للصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم مكانتهم العظيمة في الإسلام، فهم حملة لوائه، وناشروه في الأقطار، ولذا كانت لهم منزلتهم في قلوب أهل السنة اعتقادًا يدينون الله تعالى به، فيرون وجوب سلامة صدورهم لأصحاب النبي ﷺ، ويعتقدون فضلهم على غيرهم، وتفاضل مراتبهم، والشهادة بالجنة لمن شهد له الرسول ﷺ بذلك، وتفاضل الأربعة الخلفاء، والبراءة من طريقة الرافضة والخوارج تجاههم، والإمساك عما شجر بينهم، وغير ذلك مما يعتقدونه بشأنهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
[ ٢٠ / ١ ]
مسائل وأحكام في عقيدة أهل السنة في الصحابة
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: فسبب دخول باب الصحابة في أبواب العقيدة أنه وجد من الضالين المنحرفين عن سواء السبيل من طعن فيهم، وتكلم عليهم، ونقص من قدرهم، أو من رفع بعضهم فوق منزلته الشرعية التي يجب أن ينزله إياه.
وهذا الباب يوجد في مصنفات أهل العلم في العقائد مثل: أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، والشريعة للآجري، والإبانة لـ ابن بطة، وغيرها من مصنفات أهل العلم في العقائد.
وقد أفرد له البخاري ﵀ في صحيحه كتابًا مستقلًا سماه: كتاب المناقب، وكذلك الإمام مسلم في صحيحه أفرد له كتابًا سماه: كتاب الفضائل، وأورد فيه فضائل الصحابة رضوان الله عليهم.
والإمام ابن ماجة القزويني رحمه الله تعالى جعله ضمن كتاب السنة في كتابه السنن.
أما الترمذي ﵀؛ فإنه أفرد له كتابًا سماه: المناقب أيضًا.
وقد صنف أهل العلم قديمًا وحديثًا مصنفات مستقلة في موضوع الصحابة، ومن أشهرها كتاب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى الذي سماه: فضائل الصحابة.
والصحابة رضوان الله عليهم جم غفير، يقول أبو زرعة الرازي: إن عدد الذين رأوا رسول الله ﷺ ورووا عنه وسمعوه يتجاوزون المائة ألف، فقد خطب النبي ﷺ في حجة الوداع بما يقارب المائة ألف، وقد رأوه ﷺ، واجتمعوا به، واستمعوا إلى خطبته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
[ ٢٠ / ٢ ]
تعريف الصحابي
التعريف الدقيق والحد المنضبط للصحابي هو: كل من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك.
والمقصود باسم الإشارة (ذلك) يعني: مات على الإيمان.
وقولنا: من لقي النبي ﷺ، يشمل الرجال والنساء، ويشمل كذلك من رآه بنظره، ومن سمعه بأذنه كالأعمى، ولهذا لفظة: (من لقي) أدق من لفظة: (من رأى).
وقولنا: (وهو مؤمن به) يخرج من لقيه من الكفار، كعمه أبي لهب، أو أبو جهل، أو غيرهم من الكفار الذين التقوا برسول الله ﷺ ولم يسلموا، ومنهم اليهوديان اللذان التقيا مع النبي ﷺ، فقالا له: (نشهد أنك رسول الله، فقال لهما رسول الله ﷺ: وما يمنعكما أن تتبعاني؟ قالا: تقتلنا يهود) فرجعوا ولم يؤمنوا، فهؤلاء وإن رأوا رسول الله ﷺ، وشهدوا بأنه نبي مرسل من الله ﷾، إلا أنهم ليسوا من الصحابة؛ لأنهم لم يؤمنوا به.
وقولنا: (ومات على ذلك) يخرج به من لقي رسول الله ﷺ وهو مؤمن، ثم ارتد عن الإيمان، كبعض الذين التقوا برسول الله ﷺ وارتدوا وقاتلهم الصحابة وقتلوا، كـ مسيلمة الكذاب وغيره من المرتدين.
[ ٢٠ / ٣ ]
مسائل متعلقة بتعريف الصحابي
وهناك مسائل يذكرها أهل العلم في تعريف الصحابي: المسألة الأولى: هل عيسى ﵇ يعتبر من الصحابة؟ الواقع أن عيسى ﵇ ينطبق عليه حد الصحابي، فقد لقي رسول الله ﷺ في السماء عندما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء، وهو مؤمن به، وهو لم يمت بعد، وسينزل في آخر الزمان، ثم يموت وهو مؤمن بالرسول ﷺ ولهذا ذكره بعض من ترجم لأصحاب النبي ﷺ.
المسألة الثانية: هل النساء يدخلن في تعريف الصحابي؟ نعم.
النساء يدخلن في تعريف الصحابي كما هو واضح في التعريف، فـ (مَن) مِن ألفاظ العموم التي تشمل الرجال والنساء.
المسألة الثالثة: من ارتد ثم عاد إلى الإسلام بعد ذلك، كـ الأشعث بن قيس هل هو داخل في الصحابي؟ نقول: نعم.
داخل في حد الصحابي، وهو ينطبق عليه أنه لقي النبي وهو مؤمن، ثم مات على الإيمان، لأنه بعد ردته آمن مرة أخرى.
المسألة الرابعة: ما هو الدليل على أن من لقي الرسول ﷺ ولو مرة واحدة أنه من الصحابة؟ يعني: النبي ﷺ عندما حج وحج معه مائة ألف، ما الدليل على أن هؤلاء من الصحابة؟ الدليل على هذا: أن النبي ﷺ أمر عائشة ﵂ بأن تأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فراجعته في ذلك، وقالت له: إن أبا بكر رجل رقيق، وإذا وقف مكانك لا يملك نفسه من البكاء، فقال النبي ﷺ: (إنكن صويحبات يوسف، مرن أبا بكر فليصل بالناس) فسمى من لقي يوسف ﵇ من النسوة اللاتي قطعن أيديهن، وهن لم يلتقين به إلا مرة واحدة صويحبات، وهذا دليل واضح على أن من لقي إنسانًا مرة واحدة فإنه يسمى صاحبه لغة.
