تحتل مسائل الإيمان مكانة عظيمة بين أبواب العقيدة، لما وقع فيه من الخلاف بين أهل السنة ومن ناوأهم من الفرق الضالة، ومن جملة مسائله حقيقته عند أهل السنة في كونه قولا وعملا، يشمل تصديق القلب وعمله وقول اللسان وعمل الجوارح، وقد ضل فيه الخوارج غلوًا، والمرجئة تفريطًا، فنشأ عن ضلالهم آثار خطيرة في حياة المسلمين تجاه التعامل مع المنكرات والمعاصي الصادرة من أهل القبلة.
[ ١٩ / ١ ]
الإيمان في عقيدة أهل السنة والجماعة
[ ١٩ / ٢ ]
أهمية باب الإيمان بين أبواب العقيدة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه وسنتهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: فيعتبر موضوع الإيمان من أهم موضوعات العقيدة، بل من أعظم الموضوعات الأساسية في حياة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو كذلك من المسائل التي وقع فيها الاختلاف والتفرق في حياة الأمة، وترتب عليه الكثير من المشكلات والاختلافات والتفرق.
وقد ألف السلف الصالح رضوان الله عليهم تصانيف مفردة في الإيمان، وممن ألف في ذلك: أبو عبيد القاسم بن سلام، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى الحنبلي، والعدني، وللإمام أحمد ﵀ كتابًا اسمه (الإيمان) ما يزال مخطوطًا، وهو في (٢٠٠) ورقة تقريبًا، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ له كتاب الإيمان الكبير، والإيمان الأوسط.
وموضوعات الإيمان موضوعات حساسة وخطيرة؛ لأنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بقضايا التكفير، ولهذا كانت مسألة الإيمان أول مسألة وقع فيها الخلاف في حياة المسلمين، ووقع بينهم التفرق بعد مقتل عثمان بن عفان ﵁، فقد خرجت الخوارج وكفرت المسلمين بالذنوب، ثم ظهرت المرجئة -كرد فعل للخوارج- فأخرجت العمل من حقيقة الإيمان، وأهل السنة وسط بين هؤلاء جميعًا.
والطريقة التي سنتبعها في بيان هذا الباب هي: أننا سنتحدث أولًا: عن عقيدة أهل السنة في الإيمان مفصلة، ثم نتحدث عن عقائد الفرق الضالة، ثم نبين الآثار المترتبة على هذا الاختلاف والتفرق.
[ ١٩ / ٣ ]
حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة
وقد اتفقت كلمة أهل السنة والجماعة على أن الإيمان قول وعمل.
وقد حكى الإجماع على ذلك عدد من الأئمة، منهم: الإمام الشافعي والبغوي وأبو عمر بن عبد البر والإمام أحمد، وغيرهم من الأئمة المتقدمين رحمهم الله تعالى.
يقول البخاري رحمه الله تعالى: حدثت عن ألف عالم في الأمصار كلهم يقول: الإيمان قول وعمل، وسماهم.
وعامة كتب أهل السنة في العقيدة يعقد فيها باب خاص بالإيمان، مثل: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، والشريعة للآجري، والإبانة لـ ابن بطة، وغيرها من كتب العقيدة الكبيرة، وكذلك في كتب السنة مثل صحيح البخاري؛ فإنه أفرد الإيمان بباب مستقل، وكذلك مسلم وأصحاب السنن لهم كتب في الإيمان ضمن كتابهم الصحيح أو السنن.
[ ١٩ / ٤ ]
معنى قول السلف: (الإيمان قول وعمل)
ومعنى قول السلف: الإيمان قول وعمل، يعني: أن الإيمان مشتمل على هذه الحقيقة المركبة من القول والعمل، والقول يراد به: قول اللسان وقول القلب.
فأما قول القلب: فهو تصديقه بما أخبر الله به، وبما أخبر به رسوله ﷺ.
وأما قول اللسان: فهو يشمل قول لا إله إلا الله، والذكر، وقراءة القرآن، والدعوة إلى الله ﷾، إلى آخر تلك العبادات المتعلقة باللسان.
وأما العمل: فإنه يشمل عمل القلب، وعمل الجوارح: فأما عمل القلب فهو خشية الله، محبة الله، الخوف من الله، التوكل على الله، الإنابة، التوحيد، الإخلاص، المراقبة، اليقين، القبول، الرضا، وهكذا سائر الأعمال القلبية التي تكون في القلب، فهذه تسمى: أعمال القلب.
وأما عمل الجوارح فهو يشمل الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وهكذا سائر الأعمال التي تكون بالبدن.
إذًا: هذه هي حقيقة الإيمان، مركبة من القول والعمل، والقول يشمل قول القلب وقول اللسان، والعمل يشمل عمل القلب وعمل اللسان.
وإذا أردنا أن نقسم حقيقة الإيمان على الجوارح نجد أنها اشتملت على ثلاثة جوارح: على جارحة اللسان: قول اللسان.
وعلى جارحة القلب: قول القلب وعمل القلب.
وعلى بقية الجوارح عمومًا.
ولهذا عبر بعض السلف الصالح رضوان الله عليهم عن حقيقة الإيمان وعن تعريف الإيمان بأنه: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان.
وعبر بعضهم فقال: هو قول وعمل ونية.
وقال بعضهم: هو قول وعمل ونية واتباع للسنة.
والحقيقة أن هذه العبارات ليست مختلفة اختلاف تضاد، وإنما هو اختلاف تنوع، وهو مثل إخبار الصادقين عن حادثة معينة رأوها جميعًا، هذا يعبر بتعبير، وذاك يعتبر بتعبير آخر، والثالث يعبر بتعبير ثالث، لكنها جميعًا تتفق في المعنى.
