من عقائد أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم بصوت وحرف متى شاء وكيفما شاء، وأن القرآن كلامه ﷾، أنزله على نبيه محمد ﷺ، وأنه يُرى يوم القيامة بالأبصار، وفي الجنة يراه المؤمنون ويزورونه، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة نزولًا يليق بجلاله فينادي: (من يدعوني فأستجيب له، إلخ) .
وأن من صفاته الفرح والعجب والضحك، وهذه صفات لا نعلم كيفيتها ولا كنهها، وإنما علينا التسليم والقبول دون التعرض لشيء من الكيفيات.
[ ١١ / ١ ]
عقيدة أهل السنة والجماعة في كلام الله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: يقول المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، وقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٧٥]، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح:١٥]، وقوله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧]، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦]، وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:٩٢]، وقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١]، وقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠١-١٠٣]] .
هذه الآيات كلها في إثبات أن القرآن كلام الله ﷾، وقد نوع الشيخ ﵀ الأدلة الدالة على أن القرآن كلام الله، وهذا الذي عليه سلف الأمة وجمهورهم، فإن عقيدة أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله ﷾، دل على ذلك فيما ذكره المؤلف إضافة الكلام إليه ﷾، وما يضاف إليه إما أن يكون عينًا مستقلة، فهذه تكون إما إضافة خلق أو إضافة تشريف، من ذلك قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت:٥٦]، الأرض عين مستقلة قائمة بذاتها، فإضافتها إليه ﷾ إضافة خلق أو إضافة تشريف؟! يعني: أرضي التي تقام فيها العبادة، فتكون الإضافة تشريفًا، ومنه أيضًا (ناقة الله) فإن إضافة الناقة إلى الله ﷿ إضافة تشريف، وكذلك قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١]، فالإضافة هنا إضافة تشريف، فهذه إضافة الأعيان القائمة بذاتها.
أما إضافة الأوصاف، أي: المعاني التي لا تقوم بذاتها، بل لا تقوم إلا بغيرها، فإن أضيفت إلى الله ﷿ فهي إضافة أوصاف، ومن ذلك الكلام، فإن الكلام لا يقوم بذاته، ولابد أن يقوم بشيء، فلما أضافه إليه ﷾ دل على أنه صفته، وسيأتي تقرير هذا إن شاء الله تعالى في كلام الشيخ.
والمهم في ذلك أن الشيخ ﵀ استدل على أن الكلام صفة من صفات الله ﷿ بإضافة الله ﷿ الكلام إليه في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، وكذلك: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة:٧٥]، وكذلك: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥]، وكذلك: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧]، كل هذا يدل على أن القرآن كلام الله ﷾.
وكذلك استدل على أنه كلامه بأنه قرآنه، والقرآن هو المقروء، والمقروء لا يكون إلا بلفظ، ولا يكون إلا كلامًا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل:٧٦]، فالقراءة لا تكون إلا بكلام.
وكذلك استدل على أن القرآن كلامه ﷾ بإنزاله، فكل آية أخبر الله ﷾ فيها أنه أنزل الكتاب أو أنزل القرآن فإنه يدل على أنه كلامه ﷾ من عنده، كقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:٩٢]، وقوله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر:٢١]، وقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠١-١٠٢]، كل هذا يدل على أنه كلام رب العالمين ﷾.
وسيأتي تفصيل عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن وبيان بطلان عقائد المنحرفين في ذلك في كلام الشيخ ﵀ في الفصول القادمة.
[ ١١ / ٢ ]
رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة
قال: [وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]، وقوله: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣]، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]] .
هذه الآيات فيها إثبات رؤية الله ﷿، ورؤية الله ﷾ يثبتها أهل السنة والجماعة بما دل عليه كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ وإجماع سلف الأمة، وسيأتي في كلام الشيخ ﵀ تفصيل الرؤية، ونرجئ الكلام على هذه الصفة عند مجيئها في كلامه ﵀.
ثم قال في آخر ما ساقه من الآيات: [وهذا الباب في كتاب الله كثير، من تدبر القرآن طالبًا للهدى منه تبين له طريق الحق] .
