من جملة الآيات الوارد فيها ذكر أسماء الله تعالى وصفاته آية الكرسي، وهي أعظم آية في القرآن الكريم؛ لما تضمنته من أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلا، كإثبات اسم الإله والحي والقيوم وصفات هذه الأسماء وغيرها من الصفات الدالة على عظمة المتصف بها ﷾.
[ ٣ / ١ ]
آية الكرسي ودلائل عظمتها وفضلها
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وما وصف به نفسه في أعظم آية في كتابه؛ حيث يقول: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]].
هذه الآية هي كما قال الشيخ رحمه الله تعالى: أعظم آية في كتاب الله، كما أن الفاتحة هي أعظم سورة في كتاب الله ﷾، والدليل على ذلك: ما رواه الإمام أحمد في مسنده، والإمام مسلم في صحيحه، عن أبي بن كعب ﵁: (أن النبي ﷺ سأله: أي آية في كتاب الله أعظم؟) وكان أبي بن كعب من القراء المشهورين الذين ذكرهم رسول الله ﷺ، وأمر أن يؤخذ القرآن عنهم، فقال ﷺ: (خذوا القرآن عن أربعة) ذكر اثنين من المهاجرين واثنين من الأنصار، فأما الأنصار فـ أبي بن كعب ومعاذ بن جبل، وأما المهاجرين فـ ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة، فقال أبي بن كعب: (الله ورسوله أعلم، فكررها عليه ﷺ مرارًا، فكان جواب أبي: الله ورسوله أعلم، إلا أنه قال في آخرها: هي قول الله ﷿: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فضرب رسول الله ﷺ على صدره وقال: ليهنك العلم أبا المنذر!)، وهذا إقرار لقول أبي بن كعب، وجاء زيادة في مسند الإمام أحمد: أن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده! إن لها لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش)، وهذه الزيادة صححها الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
[ ٣ / ٢ ]
ذكر الصفات الواردة في آية الكرسي الدالة على عظمتها
ويدل على عظمة هذه الآية: كثرة الصفات الواردة في هذه الآية، فقد اشتملت هذه الآية على تسع صفات لله ﷾، هذا مع ضم المعاني بعضها لبعض، وأما عند التفصيل فإنها تتجاوز العشر إلى أكثر منها.
أما هذه الصفات فهي: الصفة الأولى: صفة الألوهية، وهي مأخوذة من اسم الله.
والصفة الثانية: صفة الحياة، وهي مأخوذة من اسم الحي.
والصفة الثالثة: صفة القيومية، وهي مأخوذة من اسم القيوم.
والصفة الرابعة: صفة الملك، وهي مأخوذة من قوله تعالى: «لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ»، والصفة الخامسة: صفة العلم، وهي مأخوذة من قوله: «يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ» والصفة السادسة هي: صفة المشيئة، وهي مأخوذة من قوله: «إِلَّا بِمَا شَاءَ» والصفة السابعة هي: صفة القدرة، وهي مأخوذة من قوله: «وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا».
والصفة الثامنة: صفة العلو، وهي مأخوذة من اسم الله ﷿: «الْعَلِيُّ».
والصفة التاسعة: صفة العظمة، وهي مأخوذة من اسمه: «الْعَظِيمُ»، وتلاحظون أن هذه الصفات بشكل مختصر، وإلا فهناك مواطن من هذه الآية سيأتي معنا أنها ترجع إلى أحد هذه الصفات التي سبق أن بيناها آنفًا.
[ ٣ / ٣ ]
صفة الألوهية
أما صفة الألوهية فمأخوذة من اسم الله ﷿: الله، وقد سبق أن الأسماء يؤخذ منها الصفات، والدليل على أن الأسماء تدل على معان، وأن هذه المعاني هي الصفات: قول الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، فإن الحسنى هنا على وزن فعلى، بمعنى البالغة الغاية في الحسن، ولا يمكن أبدًا أن تبلغ الغاية في الحسن إلا إذا دلت على معانٍ عظيمة، وصفات حميدة، وإلا فلو كانت أعلامًا محضة فقط لا دلالة لها على معانٍ فلا يمكن أن توصف بالحسن، وهذا هو الدليل على اشتقاق الصفات، أو أخذ الصفات من الأسماء.
وصفة الألوهية صفة استحقاق، والمعنى: أن الله ﷿ مستحق للألوهية، ومستحق للعبودية.
اسم الله ﷿ مأخوذ من الإله، وهو الراجح من أقوال أهل العلم في مسألة اشتقاق اسم الله ﷾، والإله معناه المعبود.
وهذا مجمع عليه عند أهل اللغة؛ لأن الإله فعال بمعنى مفعول، أي: مألوه، وقد تعبر بعض كتب اللغة عن الإله بأنه الذي تألهه القلوب بمعنى أنها تحبه، والمحبة من العبادة، وقد يذكر بعضهم بعض معاني العبادة كالمحبة أو الاشتياق ونحو ذلك، وكلها بمعنى واحد، ويمكن أن يراجع في ذلك كتاب: (اشتقاق أسماء الله الحسنى) للزجاج رحمه الله تعالى، فقد أطال الحديث في هذا الباب، وهو من المتقدمين، وهو من أئمة اللغة.
ويدل على أن الإله بمعنى المألوه قول رؤبة بن العجاج: لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهي وكما تعلمون أن النبي ﷺ كان يتحنف أو يتحنث، وفي بعض ألفاظ الصحيح: (يتأله الليالي ذوات العدد)، ففسرت عائشة التحنف والتحنث بالثاء، أو التأله بأنه التعبد.
وهذا أمر معروف في لغة العرب.
ولو رجعتم إلى تفسير ابن جرير الطبري ﵀: (جامع البيان)، تجدون أنه عندما فسر قول الله ﷿: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ﴾ [الفاتحة:١]، ينقل بإسناده عن ابن عباس ﵄، أنه قال: الله: ذو الألوهية والمعبودية على خلقه جميعًا.
