من أركان الإيمان وأصوله العظيمة الإيمان باليوم الآخر، الذي جعله الله تعالى معادًا للعباد للجزاء والحساب، وإنما أنكره من لا يؤمن بالله تعالى من المشركين الدهريين والفلاسفة والباطنية، ويتصل بالإيمان بهذا الركن الركين الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وفتنة الناس في قبورهم، وغير ذلك من المسائل الثابتة في النصوص.
[ ١٦ / ١ ]
الإيمان باليوم الآخر
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: فالإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، ففي حديث جبريل الطويل الذي رواه عمر بن الخطاب ﵁ عندما أخبر أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ ثم ذكر أنه سأله على الإيمان؟ فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره).
فالإيمان باليوم الآخر ركن أساسي من أركان الإيمان.
وهو يتضمن الإيمان بما بعد الموت.
فيشمل الإيمان بفتنة الناس في قبورهم وعذاب القبر ونعيمه، ويشمل - كذلك - القيامة والحشر والبعث والحساب والحوض والميزان وما يلحق بذلك من الجنة والنار.
وحياة الناس تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الحياة الدنيا.
والحياة البرزخية.
والحياة الأخروية.
فأما الحياة الدنيا فهي مدار الأمر والنهي والتكليف، وهي التي يعيش فيها الناس منذ ولادتهم الأولى إلى الموت.
وأما البرزخ فيبدأ من موت الإنسان إلى أن يبعث الله ﷿ من في القبور ويحشرهم في مكان واحد، ثم بعد ذلك يبدأ اليوم الآخر الذي يشمل جميع الناس.
والدليل على وجود الحياة الدنيا: عيشنا فيها الآن.
والدليل على وجود البرزخ: قول الله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
فهذا يدل على أن هذه الحياة المشار إليه في الآية حياة متوسطة بين الحياة الدنيا وبين الحياة الأخرى، كما دل على ذلك قوله: ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
والحياة الدنيا هي التي فيها التكليف.
وأما حياة البرزخ والحياة الأخروية فليس فيها تكليف، وإنما فيها الجزاء والحساب.
[ ١٦ / ٢ ]
وجوب الإيمان بفتنة القبر وعذابه ونعيمه
قال المؤلف ﵀: [ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه.
فأما الفتنة: فإن الناس يمتحنون في قبورهم فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فيقول المؤمن: ربي الله، والإسلام ديني، ومحمد ﷺ نبيي.
وأما المرتاب فيقول: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته.
فيضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق.
ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب إلى أن تقوم القيامة الكبرى].
فلا شك أن الناس يفتنون في قبورهم.
والدليل على ذلك ما ثبت عن النبي ﷺ من قوله: (إن الناس يفتنون في قبورهم مثل فتنة الدجال)، أو قال: (قريبًا من فتنة الدجال).
وقد بين النبي ﷺ طبيعة هذه الفتنة كما في حديث البراء بن عازب الذي رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن البراء بن عازب ﵁ في حديث طويل، وفيه: أن المؤمن يسأل عن ربه فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله.
ويقال له: وما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام.
فيقال له: ومن نبيك؟ فيقول: نبيي محمد ﷺ، ففتنة الناس في قبورهم ثابتة.
[ ١٦ / ٣ ]
بيان أصناف الذين لا يفتنون في القبر
وقد بحث العلماء مسألة: هل كل الناس يمتحنون؟ لأن كلمة الناس عامة تشمل الأنبياء والشهداء والصالحين، وتشمل الكفار والمنافقين، وتشمل أشياء كثيرة.
فأما الشهداء فورد فيهم نص عن النبي ﷺ حيث قال النبي ﷺ: (كفى ببارقة السيوف على رؤوسهم فتنة)، يعني: أن قتالهم في سبيل الله وبريق السيوف الذي واجهوه وقتلهم في سبيل الله يرفع عنهم الفتنة في القبر.
وهذا حديث صحيح صححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في كتابه: أحكام الجنائز.
فالشهداء لا يمتحنون في قبورهم، ولا يأتيهم ملكان يسألانهم عن الرب وعن النبي وعن الإسلام.
وأما الأنبياء فلا يمتحنون في قبورهم.
والدليل على ذلك أمران: الأمر الأول: هو أن الأنبياء أولى من الشهداء.
فإذا كان الشهداء لا يمتحنون في قبورهم فالأنبياء أولى منهم؛ لأن فضل النبوة أعلى من فضل الشهادة.
وإذا كان فضل الشهادة مانعًا من الفتنة في القبور ففضل النبوة أولى.
وثانيًا: أن الإنسان يسأل في قبره عن النبوة والأنبياء، فيقال له: من نبيك؟ وهذا يدل على أن المسئول عنه عظيم.
وإذا كان يسأل عن الأنبياء فلا شك أن هذا يدل على أنهم لا يسألون في قبورهم، وإنما ينعمون مباشرة.
ويفتن بقية الناس المسلم والكافر، وهو الصحيح الذي عليه أهل السنة من أن الفتنة في القبور تكون على المسلمين وعلى الكفار.
ويدل عليه حديث البراء بن عازب الطويل، والذي صنف فيه الذين يسألون ويفتنون في قبورهم.
قال: (فأما المؤمن)، ثم قال: (وأما المنافق)، وفي بعض الألفاظ: (والكافر).
وهذا يدل على أن المؤمن يسأل ويفتن.
