الإيمان بالقدر وما يتضمنه من المراتب وغيرها من جملة أركان الإيمان التي لا يتم الإيمان بدونها، وقد نطقت به آيات من الكثرة بمكان، وأبانته أحاديث كثيرة رواها عدة من الصحابة الكرام، منهم أبو هريرة وعبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وعمران بن حصين وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، وصنف فيه الأئمة والعلماء، وإنما ضل فيه الجبرية والقدرية لانحرافهم عن دلائل النصوص والتسليم لها.
[ ١٨ / ١ ]
الإيمان بالقدر وأدلة وجوبه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: فالإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان يزول الإيمان بزواله.
وقد دل على الإيمان به الكتاب والسنة.
فأما الكتاب فقول الله ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].
وأما من السنة فالأحاديث كثيرة، ومن أجمعها حديث جبريل الذي رواه عمر بن الخطاب ﵁ عندما جاء جبريل إلى النبي ﷺ فسأله عن الإيمان فقال: (فالإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره).
[ ١٨ / ٢ ]
كتب مصنفة في موضوع القدر
وقد ترجم البخاري في صحيحه كتاب القدر، وكذلك في صحيح مسلم، وعند أصحاب السنن.
وقد أفرد أهل العلم لموضوع القدر مصنفات مستقلة.
ومن أقدم هذه المصنفات -المطبوعة الآن- كتاب القدر والأحاديث الواردة فيه، لـ عبد الله بن وهب القرشي تلميذ الإمام مالك المشهور المتوفى سنة (١٩٧).
ويروى أن للإمام مالك رحمه الله تعالى كتابًا في القدر، ذكر ذلك القاضي عياض وذكره الذهبي رحمه الله تعالى.
ويذكر بعض الباحثين: أن أغلب كتاب ابن وهب في القدر من رواية مالك.
ولعله هو كتاب القدر وزاد عليه عبد الله بن وهب روايات أخرى.
وممن ألف في القدر مفردًا من السلف أبو بكر الفريابي ﵀ المتوفى سنة (٣٠١هـ)، وكتابه اسمه القدر وهو مطبوع.
وألف أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ رسائل متعددة في القدر منها رسالة: أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل، وهي مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى.
وأيضًا طبعت ضمن جامع الرسائل والمسائل التي طبعها الشيخ محمد رشيد رضا في مطبعة المنار.
ومن كتبه أيضًا: كتاب الاحتجاج بالقدر على المعاصي.
وهو كتاب أيضًا مطبوع ضمن مجموعة الرسائل والمسائل.
ومن كتبه أيضًا: قصيدة له تائية يرد فيها على أحد أهل الذمة الذين احتجوا بالقدر على كفرهم، فرد عليه بقصيدة تائية شرحها الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتاب مستقل وهو مطبوع أيضًا.
وأيضًا ممن أفرد موضوع القدر ابن القيم ﵀ في كتاب سماه: شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل.
وهناك كتب متعددة طبعت مؤخرًا في القضاء والقدر.
من أشهر هذه الكتب كتاب: القضاء والقدر للدكتور فاروق الدسوقي في ثلاثة مجلدات.
وكتاب: القضاء والقدر للدكتور عبد الرحمن المحمود.
والأخير من أفضل الكتب المؤلفة في هذا الموضوع.
[ ١٨ / ٣ ]
حقيقة العبد بين كونه مسيرًا ومخيرًا
والحقيقة أن موضوع القدر موضوع يهم الجميع ويفكر فيه كل الناس.
وهو موضوع حساس اختلف فيه المسلمون قديمًا وما زال الخلاف مستمرًا فيه إلى اليوم.
وقد طرح كثير من الناس سؤالًا وهو: هل المسلم مسير أم مخير؟ يعني: هل هو مسير بقضاء سابق يدفعه إلى العمل ولا يستطيع أن يتحرك برغبته، أم هو مخير ينتقي من الأعمال ما شاء ويترك ما شاء؟ وقد تخبط في الإجابة على هذا السؤال كثير من الباحثين.
فبعضهم أجاب بأنه: مسير مطلقًا، وأراد بذلك تعظيم الله ﷿، وإثبات أن الله ﷿ هو الخالق وحده لا شريك له.
وبعضهم أجاب بالعكس وقال: إنه مخير مطلقًا.
ودافعوا عما سموه بحرية الإرادة الإنسانية، وصنفوا المؤلفات فيها.
وحاولوا أن يدفعوا فكرة أن هناك قدر سابق قدره الله ﷾ على العباد.
والحق الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإنسان مسير في أشياء ومخير في أشياء.
فمن تسيير الله له أن خلقه في هذا الوقت مثلًا.
فأنت مثلًا خلقك الله ﷿ في القرن الخامس عشر الهجري ولم يخلقك مثلًا في زمن إبراهيم أو نوح أو موسى أو عيسى أو محمد ﷺ.
فتحديد الوقت الذي خلقت فيه لم تخير فيه، وإنما أنت مسير فيه بتقدير الله ﷿ لك.
ولهذا نفذ تقدير الله ﷿ فيك في هذا، وخلقت في هذا القرن.
وكذلك طولك وقصرك ولونك وأمك وأبوك ونحو ذلك أنت مسير فيها ولست مخيرًا.
فالإنسان لا يختار شكله ولا لونه ولا طوله قبل أن يولد، وإنما ولد على هذه الهيئة التي خلقه الله ﷿ عليها، ولم يكن له في ذلك تدبير ولا تخيير.
وهو مخير من جهة أخرى، فهو مخير في الأعمال والأقوال والإرادات التي يقوم بها.
فهو مخير في فعل الصالحات أو المعاصي، وفي قول الحق أو الباطل، وفي الكفر أو الإيمان.
والحقيقة هي: أن هذا الموضوع ليس هو مدار النقاش.
فليس خلاف الفرق وخلاف الناس في أن الإنسان مسير في طوله وقصره، فهذا الأمر يعرفونه بالضرورة.
والإنسان كما هو معلوم له فعل اضطراري وفعل اختياري.
