم هو التحري والدقة فيما ينسب إلى الأشخاص، ونقد من وقع منهم في البدعة، ومعرفة حجم البدعة التي وقع فيها، وإعطاؤها حقها، وعدم المبالغة أو النقصان فيها، فهذا هو الميزان العادل، فمثلًا: لا يأتي إنسان إلى بدعة مثل: الذكر الجماعي فيجعله أم المصائب جميعًا، ويكفر من يقع فيه فهذا لا يجوز؛ لأن هذه البدعة لا توصل إلى الكفر، وإن كانت بدعة ولكنها لا توصل إلى الكفر.
وكذلك لا يجوز له أن يأتي إلى بدعة الشيعة الذين يسبون أبا بكر وعمر، ويكفرونهما ويلعنونهما، ويحجون إلى القبور، ويستغيثون بأهلها فيهون من شأنها ويقلل من الخلاف مع الشيعة، ويقول: إن خلافنا مع الشيعة هو خلاف فرعي، كخلاف الحنابلة مع الشافعية، فهذا باطل لا يجوز.
فينبغي على الإنسان أن يكون قوامًا بالقسط، وصاحب ميزان معتدل وصحيح ودقيق، وأن يكون بعيدًا عن كيل الاتهامات لكل أحد، حتى ولو كان مبتدعًا؛ فإن البدعة نفسها درجات، فهناك بدعة مكفرة، وبدعة غير مكفرة.
الواقعون في البدعة أنواع: نوع يدعو إلى بدعته ومتشبث بها.
ونوع لا يدعو إلى بدعته.
لكل واحد حالة ونمط من التعامل يختلف على النمط الآخر، وهكذا ينبغي للإنسان أن يكون عادلًا.
[ ١٥ / ٥ ]
رد دعوى دخول أهل البدع في الوسطية بعموم الخطاب
قد يقول قائل: إن قول الله ﷿ فيها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣] خطاب عام يشمل المسلمين جميعًا، فيدخل فيه أهل البدع؛ لأن أهل البدع ليسوا كفارًا، فكيف يقال: إنهم ليسوا وسطًا؟ والجواب على هذا بسيط وهو أن نقول: إن هذه الآية خوطب بها أصحاب النبي ﷺ، قبل أن يقع التفرق والاختلاف فلما وقع التفرق والاختلاف أتينا إلى هذه الآية فوجدنا أن أسعد الناس بأن يكون وسطًا هم: أهل السنة والجماعة أتباع الصحابة.
وأما أهل البدع فإنهم انحرفوا عن منهج الصحابة وعن الوسطية التي وصف الله ﷾ بها منهج الصحابة.
قال المؤلف ﵀: [فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك -يعني: يؤمنون بهذه الوسطية- كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه العزيز، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم الوسط في الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم].
وهنا نلاحظ أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرجح أن معنى الوسطية هو: التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط.
وقوله عن أهل السنة بأنهم الفرقة الناجية، وصفوا بأنهم فرقة ناجية من أمرين: الأمر الأول: من التفرق.
والأمر الثاني: من النار التي توعد الله ﷿ بها الفرق المخالفة للصراط المستقيم.
[ ١٥ / ٦ ]
حقيقة الوسطية
والوصف بالوسطية ليس معناه: أن الإنسان ينظر في طرائق الناس ومناهجهم ثم يتخذ وسطًا من عنده، ويقول: هذا هو الوسط، أي: في النصف.
فلا يأتي إلى الوسط بين هذا المنهج وبين هذا المنهج، ويقول: هذا أحسن شيء فأتبعه.
وإنما المقصود بالوسطية هنا: إخبار الله ﷿ بأن هذه الأمة لما اتبعت الصراط المستقيم -وهو كلام الله ﷿، وكلام الرسول ﷺ- صارت أمةً وسطًا بذلك.