وفي بعض ألفاظ الروايات عن ابن عباس قال: والعبودية، فيدل على أن الألوهية راجعة إلى العبودية، وكذلك قول الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، قال قتادة: يعبد في السماء، ويعبد في الأرض.
فهؤلاء هم السلف الصالح رضوان الله عليهم الذين فسروا معنى الإله، ولهذا أجمع السلف الصالح على أن الإله بمعنى المعبود وحده ﷾.
ولهذا فإن (لا إله إلا الله) معناها: لا معبود بحق إلا الله.
وللمعلمي رحمه الله تعالى رسالة مخطوطة في مكتبة الحرم اسمها: العبادة، وعندما جاء يتحدث عن الإله قال: لما رأيت الخلاف حاصلًا في حياة الأمة في كثير من الأعمال والأقوال هل هي شركية أو ليست بشركية؟ علمت أن الأمة لا يمكن أبدًا أن تعمل عملًا وهي تعتقد أنه شرك، فعلمت أنهم يختلفون في فهم الشرك وفي فهم التوحيد، وعندما حققت الأمر وجدت أنهم يختلفون في معنى الإله.
وهذا فعلًا واقع في حياة المسلمين، فإن الخلاف الواقع في كثير من الشركيات القائمة مثل الطواف حول القبور، والذبح لها، والنذر لغير الله ﷿، ونحو ذلك من التأله لغير الله ﷿ سببه الخلاف في فهم معنى لا إله إلا الله، فمعنى لا إله إلا الله عند السلف الصالح: لا معبود بحق إلا الله، والعبادة هي أعمال وأقوال وإرادات يعملها الإنسان لمن يعظمه، ويذل له، ويحبه، وهذا هو معنى الإله في مدلولها الشرعي كما هو معلوم.
أما أهل البدع والضلالة فإنهم يرون أن (الله) يؤخذ منه صفة وهي الألوهية، ثم إذا جاءوا إلى تفسير (لا إله إلا الله) يفسرون الإله بأنه القادر على الإبداع والاختراع، وهذا هو قول المعتزلة والأشاعرة والصوفية، وهم يوافقون الأشاعرة في أغلب اعتقاداتهم الكلامية، فإن الإله عندهم بمعنى القادر على الاختراع، ولو رجعتم إلى كتب هؤلاء مثل كتاب القاضي عبد الجبار الهمداني -وهو من أئمة المعتزلة- شرح الأصول الخمسة، فإنه ينص على أن الإله معناه: القادر على الخلق والإبداع والاختراع، ويستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات:٣٥].
وكذلك عامة كتب الأشاعرة، مثل كتب الجويني (الإرشاد) أو (لمع الأدلة) أو (الشامل في أصول الدين)، أو كتب الرازي أو أبي حامد الغزالي، أو عامة كتب الصوفية، فلو رجعتم مثلًا إلى (الرسالة) لـ أبي القاسم القشيري تجدون أنه يفسر الإله بأنه القادر على الاختراع، وكذلك إذا تأخرتم قليلًا إلى عبد الوهاب الشعراني فقد ألف كتابًا في عقائد الصوفية سماه: (الدرر والجواهر في عقائد الأكابر) -يعني: أكابر الصوفية- يفسر فيه الإله بأنه القادر
[ ٣ / ٤ ]
صفة الحياة
صفة الحياة مأخوذة من اسم الله ﷿ الحي، وقد ورد اسم الله ﷿ الحي في القرآن في خمسة مواضع: الموضع الأول: في هذه الآية من سورة البقرة.
والموضع الثاني: بداية سورة آل عمران: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١ - ٢].
والموضع الثالث: في سورة الفرقان، في قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨].
والموضع الرابع: في سورة طه في قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه:١١١].
والموضع الخامس: في سورة غافر في قول الله ﷿: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ﴾ [غافر:٦٥].
هذه خمسة مواضع في اسم الله ﷿ الحي، ثلاثة منها اقترنت باسمه القيوم، واثنان منها لم تقترن به.
وقد جاء في البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان يقول في دعاء له طويل ومنه: (أنت الحي الذي لا يموت، والإنس والجن يموتون)، فقوله: (الذي لا يموت) في هذا الحديث، وفي قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨] (الذي لا يموت) معناه: أنه ﷾ له الحياة الدائمة، والحياة المأخوذة من اسمه الحي، وهي الحياة التي لا أول لها ولا آخر الحياة الدائمة التي لا يعتريها نقص بوجه من الوجوه؛ فهو الحي الذي لا أول لحياته، وهو الحي الذي لا نهاية لحياته، فمن كان لحياته أول فهي ناقصة، ومن كان لحياته نهاية فهي ناقصة أيضًا، والحي الدائم الحياة الذي لا يعتري حياته نقص بوجه من الوجوه هو ربنا ﷾.
والله ﷿ وصف الإنسان بأنه حي، ولكن حياة الإنسان تختلف عن حياة الله ﷿، وقد أشرنا من قبل إلى أن الاتفاق في الأسماء لا يقتضي الاتفاق في المسميات، فالله ﷿ سمى الإنسان حيًا، فقال ﷾: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس:٣١].
لا يوجد أحد ينكر حياة الله ﷿، لكن يوجد من يفسرها بغير معناها الصحيح.
مثلًا: الباطنية ينفون عن الله ﷿ النقيضين، فيقولون: ليس بحي وليس بميت، ويسمون هذا النفي نفي العدم والملكة، فيقولون: الله ﷿ شيء آخر لا ترد عليه صفة الحياة وصفة الموت؛ لأن من ضمن أدلة أهل السنة على صفة الحياة العقل والنقل، فأما الاستدلال عليها بالعقل، فإنه يقال: لا يمكن أن يوجد إله ليس حيًا، لابد أن يكون الإله حيًا؛ لأن الحياة من صفة الكمال لله ﷿، وهو أحق بها ﷾.