فأما الفعل الاضطراري فهو الذي يحدث فيه من غير إرادته، كالطول والقصر واللون والشكل والوقت الذي ولد فيه وأبيه وأمه وأخوته ونحو ذلك، كسقوط الإنسان عندما يسقط من مكان مرتفع فإنه لا يستطيع أن يرد نفسه مرة أخرى فكل هذه تسمى أفعالًا اضطرارية.
وأما الأفعال الاختيارية فهي التي خير فيها الإنسان، فقد خلق الله ﷿ له إرادة وقدرة ينتج عنها العمل الذي يعمله.
[ ١٨ / ٤ ]
حقيقة القضاء والقدر والفرق بينهما
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتؤمن الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره].
والقدر في اللغة هو: التقدير.
والقضاء: الحكم.
فالقضاء والقدر معناه: الحكم والتقدير.
والفرق بينهما -كما يقول بعض الشراح- هو: أن القضاء يكون بعد وجود الإنسان، والقدر قبل وجوده.
فما قدره الله ﷿ حسب علمه ﷾ وقبل وجود الإنسان يسمى قدرًا، وأما تنفيذ هذا القدر ووقوعه في حياة الإنسان بعد وجوده أو في حياة المخلوقات عمومًا بعد وجودها فيسمى القضاء.
فإذا اجتمعا كان لكل منهما معنى مستقل عن الآخر، وإذا افترقا كان كل منهما يدل على الآخر فالقضاء مفردًا يشمل القدر، والقدر مفردًا يشمل القضاء.
[ ١٨ / ٥ ]
الشر في المقدورات وحكمته وحكم إضافته إلى الله تعالى
فإن قيل: هل في القدر شر؟ قلنا: الشر المثبت في قضايا القدر هو في المقدورات والمخلوقات التي خلقها الله ﷾.
فالله ﷿ له خلق وله مخلوق.
فالشر ليس في خلق الله الذي هو صفة من صفاته، وإنما هو في مخلوقاته ﷿، وهو باعتبار ما يقع على الإنسان من آلام والمتاعب، وهو من جهة أخرى خير، فالآلام والكفر وخلق إبليس وقتل المقتولين وظلم الظالمين كل ذلك من القدر الذي قدره الله ﷿؛ لابتلاء الناس في الأرض.
الشر لا يجوز لنا أن نضيفه إلى الله؛ لأنه جاء عن النبي ﷺ في بعض دعائه قال: (والشر ليس إليك).
وطريق الجمع بين كون الشر ليس إلى الله ﷿ وبين وجوده في الواقع -مع أن هذا الوجود من خلق الله ﷿- هو أن نقول: إن الشر ليس صفة لله وإنما أثر الصفة، وهو المخلوق الذي خلقه الله ﷿.
ولوجود هذا الشر حكمة ربانية وهي الابتلاء والامتحان والاختبار.
[ ١٨ / ٦ ]
منشأ ضلال الجبرية والقدرية في خلق الشرور
وهذه هي القضية التي جهلتها بعض الفرق، فالبعض عندما أزعجتهم وضاقت صدورهم بسبب وجود الكفر والمعاصي والآفات والأمور غير المرغوبة قالوا: كيف يخلقها الله ﷿؟! وإذا خلقها وهو مقر لها فمعنى هذا: أن فعلها ليس فيه شيء.
وقال آخرون: إن هذه الأمور ليست من خلق الله حتى يخرجوا من القضية؛ لأنهم لم يفهموا الحكمة من وجودها، قال غلاة الجبرية -وهم ابن عربي الطائي الصوفي المشهور ومن سار معه على عقيدته-: إن هذه المخلوقات هي من أفعال الله والله مقر لها.
فلو أن الإنسان فعل الكفر أو المعاصي فليس عليه شيء؛ لأنها من مخلوقات الله، فنسبوها لله واحتجوا بالقدر، وجاءت هذه الطائفة الأخرى تعظم الله ﷿ فنفت القدر وقالت: هذه ليست من مخلوقات الله أبدًا، وإنما من مخلوقات العباد، فأشركت في الربوبية؛ لأنه ليس هناك خالق إلا الله ﷿.
والحقيقة هي: أن هذه من مخلوقات الله ﷾، والله خلقها ونهى عنها.
فإن قيل: كيف يخلقها وينهى عنها؟ قلنا: خلقها للحكمة وهي الابتلاء؛ ليبتلي بها العباد.
فقد خلقها الله ﷿ ونهى العباد عنها، فمن ترك نهي الله ﷿ وفعل هذه المحرمات فإنه يعاقب؛ لمخالفته لنهي الله ﷾، وخلق الطاعات وأمر بها، فمن ترك ما أمر الله ﷿ به عوقب.
فالحكمة من وجود هذه الأشياء المتضادة في الكون هو الابتلاء.
وهذه قضية واضحة في القرآن الكريم، فإن الله ﷿ يعلل لخلق الإنسان بالابتلاء، كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢].
وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥].
فكل هذه المخلوقات خلقها الله ﷿ للابتلاء والاختبار، فالعبد ليس مهملًا في هذه الدنيا وإنما مختبر.
وقد جاءت أحاديث كثيرة جدًا عن النبي ﷺ تقرر أن هذه الدار دار ابتلاء، وأن الآخرة دار جزاء، ولأجل هذا لو أطاع الإنسان الله ﷿ في الآخرة فلا تنفعه الطاعة؛ لأن دار الابتلاء انتهت بالموت أو بالقيامة الكبرى التي تزيل معالم الدنيا بأكملها.
[ ١٨ / ٧ ]
مراتب القدر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين].
اختلف المصنفون في درجات الإيمان بالقدر، والحقيقة أن هذا الاختلاف اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، فهم يتفقون في المعنى لكنهم قد يختلفون في اللفظ.
وشيخ الإسلام ﵀ هنا جعلها درجتين، وجعل كل درجة درجتين.
وبعضهم يفصلها ويجعلها أربع مراتب.
وهذه الأربع التي تمثل حقيقة القدر كلها تعود إلى صفات الله تعالى.
فالمرتبة الأولى: العلم.