فالوسطية في اتباع النصوص وليست في النظر إلى مذاهب الناس واختيار مكان معين منها بالهوى، وبعض الناس مثلًا يقول: لا بد أن تكون وسطًا مع الكفار، فلا تصير متشددًا مثل الذين يريدون جهاد الكفار، ولا تصير متساهلًا مثل الذين يوالون أعداء الله، وإنما كن وسطًا، يعني: لا تجاهدهم ولا توالهم، وإنما تبقى بينك وبينهم علاقات ومودة طيبة، وهذا الاختيار باطل، لأنه ليس وسطًا، وإنما هو انحراف، فليست الوسطية اختيار الإنسان للمكان الذي يريد بين الأهواء والآراء، وإنما هي اتباع ما أمر به الله ﷾ وأمر به رسوله ﷺ، فمعنى الآية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، يعني: أنكم لما اتبعتم الطريق المستقيم واتبعتم الوحي الرباني صرتم وسطًا، واتباع الوحي يجعل الإنسان وسطًا، فإذا انحرف عنه فلا يكون وسطًا، وإنما يكون إما في طرف الإفراط، أو في طرف التفريط.
[ ١٥ / ٧ ]
صور من وسطية أهل السنة في العقائد بين الفرق المنحرفة
[ ١٥ / ٨ ]
وسطية أهل السنة في صفات الله تعالى بين المعطلة والمشبهة
قال المؤلف ﵀: [فهم وسط في باب صفات الله ﷾ بين أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة].
فأهل السنة والجماعة يثبتون أسماء الله ﷿ وصفاته، وينفون عنها مشابهة المخلوق وهذا وسط.
والمشبهة والممثلة أفرطوا في الإثبات، فأوصلهم هذا الإفراط إلى التشبيه والتمثيل فقالوا: إن يد الله كأيدينا، وعين الله كأعيننا، وأن الله ﷿ يتكلم كما نتكلم، وإنه ﷾ مثلنا تمامًا، ولهم كلام شنيع في هذا الموضوع، وأول فرقة من فرق المشبهة الذين شبهوا الله ﷿ بخلقه هم الشيعة، وكان هشام بن الحكم الرافضي مشبهًا مشهورًا، ثم بعد ذلك ترك الشيعة التشبيه وتأثروا بمناهج المعتزلة، وصاروا ينفون صفات الله ﷿ كالمعتزلة، ومن يراجع كتاب التوحيد لـ ابن بابويه القمي -وهو من أئمة الشيعة المشاهير- يجد أنه كان على منهج المعتزلة تمامًا.
وأما الفئة الأخرى -وهم الجهمية- فقد فرطوا، فلم يثبتوا شيئًا، ولهذا يقول السلف: الجهمي يعبد عدمًا والمشبه يعبد صنمًا، ولما قيل لـ جهم بن صفوان: ما هو إلهك؟ قال: هو هذا الهواء بدون اسم ولا صفة.
والجهمية هم أتباع الجهم بن صفوان، وكان ظهوره في القرن الثاني الهجري، ولم يكن معروفًا بالعلم، ولا جلس في حلقاته، ولا درسه على أصوله الصحيحة، وقد التقى بطائفة من الهنود يسمون: السمنية، وكانوا ينكرون الأمور الغيبية ويثبتون الحسيات، فلما التقى بهم ناقشهم في الله فقالوا له: أين ربك؟ هل هو شيء رأيته؟ قال: لا قالوا له: فهل شممته أو ذقته أو لمسته؟ قال: لا قالوا: إذًا ليس هناك شيء، فجلس في بيته أربعين يومًا لا يصلي، ثم خرج على الناس وقال: إن ربي هو هذا الهواء ليس له اسم ولا صفة، فلما هلك جهم جاء بعده بشر المريسي، ثم جاء بعدهما ابن أبي دؤاد الذي تزعم فتنة خلق القرآن، وكان من المعتزلة، فأصبحت الجهمية كما يقول العلماء ثلاث درجات: الجهمية الأولى: وهم أتباع جهم بن صفوان وهؤلاء ينفون أسماء الله وصفاته بالكلية بجميع أنواعها.
