من الإيمان بالله الإيمان بأنه قريب مجيب، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
ومن الإيمان بالله وبالرسل أن نثبت أن القرآن كلام الله سبحانه، منه بدأ وإليه يعود، وأنه منزل من عنده غير مخلوق ولا مفترى.
[ ١٦ / ١ ]
إثبات صفة القرب لله جل وعلا
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.
وبعد: قال المصنف ﵀: [فصل: وقد دخل في ذلك الإيمان بأنه قريب مجيب، كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، وقوله ﷺ: (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)، وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليّ في دنوه قريب في علوه] .
هذا الفصل فيه إخبار عن صفة عظيمة من صفات الله، وهي: قربه جل وعلا، وأتى بصفة القرب بعد ذكر المعية؛ لأن كثيرًا من المتأخرين وبعض المتقدمين يفسرون القرب بالمعية، فـ مقاتل بن حيان من السلف وكثير من الخلف يفسرون ما أثبته الله ﷾ لنفسه من القرب بأنه المعية، فيقولون: قرب العلم والقدرة، وهو قول لبعض السلف.
والذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة: أن القرب وصف زائد على المعية، فهو ليس المعية التي أخبر بها ﷾ عن نفسه، التي هي المعية العامة؛ لأن المعية العامة تثبت ولا يلزم منها قرب الشيء من الآخر، فتقول: القمر معنا وليس بقريب منك.
فالمعية ليس من لازمها القرب، بل قد يكون الشيء مع الشيء وبينهما من البعد بون شاسع، والقرب الذي يثبته أهل السنة والجماعة للرب ﷾ صفة فعلية اختيارية، فهو يقرب ممن يشاء ﷾، كيف يشاء، وهذا الذي عليه جمهور أهل السنة والجماعة.
[ ١٦ / ٢ ]
أحوال قرب الله سبحانه من خلقه
ولفظ القرب في كتاب الله ﷿ وفي السنة ورد على حالين: ورد بصيغة الإفراد، وورد بصيغة الجمع، فمن صيغة الإفراد قول الله ﷾: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، فأضاف القرب إلى نفسه بصيغة الإفراد ﷾، ومن السنة قوله ﷺ: (إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته)، وورد أيضًا وصف القرب بصيغة الجمع وذلك في قوله ﷾: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، وقوله ﵎: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥]، فهل كل هذا القرب مضاف إلى الله ﷾؟ بعض العلماء قال: نعم، القرب بصيغة الإفراد والجمع كله مضاف إليه ﷾، وعليه فسروا القرب في هذه المواضع كلها بقرب العلم والقدرة.
والصحيح: أن الرب ﷾ في كتابه، وأن النبي ﷺ في سنته لم يصف الله ﷾ بالقرب على وجه العموم، فلم يرد أنه من كل شيء قريب كما ورد في نصوص المعية، إنما ورد ذلك خاصًا، فقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، هذا قرب من الداعي، فهو قرب خاص، وليس قربًا من كل أحد.
وقول عنه الصحابة: (يا رسول الله! أربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟) ما الذي سألوا عنه؟ هل سألوا عن قرب العلم والقدرة؟ هل كانوا يشكون في أنه قريب منهم قدرة وعلمًا؟ لا.
إنما سألوا عن القرب الخاص، وهو قربهم من الداعي؛ ولذلك قالوا: أقريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟! فأنزل الله ﷾ هذه الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]، وهذا مما يبطل قول من قال: القرب معناه العلم؛ لأن الصحابة لم يشكوا في أن الله بهم عليم، ولا أنه جل وعلا عليهم قدير، فهم يؤمنون بأن الله بكل شيء عليم، وأن الله على كل شيء قدير، إنما سألوا عن قربه من عبده في هذه الحالة.
وكذلك قول النبي ﷺ (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، فهذا فيه إثبات القرب الخاص، وهو قربه من الساجد العابد.
كذلك دنوه ﷾ من أهل الموقف يوم عرفة دنو خاص، وليس دنوًا عامًا، وقرب خاص وليس قربًا عامًا، فهو دنو من أهل الموقف دون غيرهم، وكذلك نزوله في الثلث الأخير من الليل، وإن كانت الأمثلة السابقة أوضح وأجلى ولا مجال فيها للمناقشة؛ لأنها مقيدة.