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: فإن الموصوف إذا لم يوصف بالحياة فإنه سيوصف بضدها وهو الموت، إذا قلنا: ليس حيًا، فمعنى هذا أنه ميت، إذا قلنا: ليس سميعًا، فمعنى هذا أنه أصم، إذا قلنا: ليس بمتكلم، فمعنى هذا أنه أبكم، وهذا استدلال صحيح على أن الشيء إذا لم يوصف بالكمال فإنه سيوصف بضده ومقابله وهو النقص، فإذا قالوا: الله ﷿ ليس حيًا نقول: إذًا تصفونه بالموت، قالوا: ولا ميت، قلنا: إذًا وقعتم في التناقض، كيف ليس بحي ولا ميت؟ قالوا: لأنه لا يقبل الحياة ولا الموت، فأنت الآن إذا جئت إلى المنديل هل تقول: المنديل حي؟ نقول: لا، هل تقول: إنه ميت؟ نقول: لا، إذًا لا يقبل الموت ولا الحياة، ولهذا نقول: الإله شيء آخر لا يقبل الموت ولا الحياة.
وهذا كلام باطل، وإن كانوا قد أثروا بهذا القول في كثير من المشتغلين بعلم الكلام، إلى درجة أن الآمدي وهو من علماء الأشاعرة في كتابه (أبكار الأفكار)، يقول: إن هذا الدليل صحيح، ولا تستقيم الدلالة العقلية على إثبات حياة لله ﷿، وهذا كلام باطل، فإن الشيء الذي لا يمكن أن يوصف بالحياة ولا الموت أنقص مما يمكن أن يوصف بالحياة فتنفى عنه الحياة، ثم يكون مثلًا أخرس أو غير ذلك، فلو جئنا إلى أعمى حتى -ولله المثلى الأعلى- لكنه أعمى، وقارنا بينه وبين الكتاب، أو بينه وبين الميكرفون، فمن الذي عنده الكمال الذي ليست فيه حياة وهو الميكرفون أو الذي عنده حياة؟
الجواب
ذلك الأعمى الذي عنده حياة، وهذا شيء طبيعي، فإن الحياة كمال.
ومن جهة أخرى: من قال: إن الجمادات لا توصف بالموت ولا بالحياة، فالله ﷿ قد وصف بعض الجمادات بالموت، فقال ﷿ عن الأصنام: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل:٢١] وهي أصنام من حجارة، والله ﷿ سمى الأرض قبل أن يأتيها المطر: ﴿الأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ [يس:٣٣]، فمع أنها جماد إلا أنه سماها أرضًا ميتة ووصفها بالموت، ثم إن الله ﷿ قادر على إحياء ما شاء وإماتة ما شاء، فإن الطعام كان يسبح في أيدي الصحابة رضوان الله عليهم، وقد حن الجذع الذي كان يقف عليه رسول الله ﷺ لما تركه وانتقل إلى المنبر، بل وسمع له ص
[ ٣ / ٥ ]
صفة القيومية
القيوم: هذا الاسم ورد في ثلاثة مواضع، وقد سبق أن أشرنا إليها مع الحديث عن اسمه الحي، والقيوم اسم من أسماء الله ﷿ يؤخذ منه صفة القيومية، والقيومية صفة لله ﷿ لها معنيان: المعنى الأولى: القائم بذاته.
والمعنى الثاني: المقيم لغيره.
فالقائم بذاته: معناه: أن الله ﷿ قائم لا يزول أبدًا، وكما أنه قائم بذاته فهو غني عن خلقه.
وأما المقيم لغيره: فهو المقيم لغيره بتدبيره وتصريفه وإنعامه على غيره من مخلوقاته ﷾.
فنلاحظ أن هذا الاسم وهذه الصفة تشتمل على صفة ذاتية، وهي القائم بذاته، وتشتمل على صفة فعلية وهي المقيم لغيره.
أما صفة الحياة، فقد سبق أن أشرنا إلى أنها صفة ذاتية؛ لأنها غير متعلقة بمشيئة الله ﷿، فهي ثابتة له ﷾ ودائمة كصفة العلم والإرادة والقدرة.
وأما القيوم فقد أشرت آنفًا إلى أنها تدل على صفة ذات، وتدل على صفة فعل، فأما الصفة الذاتية فهي بمعنى الباقي، وبمعنى الغني ﷾، وهي من هذه الناحية صفة ذاتية غير متعلقة بالمشيئة.
وأما المقيم لغيره فمعناها: المدبر لشئونهم، فهي صفة فعلية لله ﷿، وإن كان أصلها ذاتي كما هو معلوم في الصفات الفعلية عمومًا.
﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، هذه من الصفات المنفية، وهي وإن كانت ذاتية إلا أنها من الصفات المنفية، وقد سبق أن أشرنا إلى أن الصفات تنقسم إلى: صفات ثبوتية، وصفات منفية، وهذا يدل على اشتمال هذه الآية لجميع أنواع الصفات.
السِنة: هي النعاس، وهي نوم العين كما يسمونه، والنوم هو ثقل الرأس، وهو نوم القلب، فالله ﷿ لا تأخذه سنة ولا نوم؛ لكمال حياته وقيوميته.
والقاعدة في الصفات المنفية: أنها تتضمن كمال الضد؛ لأن النفي المحض لا فائدة منه، كما يقول العلماء، فقوله: «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ»، صفة منفية، لكنها راجعة إلى اسمي الله ﷿ السابقين: وهما الحي والقيوم، ولهذا لم نفردها بصفة خاصة في تعدادنا لصفات الله ﷿ في هذه الآية.
[ ٣ / ٦ ]
صفة الملك
ثم قال: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، هذه تدل على صفة الملك، فالله ﷿ مالك كل شيء، ومن أسمائه ﷾: الملك، ولهذا يقول: ﴿مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:٢ - ٣] في آخر سورة في القرآن وهي سورة الناس، ومن أسمائه: المالك: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، ومن أسمائه: المليك، يقول الله ﷿: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٤ - ٥٥] فهذه ثلاثة أسماء لله ﷿ تدل على صفة الملك له ﷾.