وكذلك فيه دليل على أن الكافر أيضًا يسأل ويفتن، وكذلك المنافق؛ لأن هؤلاء جميعًا ورد النص فيهم في حديث البراء بن عازب، وكذلك دل على هذا عموم الأدلة التي بين النبي ﷺ فيها أن هذه الأمة تفتن في قبورها.
وكلمة الأمة تشمل أمة الاستجابة وأمة الدعوة.
فالكفار يفتنون على الصحيح.
وهذا ما رجحه ابن القيم ﵀ في كتابه الروح.
وكتاب الروح عمدة في هذا الباب؛ لأنه اشتمل على كثير من الأحاديث الواردة في قضية البرزخ وتعلق الروح بالبدن فيها وما يتبع ذلك من مسائل.
[ ١٦ / ٤ ]
فتنة الأمم السابقة في قبورها
وأما الأمم السابقة فقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ أن هذه الأمة تمتحن في قبورها.
وورد في الحديث أيضًا عن النبي ﷺ: (أنه كان على بغلة فحادت عن الطريق حتى كادت تسقطه، فقال النبي ﷺ: إن يهود يمتحنون في قبورهم).
وثبت أيضًا في صحيح البخاري: (أن يهودية جاءت إلى عائشة ﵂ وقالت لها: استعيذي بالله من عذاب القبر، فسألت النبي ﷺ وقالت: هل في القبر عذاب؟ فقال: نعم، عذاب القبر حق.
فما زال ﷺ يستعيذ بالله من عذاب القبر طيلة ذلك اليوم).
أعاذنا الله وإياكم من عذاب القبر.
والنصوص الواردة في الامتحان عامة تشمل الأمم جميعًا.
وإن كانت الأدلة لم ترد إلا في هذه الأمة وفي اليهود.
ولكن عموم الأدلة تشمل عموم الناس.
إذًا: فقول الشيخ: (الناس) ليس على عمومه، فالأنبياء والشهداء لا يمتحنون في قبورهم.
[ ١٦ / ٥ ]
ذكر الخلاف في اسمي الملكين اللذين يمتحنان الناس في القبور
والذي يمتحن الناس في قبورهم: ملكان، هذان الملكان اختلف أهل العلم في اسميهما: هل لهما اسم أو ليس لهما اسم؟ والخلاف في ذلك مبني على أمرين: الأمر الأول: على ثبوت الحديث في هذا.
والأمر الثاني: على استنكار بعض أهل العلم لتسمية الملائكة بالمنكر والنكير.
فأما الحديث الوارد في هذا: فقد ثبت عن النبي ﷺ في الحديث الصحيح كما رواه الترمذي وابن أبي عاصم في السنة والآجري في الشريعة: أن النبي ﷺ قال: (إن الميت إذا مات جاءه ملكان في قبره أحدهما المنكر والآخر النكير فيسألانه).
فسماهم النبي ﷺ بهذين الاسمين: وهذا الحديث حديث ثابت صحيح.
وأما استنكار بعض أهل العلم لتسميتهما بالمنكر والنكير فلا شك أنه إذا ورد الحديث في هذا وثبت فلا يرد هذا الإشكال أبدًا؛ لأنه من كلام النبي ﷺ، ولا يصح الاعتراض على كلام النبي ﷺ.
كما يمكن أن نجيب عن هذا الإشكال بأنهما ليسا منكرًا ونكيرًا في ذاتهما، وإنما عند الشخص الذي يفتنانه، وقد يكون منكرًا بمعنى: مخيفًا.
ولهذا ورد في صفتهما في الحديث: إنهما أسودان أزرقان.
ولا شك أن هذه الصورة مخيفة للإنسان.
[ ١٦ / ٦ ]
ضمة القبر
وقد ورد عن النبي ﷺ في حديث وفاة سعد بن معاذ أنه قال: (إن للقبر ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ).
وضمة القبر ليست من العذاب، وإنما هي صفة للقبر.
وقد ذكر بعض أهل العلم أنها فترة، وما يلحق بذلك من الكسل ونحو ذلك.
فليست من العذاب، ولا يعني هذا أن كل الناس يعذبون كما يفهم من ظاهر كلام المؤلف.
[ ١٦ / ٧ ]
الأدلة القرآنية على ثبوت عذاب القبر ونعيمه
وعذاب القبر ونعيمه يثبته أهل السنة والجماعة لثبوت الأدلة فيه.
وقد أنكره الخوارج والمعتزلة، فقالوا: ليس في القبر نعيم ولا عذاب.
واستدل أهل السنة على ثبوت عذاب القبر ونعيمه من القرآن الكريم بما يأتي: قال الله ﷿: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].
وهذا النص واضح بأن النار التي يعرضون عليها قبل يوم القيامة.
ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].
فهذه النار التي يعذبون فيها ويعرضون عليها غدوًا وعشيًا هي قبل يوم القيامة.
وليس هناك نار يعرضون عليها إلا في القبور وبعد الموت.
ولهذا وردت آثار عن السلف الصالح رضوان الله عليهم في أن أرواح آل فرعون في طيور سود تعذب.
وظاهر الآية واضح في إثبات عذاب القبر.
وقال الله ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧].
فهذه الآية تدل على عذاب القبر؛ لأنه لما سئل الرسول ﷺ عن القبر وبين أن الناس تمتحن فيه قرأ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧].
ولهذا أجمع المفسرون على أن هذه الآية ورادة في عذاب القبر ونعيمه.
وقال الله ﷿: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام:٩٣]، إلى آخر الآية.
وهذه الآية من الآيات التي استدل بها الإمام البخاري ﵀ على إثبات عذاب القبر.
فقد عقد بابًا في كتاب الجنائز باب: عذاب القبر.