إذًا: الإيمان حقيقة مركبة تشمل الدين كله، وتشمل الإسلام كله، وتشمل العبودية لله كلها، فلا يخرج من الدين شيء ليس من الإيمان، فكل ما شرعه الله ﷾ مما يتعلق بالعبادات القولية أو القلبية أو التي تتعلق بالجوارح من الإيمان، ولهذا لما أراد السلف أن يعبروا عن الدين كله عبروا بأنشطة الإنسان، وهي متكونة من القول والعمل، فقالوا: قول وعمل.
وأصح وأدق تعريف من تعاريف السلف هو قولهم: الإيمان قول وعمل، وتفصيله على النحو السابق.
وقد يقول قائل: لماذا قالوا: قول وعمل ونية؟ ولماذا قالوا: قول وعمل ونية واتباع للسنة؟ نقول: الذين قالوا: إن الإيمان هو قول وعمل ونية؛ خشوا ألا يفهم من قولهم: (عمل) عمل القلب، ومن قولهم: (قول) قول القلب؛ لأن الذهن قد ينصرف عند سماع (قول) إلى اللسان، وعندما يقال (عمل) ينصرف لعمل الجوارح، فأرادوا التأكيد على عمل القلب، فقالوا: ونية، هذا من جهة.
ومن جهة ثانية؛ فإن الأعمال إذا كانت على غير السنة فإنها لا تكون من الإيمان، أرأيتم البدع التي يبتدعها الناس هل هي من الإيمان؟ لا، ليست من الإيمان، مثل: الطواف حول القبور، والذبح لها، والذكر الجماعي، والاحتفالات البدعية، والأعياد المبتدعة ونحو ذلك، كل هذه الأعمال ليست من الإيمان في شيء، وليست من حقيقة الإيمان.
[ ١٩ / ٥ ]
أدلة شمول الإيمان لقول القلب
أولًا: قول القلب -الذي هو تصديقه-: الدليل عليه هو قول الله ﷿: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] ففي هذه الآية تحديد لمحل الإيمان.
ويقول الله ﷿: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:٧] فدل على أن هناك ارتباطًا بين الإيمان وبين القلب، فقوله: «وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ» يعني: زين الإيمان في قلوبكم.
وقال: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة:٢٢].
وقال عن المكره الذي ينطق بكلمة الكفر: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦].
ولو رجعنا إلى مادة (قلب) في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن لوجدنا أن كثيرًا من الأعمال علقت بالقلب، مثل: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] ونحو ذلك من الأعمال المتعلقة بالقلب، مما يدل على كثرة الأعمال القلبية التي فرضها الله ﷿ على العباد، هذا ما يتعلق بقول القلب.
إذًا: من سقط عنده هذا الركن من أركان الإيمان هل يكون مسلمًا؟ لا يكون مسلمًا أبدًا بإجماع المسلمين؛ لأن ضد قول القلب: التكذيب، ولا يكون مكذبًا إلا المنافق، حتى المرجئة الذين قالوا: إن الإيمان هو التصديق القلبي فقط، قالوا: من ترك قول القلب -وهو التصديق القلبي- فهو كافر، وكذلك الخوارج، وكذلك أهل السنة قالوا: بأن من ترك قول القلب فهو منافق كافر خارج عن الإسلام.
[ ١٩ / ٦ ]
أدلة شمول الإيمان لقول اللسان
ثانيًا: قول اللسان: والدليل على أن قول اللسان من الإيمان: قول الله ﷿: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ [البقرة:١٣٧]، ما هو الذي آمنتم به؟ القول، فالله ﷿ أمرهم أن يقولوا: (آمنا)، ولو قالوا: (آمنا) فإن النتيجة هي: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ [البقرة:١٣٧]، وهذا دليل على أن القول من الإيمان.
ومما يدل على ذلك أيضًا: قول الله ﷿: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر:٨٤ - ٨٥]، وما هو الإيمان الذي آمنوا به؟ قولهم: آمنا، فقال: «فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ»، فسمى قولهم: «آمَنَّا بِاللَّهِ»: إيمانًا.
ومما يدل على ذلك: حديث أبي هريرة ﵁ الثابت في الصحيحين: (الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا الله -هذا هو محل الشاهد- وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).
ويقول النبي ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا) أمر الله ﷿ النبي ﷺ بمقاتلة الناس: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) والشهادة: تتضمن الإخبار، والإخبار لا يكون إلا باللسان.
ومما يدل على أن قول اللسان من الإيمان: قول النبي ﷺ: (من قال: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه دخل الجنة) رواه ابن مندة.
وأيضًا في الحديث الآخر: (من قال: لا إله إلا الله مستيقنًا بها غير شاك دخل الجنة).
وفي الحديث الآخر بدل (مستيقنًا) قال: (صدقًا)، وهذا يدل على أن قول لا إله إلا الله من الإيمان.
إذًا: لو أن إنسانًا ترك قول اللسان هل يكون كافرًا؟ نقول: قول اللسان منه ما يكون تركه لا شيء فيه، مثل: أذكار النوم والاستيقاظ منه، هذه ليست واجبة، فلو تركها فلا شيء عليه، ومن القول ما يكون تركه إثمًا، لكنه لا يصل إلى الكفر، مثل: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو مستطيع له، ومن القول: ما يكون تركه كفرًا مخرجًا عن الإسلام، وهو الشهادتان؛ فمن لم ينطق بهما لا يكون مسلمًا، والدليل على ذلك: الأحاديث السابقة، ومنها قوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)، وهذا يدل على أن الشهادة باللسان ركن أساسي في الإيمان، يزول الإيمان بزواله.