المشار إليه في قوله: (وهذا الباب)، هو باب أسماء الله وصفاته، وأنه ﷾ جمع فيما سمى بما وصف وسمى به نفسه بين النفي والإثبات كثيرًا، بل لا تكاد سورة أو آية من كلام الله ﷿ إلا وتدل على شيء من صفاته؛ لأن القرآن إنما جاء لله معرفًا، وإليه داعيًا، فلم تخل سورة من صفاته الدالة عليه ﷾، وإنما ساق المؤلف ﵀ نماذج لما في كتاب الله ﷿ من الصفات.
قال: (من تدبر القرآن) التدبر هو النظر بتأمل وتفكر، من تدبر القرآن، أي: نظر فيه نظر تأمل وتفكر، لكن انظر إلى القيد الذي ذكره: (طالبًا للهدى منه) يعني: تفكر وتأمل للاهتداء به لا للتشغيب، ولا لإبطال الحق، ولا للتشبيه والتشكيك، ولا لطلب الاستدلال للأقوال الضعيفة التي اعتقدها قبل أن يرد كتاب الله ﷿ وينظر فيه.
والهدى: هو العلم النافع والعمل الصالح.
(تبين له طريق الحق) فجعل المؤلف ﵀ النتيجة هي تبين طريق الحق، وهي مرتبة على أمرين: الأول: النظر إلى كتاب الله ﷿ بتدبر.
الثاني: أن يكون نظره طلبًا للحق لا انتصارًا للنفس، ولا غير ذلك من المقاصد التي قد يقصدها الناظرون في كتاب الله، لابد من هذين القصدين ليتحقق المطلوب، أن يكون مقصوده بالتدبر التوصل إلى الهدى والحق الذي جاء به النبي ﷺ، نسأل الله ﷿ أن يرزقنا وإياكم التدبر لكتابه طلبًا للهدى والحق، وأن يجعلنا من أهل الحق العاملين به الداعين إليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وبهذا نكون قد انتهينا من القسم الذي ذكر فيه آيات الصفات.
[ ١١ / ٣ ]
أسماء الله وصفاته في سنة النبي ﷺ
قال ﵀: [فصل ثم في سنة رسول الله ﷺ، فالسنة تفسر القرآن، وتبينه، وتدل عليه، وتعبر عنه، وما وصف الرسول ﷺ به ربه ﷿ من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك] .
فهذا هو الفصل الذي اختصه المؤلف ﵀ بذكر الأحاديث التي فيها إثبات الصفات لله ﷾، وقد تقدم في أول هذه الرسالة أن أهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله، وما أثبته لنفسه هو ما تضمنه كتابه المجيد، وما أثبته له رسوله هو ما تضمنته السنة من الأحاديث الكثيرة، التي بينت وفصلت ووضحت صفات الله جل وعلا، فالسنة تفسر القرآن، وتفسيرها للقرآن بتوضيح معانيه، وكشف المراد منه، فإن الله ﷾ أنزل هذا الكتاب المبين على النبي محمد ﷺ، وجعل بيان ما تضمنه الكتاب إليه ﵌، فبيان القرآن في الأحكام والأخبار راجع إلى رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، والذكر: هو الذكر الحكيم وكتاب الله المبين، فأنزله الله ﷾ على رسوله ليبينه للناس.
والذكر الحكيم والكتاب المبين اشتمل على الأحكام والأخبار، وبيان النبي ﷺ كان للأمرين الأحكام والأخبار.
فالسنة تفسر القرآن، وتكشف معانيه وتبينه، وتدل عليه وتعبر عنه، فهذا ما أجمع عليه سلف الأمة، وهذا ما تميز به أهل السنة والجماعة عن غيرهم من الفرق والطوائف، فإن الفرق افترقت في دلالة السنة على ما وصف الله به نفسه، فمنهم من لم يقبل من السنة شيئًا، واقتصر على إثبات ما دل عليه الكتاب.
ومنهم من قبل شيئًا، ورد شيئًا كالصفات الواردة في أحاديث الآحاد.
ومنهم من تسلط بالتحريف والتأويل الباطل المذموم على الكتاب والسنة.