والمرتبة الثانية: الكتابة.
والمرتبة الثالثة: المشيئة والإرادة.
والمرتبة الرابعة: الخلق.
وكلها تعود إلى الله ﷿ وإلى صفاته.
ولهذا يقول أهل العلم: القدر سر الله ﷾؛ ولأجل هذا نهى النبي ﷺ عن الخوض في القدر بغير علم، وبين أنه يجب على المسلم أن يؤمن بقدر الله ﷾.
[ ١٨ / ٨ ]
مرتبة العلم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال].
هذه المرتبة الأولى، وهي: إثبات علم الله ﷾ الشامل العام لكل شيء.
وهذا بداية الإيمان بالقدر.
وهي أن يعلم الإنسان ويوقن ويجزم بأن الله ﷿ علمه شامل وعام ليس كعلم المخلوق، فهو يعلم ﷾ ما سيخلق إلى الأبد، ونحن لا نعلم مثلًا من الذين سيخلفوننا في هذه المدينة بعد قرن من الزمن؛ لأن علمنا محدود.
والله ﷿ يعلمهم ويعلم ماذا يعملون وكيف يعملون على التفصيل الدقيق، فما تسقط من ورقة في ظلمات البر ولا حبة إلا يعلمها، وهي في كتاب عنده ﷾.
فلا يمكن أن يضل أحد في القدر إلا لنقص علمه بعلم الله ﷾.
فعندما يكون علم الإنسان وتصوره ناقصًا عن علم الله وسعته وشموليته يضل في القدر.
وإذا أدرك هذه الصفة وآمن بها على حقيقتها فإنه لا يضل أبدًا.
ولهذا يقول الشافعي رحمه الله تعالى وغيره من علماء أهل السنة: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أجابوا - يعني: اعترفوا بصفة العلم - خصموا -يعني: غلبوا- وإن أنكروا - يعني: أنكروا صفة العلم - كفروا.
[ ١٨ / ٩ ]
مرتبة الكتابة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق].
وهذه هي الدرجة الثانية، وهي: كتابة الله ﷿ لما علمه من مقادير الخلق في اللوح المحفوظ.
واللوح المحفوظ مخلوق من مخلوقات الله ﷿ العظيمة الكبيرة، وهو في السماء السابعة، كما ورد في أحاديث الإسراء، ولم يثبت في صفته حديث صحيح فيما أعلم.
واللوح المحفوظ كتب فيه كل شيء على التفصيل؛ لأن اللفظ الوارد في الحديث عن النبي ﷺ لفظ عام، فليس هناك شيء مما هو كائن من المخلوقات ومما يتعلق بأعمال بني آدم أو الجن أو الحيوانات أو بقية المخلوقات إلا وقد كتبه ﷾ في اللوح المحفوظ.
قال المؤلف ﵀: (فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب.
قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)].
وهذا الحديث صحيح رواه أبو داود في سننه، والترمذي أيضًا.
وأورد ابن أبي عاصم في السنة جملة من الأحاديث بهذا المعنى، وصححها الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
وهذا الحديث فيه النص على الكتابة، فأول ما خلق الله القلم.
والقلم مخلوق من مخلوقات الله ﷿.
[ ١٨ / ١٠ ]
المراد بالقلم المكتوب به ما هو كائن إلى يوم القيامة
فإذا قيل: هل المقصود بالقلم هنا أنه قلم واحد، أو المقصود به الجنس؟ قلنا: ورد في أحاديث أخرى أن النبي ﷺ قال: (جفت الأقلام ورفعت الصحف).
وقال: (جفت الأقلام وطويت الصحف).
وهذا يدل على أنها مجموعة أقلام.
والوارد في النص هنا القلم، فيكون المقصود به الجنس، وأنها أقلام متعددة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ [الإنسان:١]، فالإنسان هنا ليس شخصًا محددًا وإنما المقصود به جنس الإنسان.
وفي الحديث: (قال: اكتب.
قال: ما أكتب؟).
وهذا يدل على أن القلم يتكلم: (قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة).
فقوله: (ما هو كائن)، هذه اللفظة عامة تشمل كل شيء، حتى القرآن الكريم مكتوب في اللوح المحفوظ.
[ ١٨ / ١١ ]
الجمع بين سبق كتابة القرآن الكريم في اللوح المحفوظ وتكلم الله به حال التنزيل
فإن قيل: كيف كتب في اللوح المحفوظ ثم نزل على النبي ﷺ وتكلم به الله ﷿؟ قلنا: ليس هناك إشكال في هذا.
فقد كتبه الله في اللوح المحفوظ، وهذه الكتابة كتابة قديمة قبل خلق السماوات والأرض؛ لأن الله ﷿ كتب مقادير العباد قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
ثم لما جاء زمن النبي ﷺ تكلم به ﷾ في كل وقت بما يناسبه.
والله ﷿ يتكلم متى شاء، وكيف شاء.
ويتكلم بحرف وصوت، وليست أصواته كأصوات المخلوقين، ولا كلامه ككلام المخلوقين، بل هو ﷾ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
[ ١٨ / ١٢ ]
سبق كتابة كل مقدور
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفت الأقلام وطويت الصحف).
كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]].
وهذه الآية دليل على المرتبتين، فإن قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحج:٧٠]، فيها صفة العلم، والشمول فيها مأخوذ من قوله: ﴿مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحج:٧٠].
وما هنا موصولة بمعنى: الذي، وهي من صيغ العموم.
فقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحج:٧٠]، يعني: يعلم كل ما في السماء والأرض.
فهذه هي المرتبة الأولى وهي مرتبة العلم.
ثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠]، وكتاب هنا جاء على وزن فعال.
وفعال يأتي على وزن مفعول وعلى وزن فاعل في المعنى.
فكتاب هنا جاء على وزن مفعول، مثل: إله يأتي على وزن مفعول، فنقول: مألوه يعني: معبود.
فقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠]، يعني: أن ذلك مكتوب في كتاب.
قال المؤلف ﵀: [﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢]].
ونبرأها يعني: نخلقها.
والباري هو الخالق ﷾ ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].