المسألة الخامسة: أن الصحابة ليسوا على مرتبة واحدة في الفضل؛ فمن رأى رسول الله ﷺ مرة واحدة ليس كمن عاش مع النبي ﷺ وجاهد معه وبذل، وليس كمن رافقه كـ أبي بكر الصديق ودافع عنه، واجتهد في نصرة الدين معه، ليسوا على درجة واحدة.
[ ٢٠ / ٤ ]
سلامة قلوب أهل السنة وألسنتهم للصحابة رضي الله تعالى عنهم
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: [ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ].
ممن يتفق مع أهل السنة والجماعة من الطوائف في باب الصحابة: الأشاعرة والماتريدية؛ ولهذا يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه منهاج السنة النبوية: أن لفظة (أهل السنة) تطلق ويراد بها ما يطلقه العامة، والعامة تطلق أهل السنة فيما يقابل الشيعة الروافض الذين يشتمون أصحاب النبي ﷺ، وبهذا المعنى يكون الأشاعرة من أهل السنة وهو الإطلاق الذي تطلقه العامة، وهذا إطلاق عرفي؛ لأن الأشاعرة وأهل السنة والماتريدية اتفقوا على مخالفة الشيعة في هذه المسألة من مسائل العقيدة، فسموا هؤلاء الطوائف أهل السنة، وهذا اصطلاح عرفي تطلقه العامة لا ينبني عليه مدح ولا ذم إلا في موافقتهم للسنة فإنهم يمدحون في ذلك.
والإطلاق الثاني هو: أن أهل السنة هم الذين يقابلون أهل البدعة، وحينئذ فلا يدخل الأشاعرة، ولا تدخل الماتريدية في هذا التعريف، فإن أهل السنة هم أهل السنة المحضة الخلص الصافين من الابتداع، والأشاعرة عندهم بدع عقائدية علمية وعملية في مثل باب الصفات والإيمان والقدر وغيرها.
يقول: [ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]].
هذه الآية جاءت بعد آيتين في موضوع الصحابة، وهي في موضوع الفيء.
الآية الأولى في المهاجرين: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر:٨] إلى آخر الآية.
والآية الثانية في الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ [الحشر:٩]، والمقصود بالدار: المدينة.
والآية الثالثة هي في أهل السنة الذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر:١٠] يعني: جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]، وقد أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية فائدة فقهية، وهي: أن الشيعة ومن سب أصحاب النبي ﷺ ليس له شيء في الفيء، فإن الله قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر:٨] ثم قال في الآية التي بعدها: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ﴾ [الحشر:٩] يعني: لهم نصيب في الفيء، ثم قال في الآية الثالثة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] والشيعة ليسوا من المهاجرين، وليسوا من الأنصار، وليسوا من الطائفة التي تقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠]؛ لأنهم يتكلمون في أصحاب الرسول ﷺ.
[ ٢٠ / ٥ ]
اعتقاد أهل السنة فضل الصحابة على غيرهم
يقول: [وطاعة النبي ﷺ في قوله].
طاعة هنا معطوفة على قوله: (سلامة قلوبهم) يعني: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب الرسول ﷺ، ومن أصولهم أيضًا: [طاعة النبي ﷺ في قوله: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده! لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)].
هذا الحديث حديث صحيح رواه البخاري ومسلم.
يقول النبي ﷺ: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق) يعني: في سبيل الله.
(مثل أحد) وهو الجبل المعروف في المدينة.
(ذهبًا) يعني: تصدق بأغلى أنواع الأثمان.
(ما بلغ) يعني: في الأجر والمكانة عند الله ﷿.
(مد أحدهم) يعني: ما بلغ مثل ما يتصدق به الواحد من الصحابة بمقدار المد، وهو ربع الصاع (ولا نصيفه).
وهنا تلاحظون مقابلة بين رجل من الصحابة ورجل من المؤمنين من غير الصحابة، هذا الرجل من المؤمنين تصدق بمثل أحد ذهبًا في سبيل الله، وذاك الرجل من الصحابة تصدق بمقدار المد من الطعام، كيف عرفنا أن المقصود بالمد هنا الطعام؟ لأن المد من المكيلات، والذهب من الموزونات، ولا يمكن أن يقصد بالمد هنا مد الذهب، وإنما المقصود به مد الطعام؛ لأنه لو كان المقصود به مد الذهب لجعله من الموزونات.
وما الفائدة أن يكون من المطعوم أو من الذهب؟ الفائدة: أن هذا المتصدق من غير الصحابة تصدق بما هو أكثر حجمًا، وأجود نوعًا، والصحابي تصدق بما هو أقل حجمًا وكمًا وأقل نوعًا، ومع هذا فضل مد الصحابي على مثل الجبل من الذهب الذي يتصدق به من بعده.
ولهذا صدقة الصحابة أفضل من صدقة غيرهم، وهذا يدل على أن فضل الصحابة أكبر من فضل غيرهم، فهل يصح أن يسب مثل هؤلاء الفضلاء؟!
[ ٢٠ / ٦ ]
اعتقاد أهل السنة تفاضل مراتب الصحابة
يقول: [ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم].
وقد سبق أن أشرنا إلى أن أهل العلم رووا فضائلهم في الصحيحين والسنن، وجعلها بعضهم من العقيدة كما فعل الإمام ابن ماجة القزويني رحمه الله تعالى في سننه المعروفة بسنن ابن ماجة حيث جعلها في كتاب السنة؛ لأن علاقة فضائل الصحابة بالعقيدة علاقة قوية.
يقول: [ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم، ويفضلون من أنفق من قبل الفتح -وهو صلح الحديبية- وقاتل على من أنفق من بعد وقاتل].
لا شك أن الصحابة ليسوا على مرتبة واحدة في الفضل، وإنما هم على مراتب، فمن أسلم قبل صلح الحديبية أفضل ممن أسلم بعد صلح الحديبية.
الدليل على هذا: قول الله ﷿: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد:١٠].
هذه الآية فيها تقرير واضح لفضل من أنفق من قبل الفتح وقاتل على من أنفق من بعد الفتح وقاتل.
والدليل على أن الفتح هو صلح الحديبية: قول الله ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:٢٧].