وسرد مجموعة من الآيات منها هذه الآية، وجعلها دليلًا على إثبات عذاب القبر.
ووجه الدلالة من هذه الآية من ناحيتين: الناحية الأولى هي: أن الله ﷿ يقول: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام:٩٣]، يعني: في أثناء الاحتضار.
«وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ» يعني: يستعدون لها بالضرب.
وذلك أن روح المنافق والكافر إذا أراد الملائكة أن يخرجوها تتفرق في بدنه فلا يجمعونها إلا بالضرب، يضربونها من هنا وهناك، ثم يجمعون هذه الروح ويخرجونها.
فإذا كان الميت يعذب في غمرات الموت بسبب فسوقه وكفره؛ فإنه يعذب في قبره من باب أولى.
وهذا الوجه أفاده الشيخ حافظ حكمي في كتابه معارج القبول.
والوجه الثاني: هو أن هذه الآية فسرت بآية أخرى في سورة محمد، وهي قول الله ﷿: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٧].
فقالوا: إن الضرب على الوجوه والأدبار من الملائكة للفاسقين والكافرين يكون بعد الموت وقبل الدفن.
ووجه الدلالة حينئذ هو: أنه إذا كان الميت يعذب قبل دفنه فبعد دفنه من باب أولى.
وهذا أفاده الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري في كلامه على هذه الآية.
وقال الله ﷿: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١].
والمرتان الواردتان في الآية ليس المقصود بهما الآخرة.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١].
فعندنا في هذه الآية ثلاثة أنواع من العذاب: العذاب الأول، والعذاب الثاني، والعذاب الثالث يكون في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة:١٠١].
فأخبرت الآية أنه يعذبهم مرتين ثم بعدها يردون إلى العذاب العظيم.
والعذاب العظيم يكون في الآخرة يوم القيامة.
وأما المرتان فقال المفسرون فيها: إنهما عذاب في الدنيا وعذاب في القبر.
وقد روى ابن أبي حاتم والطبري عن ابن عباس ﵁ أنه قال: العذاب الأول في الدنيا، والعذب الثاني في القبر.
وروي عن غيره أنه قال: العذاب الأول بالجوع والقتل، والعذاب الثاني في القبر.
ولهذا قال الحافظ ابن جرير الطبري المفسر المشهور: إن كل الآثار الواردة في تفسير المرتين متفقة على أن الثاني منهما عذاب القبر، واختلفوا في الأول.
فبعضهم على أنه في الدنيا بشكل عام، وبعضهم يجعلها بالقتل والسبي، وبعضهم يجعلها بالجوع والفقر، وما إلى ذلك.
وكلها تجمع على أن العذاب الأول في الدنيا، والعذاب الثاني يكون في القبر.
وهذا دليل صريح واضح على أن الناس يعذبون في قبورهم.
[ ١٦ / ٨ ]
الأحاديث النبوية الدالة على عذاب القبر ونعيمه
وأما في السنة فقد ثبتت الأحاديث في ذلك عن النبي ﷺ عن أكثر من اثنين وثلاثين صحابيًا.
منهم عمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وابن عباس.
ففي حديث ابن عباس المشهور في الصحيحين: (عندما مر النبي ﷺ بقبرين وقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول، وأما الثاني فكان يمشي بين الناس بالنميمة).
وروي أيضًا عن البراء بن عازب، وعن عدد كبير من الصحابة.
وقد ساق هذه الأحاديث مفصلة الشيخ حافظ حكمي في كتابه معارج القبول عن هؤلاء الثلاثين جميعًا.
وهي جميعًا متفقة على أن الناس يعذبون أو ينعمون في قبورهم.
ولهذا قال الشيخ حافظ حكمي في كتابه معارج القبول: بأن أحاديث عذاب القبر ونعيمه بلغت حد التواتر المعنوي.
والتواتر هو: نقل جماعة عن جماعة يستحيل في العادة أن يتواطئوا على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس.
وهنا قد نقل جماعة كثيرة عن جماعة كثيرة، وأسندوه إلى شيء محسوس، وهو قول النبي ﷺ وإخباره.
والتواتر ينقسم إلى قسمين: تواتر لفظي.
وتواتر معنوي.
فأما التواتر اللفظي فهو: أن يتواتر حديث بلفظ معين.
كقوله ﷺ: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار).
وأما التواتر المعنوي فهو: أن ترد مجموعة أحاديث بأوجه مختلفة، وكلها تدل على معنى واحد.
ومن التواتر المعنوي مثلًا المسح على الخفين، ورؤية الله ﷿ يوم القيامة، وأحاديث النزول، وأحاديث العلو، وأحاديث عذاب القبر ونعيمه.
[ ١٦ / ٩ ]
المنكرون لعذاب القبر ونعيمه
وأنكر الخوارج والمعتزلة عذاب القبر ونعيمه.
وقالوا: إن الناس لا يعذبون في قبورهم.
ومن الجهمية الذين أنكروا عذاب القبر ونعيمه بشر بن غياث المريسي المشهور الذي رد عليه السلف.
فقد رد عليه عثمان بن سعيد الدارمي.
وليس هو صاحب السنن بل صاحب السنن هو عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي.
وأما عثمان فهو المصنف في العقائد، وله كتاب: الرد على الجهمية، وكتاب رد عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد.
فالشاهد: أن الخوارج والمعتزلة نفوا عذاب القبر ونعيمه.
وكذلك العقلانيون عمومًا لا يثبتون عذاب القبر ونعيمه.