وأهل السنة والجماعة جروا في الكتاب وفي السنة على سنة واضحة، وطريقة ثابتة، وهي: إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
قال ﵀: (وما وصف الرسول به ربه ﷿ من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك) ولا إشكال في أنه يجب الإيمان بما صح مما أخبر به النبي ﷺ عن الله ﷿؛ لأنه خبر صدق، وخبر من لا ينطق عن الهوى، فوجب الإيمان به والتسليم له، وقد قال النبي ﷺ: (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه) فأوتي النبي ﷺ القرآن ومثله وهو السنة، وهي الحكمة التي أوتيها النبي ﷺ.
لكن مما تفترق به السنة عن القرآن أنه لابد في السنة من النظر إلى طريق الثبوت؛ ولذلك قال ﵀: (وما وصف الرسول ﷺ به ربه ﷿ من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول) .
فلابد فيما وصف به النبي ﷺ ربه أن ينظر في سند ذلك، فإن صح السند فإنها مقبولة، وإن كان السند مردودًا لضعف أو نحوه فإنه لا يثبت به حكم ولا خبر، والخبر حكم في الحقيقة؛ لأنك تحكم بأن الله ﷾ متصف بكذا، أو لم يتصف بكذا، فالباب واحد.
فلابد من النظر في سند ما ورد، فإن صح السند قبل، وإن لم يصح السند فهو مردود.
[ ١١ / ٤ ]
إثبات النزول الإلهي إلى سماء الدنيا
قال ﵀: [فمن ذلك: قوله ﷺ: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟)، متفق عليه] .
هذا الحديث فيه إثبات صفة نزول الرب ﷾ إلى السماء الدنيا، والنزول صفة فعلية يثبتها أهل السنة والجماعة لله ﷾ على الوجه اللائق به، ولا يلزم من إثبات ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله اللوازم الباطلة التي يذكرها المبطلون المحرفون للكلم عن مواضعه، فإنه يجب الإقرار بأن الله ﷾ فعال لما يريد، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ﷾ على كل شيء قدير من فعله أو فعل غيره، مما يتعلق به أو مما يتعلق بغيره كما تقدم ذلك في صفة القدرة، فمن أنكر الصفات الفعلية وقال: إن إثباتها يقتضي قيام الحوادث، فإنه رد ما أجمعت عليه الأمة، واتفق عليه سلفها الصالح من إثبات أن الله ﷾ على كل شيء قدير، وهو ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
فإثبات النزول لله ﷾ لا يلزم عليه اللوازم الباطلة التي أوردها المتكلمون، فقالوا: إن أثبتنا النزول اقتضى التنقل والحركة، واقتضى أنه ينتقل من مكان إلى مكان، ويتحول من محل إلى محل، كل هذه لوازم باطلة يجب على المؤمن أن يعرض عنها، وأن يضرب عنها صفحًا، وألا يهتم بها، وألا ترد له على بال، بل يجب أن يثبت ما أثبته الله لنفسه، ثم ليعلم أنه لا يلزم على خبر الله أو خبر رسوله نقص بوجه من الوجوه، فكل لوازم الحق حق يجب إثباته.
فهذا الحديث أخبر فيه النبي ﷺ عن الرب جل وعلا أنه ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، فهذا نزول ثابت كل ليلة.
(حين يبقى ثلث الليل الآخر) وهذا بيان لوقت النزول الإلهي.
فيقول: (من يدعوني؟) ومن القائل؟ الله ﷾ الذي أضيف إليه النزول، فالقول مضاف إليه.
(من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) جودًا وكرمًا، برًا وإحسانًا، ولطفًا منه جل وعلا بعباده، ينزل يعرض رحمته وبره وإحسانه على عباده، ولا تقل: كيف ينزل؟ فالجواب: الكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، وهذا جار في كل ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله لا نحيط بالكيفيات علمًا كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، وذلك المنفي عن غير الله من العلم هو علم الكيفيات.
فلا تسأل عن (كيف)، ولا تقل: إن الليل يتنقل، فيلزم منه أن يكون الله نازلًا إلى السماء الدنيا كل الوقت؛ لأن ثلث الليل يتنقل، هذا كلام فارغ، هذا كلام من لم يقدر الله حق قدره، نحن لم نعلم كيفية الصفات حتى نثبت هذه اللوازم.