وقد أنزل الله ﷿ في هذه الحادثة -صلح الحديبية- سورة كاملة وهي سورة الفتح وبدأها بقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١] فسمي صلح الحديبية فتحًا.
وقد يقول قائل: كيف يسمى صلح الحديبية فتحًا مع أنه صلح اتفاق مع الكفار على شروط، وقد رأى بعض الصحابة رضوان الله عليهم أن في هذه الشروط تقليلًا لهيبة المسلمين، وتعظيمًا لقوة الكافرين، ومع هذا سمي فتحًا؟ نقول: كان ذلك فتحًا بإذن الله ﷿ وبأمره، وذلك أن هذه الفترة التي عاهد النبي ﷺ فيها الكفار كانت من أعظم الفترات التي أسلم فيها عدد كبير من الصحابة رضوان الله عليهم، فقد جاء النبي ﷺ وهو في صلح الحديبية بألف وأربعمائة وحصل الصلح، ودخل مكة فاتحًا بعشرة آلاف، وهذا يدل على الفتح العظيم الذي حصل بهذا الصلح.
إذًا: الصحابة الذين أسلموا قبل صلح الحديبية أفضل من الصحابة الذين أسلموا بعد صلح الحديبية.
يقول: [ويقدمون المهاجرين على الأنصار].
لأن المهاجرين أسلموا قبل الأنصار، ولأنهم جمعوا بين خصلتي الهجرة والنصرة، أما الأنصار فلهم خصلة النصرة.
يقول: [ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدر - وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر -: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)].
هذا حديث رواه البخاري ورواه مسلم في قصة حاطب بن أبي بلتعة عندما كتب رسالة إلى أهل مكة يخبرهم فيها بأن النبي ﷺ قادم إليهم، فجاء الوحي إلى النبي ﷺ بذلك، فأرسل عليًا بن أبي طالب ومعه آخر وقال: ستجدون امرأة في مكان كذا وكذا معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة فجاءوا إلى المكان المعين، فوجدوا هذه المرأة وطلبوا منها الكتاب فرفضت، فهددها علي بن أبي طالب ﵁ أنها إن لم تأت بالكتاب فإنه سيعريها من ملابسها، فلما رأت منه العزم أخرجت الكتاب.
فلما جيء بالكتاب إلى النبي ﷺ قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنق هذا المنافق، وهذا يدل على أن موالاة الكفار من النفاق، ولم ينكر عليه النبي ﷺ في كون هذا العمل من النفاق، لكنه سأل المعين وهو حاطب - قائلًا: ما حملك على ذلك؟! فتأول حاطب وهذا يدل على أن الإنسان إذا تلبس بالكفر فإنه لا يلزم أن يكون كافرًا مباشرة، ولا بد من توفر الشروط وانتفاء الموانع، ومن ذلك: التأول؛ فإن حاطبًا تأول، حيث كان له مال في مكة، وليس له أحد يحمي ماله في مكة، وخشي أن يتلاعب به الكفار، فقال: يا رسول الله! إن لأصحابك من يحمي أموالهم في مكة، وليس لي أحد يحمي مالي في مكة، ثم قال النبي ﷺ لـ عمر: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر -وحاطب منهم- فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).
وقد عد ابن سعد في الطبقات الكبرى أسماء الثلاثمائة والأربعة عشر في كتابه؛ لأنه أفرد للبدريين طبقة خاصة لفضلهم.
أما قوله: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، فليس فيه دعوة إلى فعل المعاصي، ويمكن مراجعة كلام ابن القيم ﵀ في الفوائد لمعرفة هذه القضية.
يقول: [وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة].
هذه البيعة حصلت في صلح الحديبية؛ فإن الصح
[ ٢٠ / ٧ ]
شهادة أهل السنة بالجنة لمن شهد لهم الرسول ﷺ من الصحابة
يقول: [ويشهدون -يعني: أهل السنة- بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ].
فمن شهد له رسول الله ﷺ له بالجنة يشهدون له بالجنة يقينًا لا تردد فيه، أما غيرهم من العلماء والصالحين والفضلاء فإننا نرجو لهم الجنة، لكن لا نشهد يقينًا بها لأحد إلا لمن شهد له رسول الله ﷺ يقينًا بها كالعشرة وهم معروفون، وسموا بالعشرة لأنهم جمعوا في حديث واحد رواه أبو داود.
ومنهم ثابت بن قيس بن شماس وهو صحابي جليل تأثر من قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١]، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات:٣]، وقبلها بين أن من رفع صوته فإنه يكاد أن يحبط عمله، وكان رجلًا ذا صوت مرتفع، فخشي أن يكون ممن شملته هذه الآية، فبقي في بيته لا يشهد صلاة الجماعة، فأرسل إليه النبي ﷺ، فأخبره بما يظن، فبشره النبي ﷺ بالجنة.
يقول: [وغيرهم].
وغيرهم كثير كأمهات المؤمنين مثلًا، وورقة بن نوفل؛ فإن النبي ﷺ يقول: (لا تسبوا ورقة، فإني رأيت له جنة أو جنتين).
وأيضًا: كأصحاب الشجرة وأهل بدر فإنهم يدخلون في هذا، وغيرهم ممن شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، ومنهم بلال بن رباح وغيره.
[ ٢٠ / ٨ ]
اعتقاد أهل السنة تفاضل الأربعة بحسب ترتيب خلافتهم
يقول: [ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره: من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بـ عثمان، ويربعون بـ علي ﵃ كما دلت الآثار].
قوله: (يثلثون) يعني: يجعلون عثمان ثالثًا.
وقوله: (يربعون) يعني: يجعلون عليًا بن أبي طالب رابعًا.
ولا شك أن أهل السنة أجمعوا على أن أفضل الصحابة على الإطلاق أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب ﵁.
أما عثمان وعلي بن أبي طالب فإن أكثر أهل السنة على أن عثمان أفضل من علي بن أبي طالب ﵁، ووجد من أهل السنة من قال بأن عليًا أفضل من عثمان، فيجعلون الترتيب كالآتي: أفضل الصحابة أبو بكر ثم عمر ثم علي ثم عثمان في الفضل.