[ ١٦ / ١٠ ]
الرد على استدلال منكري عذاب القبر بآية سورة الدخان
ٍوقد استدل الخوارج والمعتزلة على إنكارهم لعذاب القبر ونعيمه بثلاثة أدلة: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان:٥٦] فقالوا: معنى هذا: أنهم إذا كانوا يعذبون في قبورهم فسيذوقون أكثر من موتة.
وهذا مخالف للآية.
والجواب على هذا بسيط وسهل وهو: أن هذه الآية وردت في أهل الجنة، وليس في أهل القبور.
ولهذا فطريقة أهل البدع دائمًا هي: أنهم يأتون بالنصوص ويضعونها في غير موضعها ويشبهون على الناس بذلك.
فينبغي على الدعاة إلى الله ﷿ أن يميزوا ويفصلوا.
[ ١٦ / ١١ ]
الرد على استدلال منكري عذاب القبر بآية سورة فاطر
ومما استدلوا به قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢].
فقالوا: إن الله ﷿ نفى أن يكون أحد يسمع من في القبور.
ولو كان أهل القبور أحياء ويعذبون وينعمون لسمعوا.
وهذا المعنى باطل؛ لأنه لا يلزم من وجود الحياة وجود السمع.
فبعض الأحيان قد ينام النائم بجانبك وتتكلم أنت مع شخص آخر وهو لا يسمع مع أنه حي قطعًا.
وبعض الأحيان لا يسمع الإنسان لبعد مكانه.
فمثلًا: من يعيش الآن في المغرب الإسلامي لا يسمع كلامنا الذي نتكلمه.
فعدم السماع ليس دليلًا على عدم الحياة.
والله ﷿ لما خلق الخلق وخلق الحياة الدنيا جعل لها طبيعة خاصة بها، وجعل للبرزخ طبيعة خاصة به، وجعل للحياة الآخرة طبيعة خاصة بها.
وجعل بين هذه الثلاث فروقًا وحواجز.
ومسألة هل الأموات في قبورهم يسمعون أو لا يسمعون مسألة مشهورة عند أهل العلم، اختلف فيها أهل العلم بناءً على الأدلة الواردة فيها.
وقد كان اختلاف السلف رضوان الله عليهم في هذه المسألة اختلافًا بسيطًا لا يترتب عليه ما رتبه عليه أهل البدع، وذلك لوجود أدلة تنفي السماع وأخرى تثبته؛ ولهذا أعدل الأقوال في هذه المسألة هو ألا يقال: إنهم يسمعون مطلقًا، أو لا يسمعون مطلقًا.
وإنما يقال: إنهم يسمعون في ما ورد النص فيه بأنهم يسمعونه، كرد السلام مثلًا، وكأهل قليب بدر لما وقف عليهم النبي ﷺ وقال: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا.
قالوا: يا رسول الله! تكلم جيفًا قد بليت؟ قال: ما أنتم بأسمع لكلامي منهم، لكنهم لا يجيبون).
ووردت أيضًا بعض الأحاديث التي تدل على أن بعض الموتى يسمعون.
ولكن هذا لا يعني أن هذا السماع سماع مطلق.
وهذا هو الصحيح من كلام أهل العلم.
ثم جاء أهل البدع ورتبوا على هذه المسألة أمرين: الأمر الأول: أن بعضهم أنكر عذاب القبر ونعيمه؛ لظنهم بأنهم لا يسمعون.
وليس في هذا أي وجه لنفي عذاب القبر.
وإذا افترض أنهم لا يسمعون فهذا لا يعني أنهم لا يعذبون في قبورهم، فقد يكون بيننا وبينهم حاجز فلا يسمعون، كحاجز البعد مثلًا، وهكذا.
وجاءت طائفة أخرى من أهل البدع أثبتوا أنهم يسمعون ورتبوا على ذلك أنه يستغاث بهم، ويدعون من دون الله، فاصبحوا يقولون: مدد يا فلان، أو يقولون: إن فلانًا يشفع لنا عند الله ﷿.
ونحو ذلك من الشركيات.
وليس بين هذا وذاك أي ارتباط.
فإنهم إذا سمعوا في قبورهم فهذا لا يعني بالضرورة أنهم لا بد أن يدعوا ويستغاث بهم!! بل لو كانوا أحياءً في الدنيا لما جاز أن يدعوا فكيف إذا كانوا أمواتًا في القبور؟!! فإذا قيل: إنه في قبره له علاقة بالدار الآخرة، قلنا: وإذا كان له علاقة بالدار الآخرة فلا يلزم من هذا أن يُستغاث به ويطلب منه المدد، ونحو ذلك؛ لأن هذا من الشرك.
[ ١٦ / ١٢ ]
الرد على استدلال منكري عذاب القبر بانتفاء حركة الميت
الدليل الثالث الذي استدلوا به: أن الإنسان إذا مات ودفن فإنه يبقى سنينًا طويلة لا يتحرك.
وقال بعض الفلاسفة: إن الزئبق هو أشد المواد حركة إذا وُجد ما يحركه.
وعندما يوضع الزئبق على بدن الميت فإن هذا الميت لا يتحرك.
وبناءً عليه فإن الزئبق سيبقى في نفس المكان سنينًا طويلة.
ولو كان يعذب في قبره كما ورد في الحديث: من أنه يسأل ويضرب ويصيح ويوسع له قبره ويأتيه من روحها وريحانها ويضحك ويتحرك لتحرك هذا الزئبق الذي عليه.
وهذا القول قول فاسد من حيث العقل؛ لأن هذا الكلام الذي نقوله عن عذاب القبر ونعيمه وعن الغيبيات جاءنا من الصادق المصدوق ﷺ.