الملك من صفاته ﷿، ومعناه: أن الله ﷿ مالك لكل شيء، وأمره نافذ فيه، فإنه قد يوجد مالك وأمره غير نافذ في ملكه، لكن الله ﷿ مالك لكل شيء، وأمره نافذ في ملكه ﷾، وفي هذا رد على الفلاسفة أهل الضلال الذين يقولون: إن الله ﷿ خلق هذا الكون ثم أهمله، كأنه ليس بملكه.
وقد ناقش أهل العلم مسألة: أيهما أبلغ ملك أم مالك؟ وذكر الشوكاني ﵀ في فتح القدير قولين لأهل العلم، والصحيح: أن ملك أبلغ من مالك، وإن كان معناهما واحد.
وهذا يجرنا إلى الحديث عن الفرق بين ملك ومالك، فنقول: إن ملك صفة ذاتية، وأما مالك فهي صفة فعلية، وقد ذكر ذلك الشوكاني في فتح القدير.
وهذا يدعونا أيضًا إلى الحديث عن مسألة أخرى مهمة، وهي مسألة: هل صفات الله ﷿ تتفاضل، أو أنها ليست بمتفاضلة؟ هذه المسألة بحثها أهل العلم تبعًا لمسألة: هل آيات وسور القرآن تتفاضل أو ليست بمتفاضلة؟ والتحقيق في هذه المسألة: أن للتفاضل بين آيات القرآن جهتين: الجهة الأولى: غير متفاضلة، وهي كونها من كلام الله ﷿ جميعًا.
والجهة الثانية: أنها متفاضلة باعتبار الفروق في المعاني والدلالات، فإن الآيات التي وردت في التوحيد وفي الأمر بعبادة الله ﷿ أعظم من الآيات التي وردت في القصص أو الأحكام، ولهذا كانت سورة الفاتحة أعظم سورة؛ لاشتمالها على معاني التوحيد، وكذلك سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] تعدل ثلث القرآن.
ويمكن أن نورد كلامًا لـ شيخ الإسلام ﵀ بحث فيه مسألة تفاضل أسماء الله ﷿ ضمن بحثه لتفاضل القرآن، فبعد أن انتهى من الحديث أن القرآن يتفاضل، قال: [وقول من قال: صفات الله لا تتفاضل ونحو ذلك.
قول لا دليل عليه، بل هو مورد النزاع، ومن الذي جعل صفة الرحمة لا تفضل على صفة الغضب؟! وقد ثبت عن النبي ﷺ: (إن الله كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي)، وهذا يدل على أن الصفات تتفاضل، وفي رواية: (تسبق غضبي)، وصفة الموصوف من العلم والإرادة والقدرة والكلام والرضا والغضب وغير ذلك من الصفات تتفاضل من وجهين: أحدهما: أن بعض الصفات أفضل من بعض، وأدخل في كل الموصوف بها -لعله في كمال الموصوف بها- فإنا نعلم أن اتصاف العبد بالعلم والقدرة والرحمة أفضل من اتصافه بضد ذلك، لكن الله تعالى لا يوصف بضد ذلك، ولا يوصف إلا بصفات الكمال، وله الأسماء الحسنى يدعى بها، فلا يدعى إلا بأسمائه الحسنى، وأسماؤه متضمنة لصفاته، وبعض أسمائه أفضل من بعض، وأدخل في كمال الموصوف بها، ولهذا في الدعاء المأثور: (أسألك باسمك العظيم الأعظم الكبير الأكبر)، ولقد دعا الله -عندما قال النبي ﷺ-: (لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى) وأمثال ذلك، فتفاضل الأسماء والصفات من الأمور البينات].
هذا واضح على أن الصفات من حيث معانيها بعضها أفضل من بعض، ولهذا استدل الشيخ على تفاضل صفات الله ﷿ بدليلين: الدليل الأول: (إن رحمتي سبقت غضبي) وهذا يدل على فضل صفة الرحمة على صفة الغضب، وإن كان الموصوف بها واحد، وإن كانت جميعًا هي صفات كمال، لكن هي في الكمال متفاوتة، ولهذا أسماء الله تدل على أن صفاته متفاوتة أيضًا، فمنها الاسم الأعظم كما هو معلوم.
والثاني: أن الصفة الواحدة قد تتفاضل، فالأمر بمأمور يكون أكمل من الأمر بمأمور آخر، مع أن الصفة واحدة وهي الأمر، والرضا عن النبيين أعظم من الرضا عمن دونهم، مع أنها صفة واحدة وهي الرضا، والرحمة لهم أكمل من الرحمة لغيرهم، وتكليم الله لبعض عباده أكمل من تكليمه لبعض، وكذلك سائر هذا، وكما أن أسماءه وصفاته متنوعة فهي أيضًا متفاضلة، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع مع العقل، وإنما شبهة من منع تفاضلها من جنس شبهة من منع تعددها؛ وذلك يرجع إلى نفي الصفات؛ لأنهم يعتقدون أننا إذا قلنا: إن صفات الله ﷿ متفاضلة، فمعنى هذا: أننا نعيب بعض الصفات، وهذا خطأ في الفهم، وكذلك الذين يقولون: إن صفات ا
[ ٣ / ٧ ]
ملك الشفاعة
أما قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] فهو يدل على ملك الشفاعة؛ وذلك من وجهين: الوجه الأول: أن الشفاعة التي كان يدعيها المشركون هي: أن هذه الآلهة المعبودة تشفع عند الله بدون إذنه، فتصوروا أن الإله مثل خلقه، ثم جعلوا لآلهتهم من الاحترام والتقدير ما يجعل الإله يتنازل عما يريد لهذه الآلهة، وهذا قدح فيما ملك الله ﷿، فإنكم تعلمون أن الشفاعة تكون بغير الإذن في الغالب، وتكون لمن عزم على شيء ثم أبطله من أجل الشافع، وهذا لا يمكن أن يكون في صفات الله ﷿.