أما في الخلافة والبيعة فإنهم مجمعون على أن الخلفاء بالترتيب التالي: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.
إذًا: الخلاف الواقع بين أهل السنة في أول الأمر هو في أفضيلة علي على عثمان، وليس في كونه أولى بالخلافة منه؛ لأنهم متفقون على أن عثمان أولى بالخلافة من علي بن أبي طالب ﵁.
وهذا الاتفاق يدل على ضعف قول من فضل عليًا بن أبي طالب على عثمان ﵃ أجمعين، فإذا كان عثمان أولى بالخلافة منه، وقد بويع بالخلافة، ورضيه علي وسائر الصحابة، وعليه أهل السنة من بعدهم، فهو أيضًا يدل على فضله عليه، وليس في فضل أحدهم على الآخر منقصة للآخر، بل هو فاضل ولكنه أمام الآخر يعد مفضولًا.
[ ٢٠ / ٩ ]
الآثار الدالة على تفاضل الأربعة
وقوله: (وقد دلت على ذلك الآثار) والآثار في هذا الموضوع كثيرة جدًا، منها: ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر ﵁ أنه قال: كنا في زمن النبي ﷺيعني: والنبي يقر هذا- لا نعدل بـ أبي بكر أحدًا، ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم.
وقد صرح علي بن أبي طالب ﵁ أكثر من مرة على المنبر في الكوفة: أن أفضل أصحاب النبي ﷺ هم أبو بكر وعمر، وقد سأله ابنه محمد بن الحنفية وقال له: من أفضل أصحاب النبي ﷺ؟ قال له: أبو بكر، ثم قال له ابنه: ثم من؟ قال: ثم عمر، يقول محمد: فخشيت أن أقول: ثم من؟ فيقول: عثمان.
وهذا يدل على قوة رأي من فضل عثمان على علي ﵃ أجمعين.
يقول محمد الحنفية: فقلت له: ثم أنت؟ فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين.
ويقول شريك بن عبد الله القاضي، وقد كان من محبي علي بن أبي طالب ﵁، يقول: سمعت عليًا بن أبي طالب يقول على أعواد منبر الكوفة، أفضل أصحاب النبي ﷺ أبو بكر وعمر.
وهذا يدل على أن من فضل عليًا بن أبي طالب على أبي بكر وعمر فهو ضال مبتدع بمخالفته لأقوال النبي ﷺ، ولما تواتر عن الصحابة رضوان الله عليهم في هذا الأمر، والمخالف للإجماع ضال، لقول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥].
[ ٢٠ / ١٠ ]
المفاضلة بين علي وعثمان رضي الله تعالى عنهما
يقول شيخ الإسلام: [وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة - يعني: في الخلافة - مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على أبي بكر وعمر أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا وربعوا بـ علي، وقدم قوم عليًا، وقوم توقفوا].
إذًا: في مسألة أفضلية علي على عثمان أو عثمان على علي أربعة أقوال: القول الأول وهو الصحيح: تفضيل عثمان على علي بن أبي طالب ﵄.
والقول الثاني: أنهم كانوا يفضلون فيقولون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم يسكتون.
والقول الثالث: أنهم كانوا يقولون: أفضل الصحابة هم أبو بكر ثم عمر ثم علي ثم عثمان.
والقول الرابع: التوقف في المسألة، يقولون: أبو بكر ثم عمر ثم يتوقفون في أيهما أفضل عثمان أم علي.
يقول: [لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان على علي].
وهذا يدل على أن الواسطية دقيقة الألفاظ، فقد بين أن مسألة تقديم علي على عثمان نوعان: الأولى: تقديم في الأفضلية، وهذا محل خلاف، وليست من مسائل الأصول التي يضلل فيها المخالف، وإن كان الراجح: هو تقديم عثمان على علي.
الثانية: مسألة الخلافة والبيعة: ولا شك أن عثمان بن عفان متقدم على علي فيها، وهذا التقدم يصح أن يكون دليلًا على من قدم عثمان على علي في الأفضلية؛ لأنه لا يمكن أن يكون المفضول خليفة والفاضل موجودًا؛ لأن هذه خلافة راشدة أخبر عنها النبي ﷺ.
يقول: [وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي].
ولا شك أن هذه من الدقة عند شيخ الإسلام ﵀.
يقول: [ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله].
يعني: من طعن في خلافة أبي بكر، أو في خلافة عمر، أو في خلافة عثمان، أو في خلافة علي فهو ضال مضل، وهو أجهل من حمار أهله.
[ ٢٠ / ١١ ]
براءة أهل السنة من طريقة الروافض والنواصب تجاه الصحابة
ثم يقول: [ويتبرءون من طريقة الروافض].
الروافض: جمع رافضي، والرافضة سموا رافضة؛ لأنهم رفضوا زيدًا بن علي بن الحسين عندما تولى الشيخين، فإنه عندما فضل أبا بكر وعمر على علي قالت له الرافضة: إما أن تقدم عليًا وتفضله على الشيخين وإلا تركناك، فتركوه فقال: رفضتموني، فسموا: رافضة.
يقول: [الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم].
والشيعة المعاصرون يكفرون أصحاب النبي ﷺ، وإذا كفروهم فطبيعي أن يسبوهم ويشتموهم، ويتهموهم بأي أمر من الأمور؛ لأنه ليس بعد اتهامهم بالكفر مصيبة أكبر منها.
والحقيقة: أن طريقة الشيعة طريقة خطيرة جدًا؛ لأننا إذا كفرنا أصحاب الرسول ﷺ وهم نقلة الشريعة والأخبار عن الرسول ﷺ؛ فحينئذ لا يثبت عندنا حديث، فأحاديث أبي هريرة كلها باطلة عندهم، وأحاديث عائشة مثلها، وأحاديث أنس وابن عباس وابن عمر وغيرهم من الصحابة جميعًا كلها باطلة غير صحيحة.
إذًا: لن يبقى من السنة إلا مجموعة أحاديث قليلة رواها علي بن أبي طالب، أو المسور بن مخرمة أو سلمان الفارسي، وهم تقريبًا خمسة من الصحابة الذين لا يسبونهم، وهذا كما قال أهل العلم في حقيقته: طي لبساط الشريعة، يعني: لا يصبح هناك شريعة؛ لأن الآثار جميعًا غير مقبولة عند هؤلاء.