والرسول ﷺ ثبت صدقه عندنا بما لا يدع مجالًا للشك.
فقد ثبت صدق الرسول ﷺ بشكل لا نظير له.
ومن ذلك: أن الوحي الذي جاء به الرسول ونسبه إلى الله ﷿ يدل على صدقه بشكل مؤكد، حيث أنه أخبر فيه عن مغيبات ستقع فوقعت.
وأخبر فيه عن أمور في طبيعة البشر فثبت بالدليل العلمي الآن أنها صحيحة.
وأيضًا: معجزات النبي ﷺ وآياته التي جاء بها مثل انشقاق القمر نصفين، ونبع الماء من بين أصابعه.
وفي ذات الوقت فالرسول ﷺ ليست طبيعته كطبيعة السحرة والكهنة.
وقد يقول قائل مثلًا: انفلاق القمر نصفين يفعله السحرة والكهنة، فنقول: السحرة والكهنة لهم طبيعة خاصة، فتجد فيهم الكذب والوسوسة والحمق، وغيرها من الأمور، بينما هذه الأشياء ليست موجودة في الرسول ﷺ.
فالرسول ﷺ إنسان مستقيم الفطرة والطبع، ولم يحفظ عليه خطأ، أو تصرف غير طبيعي، وإنما كانت تصرفاته جميعًا طبيعية، وكانت أخلاقه كريمة، وكان صادقًا لا يكذب.
ومع هذا جاء بهذا الوحي العجيب الخارق، فلا يصح عقلًا أن يكون غير صادق.
والدليل على هذا قصة هرقل في حديث ابن عباس الطويل لما أرسل إليه النبي ﷺ كتابًا مع عمرو بن أمية الضمري، وفيه: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى، اسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، وإن كفرت فإن عليك إثم الأريسيين ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران:٦٤]).
فلما وصلته هذه الرسالة قال: اطلبوا لي أحدًا من العرب في بلاد الشام، فجيء له بـ أبي سفيان ومجموعة -يصلون إلى العشرين- من أهل مكة.
فقال: من أقربكم نسبًا من هذا الرجل الذي يدعي أنه نبي؟ قال أبو سفيان: أنا.
قال: تقدم.
فتقدم.
ثم قال له: إن سائلك عن هذا الرجل فإن كذب فكذبوه.
فسأله أسئلة شاملة لأحوال الرجل من كل جهاته.
فسأله عن دعوة النبي، وعن طبيعته الشخصية، وعن علاقته بهم، وعن تاريخه.
فسأله: هل يكذب؟ قال: لا قال: هل يغدر؟ قال: لا وهذه الأسئلة عن الطباع الشخصية.
وسأله عن التاريخ وعن الواقع الموجود، فقال: هل هناك من آبائه من ملك؟ قال: لا.
قال: هل هناك أحد منكم جاء بهذه الدعوة قبله؟ قال: لا.
وسأله أيضًا عن دعوته، فقال: بماذا يأمركم؟ قال: يأمرنا بأن نعبد الله ولا نشرك به شيئًا، وبالصبر والصدق والعفاف، والبعد عن الزنا والكذب.
ثم استدل من هذا كله أنه نبي.
ولهذا قال: إنه لنبي، وإن كان ما تقولون حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين.
ولو ظننت أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولغسلت عن قدميه وشربت مرقتها.
فقد عرف أنه نبي.
لأن أحواله تدل على نبوته.
وإذا ثبتت النبوة للرسول ﷺ فيلزمنا الإيمان بها وتصديقها.
وأركان النبوة أربعة: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع.
كما ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.
ويمكن أن ترد هذه الأربع إلى ثلاثة: التصديق والاتباع والانقياد.
فالتصديق يعني: لخبره.
والاتباع يعني: لمنهجه وطريقته.
والانقياد يعني: لأمره من جهة الفعل، ولنهيه من جهة الترك.
[ ١٦ / ١٣ ]
كيفية إقامة الحجة على منكر عذاب القبر ونعيمه
ومن ينكر عذاب القبر ونعيمه لا يخلو من حالين: الحال الأول: أن يكون من المسلمين أو ممن ينتسب إلى الإسلام.
والحال الثاني: أن يكون من غير المسلمين.
فإذا كان من المسلمين فنقول له: إذا أقررت بنبوة النبي فلا بد أن تلتزم بما أخبر به.
وقد أخبر النبي ﷺ بوجود عذاب القبر ونعيمه.
وقبل ذلك أخبر القرآن الكريم به.
وأما إذا كان كافرًا لا يؤمن بالنبوة ولا يؤمن بالله فنثبت له أولًا صدق النبي.
والأدلة على صدقه كثيرة جدًا.
فإذا أثبتنا له صدقه بحيث لا يكون هناك مجال للشك في صدقه فنقول: إن هذا الصادق أخبر بعذاب القبر ونعيمه فيلزمنا الالتزام بما أخبر به وتصديقه.
[ ١٦ / ١٤ ]
منكرو اليوم الآخر والبعث
[ ١٦ / ١٥ ]
المشركون
وأما بالنسبة لليوم الآخر بشكل عام فالمنكرون له هم المشركون.
كما قال الله ﷿: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧].
وكقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨].
إلى آخر الآيات.
فقد كان كفار المشركين ينكرون البعث، حتى أنهم كانوا يقولون: أموت ثم بعث ثم حشر حديث خرافة يا أم عمرو يعني: إن الحياة بعد الموت وحشر الناس حديث خرافة.