والجهمية الثانية: وهم المعتزلة وهؤلاء يثبتون أسماء الله وينفون صفاته، ويجعلون أسماء الله ﷿ أعلامًا محضة ليس لها أي دلالة.
والجهمية الثالثة: وهم الأشاعرة والماتريدية فالأشاعرة جهمية؛ لأنهم ينفون صفات الله ﷿ الخبرية والاختيارية ولا يثبتون إلا سبع صفات فقط ويسمونها: صفات المعاني.
وقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كتابًا سماه: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، رد فيه على الأشاعرة، فقد رد فيه على الرازي، وهو أحد أئمة الأشاعرة المتأخرين في كتابه: أساس التقديس، فسمى شيخ الإسلام الأشاعرة جهمية.
وكل من عطل الصفات سواءً عطلها جميعها أو بعضها فهو من الجهمية.
والجهمية يتفاوتون ما بين غال كـ جهم بن صفوان الأول، وأقل غلوًا كالأشاعرة.
[ ١٥ / ٩ ]
وسطية أهل السنة في أفعال العباد بين الجبرية والقدرية
قال المؤلف ﵀: [وهم وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية].
والجبرية: هم الذين يقولون: إن العبد مجبور على فعل نفسه، وأنه كالريشة في مهب الريح، وأنه ليس مختارًا في أفعاله التي يقوم بها، وإنما هي أفعال الله ﷿ ألزم العباد بها، فيرون أن كفر العبد وعصيانه معذور فيهما؛ لأنهما ليسا باختياره ورغبته، وإنما هو مجبور من الله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
وهؤلاء الجبرية هم: جهمية؛ لأن جهم بن صفوان ضل في أكثر من باب في العقيدة، فقد ضل في الأسماء والصفات، فنفى أسماء الله وصفاته جميعًا، وضل كذلك في القدر فاعتقد الجبر، وقال: إن العبد مجبور على فعل نفسه.
ومن الجبرية كذلك الأشاعرة، فإنهم يقولون: إن العبد كاسب لفعله، وأنه ليس له فعل في الحقيقة، ويمثلون لاقتران فعل الله ﷿ بفعل العبد: بحال رجل قوي يحمل صخرةً كبيرة وهذه الصخرة الكبيرة يستطيع حملها وحده، فلو جاء رجل آخر ووضع يده معه، فإن هذا الرجل الآخر لو رفع يده لاستطاع الأول أن يحملها، ولكنه شاركه فسمي حاملًا للحجر.
فيقولون: إن الله ﷿ خلق فعل العبد، والعبد سيفعل هذا الفعل شاء أم أبى، وقد سمي هذا العبد فاعلًا؛ لأن الفعل وقع منه، فسموه كسبًا، وهم في الحقيقة لا يثبتون فعلًا للعبد.
والإيجي من الأشاعرة يقول في كتابه المواقف من علم الكلام: الجبرية نوعان: جبرية خالصة، وهم الجهمية الأولى، وجبرية متوسطة وهم: الأشاعرة.
قال المؤلف ﵀ [وهم وسط في باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية].
والقدرية قالوا: إن الله ﷿ ليس له أي علاقة -لا من قريب ولا من بعيد- في أفعال العباد، وأن العباد يخلقون أفعالهم كما يشتهون والله ﷿ لا يعلم بفعل العبد إلا بعد أن يقع، وهذا لاشك أنه ضلال مبين والقدرية معتزلة والمعتزلة ضلوا في بابين من أبواب العقيدة أو أكثر.
الباب الأول: باب الصفات.
والباب الثاني: باب القدر.
فالعلماء سموهم قدرية؛ لأنهم ضلوا في هذا الباب، وإلا فهم معتزلة في الحقيقة.