[ ١٨ / ١٣ ]
أنواع الكتابة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا التقدير -يعني: وهذه الكتابة- التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلًا].
يعني: الكتابة التي كتبها الله ﷾ على خلقه أنواع: كتابة عامة، وهي الواردة في اللوح المحفوظ.
وكتابة خاصة بالعباد، وهي أنواع.
فمنها: كتابة عمرية.
ومعنى عمرية: أنه يكتب كل شيء في عمر الإنسان.
وهذه الكتابة تكون عندما يخلق الإنسان في بطن أمه، كما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ في الحديث المشهور أنه قال: (حدثني الصادق المصدوق: إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك)، إلى أن قال: (ثم يرسل إليه ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، فيقال: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد).
وهذه الكتابة للملك؛ لأن الذي يؤمر بالكتابة هو الملك الموكل بالإنسان، فيكتب في صحيفته تقدير هذا الإنسان حتى يموت.
ومنها: كتابة حولية.
وتكون في كل سنة، ويكون ذلك في ليلة القدر في رمضان.
والدليل على ذلك قول الله ﷿: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤].
قال المفسرون: المراد: يكتب تقدير السنة للإنسان.
وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ إلى هذا في قوله: [ونحو ذلك]، وأثبت كتابة أخرى غير الكتابة في اللوح المحفوظ وجاء لها بمثال واحد، وأجمل الثاني.
فأما المثال الذي جاء به فهو التقدير العمري، وذكر حديث ابن مسعود أو بمعناه.
وأما الثاني؛ فإنه لم يصرح به، وإنما أشار إليه في قوله: [ونحو ذلك].
قال المؤلف ﵀: [فهذا التقدير قد كان ينكره غلاة القدرية قديمًا ومنكروه اليوم قليل].
وقد ورد في حديث النبي ﷺ لما سألوه وقالوا: (يا رسول الله! أنعمل في شيء مضى وانقضى أم في أمر مستقبل؟)، يعني: هل نعمل في شيء قد كتبه الله علينا سابقًا أو نعمل في شيء مستقبل؟ يعني: نحدثه نحن؟ (قال: بل في شيء مضى وانقضى، قالوا: ففيم العمل؟)، يعني: لماذا نعمل.
(قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له).
[ ١٨ / ١٤ ]
الكتابة لا تدل على الجبر
فإذا كان الله ﷿ قد كتب علينا وعلى كل الإنس والجن كل شيء، وكتب منزلتهم ومكانتهم سواء من الجنة أو من النار، -أعاذنا الله وإياكم منها- فقد يقول قائل: ألا تدل هذه الكتابة على أن الله جبرنا؟ فنقول: ليس جبرًا.
فإذا قيل: كيف لا يكون جبرًا وقد كتبنا وانتهى الأمر؟! فنقول: إننا إذا آمنا بعلم الله الشامل العام فحينئذ يزول عنا هذا الإشكال.
فإن هذا الإشكال إنما يرد عندما نظن أن الله لا يعلم ماذا سنعمل.
يعني: أننا تحدث لنا أحداثًا في مستقبل الأيام، وسنختار كيف نتعامل معها بإراداتنا وبشهواتنا وبقناعاتنا، وهذا الاختيار علمه الله ﷿ قبل أن نختاره؛ لأن علمه شامل لكل شيء.
وإذا كان علمه شاملًا لكل شيء فمعنى هذا أن اختيارنا علمه الله قبل أن نختاره فكتبه.
وليس معنى كتابة الله له في اللوح المحفوظ أنه ألزم العباد بشيء لا يريدونه، وإنما كتب في اللوح المحفوظ ما علم أنه سيقع من العباد باختيارهم.
وما كتبه الله سيقع منا باختيارنا، فلو فرضنا أن الله كتب علينا شيئًا فإننا لا نستطيع أن نغير ما كتبه الله؛ لأننا أصلًا لا ندري ماذا كتب الله علينا؛ ولهذا قال العلماء: القدر سر الله ﷿.
[ ١٨ / ١٥ ]
فساد الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي
ولهذا من يحتج بالقدر فحجته أفسد حجة.
مثل العاصي الذي يقول: إن الله كتب علي ألا أصلي، فإذا سألناه: وكيف علمت أن الله كتب عليك ألا تصلي؟ فهل أطلعك على الغيب، أو جاءك ملك من الملائكة وأخذك من الأرض وصعد بك إلى السماء فدخلتها ورأيت اللوح المحفوظ مكتوبًا فيه: إنك لا تصلي؟ فهذا كذب.
وإنما أنت الذي تركت الصلاة برغبتك.
وهو سبحانه لم يكتب أنك ستترك الصلاة بعد أن انتهيت من تركها، وإنما كتبها قبل أن تتركها؛ لأنه علم أنك ستتركها فكتبها ﷾.
فهل تركك للصلاة أجبرك الله عليه؟ كلا، لم يجبرك عليه، وإنما كتب ذلك لأنه علم أنك ستتركها.
يتلخص من هذا: أن مدار موضوع القدر هو الإيمان بالعلم، فعندما يؤمن الإنسان أن الله ﷿ يعلم مستقبل الأمور وما سيختاره العبد فحينئذ تزول هذه الشبهة منه.
ونضرب لذلك بمثال محسوس: إذا كان عندنا كتاب فبإمكاننا أن نفتحه أو نتركه مغلقًا؛ لأننا مختارون، ولسنا ملزمين بشيء معين.
وبعد لحظات لا أحد يعلم هل سنفتحه أم لا، ولكن الله يعلم ذلك.
فإذا لم نفتحه، وقبل أن نتكلم بهذا كان الله قد كتب ﷾: أننا سنقول: هل سنفتح الكتاب أو لا؟ ثم سنختار عدم فتحه ولم يجبرنا أحد على ذلك، وإنما كتبه الله؛ لأنه عليم بما سنفعل، وعلمه واسع شامل.
فبهذه الصورة نفهم هذا الموضوع، وحينئذ فلن يحتج علينا المحتج بأنه مجبور على فعله، بل هو مختار كما بينا.