والدليل الثاني: ما رواه البخاري عن المسيب بن حزن -وهو أبو سعيد بن المسيب -: أن النبي ﷺ جاء إلى عمه أبي طالب فقال له: (يا عم! قل: لا إله إلا الله.
كلمة أحاج لك بها عند الله)، فمات ولم يقلها، فأصبح مخلدًا في النار، مع أنه مصدق بقلبه أن دين محمد من خير أديان البرية دينًا، كما قال ذلك في قصيدته.
فلابد إذًا: من النطق بلا إله إلا الله محمد رسول الله، حتى يكون مسلمًا.
وهل النطق يكفي؟ نقول: لا، لابد أن تضاف إليه الأركان الأخرى، هذا أولًا.
ثانيًا: لابد أن يكون هذا النطق لإنشاء الالتزام بالدين، ومعنى إنشاء الالتزام بالدين: أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهو مصدق بدين الإسلام، ويريد أن يعمل به، لكن لنفترض أنه قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، قولًا مجردًا بلا عمل أو اعتقاد، هل ينفعه ذلك؟ لا، لابد أن يقولها وهو يريد الالتزام بدين الله ﷾.
[ ١٩ / ٧ ]
أدلة شمول الإيمان لعمل القلب
ثالثًا: عمل القلب، وعمل القلب يدخل فيه التوكل على الله ﷿، فالله ﷿ يقول: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، فجعل التوكل شرطًا في الإيمان، وهكذا أنواع متعددة من أعمال القلب هي شرط في الإيمان، ولهذا ورد في حديث الشفاعة أن النبي ﷺ قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال ذرة من إيمان) ومعنى: (في قلبه مثقال ذرة من إيمان) يعني: عمل القلب، فإذا زال عمل القلب هل يكفر الإنسان؟ نقول: إذا زال جزء منه؛ فإنه بحسب ما زال منه، فقد يزول جزء بسيط فلا يكفر، لكن إذا زال كل عمل القلب فإنه يكفر؛ لأنه لا يتصور أن يوجد مسلم لا يحب الله، ولا يخاف من الله، ولا يتوكل على الله، ولا يرجو الله، ولا ينيب إلى الله، وهكذا سائر أعمال القلب الكثيرة إذا زالت منه كلها فهو كافر بالله رب العالمين، ولهذا كان أقل أهل الجنة، وهم آخر من يخرج من النار -وهم الجهنميون- صفتهم: (من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال ذرة من إيمان) ويعرفون بمواطن السجود، وهذا يدل على أن الصلاة ركن أساسي من أركان الإيمان.
[ ١٩ / ٨ ]
أدلة شمول الإيمان لعمل الجوارح
رابعًا: عمل الجوارح: والدليل على أن عمل الجوارح من الإيمان: قول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣].
وورد في حديث الشعب أنه قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق -وهذا عمل- والحياء شعبة من الإيمان)، والله ﷿ يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأنهم صلوا في البداية إلى بيت المقدس، ثم حولت القبلة، وتحدث بعض الناس عن أن الصلوات التي صلوها لبيت المقدس باطلة، فأنزل الله ﷿ قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] فسمى الصلاة: إيمانًا، والصلاة عمل من أعمال الجوارح.
ويقول النبي ﷺ: (الطهور شطر الإيمان) رواه مسلم.
ويقول النبي ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن).
وهذا يدل على أن ترك الزنا من الإيمان، والترك من العمل، كما قال الله ﷿: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩]، فعبر عن ترك التناهي بالفعل، قال: «كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ» يعني: يتركون التناهي، «كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ» يعني: لبئس ما كانوا يفعلونه من ترك التناهي، فسمى ترك التناهي فعلًا، فترك الزنا فعل وعمل أدخل في الإيمان، قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) إذًا: من ترك الزنا صار مؤمنًا، وهكذا أحاديث كثيرة تدل على أن من ترك الكبائر فهو مؤمن.
وكذلك قول النبي ﷺ: (لا إيمان لمن لا أمانة له).
وقوله: (من غشنا فليس منا).
ويقول النبي ﷺ: (حسن العهد من الإيمان) كما رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الإيمان.
إذًا: الإيمان حقيقة مركبة من القول والعمل، والقول: يشتمل على قول القلب وهو: تصديقه، وقول اللسان: وهو النطق بالشهادتين، وما يتبع ذلك من قراءة القرآن والذكر ونحو ذلك، والعمل يشتمل على عمل القلب، وهو خشية الله، والتوكل على الله، ومحبة الله، والرجاء لله ﷿ ونحو ذلك، وأيضًا: عمل الجوارح، مثل: الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة.
[ ١٩ / ٩ ]
حكم ترك شيء من الإيمان
فإن قيل: هل من ترك شيئًا من الإيمان، ولو جزءًا بسيطًا يكفر؟ ف
الجواب
لا يكفر إذا ترك جزءًا بسيطًا، وذلك بحسب المتروك.
والمتروك ثلاثة أنواع: النوع الأول: مندوب ومستحب لا إثم في تركه.
والنوع الثاني: واجب يأثم صاحبه، لكنه غير خارج من الإسلام.
النوع الثالث: ترك يخرج الإنسان من الإسلام، ويكون صاحبه كافرًا.
إذًا: المتروكات من الإيمان ثلاثة أنواع: الأول: ترك لا يعاقب الإنسان عليه، وهو ترك المستحب المندوب.