[ ١٦ / ٣ ]
معنى القرب العام من الخلق
والقرب العام الذي ذكر في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥]، هو قرب الملائكة، قد يقول قائل: ما الذي جعلكم تصرفون اللفظ عن ظاهره؟ نقول: ليس ظاهره أن القرب مضاف إلى الله، بل ظاهره أن القرب للملائكة، أما في آية سورة (ق) فقد قال الله ﷾: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق:١٦]، ثم قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق:١٦-١٧]، وقوله: إذ، ظرف متعلق بأقرب، فهذا القرب مقيد بهذه الحادثة، ولو كان القرب عامًا لما احتاج إلى تقييده في هذه الحالة، فالقرب هنا هو قرب الملائكة؛ ولذلك قال جل وعلا: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ [ق:١٦-١٧]، فما فائدة ذكر المتلقيين إذا كان القرب له ﷾؟! فالآية سياقها وسباقها يدل على أي شيء؟ يدل على أن القرب للملائكة الكتبة الحفظة، الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠-١٢]، والذي في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق:٤]، حافظ يحفظ أعمالها وما كان منها، وقوله: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام:٦١] .
المهم أن القرب هنا هو قرب الملائكة، أما الرب جل وعلا فإنه لم يصف نفسه بالقرب من كل أحد.
أما الآية الثانية التي في سورة الواقعة: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥] فهذه الآية أيضًا واردة في الملائكة؛ لأن الله ﷾ يرسل الملائكة تتوفى الأنفس، ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٣-٨٥]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥]، الذي نفي إبصاره هل هو الله جل وعلا؟ لا؛ لأن الله ﷾ لا يرى في الدنيا: (واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت) كما قال النبي ﷺ، إنما هو إبصار الملائكة؛ ولذلك كان قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥]، يعني: أن الملائكة قريبون من الميت، ولكن لا تبصرونهم، أما الرب جل وعلا فإنه لم يصف نفسه بالقرب من كل أحد.
ثم لو كان القرب عامًا لما كان هناك تمايز بين قربه من الميت وقربه من الحاضرين، فلا وجه للتخصيص، إلا أن القرب هنا هو قرب الملائكة.
وبهذا يتبين أن القرب الذي وصف الله ﷾ به نفسه في كتابه هو القرب الخاص من العابد الداعي الساجد، أما القرب العام فلم يرد في الكتاب ولا في السنة مضافًا إليه ﷾.
ومن أهل العلم من فسر القرب بالمعية الخاصة، فقال: صفة قربه ﷾ هي معيته الخاصة لأوليائه وعباده المتقين والصابرين والمحسنين والمتطهرين وما إلى ذلك، وهذا الذي نحى إليه ابن القيم ﵀، وظاهر كلام شيخ الإسلام ﵀ أن القرب صفة مستقلة عن المعية بالكلية، فليست هي المعية الخاصة ولا المعية العامة، وهذا هو الأليق بظواهر النصوص، وهو أن القرب صفة غير المعية.
[ ١٦ / ٤ ]
قربه ومعيته سبحانه لا ينافي علوه وفوقيته
ثم قال ﵀: (وما ذكر في الكتاب والسنةمن قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته) وهذه مسألة مهمة للغاية، وهي وجوب اعتقاد ما أثبته الله لنفسه، وأنه لا تعارض بين ما أخبر به عن نفسه من العلو وما أخبر به عن نفسه من القرب والدنو والنزول والإتيان والمجيء والاستواء، وغير ذلك من الصفات، ومن توهم التعارض فإنه لم يقدر النصوص حق قدرها.