يقول: [ويتبرءون أيضًا من طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل].
والنواصب: جمع ناصبي، وهم من ناصبوا عليًا بن أبي طالب وذريته العداء، كـ الحجاج بن يوسف الثقفي ومسلم بن عقبة الذي كان قائدًا له عندما قاتل أهل مكة، وكان السلف يسمونه: مسرفًا، وغيرهم من عمال بني أمية، وبعض الأمويين ممن كان ضد أهل البيت وناصبهم العداء.
[ ٢٠ / ١٢ ]
اعتقاد أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة
يقول: [ويمسكون عما شجر بين الصحابة].
الخلاف الذي وقع بين الصحابة عندما اقتتلوا بعد عثمان بن عفان ﵁ خلاف اجتهادي، فبعد قتل عثمان بن عفان ﵁ انقسم الناس إلى ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: هم طائفة الخلافة، وهم علي بن أبي طالب ﵁ ومن معه، وهؤلاء قالوا: ننتظر حتى يهدأ الناس ثم نتتبع قتلة عثمان ونقتلهم جميعًا.
والطائفة الثانية: هم أهل الشام معاوية بن أبي سفيان ﵁ ومن معه، وهؤلاء قالوا: لا بد من قتل هؤلاء الذين قتلوا عثمان الآن.
والطائفة الثالثة: هم الذين أمسكوا عن الفتنة.
والممسكون عن الفتنة أنواع: فبعضهم: أمسك عن الفتنة وهم عامة الصحابة كـ سعد بن أبي وقاص ﵁ وغيره من الصحابة؛ لأنهم يحفظون أخبارًا عن النبي ﷺ أنها ستقع فتنة، وأن الممسك عنها هو صاحب الحق.
وبعضهم: أمسك لأنه لم يعرف وجه الحق في المسألة، كأهل الثغور الذين كانوا على الحدود والمشاركين في الجهاد في سبيل الله.
وبعضهم: أمسك لأنه لم يعرف الحق لكنه وقع في بدعة، وهي قوله: إن الطائفتين مخطئتان.
والصحيح في هذه المسألة هو: أن أصحاب النبي ﷺ جميعًا أهل خير وصدق، والفتنة التي وقعت عندهم وقعت باجتهاد، والاجتهاد يقول عنه النبي ﷺ: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر).
ونحن نعتقد أن المصيب في هذه الفتنة هو علي بن أبي طالب ﵁، وأن أهل الشام معاوية بن أبي سفيان ﵁ وعمرو بن العاص ﵁ ومن معهم أخطئوا في هذه الفتنة، لكن ما عندهم من الفضل والخير والجهاد مع النبي ﷺ ومن الصحبة تمسح هذا الخطأ إن لم يكونوا مأجورين فيه؛ لأن المجتهد إذا كان مصيبًا فله أجران، وإذا كان مخطئًا فله أجر، فهو ليس بآثم أصلًا.
ولو فرضنا أن بعضهم وقع في الإثم؛ فإن ما وقعوا فيه من الإثم أقل بكثير جدًا من فضائلهم وحسناتهم، والله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].
يعني: لو فرضنا أنهم وقعوا في خطأ وزلة فإن الحسنات تذهب هذه السيئة، والصحابة ليسوا بمعصومين من الخطأ، وقد يقع بعضهم في الكبائر، وقد وقع بعضهم في الزنا، لكن ما عندهم من فضل الصحبة والجهاد والصدق ونصرة الدين وإقامته ومحبة الرسول ﷺ؛ لا يقف معه خطأ أبدًا.
والميزان الحقيقي الصحيح هو: أن الصحبة لا يقف دونها خطأ، والواجب فيما شجر بين الصحابة: الإمساك وترك الخوض فيه، وخصوصًا العامة ومن لا علم عنده، لا سيما وقد روي في هذه الأحداث كثير من الأخبار الموضوعة والمكذوبة والتي هي من الكذب المحض، ولهذا استغل المستشرقون وأذنابهم من المستغربين هذه الحادثة استغلالًا بشعًا؛ فإنهم اعتمدوا في كثير من أخبار في هذه الفتنة على روايات وضعتها الشيعة، وعلى أخبار موضوعة ومكذوبة، وأصبحوا يتحدثون عن الفتنة التي وقعت بين الصحابة كأنها قضية سياسية معاصرة، فتجد مثلًا بعض المستشرقين يتحدث عن الفتنة فيقول: انقسم الصحابة إلى ثلاثة أحزاب: الحزب الأول: حزب المحافظين.
الحزب الثاني: حزب اليسار.
الحزب الثالث: حزب المتوقفين عن الموضوع.
وتقدم حزب اليمين خطوتين وتراجع حزب كذا، وهكذا يتعامل مع المسألة كأنه يتعامل مع حدث سياسي في الديمقراطية الأمريكية، وجهل أن الصحابة رضوان الله عليهم الدين تربوا على يد الرسول ﷺ ما عرفوا الخبث، ولا الغدر، ولا الخيانة، وإذا وقع عند بعضهم خطأ؛ فإنه يقع باجتهاد وبنصح لله ولرسوله وللمسلمين.
ولهذا أقول: تعامل هؤلاء مع هذه الحادثة ومع غيرها من الحوادث كحادثة خلافة أبي بكر الصديق ﵁ عامل قبيح جدًا، فإنهم صوروهم على أنهم أحزاب سياسية، وأنهم يسعون للوصول إلى الحكم، وأن كل طائفة من هذه الطوائف تراوغ وتحاول، ثم اجتهدوا في البحث في كتب التاريخ -خصوصًا الموضوعات التي كان يضعها الشيعة- واستخدموها استخدامًا قبيحًا جدًا في تشويه صورة الصحابة رضوان الله عليهم.