[ ١٨ / ١٦ ]
مرتبة المشيئة
قال المؤلف ﵀: [وأما الدرجة الثانية فهي: مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السماوات وما في الأرض من حركة ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه سبحانه على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات].
ويدل على إثبات صفة المشيئة آيات كثيرة جدًا في القرآن.
وهناك آيات خاصة بصفة المشيئة المتعلقة بفعل العبد، فمثلًا: يقول الله ﷿: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩].
ويقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود:١١٨].
ويقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠].
فصفة المشيئة لله يجب أن يثبتها الإنسان -حتى يؤمن بالقدر- من خلال إيمانه أنه لا يمكن أن يحدث في كون الله ﷿ إلا ما شاءه الله ﷿، حتى الكفر والمعاصي والذنوب، فجميع الأشياء لا يمكن أن تحصل إلا بمشيئة الله.
[ ١٨ / ١٧ ]
العلاقة بين المشيئة والأمر والنهي الشرعيين
وهناك من خلط بين مشيئة الله ﷿ وبين أوامر الله ﷿ الشرعية.
فبعضهم يظن أن كل ما خلقه الله من الأشياء القبيحة والحسنة قد شاءه ﷾، وما دام أنه شاءه فمعنى هذا أنه يقره ويبيحه.
وهذا باطل.
قال: إن عندنا نصوصًا واضحة في القرآن والسنة تدل على أن الله ﷿ ينهى عن الكفر وعن المعاصي وعن الذنوب وعن القبائح وعن الظلم والزنا والفجور وشرب الخمور، ونحو ذلك وما دام أن هذه الآيات واضحة، وهي أوامر الله ﷿ فما يحدث في الكون ليس بمشيئة الله؛ لأنه إذا شاءه فمعنى هذا أنه يقره.
فأصل الشبهة فاسدة، لأنه لا يلزم من خلق الله لهذه الأشياء أن يقرها، وإنما خلقها للابتلاء والامتحان.
فلا يمكن أن يوجد في الكون شيء لم يرده الله.
[ ١٨ / ١٨ ]
أقسام الإرادة
ويقسم العلماء الإرادة إلى قسمين: إرادة كونية.
وإرادة شرعية.
فأما الإرادة الكونية فهي: إرادة الله ﷿ للموجودات.
فلا يمكن أن يوجد شيء لم يرده الله أبدًا؛ لأنه لا يكون في كونه إلا ما يريد، ولأنه ليس هناك إله آخر يخلق غير الله ﷾.
وأما الإرادة الشرعية فهي: ما أمر الله ﷿ به ونهى عنه.
والإرادة الكونية أوسع، وهي تشمل المخلوقات جميعًا؛ لأن هذه المخلوقات أرادها الله ﷿ وقدرها للابتلاء، ثم أمر ببعضها ونهى عن بعضها.
فالإرادة الشرعية هي ما أمر الله به، وأما ما نهى عنه فليس إرادة شرعية، وإنما هو إرادة كونية.
فموضوع الإرادة كالآتي: هناك إرادة واسعة تشمل المخلوقات جميعًا، وكل المخلوقات الموجودة في الكون حسنها وقبيحها خيرها وشرها جميعًا أرادها الله كونًا؛ لأنه لا يمكن أن يوجد في كون الله شيء لا يريده.
ثم هذه المرادات والمخلوقات جميعًا منها ما أمر الله به كالصلاة والصيام والحج والزكاة وبر الوالدين ونحو ذلك من الأعمال الصالحة، فهذه هي الإرادة الشرعية، ومنها ما نهى عنه فهذه تشملها الإرادة الكونية.
فقول المؤلف: [ولا يكون في ملكه إلا ما يريد]، يعني: لا يمكن أن يحصل في ملك الله شيء لا يريده، والمقصود بالإرادة هنا الإرادة الكونية.
[ ١٨ / ١٩ ]
مرتبة الخلق
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه].
ومنها خلق أفعال العباد سبحانه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه، لا خالق غيره، ولا رب سواه.
ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعته وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته.
وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين.
ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد].
فالله ﷿ هو الخالق لكل شيء، وأفعالنا خلقها الله، الصالح منها وغير الصالح.
والعبد لا يمكن أن يخلق فعل نفسه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والعباد فاعلون حقيقة والله خالق أفعالهم.
والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم.
وللعباد قدرة على أعمالهم ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩]].
فالعباد لهم إرادة حقيقة وهم مسئولون عن أفعالهم، ولهذا يقول الله ﷿: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
فنسب العمل إلى العبد.
والآيات التي تدل على أن العمل منسوب إلى العبد وأنه مؤاخذ به كثيرة جدًا، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٧].
وهكذا بقية الأعمال منسوبة إلى العبد حقيقة.
فالعمل فعله العبد، وخلقه الله في نفس الوقت.
وهذه نقطة حساسة ينبغي الانتباه لها، وهي: أن بعض الناس يظن أنه إذا كان الله ﷿ خلق فعل العبد فمعنى هذا أن العبد مجبور؛ لأن فعله مخلوق.
ونحن نقول: الله ﷿ خلق فعل العبد، وهو ليس بمجبور، فالعمل يتكون من القدرة على العمل ومن الإرادة له.
فإذا وجدت القدرة التامة والإرادة الجازمة نتج العمل مباشرة.
فالله خلق قدرة العبد وإرادته، فنتج عنهما العمل، فيكون العمل مخلوقًا لله ﷿.
[ ١٨ / ٢٠ ]
وجه نسبة العمل إلى العبد مع أن الله تعالى خالقه
فإذا قيل: إذا كان العمل مخلوقًا لله ﷿ فكيف ينسب للعبد؟ فنقول: ينسب للعبد على أن العبد سبب في وجوده، كما في قاعدة حدوث الأسباب فمثلًا: إذا أراد الله خلق النبات فإنه ينزل المطر من السماء فيقابل تربة متهيئة فينبت النبات فهذا النبات نبت بسبب المطر، وليس المطر هو الذي خلق النبات، وإنما خلقه الله وإنما يقال: إن المطر سبب وجود النبات؛ لأن الله جعله سببًا.