والحق: هو منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، وهو كالآتي: إن الله ﷿ خالق لكل شيء، ولا يحدث شيء في الكون إلا وقد علمه الله ﷿ قبل أن يحدث ثم أراده ثم خلقه بعد ذلك.
ويثبتون: أن للعبد فعلًا، وأن هذا الفعل بمشيئته وإرادته واختياره ويفسرون ذلك: بأن الله ﷿ خلق للعبد إرادة يختار بها ما يشاء، فإذا أراد العبد إرادة معينة خلقها الله ﷿ له، فكان الفعل، فأصبح الفعل من خلق الله، وبإرادة العبد في نفس الوقت، فإذا كان أمام العبد أمران: فعل، أو ترك، فإنه يختار ما يشاء، فهو قادر على الفعل ومستطيع له قبل أن يفعله وهو كذلك قادر على الترك بمحض الإرادة التي خلقها الله ﷿ له فإذا فعل الفعل أو تركه، فالفعل الذي فعله وقع باختياره وإرادته من غير إكراه، وفي نفس الوقت هذا الفعل الذي فعله ليس من خلق العبد.
[ ١٥ / ١٠ ]
وسطية أهل السنة في الوعيد بين المرجئة والخوارج والمعتزلة
قال المؤلف ﵀: [وفي باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية من القدرية وغيرهم].
فقوله: [وفي باب وعيد الله]، يعني: الآيات والأحاديث التي وردت في وعيد أهل الكبائر والذنوب، وفي وعيد الكفار ونحوهم فأهل السنة يقولون: إن هذه الآيات والأحاديث على حقيقتها وإن العبد إذا فعل ذنبًا من هذه الذنوب أو ارتكب معصيةً من المعاصي فهو مهدد بالنار، ثم إذا شاء الله ﷿ أنفذ وعيده، وإذا شاء عفا عن عبده، ويستدلون على ذلك بقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فهو ﷾ يغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ويستدلون بالشفاعة أيضًا فإن الشفاعة من أنواعها: أن الله ﷿ يعفو عن أهل الكبائر الذين استحقوا النار، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (إن لكل نبي دعوة مستجابة وادخرت دعوتي شفاعةً لأهل الكبائر من أمتي) وهذا يدل على أن أهل الكبائر يوم القيامة مع كونهم متوعدون بالنار، إلا أن الله ﷿ قد يعفو عنهم.
وأما المرجئة فإنهم يقولون: إن العبد لو فعل الكبائر فإنها لا تؤثر على إيمانه، وإيمانه تام صحيح ولا يعذب ويقولون: لا يضر مع المعصية طاعة، ولا يضر مع الطاعة والإيمان معصية.
وإن العبد مهما أذنب من الذنوب فإنه لا يعذب أبدًا.
وهذا القول لا شك أنه قول كفري.
والمرجئة درجات وليسوا درجةً واحدة، فمنهم: غلاة المرجئة كالجهمية، وهؤلاء لا شك أنهم ليسوا بمسلمين، وقد كفرهم السلف رضوان الله عليهم.
وأما من دونهم وهم الأشاعرة فإنهم يقولون: إن العبد إذا فعل المعصية فقد يعذبه الله ﷿ ولكنهم يقولون في الإيمان: إنه مجرد التصديق القلبي، ولا يترتب على ترك العمل كفر يؤاخذ به العبد في الدنيا أو الآخرة.
والوعيدية طائفتان: الخوارج والمعتزلة، وسموا وعيدية؛ لأنهم يرون أن أهل الكبائر كفار فترى الخوارج أنهم كفار في الدنيا، وفي الآخرة مخلدون في النار بينما يرى المعتزلة أنهم في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، وفي الآخرة مخلدون في النار وهذا لا شك أنه باطل، فإن الله ﷿ يعفو عن أهل الكبائر الذين تابوا وهم يقولون: إن الله ﷿ لا يمكن أن يعفو عن أصحاب الذنوب ويمنعون ذلك وينكرون الشفاعة.