وهكذا من يعتمد في دراساته ومؤلفاته على المستشرقين يقع في نفس الخطأ، مثل الدكتور علي سامي النشار وغيره من الأساتذة الذين كتبوا في هذه الأحداث وقعوا في الخطأ، لأنهم يعتمدون على المستشرقين، والمستشرقون يعتمدون على روايات الشيعة في هذه المسألة، وقد صنف الشيعة في الجمل وصفين كتبًا كثيرة جدًا.
ومن المصنفين ورواة الشيعة المشاهير: أبو مخنف وهو لوط بن يحيى، وقد قال عنه بعض السلف: إن الواقدي -وهو من رواة السير ومتروك في الحديث- خير من ملء الأرض من مثل أبي مخنف، لأن أبا مخنف وضاع كذاب شيعي
[ ٢٠ / ١٣ ]
معتقد أهل السنة في المروي في مساوئ الصحابة وما صدر عنهم من الزلل
يقول: [ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز الذنوب عليهم في الجملة].
لكن إجماع الصحابة معصوم، أي: أن أفراد الصحابة غير معصومين، لكن الإجماع معصوم ولا شك.
والدليل على عصمته: هو قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء:١١٥] فاعتبر سبيل المؤمنين، وأن اتباع غيره ضلال يوجب العقوبة، ويوجب أن يكون من أهل جهنم.
يقول: [ولهم من السوابق -يعني: السابقة في الإسلام- والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم.
وقد ثبت بقول الرسول ﷺ أنهم خير القرون].
وهذا ثابت في صحيح مسلم: أن النبي ﷺ قال: (خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
قال: [وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم، كما دل عليه الحديث السابق المتفق عليه.
ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ وهم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف في الأمور التي كانوا فيها مجتهدين، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور؟!].
وهذا واضح، فإن للصحابة من الفضل والسابقة والمكانة ما يستحق به مغفرة ذنوبهم إن وقعوا فيها.
[ثم القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله عليهم به من الفضائل علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله].
ولهذا اهتم العلماء بجمع تاريخ الصحابة، فألف ابن الأثير كتاب (أسد الغابة في معرفة الصحابة) وألف أبو نعيم وابن مندة كتبًا في معرفة الصحابة، وألف الحافظ ابن حجر (الإصابة في معرفة الصحابة) وكل من تكلم عن تاريخ المسلمين يبدأه بالصحابة وتاريخهم وفضلهم، والذي يقرأ فيه يتعجب من عبادتهم وتقواهم وإخلاصهم لله ﷿، وخوفهم من الله ﷿، وحرصهم وبذلهم، وجهادهم مع النبي ﷺ في أوقات متعبة ومضنية، ومع ذلك كانوا أشد الناس ثباتًا.
[ ٢٠ / ١٤ ]
محبة أهل السنة لآل بيت رسول الله ﷺ
يقول: [ويحبون -يعني: أهل السنة- أهل بيت رسول الله ﷺ].
وأهل البيت يدخل فيهم أزواج النبي ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣].
فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب:٣٣] جاء في سياق الحديث عن نساء النبي ﷺ؛ فهن من أولى من دخل في آل بيته ﷺ.
وأيضًا: من آل البيت جماعات آخرين وردت فيهم رواية في صحيح مسلم من حديث الحصين بن سبرة أنه قال لـ زيد بن أرقم: ومن أهل بيته يا زيد؟ يعني: من أهل بيت الرسول ﷺ، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده.
قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، يعني: آل الحسن وآل الحسين وآل محمد بن الحنفية وآل عقيل، وهو عقيل بن أبي طالب أخو علي بن أبي طالب ابن عم النبي ﷺ.
وآل جعفر: وهو جعفر بن أبي طالب أيضًا ابن عم النبي ﷺ.
وآل عباس: والعباس هو ابن عبد المطلب عم النبي ﷺ.
فكل هؤلاء حرام عليهم الصدقة.
إذًا: آل البيت يشمل أزواج النبي ﷺ، وآل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، يشمل هؤلاء جميعًا ومن جاء من بعدهم من نسلهم.
وآل البيت لهم أحكام فقهية تحدث عنها أهل العلم في أماكنها، ومنها: أن الصدقة محرمة عليهم، وأن لهم حقًا في بيت مال المسلمين.
يقول: [ويحبون أهل بيت النبي ﷺ].
وتخصيصه أهل البيت؛ لأن أهل البيت بالذات لهم ثلاثة أمور تجلب محبتهم: الأمر الأول: الإيمان.
والأمر الثاني: الصحبة.
والأمر الثالث: لأنه من آل بيت النبي ﷺ.
ومحبة آل بيت النبي ﷺ أمر معتبر شرعًا، ولهذا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال للصحابة: (أذكركم الله في أهل بيتي).
يقول: [ويحبون أهل بيت النبي ﷺ، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم].
وغدير خم هذا غدير قريب من الجحفة، قريب من منطقة رابغ بين مكة والمدينة، وقال النبي ﷺ هذا القول عندما رجع من حجة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجة، لما جاء إلى غدير خم قال للصحابة رضوان الله عليهم: (أذكركم الله في أهل بيتي) وهذه وصية واضحة.
وقال أيضًا للعباس عمه، وقد اشتكى إليه بعض قريش من بني هاشم، فقال: (والذي نفسي بيده! لا يؤمنوا حتى يحبوكم لله ولقرابتي) وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود الطيالسي، ورواه أيضًا الإمام أحمد في فضائل الصحابة، وفي إسناده ضعف، ويمكن مراجعة كلام محقق فضائل الصحابة على هذا الحديث.
وقال ﵊: (إن الله اصطفى بني إسماعيل من العرب، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) وهذا حديث صحيح رواه مسلم.
[ ٢٠ / ١٥ ]
تولي أهل السنة أزواج النبي ﷺ
يقول: [ويتولون أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، كما قال الله ﷿: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦] إلى آخر الآية].
فأزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، ولا يجوز أن يتزوجهن أحد بعده ﷺ كما دلت عليه أيضًا آية في سورة الأحزاب.
أيضًا: أمهات المؤمنين هم من آل بيت النبي ﷺ.
[ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة].
وقد ثبت أنهن أزواجه في الدنيا، وكذلك أزواجه في الآخرة، ولهذا قال النبي ﷺ لـ عائشة: (أنتِ زوجي في الجنة).