هذا من جهة.
ومن جهة ثانية: فإن الله ﷿ مالك لكل شيء حتى الشفاعة التي هي من الخير، فمع كونها من الخير إلا أن الله ﷿ مالكها، وهذا يبين سعة ملك الله ﷾.
قوله: «إِلَّا بِإِذْنِهِ» يدل على أن هناك شفاعة تكون يوم القيامة بإذن الله ﷿، وهي تكون لمن رضي له قولًا وهو الموحد؛ لأن الله ﷿ لا يقبل الشفاعة في المشرك أبدًا، وفي هذا الرد على المعتزلة والخوارج الذين ينفون شفاعة الله ﷿، وسيأتي الحديث عنهم -إن شاء الله- في الحديث عن اليوم الآخر.
ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، هذه هي صفة العلم، وسيأتي الحديث عنها فيما بعد.
أما قوله: «وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ»، فقوله: «إِلَّا بِمَا شَاءَ» فيه صفة المشيئة وأيضًا سيأتي الحديث عن صفة المشيئة بإذن الله تعالى؛ حيث ذكر الشيخ مجموعة من الآيات تتعلق بها كثير من المسائل.
[ ٣ / ٨ ]
إثبات الكرسي وبيان المراد به
قال الله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، الكرسي هو مخلوق من مخلوقاته ﷾ العظيمة وهو غير العرش؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ قال: (ما الكرسي في العرش إلا كحلقة ألقيت في فلاة)، فهذا يدل على أن الكرسي غير العرش، وأنها جميعًا مخلوقة وليست من صفات الله ﷿، لكنها موضع قدمي الرب ﷾، فقد ثبت في السنة لـ عبد الله ابن الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الكرسي موضع قدمي الرب ﷾، ولا يقدر قدره إلا الله.
ففي هذا الأثر عن ابن عباس فائدتان: الفائدة الأولى: أن الكرسي غير العرش.
والفائدة الثانية: أن الكرسي هو موضع قدمي الرب ﷾، وهذا روي مرفوعًا وموقوفًا، والصحيح الموقوف، فإن المرفوع لم يثبت، ولكن هذا الموقوف له حكم الرفع؛ لأنه من الكلام في صفات الله ﷿، ولا يمكن أن يتكلم ابن عباس في صفات الله ﷿ برأيه، وإنما يكون ذلك من كلام النبي ﷺ.
وفي هذا أيضًا رد على الذين أولوا الكرسي بأنه علم الله ﷿، وهذا خطأ، فإن الكرسي مخلوق من مخلوقات الله ﷿، وهو موضع قدمي الرب ﷾، كما سبق في الأثر عن ابن عباس ﵄، فمن أوله بالعلم فقد ابتدع إلا إذا كان من أهل السنة، وكانت عنده شبهة فإنه يكون قد أخطأ، كما حصل للطبري رحمه الله تعالى.
قال: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥]، أي: لا يعجزه أو لا يتعبه ﷾.
فقوله: «وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا»، هذه من الصفات المنفية التي تدل على كمال الضد، وهي صفة القدرة، وسيأتي الحديث عنها مفصلًا عند صفة القدرة؛ لأنها تتعلق بها مسائل كثيرة جدًا.
قوله: «وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا»، يشبه قول الله ﷿: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨]، واللغوب هو التعب، وقد سبق أن بينت أن هذه الصفات المنفية تدل على كمال الضد، فـ: «لا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا» يعني: لا يتعبه ولا يعجزه حفظهما؛ لكمال قوته وقدرته ﷾، وكذلك: «وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ»، يعني: وما مسنا من إعياء وتعب؛ لكمال قدرته ﷾.
«وَهُوَ الْعَلِيُّ» العلي اسم من أسماء الله ﷿ يتضمن صفة العلو لله ﷿.
والعلو لله ﷿ ثلاثة أنواع: علو القهر، وعلو القدر، وعلو الذات، وسنفرد لها إن شاء الله بالحديث لاحقًا.
[ ٣ / ٩ ]
صفة العظمة
قوله: ﴿الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فيه إثبات صفة العظمة لله ﷿، وهي صفة ذاتية له ﷾، وبعض المفسرين فسر العظيم بمعنى المعظم الذي يعظِّمه خلقه، وهذا التفسير باطل غير صحيح؛ لأنه لو كان معناه كذلك؛ لوجب أن يكون غير عظيم قبل خلقه، أو غير عظيم بعد خلقه وإذا زالوا جميعًا، وهذا كله باطل، فإن الله ﷿ عظيم قبل خلقه وعظيم بعد فناء خلقه، فهو عظيم ﷾ في كل وقت وحال، فلا يصح إذًا تفسير العظيم بأنه المعظم من خلقه، وإن كان هذا من لوازم الصفات، فهو ﷾ عظيم في ذاته قبل خلقه وبعد خلقه، وأيضًا يعظمه خلقه ﷾، لكن الاقتصار على تفسير الصفة بأنه المعظم عند خلقه وعدم إثبات الصفة له ﷾، فلا شك أن هذا خطأ وغير صحيح.
[ ٣ / ١٠ ]
الأسئلة
[ ٣ / ١١ ]
الموقف من إحداث تقدير كلمة (بحق) في خبر (لا إله إلا الله)
السؤال
هل تقدير قول: (لا إله بحق إلا الله) من ألفاظ السلف أم أنها لفظة مستحدثة للرد على الخصوم؟
الجواب
هذا التقدير معناه صحيح، ولا يشترط أن يذكر السلف هذا الكلام بنصه ما دام أن معناه صحيح وأنه حق؛ لأن السلف كانوا يفهمون من قوله: لا إله إلا الله يعني: لا معبود بحق إلا الله، ولهذا ينظر كيف كانت التعبيرات الواردة عن السلف مثل ابن عباس وقتادة، لكن لما تحدث الناس في اللغة وأعربوا هذه الآية، وجدوا أن هناك خبرًا محذوفًا فاختلفوا في تقديره، وسبق أن بينا التقدير الصحيح في هذا.