فالواجب على المؤمن أن يؤمن بجميع ما أخبر الله به عن نفسه، وجميع ما أخبر به رسوله ﷺ، وأن يعتقد أن ذلك حق على حقيقته، ولا يرد في ذلك أن اجتماع هذه الأوصاف ممتنع في حق المخلوق، فإن ذلك هو المناسب للمخلوق، أما الخالق جل وعلا فإنه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا فيما يجب له، ولا في أفعاله، ولا في أسمائه جل وعلا، فتنبه لهذا، فإذا ضاق عقلك وقلت: إنه إذا قلنا إنه ينزل يلزم من ذلك ألا يكون عاليًا والعلو صفة ذاتية، فكيف تنفي هذه الشبهة وهذا الإيراد؟! بأن تعلم أنه ليس كمثله شيء، وأنه ﷾ ما وصف به نفسه ليس له نظير في المخلوقات، كما جاءت أدلة ذلك متواترة وكثيرة في الكتاب والسنة.
وبهذا يندفع الوهم الوارد عند بعض الناس في صفة القرب، قالوا: إذا كان يقرب من بعض عباده فكيف يكون عاليًا على خلقه؟! الجواب: أنه ﷾ ليس كمثله شيء في جميع نعوته؛ ولذلك قال المؤلف ﵀: (فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته)، يعني: في جميع ما وصف به نفسه، لا من جهة الاجتماع ولا من جهة الأفراد، من جهة الاجتماع كاجتماع العلو مع القرب، أو العلو مع المعية، أو العلو مع النزول، أو الظهور مع وصف الباطن ﷾، فهل يمكن أن يكون مخلوق من خلق الله ظاهرًا وباطنًا في نفس الوقت ويكون أول وآخر في نفس الوقت؟ لا يمكن، لكن امتناع هذا في المخلوق لعجزه وقصوره وضعفه، وأما الخالق فليس كمثله شيء ﷾، وهو الموصوف بصفات الكمال، فلا تعارض من ثبوت صفات الكمال لله؛ إذا كانت في المخلوق، وفيما ندركه منا، لا يمكن أن تجتمع، ولا يمكن أن تثبت لواحد.
فتنبه لهذا فإنه مهم، واجعل معك هذا السلاح الماضي، والسيف القاطع لكل من عارضك وحاول أن يشكل عليك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فهو ﷾ كما قال المؤلف: (وهو عليٌ في دنوه) يعني: في قربه من عباده ﷾، (قريب في علوه) ولا تعارض بين هذين الوصفين.
[ ١٦ / ٥ ]
أنواع القرب الثابت لله جل وعلا
[ ١٦ / ٦ ]
قرب العبد من الله ﷾
واعلم أن معنى القرب الثابت لله ﷾ أمران: الأمر الأول: قرب قلب عبده منه ﷾، فقول النبي ﷺ (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) هو قرب قلبه، وكذلك قوله ﷾: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]، وكذلك قول الله في الحديث الإلهي: (لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه) .
فيستفاد من هذا الوصف قرب قلب العبد من رب العالمين، ولا يلزم عليه أي إشكال، فقرب قلب العبد يثبته جميع أهل الإثبات، فهذا المعنى يتفق عليه أهل الإثبات جميعًا، ولا ينكره أحد إلا الصابئة والفلاسفة، فهؤلاء خارجون عن بحثنا وكلامنا، فليسوا من أهل القبلة، أما أهل الإثبات من أهل القبلة فإنهم لا ينفون هذا المعنى من ثبوت هذا الوصف للرب جل وعلا.
[ ١٦ / ٧ ]
القرب القائم بذاته ﷾
المعنى الثاني الذي يفسر به القرب: هو الذي وقع فيه الخلاف بين أهل الإثبات، والمقصود بأهل الإثبات الذين يثبتون الصفات في الجملة، ويدخل معهم الأشاعرة والكلابية والماتريدية، فسلف الأمة وأئمة السنة يثبتون القرب القائم بذاته جل وعلا، ويثبتونه قربًا قائمًا بذاته، وهو فعل من أفعاله الاختيارية ﷾، ولا يلزم منه مماسة ولا مخالطة ولا شيء من هذه الظنون الكاذبة في الرب ﷾.