[ ١٥ / ١١ ]
وسطية أهل السنة في الإيمان بين الخوارج والمعتزلة وبين المرجئة
قال المؤلف ﵀: [وفي باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية].
إن المرجئة إذا عمل الإنسان معصية أعطوه اسم الإيمان، مع فعله المعصية، ويقولون: هو مؤمن مع أن الرسول ﷺ صرح بأنه ليس بمؤمن، فقد قال ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)، وهم يقولون: هو مؤمن أثناء الزنا، وأثناء السرقة، وهذه مخالفة صريحة لقول النبي ﷺ.
كما أنهم يقولون: إن الإيمان هو مجرد التصديق.
وأما الحرورية والمعتزلة فإنهم يكفرون أصحاب الكبائر ويعتقدون أنهم من المخلدين في النار يوم القيامة.
فأما تكفيرهم لأصحاب الكبائر فالخوارج يصرحون بالتكفير، والمعتزلة يقولون: إنهم في منزلة بين المنزلتين فليسوا بمسلمين ولا كفار، وإنما هم في منزلة بين المنزلتين ويتعامل معهم كما يتعامل مع الكفار، فهم في الأخير يلتزمون قول الخوارج، ولا يسمونه كافرًا، فالمعتزلة والخوارج يتفقون في الحقائق والأحكام ويختلفون في الأسماء، ففي أحكام الدنيا يطبقون عليهم أحكام الكفر، ولا يسمونهم كفارًا، وفي أحكام الآخرة فيطبقون عليهم أحكام الكفار، ويقولون: إنهم مخلدون.
[ ١٥ / ١٢ ]
وسطية أهل السنة في الصحابة بين الرافضة والخوارج
قال المؤلف ﵀: [وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج].
الرافضة: هم غلاة الشيعة، وسموا رافضةً لأنهم كما تروي كتب الملل والنحل جاءوا إلى زيد بن علي وهو من أهل البيت وأرادوا الخروج معه على بني أمية فقالوا: لابد أن تتبرأ من الشيخين -يعني: من أبي بكر وعمر - قال: لا أتبرأ منهما، فقالوا: إذًا: لا نخرج معك، فقال: رفضتموني فسموا رافضة والرافضة لهم أسماء، فيسمون الرافضة، ويسمون الإثني عشرية؛ لأنهم يرون أن الأئمة اثنا عشر إمامًا من نسل علي بن أبي طالب، ولما توفي الإمام الحادي عشر عندهم وهو الحسن العسكري وليس له ولد قالوا: إن له ولد كان يربيه بعض أجداده دخل السرداب، وسيخرج في آخر الزمان، ويملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا من قبل، وهو مهدي الرافضة الذي ينتظرونه في سامرا ولجئوا إلى هذا عندما أحرجهم الناس بأن الإمامة قد انقطعت.
ويسمون الإمامية، والسبب في تسميتهم الإمامية هو: أن أعظم أصول الدين عندهم: الإمامة، فهي أعظم من الشهادتين، والإمامة عندهم: تعتبر من أركان الدين الأساسية.
ومن عقائد الرافضة الإمامية الإثني عشرية في أصحاب النبي ﷺ: أنهم يكفرونهم جميعًا إلا علي بن أبي طالب، وفاطمة، وأبناء علي بن أبي طالب، وبعض الصحابة: كـ سلمان، والمقداد بن الأسود وغيرهم.
وبضد هؤلاء الخوارج، فإنهم كفروا علي بن أبي طالب في الوقت الذي تعتبره الشيعة إلهًا، فهناك فرق شاسع بين الطائفتين، فطائفة تعتبره من أعظم الصالحين الأتقياء، وهو: خليفة النبي ﷺ، وأن الناس ظلموه في حين أن الخوارج يكفرونه، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، وكلاهما من الضالين.