والثاني: هو ترك الواجب وهذا يعاقب عليه، لكنه لا يخرج من الإسلام.
والثالث: ترك يخرج من الإسلام، ويكون صاحبه كافرًا.
ترك المندوب مثل: السنن الرواتب والتسبيح، وذكر الله ﷿ في كل مكان، فهذه من النوافل، ولو أن الإنسان تركها لا يعتبر آثمًا.
وترك الواجب مثل: ترك بر الوالدين، والجهاد في سبيل الله، والصيام، على قول من لم يكفر تارك الصيام.
وأما الترك المخرج من الإسلام فهو أنواع: النوع الأول: من ترك الإيمان كله، يعني: من ترك التصديق، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح، فهذا كافر لاشك في كفره.
والثاني: من ترك تصديق القلب، وهذا كافر بإجماع الطوائف؛ حتى عند المرجئة.
الثالث: من ترك الشهادتين من قول اللسان، فهذا أيضًا كافر خارج عن الإسلام كما دلت عليه الأحاديث السابقة.
الرابع: من ترك عمل القلب بالكلية، فهذا كافر؛ حتى لو كان مصدقًا، يعني: من ترك عمل القلب لوحده حتى لو كان مصدقًا، وحتى لو كان يقول: لا إله إلا الله بلسانه، وحتى لو كان يصلي ويصوم، ما دام أنه ترك عمل القلب بالكلية، فإنه يكون كافرًا.
الخامس: من ترك عمل الجوارح بالكلية، لا يصلي، ولا يصوم، ولا يحج، ولا يزكي، ولا يعمل من أعمال الإسلام الظاهرة شيئًا، فهذا لاشك أنه كافر بإجماع السلف الصالح رضوان الله عليهم.
[ ١٩ / ١٠ ]
التلازم المتين بين عمل القلب وعمل الجوارح
هناك تلازم قوي بين عمل القلب وعمل الجوارح، فعمل القلب هو: أصل الإيمان في القلب، وإذا وجد عمل القلب فلابد أن يوجد عمل الجوارح مباشرةً، والاتصال بينهما اتصال ثابت شرعًا وواقعًا.
أما من الناحية الشرعية: فالنبي ﷺ يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فبين أن العلاقة بين القلب والجوارح علاقة تامة.
بمعنى: أنه إذا لم يوجد شيء من عمل القلب، فلا يمكن أن يوجد شيء من عمل الجوارح، وإذا وجد شيء من عمل القلب، فإنه يوجد على قدره شيء من عمل الجوارح، فمن وجد في قلبه شيء من محبة الله، وشيء من الخوف من الله ﷿، وشيء من التوكل على الله ﷿؛ فإنه سيوجد مقابله عمل من الجوارح، فلا يتصور أبدًا أن يكون عمل القلب موجودًا، وليس هناك عمل للجوارح بالمرة، ولا يتصور أيضًا وجود عمل الجوارح بدون عمل القلب بالمرة إلا في حالة المنافق، ففي الحالة العادية لا يمكن أن يوجد أحدهما دون الآخر.
فإذا تصورنا إنسانًا عنده عمل من أعمال القلب فإننا نقول: في الحالة الطبيعية لابد أن يوجد عمل الجوارح مباشرةً، ولا يمكن أن يوجد إيمان وتقوى لله ﷿ وقدرة على العمل ثم لا يحصل العمل؛ لأن العمل يتكون من الإرادة التامة، والقدرة الكاملة، فينتج العمل مباشرة، يعني: ما دامت المحبة موجودة لله، والخوف كذلك فلابد أن يحصل شيء من العمل، ولا يمكن أن يفقد العمل بالكلية.
وكذلك في الحالة الطبيعية إذا كان يعمل في الظاهر، فهذا مباشرةً يدل على وجود إيمان في الباطن، ويمكن أن يوجد لدى إنسان عمل في الظاهر، وليس عنده عمل في الباطن مثل: المنافق، ويمكن للإنسان أن يكون عنده عمل في الباطن، وليس عنده عمل في الظاهر في حالة المكره، وإن كان الإكراه لا يمكن أن يتصور أن يحيط بالإنسان من كل وجه؛ لأنه يمكن أن يسبح الله من غير تنبه المكرهين له، ويمكن أن يذكر الله من غير أن ينتبه المكرهين له.
الشاهد هو: أن العلاقة علاقة تامة، ومطردة وقوية، وبهذه الطريقة تعلمون أن قضية الإيمان قضية حية في واقع المسلمين، وليست قضية نظريات مجردة يعتقدها الإنسان في قلبه ثم لا يعمل بها.
[ ١٩ / ١١ ]
عقائد الفرق الضالة في حقيقة الإيمان
بعد أن عرفنا حقيقة الإيمان عند أهل السنة وبينا أدلته، نتطرق إلى عقائد الفرق الضالة في هذا الموضوع، وسنركز الحديث عن المرجئة؛ لأن خطرها عظيم وكبير، وانتسب إليها عدد كبير ممن يظن نفسه على السنة.
[ ١٩ / ١٢ ]
عقيدة الخوارج في الإيمان وخطرها
الخوارج يعرفون الإيمان كما يعرفه أهل السنة، ويقولون: الإيمان قول وعمل، لكنهم يرون أن ترك جزء من العمل أيًا كان نوع هذا الجزء يخرج الإنسان من الإسلام، فلو أنه ارتكب كبيرة من الكبائر كفر عندهم، ولو أنه ترك واجبًا من الواجبات وتكون كبيرة في حقه يكفر أيضًا، وهذا ما خالفهم فيه السلف، فإن الكبائر لا يكفر أصحابها عندهم.