[ ٣ / ١٢ ]
الشيوعيون وموقفهم من إثبات وجود الله تعالى
السؤال
أشكل علي قولكم: إنه لا أحد ينكر وجود الله وأنه مستحق للعبادة مع وجود مقولة الشيوعيين: (لا إله والحياة مادة)؟
الجواب
الحقيقة أن المذهب الشيوعي وإن كان يعلن إنكاره للإله إلا أنه في حقيقة الأمر لا ينكره؛ لأنه يسند هذا الخلق إلى الطبيعة، فهم غيروا اسم الإله، بدل أن يقولوا: الله، قالوا: الطبيعة، وقد هربوا من نسبة الخلق لله ﷿ لسببين: السبب الأول: الضغط الكبير الذي واجهه الناس من الكنيسة الغربية النصرانية.
والسبب الثاني: هو دخول اليهود في الفساد العقائدي كما تعلمون؛ بحيث إنهم نشروا الإلحاد، وكارل ماركس زعيم الشيوعية أصله يهودي كما هو معلوم، فهؤلاء في الحقيقة لا ينكرون وجود الله ﷿، بل هم يثبتونه، لكن بغير اسمه.
[ ٣ / ١٣ ]
إيضاح المراد بتفسير (الرحيم) بذي الرحمة الواصلة
السؤال
ذكر الشيخ ابن عثيمين حفظه الله أن معنى الرحمن، أي: صاحب الرحمة الواسعة، والرحيم: صاحب الرحمة الواصلة، فما معنى الرحمة الواصلة؟
الجواب
لعل الشيخ يقصد بالرحمة الواصلة يعني: الرحمة التي تصل إلى خلقه، وهذا هو التحقيق في الفرق بين اسم الله ﷿ الرحمن والرحيم، فإن الرحمن صفة ذاتية، والرحيم صفة فعلية، فيقصد بالواصلة التي تصل إلى خلقه؛ لأن الفعل يصل إلى الخلق كما هو معلوم، وإنما أتى بكلمة الواصلة؛ لأنها متناسبة مع الواسعة، وإلا فمعنى الواصلة كما يظهر لي أن معناها التي تصل إلى خلقه فهي صفة فعلية، وهذا التحقيق ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى.
[ ٣ / ١٤ ]
حكم إطلاق لفظ (العقل الإلهي) على الله تعالى
السؤال
ما حكم إطلاق لفظ العقل الإلهي على الله ﷿؟
الجواب
لا يصح أن يطلق لفظ العقل الإلهي على الله ﷿، فإن الله ﷿ موصوف بصفات الكمال، وهذا في الأصل مصطلح فلسفي، فإن الفلاسفة يقولون: إن العلة الأولى صدر عنها عقل ونفس فتزاوجا، فصدر عنهما عقل ونفس، إلى عشرة عقول وأنفس، ثم إلى العقل الفعال وهو العاشر، ومن العقل الفعال نتج هذا الكون المشاهد الآن نتوج المعلول من علته، فهو اصطلاح غير صحيح، لكن يوجد مثلًا بعض الكُتَّاب قد يستخدم بعض العبارات في خطابه لطائفة من الفلاسفة أو غير ذلك؛ ليدلل على بطلان قولهم، لكن الصحيح أنه لا يصح أن يوصف الله ﷿ بهذا على سبيل التقرير.
[ ٣ / ١٥ ]
معنى تباين الأسماء والصفات بالنظر إلى ذواتها وترادفها بالنظر إلى الذات الإلهية العلية
السؤال
ما معنى قول العلماء: إن أسماء الله وصفاته هي بالنظر إلى الذات من قبيل الترادف، وبالنظر إلى الصفات من قبيل التباين؟
الجواب
أسماء الله ﷿ متعددة، فهي بالنظر إلى الله ﷿ مترادفة؛ لأن الله واحد، وهذه أسماء متعددة، فهي أسماء لإله واحد، فهي مترادفة من هذه الجهة، ولكن من جهة المعاني متباينة مختلفة، وليس المقصود التباين كله، وإنما المقصود التباين بمعنى اختلاف المعاني، فالرحمة تختلف عن الحياة تختلف عن العلم تختلف عن القدرة وهكذا.
[ ٣ / ١٦ ]
بيان المراد بالمفاضلة بين اسمي الملك والمالك
السؤال
علمت أن اسم الله الملك أفضل من المالك؟
الجواب
ليس معنى أفضل يعني: أن الاسم الثاني مفضول بمعنى النقد مثلًا، وإنما المقصود أن هذا أدل على معنى الملك من ذاك.
وهناك قراءة في الفاتحة بـ (ملك يوم الدين)، ولكنها ليست رواية حفص عن عاصم، فإذا كنت تقرأ برواية حفص عن عاصم اقرأ: (مالك يوم الدين)، وإذا قرأت لمن يقرأ: (ملك يوم الدين) فالتزم قراءته، فإن التنقل في القراءات غير صحيح.
[ ٣ / ١٧ ]
حكم الحاكم بغير ما أنزل الله
السؤال
أشكل علي قولكم بأن من يحكم بالقوانين الوضعية من المسلمين ولو كان يعتقد أنها حرام أو أنها لا تنتفع أنه كافر، وقد قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، وقال: ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، أليس هذا تفصيلًا من رب العالمين، وقد قرأت في شرح الأصول الثلاثة لفضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ في هذا الموضوع تفصيلًا في الحكم بغير ما أنزل الله على ثلاث حالات: أنه يكفر إن كان يعتقد بأنها أفضل من حكم الله.
أنه ظالم وليس بكافر إن كان لا يعتقد أنها أفضل من حكم الله.
أنه فاسق وليس بكافر إن كان حكم بالقوانين محاباة من أجل رشوة أو غيرها.