والحق هو: أن علي بن أبي طالب ﵁ أحد الأئمة الأربعة، وأحد المبشرين بالجنة، ومن الصحابة الفضلاء وله مناقب عظيمة وجليلة وفي نفس الوقت: لا نقول إنه أفضل من أبي بكر وعمر، ولا نوصله إلى ما أوصله إليه الرافضة الضلال فنحن وسط بين هؤلاء وهؤلاء وهذه هي الوسطية.
[ ١٥ / ١٣ ]
الأسئلة
[ ١٥ / ١٤ ]
حكم الأشاعرة
السؤال
إذا كان الأشاعرة جهمية وجبرية ومرجئة فما المانع من تكفيرهم، أو تكفير مقولاتهم؟
الجواب
الأشاعرة بإجماع المسلمين ليسوا كفارًا، وأما تسميتنا لهم جهمية، فهو لوجود شعبة من شعب التجهم عندهم، فهم ليسوا جهمية خالصة، وإنما عندهم شعبة من شعب التجهم، وكذلك عندما نسميهم جبرية ومرجئة فذلك لوجود شعبة من شعب الجبر والإرجاء عندهم، ولا يعني هذا تكفيرهم فهم من أهل البدع، وليسوا كفارًا.
[ ١٥ / ١٥ ]
الفرق بين القدرية والجبرية
السؤال
ما الفرق بين القدرية والجبرية؟
الجواب
كالفرق بين المشرق والمغرب، فالمشرق في جهة والمغرب في جهة، فالقدرية تنكر القدر تمامًا ولا تثبته أبدًا، والجبرية ترى أن القدر معناه: جبر العبد.
فهم اختلفوا في أفعال العباد فالقدرية يرون أن العبد حر فيها وليس لله عليه فيها سلطان، وهو يخلق الفعل بنفسه، ولهذا سماهم السلف مشبهة الأفعال، وأولئك يقولون: ليس له أدنى عمل يقوم به، وإنما هو مجبور، مثل: الحركة الاضطرارية، ومثل: الريشة في مهب الريح.
[ ١٥ / ١٦ ]
الموقف من المفتين بإباحة الغناء
السؤال
كتب أحد الجهال الذين يتكلمون فيما لا يعلمون مقالًا يستحل فيه الغناء، ويعتقد أنه حلال فما حكمه؟
الجواب
انتشر في هذا الزمان بعض المفسدين الذين لا هم لهم إلا إباحة الشهوات، والتلاعب بدين الله ﷿، وأصبحت أحكام الله ﷿ يتلاعب بها بعض الناس السفهاء والمفسدين الذين ليسوا من أهل العلم لا من قريب ولا من بعيد، وليسوا حتى من أهل المعرفة العادية وإلى الله المشتكى، فهذا زمان الفتن الذي أخبر النبي ﷺ عنه بأن في آخر الزمان: (ينطق فيهم الرويبضة) والرويبضة كما فسره العلماء: هو الرجل التافه الذي يتكلم في الأمور العامة، فهذا الذي يستبيح الغناء وأمثاله من الذين لم يعرفوا رائحة العلم لا من قريب ولا من بعيد، وهم من الرويبضات الذين يعبثون في دين الله ﷿، ويتلاعبون به، ومثل هؤلاء لا يلتفت إليهم.
[ ١٥ / ١٧ ]
حكم الفرق المخالفة في أبواب العقيدة
السؤال
هل هذه الفرق مخلدة في النار؟
الجواب
تختلف، وليست على درجة واحدة.
[ ١٥ / ١٨ ]
نظرة في قول المرجئة: (لا ينفع مع الكفر طاعة)
السؤال
هل قول المرجئة: إنه لا ينفع مع الكفر طاعة، كلام صحيح؟
الجواب
إذا كان المقصود بالطاعة أعمال الفروع فالكلام صحيح، فلو كان الإنسان كافرًا وصلى وصام فإنها لا تنفعه هذه الطاعة، وإذا كان المقصود بالطاعة أصل الدين فلاشك أن أصل الدين يزيل الكفر.
[ ١٥ / ١٩ ]