[خصوصًا خديجة ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية].
ولا شك أن خديجة ﵂ لها منزلة عظيمة، فقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ: (أن جبريل نزل من السماء وقال: بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب).
ولا شك أن النبي ﷺ كان يذكر خديجة كثيرًا لزوجاته، وخديجة ﵂ عاضدته في بداية دعوته، فهي التي أخذته عندما جاءه الناموس إلى ورقة بن نوفل.
أما الصديقة بنت الصديق عائشة ﵂ فهي التي قال فيها النبي ﷺ: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)، وقال النبي ﷺ في فضل خديجة: (كمل من النساء ثلاث: آسية) التي كانت زوجة فرعون وهي مؤمنة، (ومريم ابنة عمران وخديجة ﵂).
وهناك مسألة يذكرها بعض أهل العلم وهي: هل الأفضل خديجة أم عائشة؟ وهل الأفضل عائشة أم فاطمة ﵂؟ والتحقيق في هذه المسألة: أنه لا يصح التفضيل بإطلاق، وإنما هذه أفضل باعتبار، وتلك أفضل باعتبار آخر، ويمكن مراجعة كلام ابن القيم ﵀ على هذه المسألة في بدائع الفوائد، فقد وضع قاعدة ممتازة في مسألة التفضيل، وأن التفضيل بعضه يكون مطلقًا، وبعضه يكون مقيدًا باعتبار.
نكتفي بهذا، وأسأل الله ﷿ أن يوفقنا وإياكم لما فيه خيرنا جميعًا.
[ ٢٠ / ١٦ ]
الأسئلة
[ ٢٠ / ١٧ ]
الضلال المتأخرون من آل البيت وما يتناولهم من أحكام آل البيت
السؤال
هل من ضل عن سنة النبي ﷺ من آل بيته المتأخرين يدخلون في العموم، وتنطبق عليهم أحكام آل البيت؟
الجواب
لا.
المقصود من آمن وكان من الصالحين.
[ ٢٠ / ١٨ ]
مراجع في الاطلاع على الفتنة بين الصحابة
السؤال
ما هو أفضل كتاب وضح فتنة الصحابة ﵃ حتى يستطيع طالب العلم الرد على من يثير مثل هذه الفتن؟
الجواب
لا أوصي طلاب العلم بالقراءة في هذا الموضوع، لكن من الكتب التي ألفت في هذا الموضوع كتاب: (فتنة الصحابة) في مجلدين رسالة دكتوراه لـ محمد آل مخزون، وأيضًا كتاب (مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري) للدكتور يحيى اليحيى، هذه من أفضل الكتب.
وأما الأشرطة التي انتشرت للسويدان في هذا الموضوع فهي أشرطة سيئة، ولا ينبغي ترويجها ولا توزيعها.
[ ٢٠ / ١٩ ]
الموقف من إثبات الصحبة لجبريل ﵇ وبعض الأنبياء
السؤال
هل جبريل ﵇ صحابي؟ وكذلك موسى وإبراهيم؟
الجواب
أما موسى وإبراهيم فقد توفوا قبل مبعث النبي ﷺ، وأما جبريل فقد ناقش هذه المسألة بعض أهل العلم واعتبره بعضهم من الصحابة، لكن الصحيح أن عيسى نبي وفضل النبوة أعظم من فضل الصحبة كما تعلمون.
[ ٢٠ / ٢٠ ]
ثبوت رتبة الصحبة لبعض الجن
السؤال
هل من الجن صحابة؟
الجواب
نعم.
هناك من الجن صحابة التقوا بالنبي ﷺ، ومن المؤكد.
أن لهم أسماء لا نعرفها.
[ ٢٠ / ٢١ ]
أول من آمن بالنبي ﷺ
السؤال
يقول: من أول من آمن به ﵇ هل ورقة أم علي؟
الجواب
أول من آمن به أبو بكر الصديق ﵁ من الرجال، وعلي من الصبيان، وورقة بن نوفل آمن بالنبي ﷺ.
[ ٢٠ / ٢٢ ]
حكم القراءة في الكتب المتضمنة مرويات مكذوبة على الصحابة
السؤال
كلما قرأت في كتب السير والتاريخ عما حصل بين الإمام علي ﵁ ومعاوية بن أبي سفيان انقبض قلبي وتضايقت، وأحسست أن فعل معاوية لم يكن للدين وإنما كان للدنيا؟
الجواب
هذه مشكلة؛ لأن البعض يعتمد على روايات غير صحيحة، وتنقبض نفسه بدون فائدة؛ لأن الرواية أصلًا كذب، يعني: تخيل لو أن إنسانًا أخبرك عن شخص تحبه بخبر كذب، ثم تقبض نفسك، فما فائدة هذا الانقباض؟ تكره الإنسان على خبر كذب ليس صحيحًا؟ ولهذا ينبغي للإنسان أن يتقي الله، وألا يقرأ في هذه الكتب التي تذكر مثالب الصحابة.
[ ٢٠ / ٢٣ ]
مادة كتاب نضرة النعيم
السؤال
هل كتاب نضرة النعيم يتحدث عن الصحابة؟ ومن مؤلفه؟
الجواب
نضرة النعيم لا يتحدث عن الصحابة، بل يأتي إلى مسألة من المسائل بالذات في أخلاق الرسول ﷺ، أو الصدق ثم ينقل آيات وأحاديث وأقوال في هذه المسألة تصلح كمادة علمية للذي يريد أن يكتب أو يخطب.
[ ٢٠ / ٢٤ ]
حكم ذكر أخطاء الصحابة للاستفادة
السؤال
هل يجوز ذكر أخطاء الصحابة رضوان الله عليهم بقصد الاستفادة؟
الجواب
لا، الإنسان يستفيد من أخطائه هو ولا يحتاج أن يدرس أخطاء غيره حتى يستفيد، ادرس فضلهم حتى تصير مثلهم، كقيام الليل، وقراءة القرآن، والصوم، وطلب العلم، والجهاد في سبيل الله، والبراءة من الكفار، وموالاة المؤمنين والصدق فيها، هذه من أعظم الأمور التي نحن بحاجة إليها.