نثبت ما أثبته الله لنفسه، ولا نتعرض بعقول كليلة لا تصل إلى منتهى ما وصف الله ﷾ به من الكمال في الكيفيات والهيئات والصور، فإن ذلك محجوب عنا لا ندركه، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، كل هذا ينبغي أن تستحضره، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
فإذا كان المؤمن قد شحن قلبه وملأه بهذه النصوص التي تثمر تعظيم الله وقدره حق قدره انجلت عنه هذه الشبهات، وزالت عنه هذه الوساوس، ولم يبق إلا في دائرة إثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله على وجه الكمال، وأنه لا نقص فيه بوجه من الوجوه.
وعلى هذا فالبحث الذي يذكره بعض أهل العلم، هل يخلو العرش من الرب إذا نزل أو لا؟ نقول: هل سأل عن هذا صحابة رسول الله ﷺ؟ لم يسألوا؛ ولذلك نسكت عما سكتوا عنه، ولا نخوض في هذه المسائل؛ ولذلك لما قال السري السقطي لـ حماد بن زيد أحد أئمة السلف: لا أؤمن بإله يتحول من مكان إلى مكان، قال مجيبًا عنه إجابة العالم الراسخ: أؤمن برب يفعل ما يشاء.
وهذا من كمال تعظيم الله ﷿.
فالإنسان يثبت ما أثبته الله ﷿ لنفسه دون أن يلج في هذه المضايق التي إنما جاءت من المشبهين المبطلين الذين يريدون إبطال ما دلت عليه النصوص، وتصوير الرب ﷾ بما يعرف للمخلوق، وأن كيفية فعله ككيفية فعل المخلوق، ثم يضطر الإنسان إذا كان كذلك أن يقول: أعطل النزول، والنزول هنا معناه نزول الملك، أو نزول الأمر، وما أشبه ذلك.
فهم أولوا النزول هنا بأنه نزول ملك إلى السماء الدنيا أو نزول أمره ﷾ أما هو فلا.
ونحن نقول: ما أضافه الله لنفسه من الأفعال فإنه له ﷾، لا نضيفه إلى غيره، ولا يمكن أن يقال: إن الملك أو الأمر ينادي فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يستغفرني فأغفر له؟ من يسألني فأعطيه؟ هذا لا يكون إلا من رب العالمين، ولا يجوز أن يسأل الملك حتى يقال: إن النازل هو ملك من الملائكة، كل هذه تحريفات وتأويلات باطلة، يكفي في ردها وإبطالها تصورها، فإن الإنسان إذا تصور القول على حقيقته تبين له بطلانه؛ لأن كل ما خالف الحق فإنه لا يقوى على الثبات، كما قال الله جل وعلا: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٨]، وقال: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١] .
هذه أوصاف ثابتة للباطل، وكلما خالف الكتاب والسنة فهو باطل.
إذًاَ: هذا الحديث فيه إثبات هذه الصفة الفعلية الاختيارية لرب العالمين وهي: النزول إلى السماء الدنيا، والنزول ليس لكل أحد، إنما هو نزول لمن يدعو ويستغفر ويسأل رب العالمين، وهذا مما استدل به أهل العلم على أن قرب الله ﷾ ليس عامًا لكل أحد، إنما هو قرب من الداعي العابد المصلي، وليس قربًا لكل أحد.
فنثبت هذا النزول لله ﷾ صفة لائقة به جل وعلا، بلا تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل.
[ ١١ / ٥ ]
إثبات أن الله يفرح ويضحك ويعجب
[وقوله ﷺ: (لله أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن التائب من أحدكم براحلته) متفق عليه.
وقوله ﷺ: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة) متفق عليه.
وقوله ﷺ: (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب) حديث حسن] .
هذه الأحاديث الثلاثة فيها إثبات صفة الفرح والضحك والعجب لله ﷾، وكلها صفات فعلية اختيارية، أما الضحك فإنه قد جاء من طرق كثيرة بلغت حد التواتر، فثبوته مستفيض في سنة النبي ﷺ، وهو صفة كمال؛ لأن الضحك في موضعه صفة كمال، وكل كمال اتصف به المخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالخالق أولى به، وهذا الدليل يسميه أهل العلم قياس الأولى.