وهكذا فعل العبد، فقدرته مخلوقة خلقها الله ﷿، وهذه القدرة تنتج عنها مقدورها، وهو العمل من الصلاة والصيام والشر والخير وشرب الخمر والزنا، وغيرها من الأعمال، فهذه الأعمال تنسب للعبد مع أن القدرة مخلوقة لله.
والله هو الذي خلق القدرة وجعل من صفاتها: أنها سبب في إنتاج العمل، وقد تكون سببًا في عدم وجوده إذا عطلها الإنسان.
فقدرة العبد مخلوقة لله ﷿، وهي سبب في إنشاء مقدورها، وليست مستقلة في وجود العمل عن الله، وهي ليست مثل العلم الاضطراري، كرعشة المرتعش، أو سقوط الساقط وإنما تختار الأنواع المتقابلة، يعني: أن العبد يجد بين يديه أنواعًا، فيأخذ هذا باختياره ويترك هذا باختياره.
وهذا الاختيار ليس مستقلًا عن الله، بل الله ﷿ خالقه ﷾.
وما دام أن الله خالقه فلا ينسب إلى العبد إلا على أنه سبب في وجوده، وهذا السبب اختياري يشعر به الإنسان في نفسه، كما أن المطر سبب اضطراري في وجود الزرع.
وهذه الأسباب يمكن أن نقسمها إلى قسمين: أسباب اختيارية، مثل فعل العبد.
وأسباب اضطرارية تنتج مقدورها من غير إرادة، كالمطر وغيره من الأسباب الأخرى.
فالعبد مسئول عن فعله وسيحاسب عليه يوم القيامة، وليس مجبورًا عليه.
وهذا يدل عليه القرآن والسنة والإجماع والحس.
فمثلًا: أنت تشعر أنك لست مجبورًا، فإذًا: أنت مسئول عن عملك وستحاسب عليه يوم القيامة حقيقة، ولست مظلومًا في ذلك؛ لأنك مختار، وليس عندك إشكال فيه.
[ ١٨ / ٢١ ]
بيان ضلال القدرية والجبرية في أفعال العباد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ: (مجوس هذه الأمة)].
وهذا الحديث رواه أبو داود والإمام أحمد في السنن، واختلف فيه العلماء صحة وضعفًا، وبعضهم يرى أنه موقوف وليس مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
قال المؤلف ﵀: [ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات، حتى سلبوا العبد قدرته واختياره.
ويخرجون عن أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها].
[ ١٨ / ٢٢ ]
أحاديث القدر من صحيح الإمام البخاري
[ ١٨ / ٢٣ ]
حديث عبد الله بن مسعود في مراحل الخلق وكتابة الملك
الحديث الأول أحاديث القدر هو: حديث ابن مسعود ﵁ قال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربعة: برزقه وأجله وشقي أو سعيد.
فو الله إن أحدكم - أو الرجل - يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).
والمسائل المتعلقة بالقدر في هذا الحديث هي: أولًا: إثبات الكتابة العمرية التي في صحف الملائكة.
فالملائكة تكتب ما قدره الله ﷿ على العبد في عمره، ثم تتابع هذه الأقدار؛ لأن الله ﷾ خلق هؤلاء الملائكة يتابعون تنفيذ أقداره ﷾ في العباد.
والمسألة الثانية هي: مسألة سبق الكتاب.
ومعنى سبق الكتاب: أن العبد يعمل في بداية عمره بعمل أهل الجنة أو أهل النار ثم في آخر عمره يختار غير ما بدأه في بداية عمره.
فمثلًا: في بداية عمره يكون الظاهر أنه سيكون من أهل الجنة، ولكن الله ﷿ علم أنه في آخر عمره سيختار مثلًا طريق أهل النار فكتبه عليه، فعبر النبي ﷺ عن ذلك بقوله: (يسبق عليه الكتاب).
ولهذا يقول شراح الحديث -مثل الحافظ ابن حجر ﵀-: هذا الحديث يدل على التحذير من سوء الخاتمة.
وبعض العلماء يوجه قوله: (وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، توجيهًا آخر فيقول: إنه ورد في بعض الروايات أنه قال: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس)، ففهم بعض أهل العلم من قوله: (فيما يبدو للناس)، يعني: أن هذا الرجل الذي تحدث عنه النبي ﷺ في هذا الحديث هو المنافق الذي يظهر غير ما يبطن ثم ينكشف في آخر أمره ويموت على الكفر.
وهذا التوجيه ذكره الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم في شرحه لهذا الحديث، إلا أن التوجيه الأول أقوى؛ لأن قوله: (فيما يبدو للناس)، لا يعارض التوجيه الأول؛ لأنه يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس أنه سيموت عليه، ولكنه سيختار في آخر عمره عمل أهل النار، وهذا ما كتبه الله بحسب علمه الشامل، فيختار طريق أهل النار فيموت عليها.
ولهذا يعتبرون هذا الحديث من أحاديث الوعيد في سوء الخاتمة.
[ ١٨ / ٢٤ ]
حديث أنس فيما يكتبه الملك الموكل بالرحم في بطن الأم
الحديث الثاني وهو: حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (وكل الله بالرحم ملكًا فيقول: أي ربي نطفة، أي ربي علقة، أي ربي مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي ربي، ذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه).
وهذا يؤكد الحديث السابق من كتابة الملك ما علمه الله ﷿ من فعل العبد.
[ ١٨ / ٢٥ ]
حديث عمران بن حصين وغيره في سبق علم الله تعالى بأهل الجنة والنار
قال المؤلف ﵀: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣].
ويبدو أن البخاري ﵀ يفسر قوله: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣] يعني: على علم منا.
لأن بعض الناس يفهم من هذه الآية: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣]، يعني: أنه كان عالمًا وضل.
ولكن يبدو من سياق البخاري ﵀ أن قوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٣]، يعني: أن الله ﷿ أضل هذا العبد؛ لأنه علم أنه سيختار الضلال.
وقال أبو هريرة: قال لي النبي ﷺ: (جف القلم بما أنت لاقٍ).
قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٦١]، سبقت لهم السعادة.
يعني: عند الله ﷾ بحسب علمه ﷾.
وما جاء عن أبي هريرة وابن عباس من المعلقات.
ولكن الحديث المسند هو عن عمران بن حصين قال: (قال رجل: يا رسول الله! أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم.
قال: فلم يعمل العاملون؟ قال: كل يعمل لما خلقه أو لما ييسر له).
-أسأل الله ﷿ أن ييسرنا لليسرى- وهذا الحديث واضح أن أهل الجنة معروفون من أهل النار، وفيه الرد على القدرية.
[ ١٨ / ٢٦ ]
حديث ابن عباس في سبق علم الله تعالى بما كان سيعمله أولاد المشركين
عن ابن عباس ﵄ قال: (سئل النبي ﷺ عن أولاد المشركين فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين).
ولهذا يمتحنون يوم القيامة -كما رجح أهل العلم- هم وأهل الفترة ومن بلغته الرسالة وهو مجنون أو معتوه، أو نحو ذلك.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن ذراري المشركين؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين).
وعن أبي هريرة قال: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه، كما تنتجون البهيمة هل تجدون فيها من جدعاء، حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟ قالوا: يا رسول الله! أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين).
[ ١٨ / ٢٧ ]
حديث أبي هريرة في نهي المرأة عن سؤال طلاق أختها
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها، ولتنكح - يعني: تنكح زوجها - فإن لها ما قدر لها).
فما يحصل من المصائب ومن طلب الإنسان لرزقه كله مكتوب، ولا يعني هذا أن الإنسان لا يفعل السبب، بل يفعل الأسباب ولكن لا يتعلق قلبه بها، فلا يتعلق قلبه بالمال ولا بالدنيا، ولا بالزوجة، ولا بالأبناء، ولا بمتاع الدنيا.
وبعض الناس يعصي ربه من أجل الأسباب الدنيوية، فمثلًا: إذا كان عنده وظيفة فقد يعصي الله ﷿ من أجل البقاء في هذه الوظيفة، أو إذا كان عنده مال فقد يعصي الله ويأكل الربا من أجل هذا المال، أو إذا كان عنده زوجة بغي خائنة - والعياذ بالله - فيمسكها لأنها جميلة، وهكذا.
فبعض الناس يعتمدون على الأسباب وينسون تقدير الله ﷿.
[ ١٨ / ٢٨ ]
حديث أسامة بن زيد في مقالة رسول الله ﷺ لابنته حال احتضار ابنها
وعن أسامة قال: (كنت عند النبي ﷺ إذا جاءه رسول إحدى بناته وعنده سعد وأبي بن كعب ومعاذ أن ابنها يجود بنفسه - يعني: يكاد يموت - فبعث إليها: لله ما أخذ ولله ما أعطى، وكل بأجل، فلتصبر ولتحتسب).
وورد في روايات أخرى للحديث: أن هذا الابن لابنته زينب، وأنه لم يمت.
(أنه جاء إليه النبي ﷺ وأخذه بيده وأخذت نفسه تقعقع، فبكى ﷺ، فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ فقال: هذه رحمة وضعها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء).
وهذا الحديث ساقه البخاري ﵀ في باب: العمل بالخواتيم.
[ ١٨ / ٢٩ ]
حديث أبي هريرة في احتجاج آدم وموسى ﵉
وساق بإسناده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (احتج آدم وموسى فقال له موسى: يا آدم! أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة.
قال له آدم: يا موسى! اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده)، وفي رواية أخرى: (خط لك التوراة بيده.
أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، ثلاثًا).
وهذا الحديث حديث طويل، وتشعب العلماء في شرحه على مناهج مختلفة.
وأصح ما قيل فيه هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث في مجموع الفتاوى، قال: إن موسى ﵇ لم يلم آدم على المعصية وهي الأكل من الشجر، وإنما لامه على نتيجة المعصية وهي الخروج من الجنة.
فيقول: خيبتنا، يعني: أخرجتنا من الجنة.
والخيبة هي تكون بالنتيجة وليست بالمعصية؛ لأن موسى ﵇ نبي مكلم، ولا يمكن أن يلومه على المعصية وقد تاب منها، وإنما لامه على المصيبة الناتجة عن المعصية وهي الخروج من الجنة.
فاحتج آدم بالقدر على المصيبة ولم يحتج بها على المعصية.
ويذكر العلماء قاعدة في موضوع الاحتجاج بالقدر، وهي: الاحتجاج بالقدر يجوز على المصائب دون المعائب.
يعني: لو حصل لك حادث مثلًا، وانقطعت يدك ومات معك مجموعة من الناس، فلو جاءك إنسان ولامك وقال: يا أخي كيف انقطعت يدك؟ فتحتج له بالقدر وأن هذا أمر كتبه الله عليك.
ولكن لا يحتج بالقدر على المعائب، كأن يفعل الإنسان معصية ويقول: قدرها الله علي.
وإذا كانت المعصية بعد التوبة منها فتعتبر من المصائب.
وقد ذكر ابن القيم في شفاء العليل قولًا آخر في توجيه هذا الحديث وهو: أن موسى ﵇ لام آدم على معصيته بعد أن تاب منها، فاحتج آدم عليه بأن التوبة من المعصية تجبها، وأن فعل المعصية مع أنه تاب منها أصبحت مصيبة في حقه، وليست معصية يريد أن يفعلها.
ولهذا يقول العلماء: إن الاحتجاج بالقدر على المصائب مباح، والاحتجاج بالقدر على المعائب والمعاصي مذموم.
فالإنسان لا يجوز له أن يفعل المعصية ويقول: قدرها الله علي.
فإذا فعل ذلك فقد ارتكب عدة أخطاء: الخطأ الأول: أنه ادعى ما لم يعلم وكذب على الله ﷿.
والأمر الثاني: أنه احتج بركن من أركان الإيمان في غير موطنه وموضعه.
وشرح هذا الحديث يمكن مراجعته في مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
ويمكن مراجعة شرح كتاب القدر في فتح الباري، وإن كان لـ ابن حجر فيه اختيارات قد يكون مخالفًا للسنة في بعضها.