وأصل كلمة حديث خرافة عند العرب أن رجلًا كان يسمى خرافة زعم أنه أخذته الجن ثم جاء إلى الناس يحدثهم بغرائب وعجائب، فأصبح كلامه مثلًا فيقال: هذا حديثه حديث خرافة يعني: أن حديثه هذا فيه غرائب كحديث خرافة الذي زعم أنه أخذته الجن.
ولهذا كانوا يقولون: حديث خرافة يا أم عمرو وكانوا يقولون: ما هي إلا أرحام تدفع -يعني: للدنيا- وأرض تبلع -يعني: في القبور- ولا يهلكنا إلا الدهر.
وكانوا ينكرون أن يبعث الناس لرب العالمين يوم القيامة.
[ ١٦ / ١٦ ]
الفلاسفة والباطنية
وقد أنكر اليوم الآخر الفلاسفة والباطنية.
أما الفلاسفة فمثل ابن سيناء والفارابي ونحوهما كانوا ينكرون بعث الأجساد ويقولون: إن الأجساد لا تبعث يوم القيامة؛ لأنها تفتت وتصبح ذرات تتكون منها مخلوقات أخرى، فلا تعود مرة أخرى.
وقد كفر أهل العلم الفلاسفة لثلاثة أمور: الأمر الأول: بأنهم قالوا بقدم العالم.
والأمر الثاني: قالوا بإنكار علم الله بالجزئيات.
والأمر الثالث: أنكروا البعث الجسماني.
وقالوا: إنما هو للأرواح فقط.
ويفسر الفلاسفة عذاب الآخرة للأرواح بقولهم: إن الروح بعد أن يموت الجسد ويتفرق إذا كانت منعمة انتقلت إلى شخصية منعمة ومبسوطة في الدنيا، وإذا كانت معذبة كأن يكون صاحبها قد ظلم الناس في الدنيا انتقلت إلى شخص فقير معذب.
وأما الباطنية فيفسرون البعث والقيامة بأنه انتقال روح الشخص المعذب إلى روح كلب أو خنزير مثلًا، أو حيوان معذب يطرد ويؤذى ويجرح ونحو ذلك.
ويعتقدون أن الشخصية المنعمة تنتقل إلى حيوان آخر ينعم ويعتنى به ويغسل ويكون له من أحسن ما يكون.
ويقولون: الروح هي الروح هنا وهناك، سواء كانت في جسد إنسان أو كانت في جسد حيوان فهي هي.
وحينئذ تعذب هناك أو تنعم هناك، ولا شك أن هذا كفر بالله رب العالمين.
[ ١٦ / ١٧ ]
الأسئلة
[ ١٦ / ١٨ ]
المراد بالشهداء الذين لا يفتنون في قبورهم
السؤال
هل المقصود بالشهداء الذين لا يفتنون في القبور: هم الذين يقاتلون في سبيل الله فقط، أم يتعداهم إلى بقية أصناف الشهداء كفريق البحر مثلًا؟
الجواب
المقصود بالشهداء هم الذين يقتلون في سبيل الله، وهذا ظاهر النص؛ فإن النبي ﷺ قال: (كفى ببارقة السيوف)، وبارقة السيوف هو: الجهاد.
[ ١٦ / ١٩ ]
فتنة الأعلى منزلة من الشهيد في القبر
السؤال
الصديقون أعلى مرتبة من الشهداء؛ فهل يفتنون؟
الجواب
من كان أعلى مرتبة من الشهداء كالصديقين فيرى بعض أهل العلم: أنهم لا يفتنون.
ويرى آخرون أنهم يدخلون في العموم.
[ ١٦ / ٢٠ ]
المراد بقوله تعالى في الحديث القدسي: (وما ترددت) وقوله: (وأنا الدهر)
السؤال
ما هي القاعدة في مثل هذه الأحاديث، وما هو تفسيرها: (وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبد مؤمن يكره الموت وأكره مساءته)، رواه ابن أبي عاصم في السنة، وقال شيخ الإسلام في الفتاوى: رواه البخاري.
وحديث: (يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر)؟ وهل هي مثل بقية أحاديث الصفات؟ وهل يستخرج منها أسماء الله تعالى؟
الجواب
أما الحديث الأول، وهو قوله: (ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبد مؤمن).
فليس المقصود بالتردد هنا التردد في الإرادة، وإنما المقصود به كما فسره في الحديث: أنه يكره الموت وأكره مساءته.
يعني: أن صورة الحال هي صورة تردد، وإلا فإن الله ﷾ لا يوصف بالتردد الذي يوصف به العباد، وهو عدم الإقدام على الفعل للجهل به وبعاقبته.
فهذا لا يمكن أن ينسب لله ﷿.
وإنما المقصود بالتردد هو: أن هذا العبد يحبه الله، وهذا العبد يكره الموت، والله ﷿ إذا أحب عبدًا كره ما يكره.
ولكن سابق قضاء الله ﷿ هو أن يموت.
ففيها أمران: سابق قضاء الله ﷿.
والأمر الثاني: أن الله يكره ما يكرهه العبد.
فهذه هي صورة التردد، ثم الله ﷿ يمضي قضائه السابق.
فليس التردد الوارد في الحديث هو التردد الذي يحصل عند الناس؛ لأن الإنسان في بعض الأحيان مثلًا يتردد في شراء الشيء أو تركه؛ للجهل بقيمته، والله ﷿ عالم بكل شيء ﷾.
وحينئذ فالقاعدة في هذا الموضوع هي: أن ترد الأحاديث المشكلة إلى الأحاديث المحكمة الواضحة.