ومن الأدلة على أن الكبائر لا يكفر صاحبها: قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فهذه الآية يبين الله ﷿ فيها أن ما دون الشرك فهو قد يغفر لصاحبه، لكن الشرك لا يغفر، ولا يمكن أن تصنف الكبائر ضمن الشرك؛ لأنها ليست شركًا، والدليل على أنها ليست شركًا: أن النبي ﷺ عندما عد أكبر الكبائر فصل الشرك عن الزنا والخمر وغيرها من الذنوب الأخرى، ومن المعلوم أن الكبائر ليس فيها شيء من الشرك، هذا الدليل الأول.
الدليل الثاني: أحاديث الشفاعة، وقد نقل ابن الوزير اليماني ﵀ في كتابه: إيثار الحق على الخلق: أن أحاديث الشفاعة التي فيها أن أصحاب الكبائر لا يخلدون متواترة، ومنها: أن النبي ﷺ قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، ومن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان) فمن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان -وهو عمل القلب-، وقال: لا إله إلا الله، يخرج من النار.
فإن قيل: أين عمل الجوارح؟ قلنا: عمل الجوارح أخذناه من التلازم بين إيمان القلب وعمل الجوارح، فإن قوله: (مثقال ذرة من الإيمان) يدل على وجوب أن يكون له مقتضى وثمرة، وهي العمل، ولهذا ورد في أحاديث الشفاعة: أن الجهنميين من أهل الصلاة (يعرفون بمواطن السجود)، وهذا يدل على أنهم كانوا يصلون، فإذا كانوا يصلون فلابد أنهم قرءوا القرآن؛ لأن الفاتحة من القرآن وهم يصلون بها، وحينئذ يكون قد حصل لديهم مجموعة من أعمال الجوارح كانوا بها من المسلمين، ولو لم يوجد عندهم قول اللسان، لم يكونوا مسلمين، ولو لم يوجد عندهم عمل القلب، لم يكونوا مسلمين، ولو لم يوجد عندهم عمل الجوارح فإنهم لا يكونون مسلمين أيضًا.
وأحاديث الشفاعة تدل على بطلان معتقد الخوارج؛ لأن الخوارج يعتقدون أن الزاني والسارق وشارب الخمر مخلد في النار، وهذا باطل؛ لأن أهل الكبائر يخرجون من النار، ولو كانوا كفارًا لما خرجوا؛ لأن الجنة محرمة على الكفار، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (أتاني جبريل وبشرني أن من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، قال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق)، وهذا يدل على أن أصحاب الكبائر يعذبون على قدر ذنوبهم، ثم يعودون إلى الجنة بعد ذلك؛ لأنهم لم يشركوا بالله شيئًا.
والحقيقة: أن خطر الخوارج كبير، فقد تجد إنسانًا يتحرج من الصلاة خلف المسلمين، ويقول: لعل هذا الإمام غير مسلم، مع أن الأصل في الناس: السلامة، فتصلي خلف المسلمين ما دام لم يظهر منهم الكفر، وبعضهم يرى أن المحكومين بغير ما أنزل الله كلهم كفار، وهذا لاشك أنه ضلال مبين والعياذ بالله؛ لأن المحكومين بغير الشريعة أصناف: منهم: من رضي وتابع على علم، فهذا كافر.
ومنهم: من لم يرض ولم يتابع، فهذا ليس بكافر، والبلدان الإسلامية حكمت بغير ما أنزل الله مع أن فيها علماء وصالحين وأتقياء، لكن ليس لهم حول ولا قوة، بل إن الصحابة عندما كانوا في مكة حكموا بغير ما أنزل الله، ولم يكفرهم أحد.
وبعضهم يقول: لابد أن يبين البراءة من الحاكم بغير ما أنزل الله، فيقال: إن التبيين ليس شرطًا في الإيمان حتى ترتب عليه الكفر؛ لأن التبيين قد يراه شخص ولا يراه آخر، وحينئذ قد يكفره من لم يسمع التبيين، وهؤلاء ليس لهم ولاية على المسلمين حتى يقولوا: هذا تبين منه أنه يكفر بالطاغوت، وهذا لم يتبين منه، ولهذا وجد من هؤلاء الجهال من كفر أهل العلم والصالحين والأخيار من الناس؛ لأنهم ليسوا على طريقته، وليسوا على منهجه، ولهذا يجب الحذر من مثل هذه الأفكار الضالة، والخوارج منطلقهم الأول هو الخوض في الحكم بغير ما أنزل الله، ثم يبدءون في تكفير الناس بدون بينة ولا علم.
والواجب: هو أن يتعلم الإنسان العلم النافع حتى يكون على بصيرة، وحتى يعرف الكافر الحقيقي من المؤمن الحقيقي، وبهذا يكون على بينة وبصيرة.
[ ١٩ / ١٣ ]
عقيدة المرجئة في الإيمان
الإرجاء هو: إخراج العمل عن مسمى الإيمان؛ فإن المرجئة قالوا: إن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان.
والمرجئة أصناف متعددة، بعضهم من الغلاة، وبعضهم أقل غلوًا، لكنهم جميعًا داخل دائرة واحدة، وغلاة المرجئة هم الجهمية الذين يقولون: إن الإيمان هو المعرفة، فإذا عرف الله، وعرف رسول الله ﷺ فهو مسلم حتى لو لم يصدق، وهذا لاشك أنه كفر مبين، فإن إبليس يعرف الله ﷿، وقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢].