أرجو منكم تبيين هذا الأمر؟
الجواب
الحكم بغير ما أنزل مسألة كبيرة من مسائل الشرع، وقد اختلف فيها الناس اختلافًا كبيرًا، والحكم بغير ما أنزل الله نوعان: نوع منه معصية وفسق لا يخرج عن الإسلام، ومن قال بأنه يخرج عن الإسلام فهو من الخوارج.
ونوع يخرج عن الإسلام وهو كفر بالله رب العالمين.
فأما النوع الذي لا يخرج عن الإسلام فهو كحال القاضي الذي يقضي بين الناس بكتاب الله ﷿ وبسنة الرسول ﷺ، ثم يحكم في بعض المسائل بهواه وشهوته، فهذا لا شك أنه ليس بكافر، وليس بخارج عن الإسلام إلا إذا استحل هذا الحكم واعتقد أنه حلال.
النوع الثاني من الحكم بغير ما أنزل الله: هو الحكم بغير ما أنزل الله المخرج عن الإسلام، وهذا بعضه متعلق بعقيدة الإنسان، كأن يحكم بغير ما أنزل الله، ويعتقد أنه أفضل من حكم الله فهذا كافر، أو يعتقد أنه مساوٍ لحكم الله فهذا كافر، أو يعتقد أن هذا الحكم مع أنه بغير ما أنزل جائز فهذا كافر.
والنوع الثاني من الحكم المخرج من دين الله ﷿: هو الحكم بالقوانين الوضعية، وتبديل أحكام الشرع، وتنحية الشريعة، والإتيان بهذه القوانين الوضعية بدلًا عنها، فهذا الفعل حتى ولو كان لا يعتقد أنها مثل حكم الله، أو أنها أفضل من حكم الله، أو أنها مساوية لحكم الله، وحتى لو لم يكن مستحلًا لها، وإنما هو يرى أن هذا الفعل في ذاته حرام: فهذا كفر مخرج عن الإسلام.
والفرق بين فعل القاضي الذي اعتبرناه معصية، وبين الحكم بالقوانين الوضعية: أن القاضي يحكم بشريعة الله ﷿ ولم يبدل أحكام الدين، حتى لو حكم بشهوته وهواه في مسألة من المسائل، فإنه لم يبدلها، ولم يجعل هذا الحكم عامًا على كل المسلمين، وإنما في مسألة لهواه، أو لقرابة، أو لأي أمر من الأمور، حتى ولو كثرت هذه منه فهي معصية من المعاصي.
أما القانون، فمعنى كلمة قانون: قاعدة مستمرة تنطبق على كل الناس، مثلًا: حكم الله ﷿ في الزاني أنه إذا ثبت عليه الزنا وكان غير متزوج فإنه يجلد، وإذا كان متزوجًا يرجم، فإذا جاء شخص وبدل حكم الله ﷿ وقال: لا، إذا كان متزوجًا أو غير متزوج فإنه لا يرجم، وإنما يسجن ويعاقب أو يغرم بمال.
هذا كفر مخرج عن الإسلام ما فيه شك؛ لأنه تغيير لحكم الله ﷿، وهذا هو حقيقة الاستحلال حتى لو قال: أنا غير مستحل، فإنه كذاب؛ لأن تغيير الحكم في ذاته استحلال، فالمغير المبدل لشريعة الله ﷿ كافر، والذي يحكم به كافر أيضًا، والذي يتحاكم إليه مع رضاه به واختياره في ذلك كافر أيضًا؛ لرضاه بالتحاكم إلى غير شرع الله ﷿.
وهذا الكلام ليس بدعًا أتيت به من عندي، وإنما هو كلام أهل العلم، وآخر أهل العلم الذين تحدثوا عن هذا الموضوع بشكل مفصل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى، له رسالة اسمها: تحكيم القوانين، فإنه ذكر الحكم بغير ما أنزل الله المخرج من الملة، ثم ذكر المعتقد، فقال: إذا اعتقد أنها أفضل من حكم الله هذا نوع، وإذا اعتقد أنها مساوية لحكم الله فهذا نوع، إذا اعتقد أنها حلال فهذا نوع، ثم جعل نوعًا خاصًا غير هذه الأنواع وهو الحكم بالقانون الوضعي، واعتبره من الكفر الأكبر؛ لأن هذا إلغاء لدين الله ﷿ وإلغاء للشريعة، وهو في الحقيقة طي لبساط الشريعة عندما تلغي وتنصب محاكم في الأموال والدماء والعلاقات في أي أمر من الأمور، وتقصر دين الله ﷿ في الأحوال الشخصية: هذا كفر بين لا إشكال فيه، فلو رجعتم إلى رسالة الشيخ ستجدون أنها مفصلة.
هذا من جهة.
ومن جهة ثانية: فإن الله ﷿ قد كفر اليهود والنصارى؛ لأنهم اتبعوا التبديل -أما المبدل والمغير فلا شك في كفره- فالله ﷿ يقول: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١]، لماذا اتخذوهم أربابًا من دون الله؟ ورد في حديث عدي بن حاتم: (أنهم يحلون لهم الحرام فيتبعونهم)، والاتباع عمل وليس اعتقاد، يقولون: هذا حلال وهو حرام فيتبعونهم عليها.
وحتى لا يكون كلامنا نظري، فإن الواقع هو أن القوانين الوضعية الموجو
[ ٣ / ١٨ ]
الصفات وعدم انحصار أخذها من الأسماء
السؤال
هل صفات الله تنحصر في أسمائه، أم أن هناك صفات زائدة عن أسمائه؟
الجواب
الصفات لا تنحصر في الأسماء، بل هناك صفات زائدة على أسمائه مثل صفات الفعل: النزول الإتيان، أو من بعض صفات الذات مثل اليدين والعينين ونحو ذلك، وهي ليست مأخوذة من أسماء الله ﷿.