فإذا كنا نقر بأن الضحك كمال في موضعه، يعني: عند وجوب موجب الضحك فإننا نثبته لله ﷾ عقلًا كما أنه ثابت بالنص، فالنص قد أثبته في أحاديث كثيرة متواترة كما تقدم، وهذا منها.
ومنها قوله ﷺ: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدها الآخر كلاهما يدخل الجنة) فهذا فيه إثبات هذه الصفة لله ﷾، ولا يلزم عليها أي نقص في حقه ﷾.
والمؤولون المعطلون المحرفون للكلم عن مواضعه قالوا: إن الضحك خفة في الروح ناتجة عن حصول ما ينفع أو اندفاع ما يضر، هذا معنى الضحك عندهم، وإذا كان كذلك فإنه منتفٍ عن الرب، فالرب لا يضحك، النبي ﷺ يقول: (يضحك الله إلى رجلين) وهؤلاء يقولون: الله جل وعلا لا يضحك؛ لأن الضحك خفة، والله منزه عنها! نقول: أنتم عرفتم الضحك بالنسبة للمخلوق، أما الخالق: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، يجب إثبات ما أثبته النبي ﷺ لربه، وإلا فإننا لم نسلم له ﷺ القياس، ولم نؤمن به حق الإيمان؛ لأن مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله تصديقه فيما أخبر، وهو يخبرنا بأن الله يضحك، وهؤلاء المحرفون يقولون: لا يضحك، هل يستقيم هذا في العقل؟ وهل يكون هذا ممن عظم الله حق تعظيمه؟ وامتثل أمر النبي ﷺ؟ المهم أن هؤلاء أنكروا الضحك، فلما ورد الضحك في السنة النبوية في مواضع كثيرة فإنه يحتاج عندهم إلى التحريف والتأويل، فقالوا: الضحك هو إبانة الفضل، والضحك: هو إرادة الثواب والإحسان، والضحك: الإخبار بالرضا عن الفعل، كل هذا فرارًا من إثبات ما أثبته الله لنفسه، وكل هذه المعاني تفسير للضحك بلازمه، ونحن لا ننكر اللازم، فهو معنىً صحيح ثابت، لكن هل تثبتون لله هذا الوصف؟ يقولون: لا.
نقول: إذًاَ: لم تؤمنوا بما أخبر به النبي ﷺ، ونحن نثبت هذا الوصف لله، ونقول: إن الله يضحك وهو موصوف بالضحك جل وعلا، لكن لا يلزم من ذلك مماثلة المخلوقين.
ثم إن من لازم ضحكه جل وعلا رضاه وإثابته، وما إلى ذلك من المعاني الأخرى التي تثبت بثبوت هذه الصفة.
أول ما بدأ به المؤلف ﵀ من الصفات صفة الفرح، وذلك في قول النبي ﷺ: (لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته)، وهذا فيه إثبات صفة الفرح لله ﷾، وفرحه بتوبة العبد من كمال جوده وإحسانه وبره ورحمته بعبده، حيث يفرح بالتوبة وهو الذي وفقه إليها.
والمنتفع من التوبة من؟ العبد نفسه! فإنه قد قال ﷾: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) كما في الحديث الإلهي حديث أبي ذر.
فالمنتفع العبد لكن الله جل وعلا جودًا منه وكرمًا وبرًا وإحسانًا ولطفًا يفرح بتوبة عبده، فالفرح صفة فعلية اختيارية للرب جل وعلا، ثبت وصف الله بها في أحاديث متعددة، وتلقاها أهل السنة بالقبول، وأثبتوها للرب ﷾.
المحرفون المبطلون قالوا: الله لا يفرح ولا يوصف بالفرح؛ لأن الفرح لذة تقع في القلب بإرادة المحبوب ونيل المشتهى، هكذا زعموا.
قيل لهم: إذا كان هذا في حق المخلوق فالخالق ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهم لهم عدة شبه، ونحن عندما نذكر بعض شبههم في إبطالهم ما أثبته الله لنفسه، ليس ما نذكره حصرًا لشبههم في إبطال ما وردت به النصوص من إثبات الصفات الفعلية للرب ﷾.