وفرعون كفر ظاهرًا وهو في الحقيقة يعرف الله؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤].
وقال الله ﷿ كما قال موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢].
وأبو طالب قال له النبي ﷺ: (يا عم! قل: لا إله إلا الله.
كلمة أحاج لك بها عند الله) فقال للنبي: هو على ملة عبد المطلب، فكفر مع أنه كان يعلن للناس ويقول: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا الطائفة الأولى: الغلاة من المرجئة وهم الجهمية، وهؤلاء كفرهم السلف مثل ابن المبارك وغيره.
الطائفة الثانية من المرجئة قالوا: إن الإيمان هو التصديق، وأخرجوا ثلاثة أشياء: أخرجوا قول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح، وهؤلاء هم الأشاعرة والماتريدية، وهم الضالون في هذه المسائل.
الطائفة الثالثة من المرجئة: الذين قالوا: الإيمان هو تصديق القلب، وقول اللسان، وعمل القلب بدون عمل الجوارح، وهؤلاء أيضًا: من الضالين في هذه المسألة، وهم وإن كانوا أقل غلوًا وأقل بدعة من أولئك لكنهم في دائرة البدعة، فإن من أخرج عمل الجوارح عن حقيقة الإيمان مرجئ.
تنبيه: المرجئة لا يقولون: إن عمل الجوارح والقلب ليس من الإيمان، بمعنى: أنها ليست من أحكام الدين بالكلية، فهذا لا يقوله أحد، حتى الذي يقول هذا كافر لا يمكن أن يقوله، لكنهم يقولون: عمل القلب وعمل الجوارح وقول اللسان من الإيمان، لكن لا يترتب عليه كفر، فإذا ترك قول اللسان فهو مثل الذي يفعل معصية، وإذا ترك عمل القلب فهو مثل الذي يفعل معصية، وإذا ترك عمل الجوارح فهو مثل الذي يفعل معصية، ولهذا يصرح الأشاعرة بأن من ترك قول وعمل القلب واللسان وعمل الجوارح أنه يعذب في النار، لكنهم لا يعتقدون أنه كافر في الدنيا ويخلد في النار.
وكذلك الذي يقول: إن أعمال الجوارح ليست من الإيمان، لا يقول: إن الصلاة والصيام والحج ليست من الدين، هذا لا يقوله مسلم، لكنهم يقولون: إن من ترك عمل الجوارح بأكملها فإنه لا يكفر، لكنه يعتبر عاص من العاصين، وهذا خطأ كبير، فإن من ترك قول اللسان وعمل القلب وعمل الجوارح بالكلية فهذا كافر بالله رب العالمين يقام عليه حد الردة في الدنيا، وأحكام الكفر في الدنيا، ويكون في الآخرة من المخلدين في النار.
[ ١٩ / ١٤ ]
الآثار المترتبة على الإرجاء
أما الآثار المترتبة على قضية الإرجاء فكيرة جدًا منها: أولًا: تهوين أعمال القلب والجوارح، فإنه أصبح كثير من الناس يتهاونون في هذه المسائل، وليست -في نظره- من المسائل الكبيرة، وبهذا انتشر الفسوق في حياة المسلمين في ظل الإرجاء، وانتشرت المعاصي، والدعارة، وانتشرت الذنوب والمعاصي؛ لأنهم لا يعتقدون أن هذه الأعمال من الإيمان.
ثانيًا: أن الأشاعرة أخرجوا عمل القلب وعمل الجوارح من الإيمان، وعمل القلب وعمل الجوارح هو نفسه توحيد الألوهية، يعني: إذا قابلنا بين التوحيد والإيمان نجد أن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الألوهية قول وعمل، فنجد أن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات يدخل في القول، وتوحيد الألوهية يدخل في العمل.
معنى هذا: أن الأشاعرة والماتريدية عندما قالوا: إن العمل ليس من الإيمان: أن توحيد الألوهية ليس من الإيمان أيضًا.
ويترتب على هذا: أنهم يرون أن الطواف بالقبور ليس شركًا، وأن الذبح لغير الله ليس شركًا، وأن الاستغاثة بغير الله، مثل مدد يا عبد القادر! أو: مدد يا حسين! أو طلب تفريج الكروب، ومغفرة الذنوب من الرسول ﷺ، لا يعتبرونها من الشرك المخرج من الإسلام.
والخلاف العميق الذي وقع بين أهل السنة وبين الأشاعرة: أن الأشاعرة أدخلوا عباد القبور ضمن الموحدين والمسلمين، وأهل السنة أخرجوهم، فاختلفنا نحن والمرجئة على طائفة كبيرة من الذين يطوفون حول القبور ويذبحون لها، هذا من جهة.
من جهة ثانية: يأتي شخص ويغير أحكام الله ﷿ في مسألة التشريع العام، ويشرع للناس حكمًا جديدًا، هذا في حكم أهل السنة كافر خارج عن الإسلام؛ لأنه بدل الدين، وكفر بالله رب العالمين، واتخذ المبدل والمشرع إلهًا من دون الله ﷿؛ لأن التأله معناه: التنسك والتعبد والطاعة لله، ولهذا يقول الله ﷿ عن الرسل أنهم قالوا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
ما معنى قوله: «أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ»؟ يعني: تنسكوا لله، وتعبدوا لله، وأطيعوا الله، فالطاعة داخلة في حقيقة الدين، ولذا كان من يطيع غير الله ﷿ طاعة مطلقة -كطاعتهم في التشريع- كافرًا بالله رب العالمين.