[ ٢٠ / ٢٥ ]
حكم من يطعن في معاوية ﵁
السؤال
ما حكم من يطعن في معاوية ﵁ ويردد أحداث الفتنة؟
الجواب
الذي يطعن في معاوية ﵁ منحرف ضال، كيف يطعن في معاوية ﵁ وهو الصحابي الجليل؟! أما كونه اجتهد وأخطأ في اجتهاده فله أجر في هذا، وإن وقع عنده خطأ فخطؤه ليس بشيء عند حسناته وفضله، ولهذا كان الذي يسب معاوية ﵁ منحرفًا ضالًا.
[ ٢٠ / ٢٦ ]
الجمع بين تخطئة مناوئي علي ولزوم الإمساك عما شجر بين الصحابة ﵃
السؤال
هل إذا قلنا: إن معاوية أخطأ، هل قولنا هذا يعارض الإمساك عن الكلام في هذه الفتنة التي أرشد إليها في السنة؟
الجواب
لا يلزم أن يكون هذا من عدم الإمساك، يعني: نحن عندما نتحدث عن موضوع الفتنة، إما أن نتكلم عنها بشكل موسع أو مفصل ونطول فيها، أو يكون موضوع حديث دائم ومستمر، هذا هو الذي يجب الإمساك عنه، لكن عندما يذكر الموضوع بشكل مجمل، ونتحدث عن الموضوع بشكل عام؛ فإننا نقول: إن عليًا ﵁ هو المصيب، وأهل الشام أخطئوا في هذا، وليس في هذا قدح ولا عيب، وإنما هو خطأ إما يكون لهم أجر فيه إذا كانوا مجتهدين -وهذا هو الواقع- أو إذا وقع منهم خطأ وزلة فإنها تكون بسيطة عند فضلهم ومنزلتهم.
[ ٢٠ / ٢٧ ]
حكم الشهادة بالجنة لأحد الصالحين
السؤال
قرأت كلامًا للشيخ محمد العثيمين على أن شيخ الإسلام يرى أن الأمة إذا تواطأت على الشهادة بصلاح أحد نشهد له بالجنة؛ فهل هذا الكلام صحيح؟
الجواب
مسألة الشهادة بالجنة فيها أقوال متعددة لأهل السنة، لكن الشهادة اليقينية للشخص بأنه من أهل الجنة لا نشهد إلا لمن شهد له رسول الله ﷺ، لكن بعض فضلاء الأمة الذين كان لهم جهاد عظيم، بعض العلماء يرى أن القول بأنهم من أهل الجنة وارد، ويستدل عليه بقول النبي ﷺ عندما أتي بجنازة أثنوا عليها خيرًا فقال: (وجبت) وعندما أتوا بجنازة أخرى فأثنوا عليها شرًا فقال: (وجبت) وبقول النبي ﷺ: (أنتم شهداء الله في أرضه).
ويمكن مراجعة كلام ابن أبي العز الحنفي ﵀ في شرح العقيدة الطحاوية، فقد ذكر الأقوال، ورجح أنه لا نشهد لأحد على وجه اليقين إلا بما شهد به النبي ﷺ لأنه من علم الغيب الذي لا يدركه الإنسان.
[ ٢٠ / ٢٨ ]
إيضاح الآثار المروية عن عمر في اعتبار الخلافة أمرًا اجتهاديًا قد يليه غير عثمان
السؤال
هناك أحاديث تبين أن أمر الخلافة أمر اجتهادي، وأقصد بذلك ما بعد الشيخين، وقد قال عمر: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًا لوليته، ولو كان أبو عبيدة ولو كان ثالثًا وهكذا.
فهل هذا يدل على أنه أمر اجتهادي؟
الجواب
لا، لا يدل على أنه أمر اجتهادي، فـ عمر بن الخطاب ﵁ كان يتذكر الصحابة رضوان الله عليهم وما فيهم من الفضل، ويقول: لو كان ثم فلان لوليته.
وهذا حديث نفس وليس أمرًا مقطوعًا، متى صار الأمر مقطوعًا؟ لما تولى عثمان وأن علي بن أبي طالب هو الخليفة بعده، وهذا ما أجمعت عليه الأمة، حيث أجمعت على عثمان، ثم أجمعت على علي بعده، وإجماع الأمة معتبر كما هو معلوم.
أما حديث النفس الذي حصل عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فلا يدل على أن هذا الأمر اجتهاد؛ لأن الحجة هي بعد حصول الخلافة وصار إجماعًا.
[ ٢٠ / ٢٩ ]
عدم تحقق الكفر في فعل حاطب ﵁
السؤال
هل كانت غزوة بدر مانعًا لكفر حاطب بن أبي بلتعة؟
الجواب
حاطب بن أبي بلتعة ما كفر حتى تكون غزوة بدر مانعة له، حاطب بن أبي بلتعة وقع في عمل كفري، لكن لم تتحقق فيه شروط الكفر حتى يكفر؛ لأنه كان متأولًا معذورًا، يعني: ظن أن هذا العمل الذي يعمله ليس كفرًا، واجتهد في هذا الظن، وتأول فيه، فقال النبي ﷺ ذلك خصوصًا أيضًا مع كونه شهد بدرًا، وهذا مما يدل على إخلاصه وصدقه ومحبته للمؤمنين، لأن المكفر هو: إعانة الكفار على المؤمنين، ولكن هذا المكفر ليس واقعًا في حاطب.
إذًا: ظاهر العمل أنه كفر، لكن حقيقته ليست كفرًا، لماذا؟ لأن حقيقة الرجل أنه ليس محبًا للكافرين أصلًا، بل هو يجاهد الكافرين ويقاتلهم بالسيف، وربما جرح وصبر على ذلك، وهو مهاجر من مكة إلى المدينة، ولهذا حاطب ليس محبًا للكافرين.
إذًا: العمل الذي عمله كيف يفسر؟ يفسر بما قاله هو، وأنه أراد أن تكون هذه يدًا عندهم، فلا يعتدوا على أمواله التي بمكة.
إذًا: فـ حاطب أصلًا ما وقع في الكفر.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ٢٠ / ٣٠ ]