[ ٣ / ١٩ ]
حكم الإخبار عن الله ﷿ بأنه موجود
السؤال
هل كلمة (موجود) تقتضي أن يكون الشيء الموجود في حيز من المكان والزمان، ونحن نعلم يقينًا أن الله قائم بذاته لا يحتاج إلى زمان ولا إلى مكان، فهل يليق بجلاله أن نقول: إن الله موجود، أم أن هناك لفظًا آخر، ويجب أن نستخدم غير هذا اللفظ؟
الجواب
لا شك أن الله ﷿ هو الأول قبل الزمان والمكان، وهو الآخر ﷾، لكن لا يعني هذا أنه لا يقال: موجود، يمكن أن يخبر عنه بأنه موجود، لكن ليس من أسمائه الموجود؛ لأن أسماءه حسنى، ولفظ الوجود ليس فيه معنى حسن زائد على مجرد وجود الشيء.
[ ٣ / ٢٠ ]
تفاضل الصفات ودلالته
السؤال
هل يكون التفضيل في الصفات والآيات من خبر الرسول ﷺ فقط؟
الجواب
صفات الله ﷿ متفاضلة من حيث معانيها كما سبقت الأدلة على هذا، لكن لا يعني هذا أن الصفة المفضولة نقص، بل هي صفة كمال، وهي حسنى بلغت الغاية في الحسن، لكن تلك الصفة بلغت أعلى منها، فليس في هذا أي نقص لصفات الله ﷿.
[ ٣ / ٢١ ]
حكم الخروج من المسجد بعد الأذان
السؤال
ما حكم الخروج من المسجد بعد الأذان؟
الجواب
ورد في خبر عن أبي هريرة ﵁: أنه رأى رجلًا خرج من المسجد، فقال: لقد عصى أبا القاسم.
[ ٣ / ٢٢ ]
حكم إثبات الصفات بالعقل
السؤال
هل هناك صفات لله ﷿ تثبت بالعقل فقط؟
الجواب
لا يمكن أن تكون هناك صفة تثبت في العقل فقط ولم ينص عليها القرآن أبدًا، لكن نحن عندما نستدل على بعض الصفات بالعقل هو من باب دلالة القرآن عليها فقط، ولسنا بحاجة إلى أن نستدل على صفات الله ﷿ بالعقل، وإنما نحن مؤمنون بكلام الله ﷾.
[ ٣ / ٢٣ ]
حكم تفسير الإله بالحاكم في كلمة التوحيد
السؤال
هل يصح أن تفسر لا إله إلا الله، بأن معناها: لا حاكم إلا الله؟
الجواب
إذا كان يقصد لا حاكم إلا الله، يعني: أن الأمر بيد الله ﷿، وأن الحكم بيد الله فيجوز، فإن الحكم لله ﷿؛ لأن الحكم نوع من أنواع العبادة يجب أن يكون خاصًا لله ﷿، ولهذا أخبر الله ﷿ أن الحكم له فقط: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، فدل على أن الحكم من العبادة، فلاحظوا معنى الحكم والعبادة، الحكم نوع من أنواع العبادة، كما أن الذل والخضوع نوع آخر، فالحكم ليس خارجًا عن العبادة.
[ ٣ / ٢٤ ]
الجمع بين تفسير الكرسي بأنه موضع القدمين والخبر عن صفة الكرسي بالنسبة إلى العرش
السؤال
أشكل كلامك عن الكرسي، فكيف أجمع بين أنه موضع القدم لله ﷿ وبين كلام الرسول ﷺ؟
الجواب
كلام الرسول ﷺ هو: (ما الكرسي -يقارن- في العرش -يعني: في مقابل العرش- إلا كحلقة ألقيت في فلاة)، يعني: الكرسي بالنسبة للعرش مثل الحلقة التي ألقيت في صحراء، ولا يقصد أن الكرسي داخل العرش، فلا يفهم هذا الفهم.
[ ٣ / ٢٥ ]
أصل تأويل غير أهل السنة الإله بالمبدع
السؤال
كيف حول غير أهل السنة معنى الإله إلى الإبداع والاختراع، أي: ما هو أصل تأويلهم؟
الجواب
يقولون: إله فعال، وفعال في اللغة العربية تأتي بمعنى فاعل وبمعنى مفعول، وإله إذا جاءت بمعنى مفعول يعني: مألوه، فهم قالوا: إله بمعنى فاعل، يعني: خالق، والحقيقة أن اللغة لا تعضدهم، وكذلك الشريعة.
[ ٣ / ٢٦ ]
مصادر أخذ صفات الله ﷿
السؤال
كيف يمكن أخذ صفات الله ﷿؟
الجواب
تؤخذ صفات الله ﷿ أولًا: من أسمائه، وثانيًا: من كلام الله ﷿، وكلام الرسول ﷺ الذي فيه بيان لصفاته أو أفعاله، فإن الأفعال جزء من الصفات.
[ ٣ / ٢٧ ]
الفرق بين الصفات الذاتية والفعلية
السؤال
ما الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية؟
الجواب
الصفات الذاتية غير متعلقة بمشيئة الله ﷿، وإنما لم يزل متصفًا بها دائمًا، وأما الفعلية، فهي المتعلقة بمشيئة الله ﷿، وقد يعبر عنها العلماء فيقولون: الصفات الذاتية هي التي لا تنفك عن الله ﷿، والصفات الفعلية ما تعلقت بمشيئة الله تعالى.
[ ٣ / ٢٨ ]
حكم ترتيب الطلاب في صفوف الصلاة بحسب ترتيب صفوف الدراسة
السؤال
مدرس يقول: بأنهم يرتبون الفصول الدراسية على الصفوف الأولى في الصلاة، فمثلًا الصف الثالث في المقدمة، والصف الثاني يليه وهكذا، يقول: هل في هذا حرج؟
الجواب
إذا كان في هذا ضبط للطلاب فليس فيه حرج، لكن الأفضل هو حث الطلاب على الصف الأول، ثم إذا أردتم إقامة الصلاة ترتبون البقية الباقية غير المنظمة بالطريقة التي ترونها، لكن تربيتهم على الاهتمام بالصف الأول أفضل وأحسن، وأقوم في تربيتهم.
هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ٣ / ٢٩ ]