إذًا: اختلفنا نحن والأشاعرة والماتريدية في طائفة ثانية، وهم: المبدلون لأحكام الله المغيرون لشريعته، الذين يأتون بقانون بريطاني، أو فرنسي، أو أي قانون من القوانين ويجعلونها مهيمنة على الناس، فهؤلاء ليسوا بمسلمين عندنا، أما عند هؤلاء فهم مسلمون.
إذًا: الخلاف عميق وكبير وقوي، ولهذا صارت مجادلات كبيرة بين أهل السنة من جهة، وبين الأشاعرة من جهة أخرى.
والأشاعرة يسمون أهل السنة خوارج؛ لأنهم يعتقدون أنهم يكفرون الناس بدون دليل أو بينة، ولما ظهر الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقال: إن الطواف حول القبور، والذبح لها، والنذر لغير الله، والسحرة والكهنة والمشغوذين كفار، قالوا: إذًا أنتم من الخوارج، فما استطاعوا أن يفرقوا بين منهج السنة الصحيح وبين الخوارج، فالخوارج يكفرون بالكبائر، وهؤلاء يكفرون بالمكفرات الحقيقية، مثل: عبادة غير الله ﷿، ولهذا وقعت الخصومة الكبيرة بين أهل السنة وبين المرجئة في واقع المجتمع والحياة.
مثال هذا: محمد علوي المالكي، هذا رجل خرافي صوفي، وهو أشعري من جهة أخرى، ففي كتابه: (مفاهيم يجب أن تصحح) له، تجد أنه يرى أن اتخاذ وسيلة بينه وبين الله يستغيث به، ويدعوه من دون الله، ويطلب منه المدد ونحو ذلك، أن هذا ليس من الشرك في شيء، وعندما رد عليه الشيخ صالح آل الشيخ بكتاب: (هذه مفاهيمنا) بين لنا أن هذا المنهج الباطل تسويغ للشرك، ودعوة إلى الشرك، فمعنى هذا: أننا لو تركنا المجال أمام محمد علوي المالكي فسيجعلنا جميعًا نستغيث بالرسول، وحينئذ سنصبح كفارًا جميعًا، ولن يصبح هناك فرق بيننا وبين اليهود والنصارى إذا استغثنا بغير الله، وإذا ذبحنا لغيره؛ لأن اليهود والنصارى كفروا من جهة، ونحن سوف نكفر من جهة أخرى، وحينئذ تضيع حقائق الدين، وتضيع عقائد المسلمين بسبب هذه الفتنة العظيمة، وركنها الأساسي هو الإرجاء.
كذلك قالت المرجئة: من سب الله أو سب الرسول ﷺ فإنه لابد أن يعتقد أن سب الله ورسوله حلال، فإذا اعتقد ذلك فهذا معناه أنه مكذب، لكن إذا لم يعتقد فهو غير مكذب، ولهذا انتشر سب الله وسب الرسول ﷺ في كثير من المجتمعات التي كان دعاة الإرجاء يملئونها، وأصبح الإنسان يسب الدين ويسب الله عندما يغضب على زوجته وولده.
ولو قيل لهؤلاء الناس: إن سب الله ﷿ وسب الرسول ﷺ كفر مبين يوجب القتل في الدنيا، هل يتجرءون عليه؟ لو تربى الأطفال وهم صغار على أن هذا من الكفر، هل يمكن أن يسبوا؟! لا يمكن أبدًا.
وهكذا أصبح السحرة عند محمد علوي المالكي
[ ١٩ / ١٥ ]
عقيدة أهل السنة في عصاة أهل القبلة
قال: [وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية].
وهذا أيضًا مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص.
[وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة].
وأهل القبلة هم الذين قالوا: لا إله إلا الله، وصلوا، لا يكفرونهم بالكبائر، لكن إذا ارتكب أحد من أهل القبلة كفرًا يخرج عن الإسلام كفروه إذا وجدت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع.
وقد نسبوا إلى القبلة؛ لأنهم من أهل الصلاة، وهذا يدل على أن من لم يصل لا يعتبر من أهل القبلة، وعلى أن تارك الصلاة ليس من أهل القبلة، يقول النبي ﷺ: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم) أي: في الظاهر، فلو أن رجلًا صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، ثم طاف بقبر لا يعتبر مسلمًا إذا أقيمت عليه الحجة.
قال: (لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج)، فإن الخوارج يكفرون بالكبائر، ويستدلون على ذلك بقول النبي ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن).
ويقولون: النبي ﷺ بين أن الزاني في زناه لا يكون مؤمنًا، نقول: نعم.
لا يكون مؤمنًا كامل الإيمان؛ لأن الإيمان فيه كمال وفيه أصل، فهو ليس بمؤمن كامل الإيمان، لكن أصل إيمانه موجود.
لو أن إنسانًا مات على الزنا، أو مات وهو مخمور فإنه يعاقب على ذنبه إذا شاء الله ﷿، ثم يدخل الجنة إذا كان عنده أصل الإسلام وأصل الإيمان.
ومشكلة أهل البدع في الاستدلال: أنهم يأخذون طرفًا من النصوص ويتركون أطرافًا، فتجد أحدهم يأخذ حديثًا واحدًا، ولا يعرف عن عشرات الأحاديث الأخرى.
يقول: (كما يفعله الخوارج) بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، حتى لو كان الإنسان عاصيًا فأخوة الدين ثابتة، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨].
قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [البقرة:١٧٨] المقصود: بأخيه هنا: القاتل، والضمير في أخيه يرجع إلى ولي الدم، وهو ولي المقتول، فاعتبر القاتل أخًا لولي المقتول وللمقتول أيضًا؛ لأنهم جميعًا مسلمين، لكن القاتل عاص، ويعاقب على عصيانه إذا شاء الله ﷿.
وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩]، فوصفهم بالإيمان مع أنه قال: «اقْتَتَلُوا».
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩].
ويقول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] يعني: وصفهم بالإيمان مع وجود الشحناء والبغضاء والاقتتال بينهم.
قال: [ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقول المعتزلة].
المعتزلة يقولون: من فعل الكبيرة في الدنيا فهو في منزلة بين المنزلتين، لا نسميه مسلمًا، ولا نسميه كافرًا، وهذه بدعة جديدة، أما حاله في الآخرة فقد وافقوا الخوارج؛ لأنهم يعتقدون أنه مخلد في النار، لكن أهل السنة لا يسلبون الفاسق الملي الإسلام، والفاسق الملي معناه: المسلم العاصي، فاسق يعني: عنده عصيان، الملي: يعني: الذي على ملة الإسلام لم يكفر، ولم يخرج عن الإسلام، فهذا لا يسلبونه الإسلام، يعني: لا يجعلونه كافرًا بفسوقه، ولا يخلدونه في النار كما تفعل المعتزلة والخوارج الذين اتفقوا في شيء واختلفوا في شيء، فاتفقوا على أن يخلدوه في النار، واختلفوا في حاله في الدنيا، أما حاله في الدنيا فقد اتفقوا من جهة، واختلفوا من جهة: اتفقوا من جهة أنه مسلوب الإيمان، فالخوارج لا يعتقدون أنه مؤمن؛ لأنه عندهم كافر، والمعتزلة لا يعتقدون أنه مؤمن؛ لأنه في منزلة بين المنزلتين.
يقول الله ﷿: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] جاءت مطلقة، يعني: حتى لو كان عندها شيء من العصيان.
وقال: [وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق].
وعندنا الإيمان المطلق ومطلق الإيمان، فما الفرق بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق؟ مطلق الإيمان يعني: وجود أصل الإيمان، والإيمان المطلق يعني: الإيمان الكامل، فالفاسق عنده مطلق الإيمان، ليس عنده الإيمان المطلق؛ لأن الإيمان المطلق لا يكون إلا عند من وحد لله ﷾، وآمن وترك الذنوب والمعاصي، لكن من كانت عنده ذنوب ومعاص فإن عنده مطلق الإيمان وليس عنده الإيمان المطلق، ولهذا يقول: وقد لا يدخل -يعني: الفاسق الملي- في اسم الإيمان المطلق، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]، هؤ
[ ١٩ / ١٦ ]
الأسئلة
[ ١٩ / ١٧ ]
حكم تارك الصلاة وكيفية معاملته
السؤال
ما حكم من يترك الصلاة حينًا ويصلي حينًا، وهل يعتبر من المسلمين أم لا؟ وكيف يتعامل معه إن كان من الأقارب؟
الجواب
اتفق السلف رضوان الله عليهم وأجمعوا على أن ترك الصلاة كفر، ثم اختلفوا متى يكون كافرًا؟ هل هو عند الترك المطلق، أو عند مطلق الترك، يعني: هل يكون بترك فرض أو فرضين، أو يكون بالترك نهائيًا.
قال بالأول بعضهم، وقال بالثاني: آخرون، والتحقيق في هذه المسألة هو: أن من ترك الصلاة حتى سمي تاركًا وصح عليه لفظ الترك فقد كفر، يعني: من يمر عليه شهران، ثلاثة، أو أربعة أشهر، فهذا يتحقق فيه اسم الترك إذا لم يصل فرضًا فيها، وحينئذ يكون كافرًا، هذا بالنسبة للحكم.
أما بالنسبة للتعامل فهو ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: التعامل الدعوي، فالتعامل الدعوي حتى مع الكافر، ينبغي أن نعامله بلطف من أجل أن نكسبه ونستميل قلبه إلى الإيمان، سواء كان تاركًا للصلاة، أو شاربًا للخمر، أو صاحب ذنوب ومعاص كثيرة، وأن نجذبه بإحسان، لكن النوع الثاني من التعامل، هو: التعامل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعني: لو أن إنسانًا له أخت عند شخص لا يصلي بالمرة، فهذا لابد أن يسحب أخته؛ لأنها إذا بقيت عنده فستكون معاشرته لها بالحرام؛ لأن التارك للصلاة بالمرة ليس بمؤمن، بل هو كافر، والله ﷿ يقول: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]، فلا يجوز حينئذ أن تبقى عنده أبدًا.
إذًا: هناك فرق بين التعامل في حالة التعامل نفسها، مثلًا: رجل لا يصلي بالمرة، وتعرف أنه لا يصلي، ثم مات فلا تصل عليه، وإذا كنت تغسل الموتى فلا تغسله، وإذا كان قريبًا لك فتمتنع من الإرث؛ لأنه ليس بمسلم إذا تيقنت أنه كافر، لكن لا يستعجل الإنسان في هذه الأمور، بل ينبغي أن يكون متريثًا، ودقيقًا فيها؛ لأنه يترتب عليها كثير من المشكلات.
[ ١٩ / ١٨ ]
الفرق بين المشرك والكافر
السؤال
ما الفرق بين المشرك والكافر؟
الجواب
هو نفسه الفرق بين الشرك والكفر، وهما بابان لحقيقة واحدة، فالشرك: هو عبادة يصرفها الإنسان لغير الله مع الله، والكفر جحود لما أوجب الله ﷾ عليه.
نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ١٩ / ١٩ ]