وثبوت العلم لله ﷿ واضح لا إشكال فيه، وثبوت إرادته وفعله لا إشكال فيه أيضًا.
فإذا ورد حديث ظاهره أنه مناقض لصفة العلم فلا بد أن يفسر بما يوافق هذه الصفة، وأن يفهم من السياق العام في هذا النص.
فمثلًا: هذا الحديث واضح مشروح في نفس الحديث.
قال فيه: (يكره الموت وأنا أكره مساءته).
فهو مفسر في هذا الحديث.
ومثله: حديث الدهر، قال: (يسب ابن آدم الدهر، وأنا الدهر أقلب الليل والنهار).
ففسر معنى قوله: (وأنا الدهر)، يعني: وأنا خالق الدهر؛ لأن الله ليس هو الدهر قطعًا.
وإنما الدهر الليل والنهار الذي نعيش فيه.
ولا يقول عاقل عرف الآيات والأحاديث الواردة في تميز الله ﷾ عن خلقه، وما ثبت له من الصفات والأسماء العلى: إن الله هو نفسه حقيقة الدهر.
وإذا تصورنا أن هذا الحديث يدل على هذا المعنى فإننا نفسره على تقدير حذف مضاف، وهذا معتاد في لغة العرب، ومن الأمثلة على ذلك: قول الله ﷿: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف:٨٢]، والجمال لا تسأل، فلا يأتي شخص يترك الناس ويسأل الجمال ويقول: هذا هو المفهوم من ظاهر النص؛ لأن العير المقصود به القافلة التي يوجد فيها ناس يوجهونها.
وهذا هو المقصود.
والقرية هي التي يوجد فيها أشخاص يعيشون فيها، ونحو ذلك.
وهذا يدل عليه السياق.
قال: (وأنا الدهر أقلب الليل والنهار) يعني: وأنا خالق الدهر؛ يعني: كيف يسب الدهر وأنا خالقه؟ فلا يصح أن يسبه أحد وأنا خالقه.
وقوله: (أقلب الليل والنهار)، شرح لقوله: (وأنا الدهر).
فمثل هذه النصوص يرجع فيها إلى كلام أهل العلم ولا يستعجل في تفسيرها.
وفي كتاب القواعد المثلى للشيخ محمد بن صالح العثيمين، قاعدة في هذا الموضوع وضحها وذكر أمثلة كثيرة عليها، وبينها بيانًا شافيًا، فجزاه الله خيرًا.
[ ١٦ / ٢١ ]
ما يسأل عنه أفراد الأمم السابقة في قبورهم
السؤال
هل فتنة الأمم السابقة تكون في السؤال عن الرب والدين والنبي محمد ﷺ؟
الجواب
تكون عن الرب والدين وعن نبيهم الذي أرسله الله ﷿ لهم.
[ ١٦ / ٢٢ ]
سؤال القبر وشموله للمتعلم والجاهل
السؤال
هل الامتحان يشمل المسلم المتعلم والجاهل؟
الجواب
يقول الله ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] يعني: سواءً كان جاهلًا أو متعلمًا، فهذه لا يحتاج لها علم.
وهي من العقائد الأساسية الطبيعية العادية.
وهل أحد من المسلمين لا يعرف أن الرب هو الله؟ فلو جهل ذلك لكان غير مسلم أصلًا.
وكذلك الدين، والإسلام والنبوة.
وهذه الثلاثة فصلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب الأصول الثلاثة.
والأصول الثلاثة هي: معرفة العبد ربه، ونبيه ودينه ففصلها الشيخ محمد بن عبد الوهاب تفصيلًا بينًا في الأصول الثلاثة.
[ ١٦ / ٢٣ ]
الرد على المنكرين لحياة البرزخ بدعوى انتفاء حركة أجساد الموتى
السؤال
كيف نرد على العقلانيين في قولهم: إن الأجساد لا تتحرك؟
الجواب
الغيبيات لا يصح أن تحاكم إلى الحسيات.
بل لا بد فيها من التصديق الجازم بخبر الرسول ﷺ.
فإذا كان الإنسان مؤمنًا بالنبوة فلا شك أنه سيصدقها حتى ولو لم ير بعينه.
وهناك ردود تفصيلية أخرى ذكرها بعض أهل العلم وهي: أنه لا يلزم من عدم الحركة الآن في الدنيا عدم ما يترتب عليها من العذاب.
فالنائم مثلًا: يحلم بأحلام مزعجة ومؤذية، ويشعر أنه مطارد وأنه سيقتل، وهو نائم لا يتحرك.
ثم إذا استيقظ أخبر الناس بذلك وهم لم يروا شيئًا يدل على هذا.
فالشاهد: أن العمدة الأساسية في الرد هو أن نقول: هل تثبتون النبوة أو لا؟ فإن أثبتوا النبوة لزمهم الإقرار مباشرة؛ فكيف يكذبون النبي الذي أخبر بذلك؟ وإذا كانوا لا يثبتون النبوة فيقال لهم: نبوة النبي ثابتة بالأدلة، وهي كذا وكذا وما يتبع ذلك.
[ ١٦ / ٢٤ ]
حكم الاستغاثة بصفات الله تعالى
السؤال
في الحديث المشهور: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث)، كيف تكون الاستغاثة بصفة من صفات الله تعالى؟
الجواب
الاستغاثة بصفة من صفات الله ﷿ جائزة، وهي مثل الاستعاذة بكلماته كما في الحديث: (أعوذ بكلمات الله التامات).