أسأل الله ﷿ أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح إنه على كل شيء قدير.
[ ١٨ / ٣٠ ]
الأسئلة
[ ١٨ / ٣١ ]
حكم من يقول: إنه كافر، وهو يعرف معنى ما يقول
السؤال
إذا نصح الرجل زوجته فردت عليه بقولها: إنها كافرة، مع أنها طالبة متخرجة من الدراسات الإسلامية، وتعرف معنى ما تقول.
فما الحكم؟
الجواب
هي كما قالت عن نفسها -والعياذ بالله- حتى تتوب.
[ ١٨ / ٣٢ ]
أثر الهم والحزن من ضيق الرزق على الإيمان بالقدر
السؤال
هل الهم والحزن من ضيق الرزق مثلًا أو من المرض أو من الدين اعتراض على قدر الله، أو هو ضعف في الإيمان بالقدر؟
الجواب
الهم والحزن لضيق الرزق إذا كان مجرد هم نفسي كأن يكون الإنسان يتعب نفسيًا من ضيق الرزق، وإذا تعب نفسيًا أصابه هم وحزن، فإن ترتب على هذا الهم والحزن مثلًا بحث عن الرزق بأي أسلوب ولو كان محرمًا فهذا يدل على عدم الإيمان بالقدر.
وكذلك إذا جزع مثلًا من ضيق الرزق فهذا يدل على عدم الإيمان.
وأما مجرد المضايقة النفسية العادية التي تحصل للبشر فلا يكون الإنسان محاسبًا عليها، إلا إذا تجاوزت حدودها.
وبعض الناس قد تصيبه الأمراض النفسية، وهذا يدل على ضعف إيمانه بهذا الركن العظيم من أركان الإيمان.
[ ١٨ / ٣٣ ]
الجمع بين دراسة القدر ونهي النبي ﷺ عن الخوض فيه
السؤال
كيف يجمع بين نهي النبي ﷺ الصحابة عن الحديث في القدر وبين الدروس التي تلقى في مسائل القدر؟
الجواب
نهي النبي ﷺ للصحابة عن الحديث في القدر ليس نهيًا عن الحديث الصحيح فيه، وإنما نهاهم عندما وجدهم يضربون كتاب الله بعضه ببعض، فهذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية، فغضب؛ لأنه رآهم يبحثون في القدر بغير المنهج الشرعي، فغضب عليهم ونهاهم عن هذا النوع من البحث فانتهوا، وإلا فإن أحاديث القدر كثيرة.
هذا أولًا.
وثانيًا: الحديث عن القدر يزيد في الإيمان؛ لأنه ركن من أركان الإيمان، ولا يمكن أن ينهى النبي ﷺ عن الحديث في ركن من أركان الإيمان.
فالمقصود بالنهي هو النهي عن الكلام الباطل والمنهج المنحرف في الحديث في هذا الموضوع.
[ ١٨ / ٣٤ ]
درجة ثبوت سؤال عمر ربه تعالى كتابته في ديوان السعداء ومحوه من ديوان الأشقياء إن كان شقيًا
السؤال
هل مقولة عمر ﵁ صحيحة: اللهم إن كنت كتبتني شقيًا فامحني واكتبني سعيدًا؟
الجواب
لا أظن أن مثل هذا يثبت عن عمر؛ لأن هذا من الاعتداء في الدعاء.
والدعاء الصحيح هو: اللهم اكتبني سعيدًا.
[ ١٨ / ٣٥ ]
انتفاء وصف الفساد عن الإرادة المخلوقة في العبد
السؤال
أليس الله هو الذي خلق الإرادة للعبد، فإذا كانت هذه الإرادة فاسدة فإنها تؤدي إلى عمل المعاصي؟
الجواب
الله ﷿ خلق الإرادة للعبد، والإرادة من حيث هي إرادة ليست فاسدة؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة كما في الحديث.
فهو أول ما يولد لا تكون الإرادة عنده فاسدة.
وإنما هو يرغب في الشر أو في الخير بإرادته، فليست الإرادة فاسدة إلا عندما يفسدها هو برغبته، أو يفسدها غيره فيطيعه، كأن يفسدها أبوه فيطيعه، أو يفسدها صديقه فيطيعه.
وإلا فإن الإنسان مختار، والاختيار فيه ظاهر.
وبهذا نجمع بين الإيمان بعلم الله السابق وكتابته للأقدار وبين اختيار الإنسان وأنه ليس مكرهًا.
[ ١٨ / ٣٦ ]
كيفية نزول القرآن
السؤال
كيف نزل القرآن؟ وهل نزل من الله مباشرة أم عن طريق جبريل إلى الرسول ﷺ؟
الجواب
القرآن تكلم الله ﷿ به فسمعه منه جبريل فبلغه للرسول ﷺ، ونقل له كلام الله ﷿.
[ ١٨ / ٣٧ ]
كيفية التصبر عند نزول المصائب إذا لم تحتمل
السؤال
إذا أصابتنا مصيبة فكيف نصبر أنفسنا إذا لم نتحملها؟
الجواب
إنما الحلم بالتحلم والصبر بالتصبر، والإنسان يحاول ويجتهد أن يصبر نفسه ويدربها على الصبر، ويعلم أن جزعه هذا لا يفيد، وإنما يضر نفسه ولا ينفعها، وحينئذ يشعر بالراحة.
[ ١٨ / ٣٨ ]
الحكمة من كتابة الملائكة للحسنات والسيئات مع سبق كتابتها في اللوح المحفوظ
السؤال
ما الحكمة من جعل الملائكة يكتبون الحسنات والسيئات وهي مكتوبة في اللوح المحفوظ؟
الجواب
الله أعلم بالحكمة.
وليس كل خبر أخبر به الله ﷿ لا بد أن نعرف حكمته.
وهو له حكمة قطعًا لكن قد لا نعلمها، وعدم العلم بالشيء لا يعني عدم وجوده.
وليس هناك نص معين في الحكمة من ذلك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ١٨ / ٣٩ ]