والجواب على هذه الشبهة الباطلة أن يقال: نثبت الفرح من غير أي لازم باطل، كما أثبته ﷾ لنفسه، ونجري فيه كما جرينا في غيرها من الصفات من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
ثالث ما ذكره المؤلف ﵀: الحديث الذي فيه إثبات العجب لله ﷾: (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره -يعني: وقرب تغييره ﷾ مثل تغييره القحط إلى الخصب، ومنع القطر إلى إدراره- ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب) فأثبت هنا وصفين: وصف العجب، ووصف الضحك.
أما الضحك فقد ذكرنا أنه ثابت بأحاديث متواترة.
أما العجب فقد جاء في كتاب الله ﷿ في قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢] في قراءة حمزة، والكسائي، وخلف، والباقون قرءوا (بل عجبتَ ويسخرون) ويكون الخطاب للنبي ﷺ، أما بالضم فهو مضاف إلى الله ﷾، فالتاء في (عجبت) ضمير الفاعل وهو الله ﷾.
والعجب وصف كمال له ﷾، نثبته كما أثبته الله لنفسه في كتابه على هذه القراءة، وكما أثبتته السنة في أحاديث متعددة.
[ ١١ / ٦ ]
الجواب على منكري صفة العجب عن الله تعالى
والعجب من الصفات الفعلية الاختيارية التي تقتضي الرضا والإثابة وعظيم الأجر لمن تعجب منه ﷾، واعلم أنهم نفوا العجب عنه ﷾، وقالوا: لأن العجب جهل بالسبب، فالعجب يكون من الجهل بأسباب الشيء، والله ﷾ ليس جاهلًا بشيء، بل هو ﷾ العليم الخبير.
فالجواب على هذه الشبهة أن يقال: العجب له أسباب، منه ما يكون ناشئًا عن جهل من المتعجب، وهذا ينزه عنه الرب ﷾، ومنه ما يكون لا عن جهل بل عن تعظيم للمتعجب منه لخروجه عن نظائره وأمثاله، فالشيء إذا خرج عن نظائره وأمثاله يتعجب منه ولو علم السبب وعرف، وهذا هو المعنى الثابت في عجبه ﷾، فالعجب المضاف إليه عجب يعظم فيه ﷾ ما يشاء من عباده، ومن الأفعال والطاعات.
فقوله: (عجب ربنا من قنوط عباده) هنا تعظيم لحال هؤلاء، وليس المراد أنه جهل بالسبب، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
والمحرفون المؤولون المبطلون قالوا: إن العجب هنا بمعنى الرضا.
ثم نقول لهم: أنتم قد أولتم صفة الرضا وقلتم: الرضا هو إرادة الثواب، وكل صفة يحرفونها إلى صفة أخرى، وإذا نظرنا في الصفة التي يثبتونها حرفوها إلى صفة أخرى، وكل ذلك فرارًا مما أثبته الله ﷾ لنفسه.
وفي هذا أيضًا إثبات الضحك وهو صفة فعلية تقدم الكلام عليها، لكن انظر إلى الفارق بين هؤلاء وبين الصحابة الذين سلمت فطرهم، وزكت عقولهم، وسلمت قلوبهم من هذه التحريفات والتشبيهات، فإن النبي ﷺ لما قال هذا الحديث: (عجب ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين قنطين؛ فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب) قال أبو رزين العقيلي ﵁ وهو من الأعراب: (أو يضحك ربنا يا رسول الله؟! قال: نعم، قال: لا عدمنا الخير من رب يضحك) فكيف استدل بهذه الصفة على كمال الرب وإحسانه وبره وجوده؟!! وهم يقولون: إن إثبات هذه الصفة يقتضي النقص.
إنما النقص جاء من عقولهم الفاسدة، وقواعدهم المفترية، وظنونهم الكاذبة، وإلا لو أنهم سلموا للنصوص، وأخلصوا لله ﷿ في طلب الحق؛ لوفقوا إلى خير كثير، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
[ ١١ / ٧ ]