[ ١٦ / ٢٥ ]
معنى قول النبي ﷺ: (وما يعذبان في كبير)
السؤال
يقول: هل قوله: (وما يعذبان في كبير)، يعني: أن النميمة ليست كبيرة؟
الجواب
لا.
وإنما المعنى: لا يعذبان في عمل كبير يشق عليهم عمله.
ولهذا ورد في بعض الألفاظ: (ما يعذبان في كبير، بلى، إنه كبير)، يعني: كبير من جهة الإثم.
وقوله: (ما يعذبان في كبير)، يعني: أنه من جهة العمل بسيط يمكن التحرز منه.
[ ١٦ / ٢٦ ]
الرد على مثبت عذاب القبر ونعيمه للأرواح دون الأجساد
السؤال
ألا يمكن الرد على العقلانيين في إنكارهم لعذاب القبر في قولهم بمسألة الزئبق: بأن العذاب هو عذاب الأرواح لا عذاب الأجسام؛ لأن الأجسام تبلى وتكون ترابًا؟
الجواب
لا؛ لأن الذي يعذب في القبر الأجسام والأرواح أيضًا.
وهناك قاعدة ذكرها أهل العلم في علاقة الروح بالجسد بالنسبة للحياة في الدنيا والبرزخ.
ففي الحياة الدنيا العمل مبني على الجسد والروح تابعة له.
أما في القبر فالعكس.
فالروح هي الأصل والجسد تابع لها.
فالعذاب يكون على الروح والجسد في القبر.
وهذا هو قول جمهور أهل العلم وهو الصحيح الذي عليه العمدة.
[ ١٦ / ٢٧ ]
الجمع بين عقيدة أهل السنة في عدم في تكفير القاتل وقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنًا)
السؤال
كيف نجمع بين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] وبين قول المؤلف: إن عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يكفر القاتل؟
الجواب
قصد المؤلف هنا: أنه لا يكفر مرتكب الكبيرة.
ويقول أهل العلم في تفسيرهم لهذه الآية: إن الخلود نوعان: خلود بمعنى: طول المكث.
وخلود بمعنى: التأبيد.
فالوارد في هذه الآية معناه: طول المكث.
فمعنى الآية: أنه من طول مكثه في النار - والعياذ بالله - وهذا يشبه الذي يكون خالدًا في النار.
[ ١٦ / ٢٨ ]
مدة عذاب القبر
السؤال
هل عذاب القبر دائم أم لا؟
الجواب
بالنسبة للكفار فعذاب القبر عليهم دائمًا، وبالنسبة لعذاب المسلمين فهو بحسب أعمالهم، فيعذبون بقدر ذنوبهم، ثم ينعمون بعد ذلك.
[ ١٦ / ٢٩ ]
العذاب بالنار وحصوله بعد عذاب القبر
السؤال
المؤمن العاصي قد يعذب في قبره، فهل يعذب مرة ثانية في جهنم، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام:١٦٠]؟
الجواب
الله ﷿ عادل.
فإذا عذب عبده في قبره بمقدار ذنوبه جميعًا فلا يعذبه في الآخرة مرة أخرى، وإذا عذبه في قبره ببعض الذنوب فيعذبه في الآخرة ببعضها الآخر.
وقد لا يعذب في قبره ويعذب في الآخرة بجميع ذنوبه.
ولكنه لا ينعم قبل ذلك.
وهذا كله راجع إلى حكمة الله ﷿ وإرادته ﷾.
[ ١٦ / ٣٠ ]
كيفية تفسير نزول الله مع اختلاف وقت ثلث الليل الآخر بين البلدان
السؤال
يتفاوت ثلث الليل من دولة إلى دولة أو من منطقة إلى منطقة، فكيف يكون نزول الله؟
الجواب
من عقيدة أهل السنة أنهم لا يسألون عن كيفية الصفات؛ لأن كيفية الصفات لا نعلمها أصلًا؛ لأننا لم نرها ولم يخبرنا الرسول بكيفيتها.
فنحن نؤمن بيد الله ولا نعرف كيفيتها، ونؤمن بقدم الله ولا نعرف كيفيته، ونؤمن بعيني الله ولا نعرف كيفيتها، ونؤمن بصوت الله وكلامه ولا نعرف كيفيته.
فالكيفية غير معلومة لدينا.
وهذا الإنسان الذي تخيل هذه الشبهة كان أساس مشكلته أنه يريد أن يعرف الكيفية.
ولهذا إذا قطع الطمع في معرفة الكيفية فإنه يزول عنه الإشكال.
ونحن لا ندري كيف ينزل.
وإنما نؤمن أنه ينزل مع اختلاف الليالي واختلاف المناطق.
ولكن إذا تخيلت أنه ينزل ويطلع مثل الإنسان فتكون قد شبهت الله ﷿ بخلقه، وهذا لا يجوز.
فلا يجوز لنا أن نتصور كيفية صفات الله.
فالرسول ﷺ لم يخبرنا عن كيفية صفات الله ونحن لم نرها؛ لأنها من الغيب.
وصفات الله لها كيفية لا نعرفها، والله أعلم بها.
وإنما نثبتها؛ لأن القرآن أخبرنا أن لله صفات، وبين أن هذه الصفة غير هذه الصفة، فعلم الله غير يد الله غير قدم الله وهكذا.
وأما تحديدها وطبيعتها فلا نعرفها؛ لأنها من الغيبيات.
ولا يجوز التفكير فيها؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
فخير للإنسان ألا يفكر في هذا الأمر فهو مضيعة للوقت، ومأثم أيضًا على الإنسان.
[ ١٦ / ٣١ ]