أما جمهور المتكلمين من مثبتة الصفات فإنهم ينفون هذا المعنى، ولماذا ينفون هذا المعنى؟ لأنهم لا يثبتون الصفات الفعلية الاختيارية، وهذه معضلة عندهم، ومشكلة كبيرة، آثارها في جميع ما أخبر الله ﷾ عن نفسه من صفات الفعل، فلعدم إثباتهم الصفات الاختيارية حملهم على إنكار هذه الصفات، وجعلوا نصيبها التأويل والتحريف بالباطل، وتحريف الكلم عن مواضعه، ولو قيل لهم: من أين لكم أنه ﷾ لا تقوم به الأفعال الاختيارية وأنه لا يفعل ما يشاء؟ قالوا: لأن قيام الحوادث بالرب يقتضي الحدوث؛ لأن كل من قام به حادث فهو حادث، انتبه لهذه الشبهة! قلنا لهم: من أين لكم هذه القاعدة التي تعارض نصوص الكتاب والسنة، والتي سلطتموها على دلالات النصوص؟ قالوا: هذه قاعدة مجمع عليها.
قلنا لهم: إن الإجماع لابد له من دليل، فالإجماع دليل سمعي، فأين ذلك في كلام الله؟ وأين ذلك في كلام رسوله ﷺ؟ وأين ذلك في كلام سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم؟ هل في كلام الله ﷾ أنه يمتنع أن تقوم به الحوادث، وأن من قامت به الحوادث فهو حادث؟ لا، ولم يأتوا بشيء ولا حرف واحد، فيقال لهم: هذه شبهة عقلية سلطتموها على النصوص، وجعلتموها مانعة لما دل عليه الكتاب والسنة من كمال الرب، وأنه ﷾ فعال لما يريد، وأنه يفعل ما يشاء ﷾، فإذا بطلت هذه الشبهة بطل كل تأويل وتحريف في باب الأسماء والصفات.
وهذه من أكبر الشبه التي تمنعهم من إثبات الصفات لله ﷾.
ونعود إلى ما نحن فيه، فنقول: القرب الثابت لله ﷾ له معنيان: معنىً يتفق عليه أهل الإثبات وهو قرب قلب عبده منه.
والثاني: يثبته أئمة السنة وسلف الأمة وهو: القرب القائم بذات الرب جل وعلا، وفي المعنيين لا يلزم أي لازم باطل، فكما أنه لا يلزم من قرب قلب العبد من الرب جل وعلا الذي يثبته أهل الإثبات أن يكون ﷾ مختلطًا بخلقه، بل قلب العبد قريب من ربه، والرب جل وعلا فوق سمواته، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، والعبد في الأرض، فكذلك لا يلزم على المعنى الذي أثبته أهل السنة والجماعة أي لازم باطل.
[ ١٦ / ٨ ]
الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق
قال ﵀: (فصل: ومن الإيمان بالله وكتبه الإيمان بأن القرآن: كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود) .
هذا الفصل عقده المؤلف ﵀ لإثبات صفة الكلام للرب جل وعلا، وبيان أن القرآن كلام الله ﷾، وهذا هو الذي دل عليه كتاب الله ﷾، ودل عليه سنة النبي ﷺ، وإجماع سلف الأمة، بل وأجمعت عليه الأمم، وهو من لوازم الإيمان بالله، والإيمان بالكتب، والإيمان بالرسل، والإيمان بالملائكة، فلا يتم الإيمان بهذه الأمور الأربعة إلا بالإيمان بأن القرآن كلام الله.
أما الإيمان بالله فوجه ذلك أن الكلام صفته ﷾، فمن قال: إنه لا يتكلم فإنه لم يؤمن به تمام الإيمان؛ لأنه كذب ما أخبر به عن نفسه، وأخبرت به رسله من أنه ﷾ يتكلم متى شاء كيف يشاء، أما كون ذلك من لوازم الإيمان بالكتب، فإن من لازم الإيمان بالكتب أن تؤمن بأن الله ﷾ قد تكلم بكل كتاب أنزله على رسله، حتى التوراة التي كتبها الله جل وعلا بيده لموسى فإنه قد تكلم بها، هكذا قال أهل السنة والجماعة، ومضى على ذلك سلف الأمة، فمن قال: إن الكتب ليست كلام الله فإنه لم يؤمن بها حق الإيمان، بل ولم يعظمها حق التعظيم؛ لأنها إذا لم تكن كلام الله صارت كسائر المخلوقات ليس لها من الحرمة والتعظيم كما لو كانت صفته ﷾.
أما كون الإيمان بأن القرآن كلام الله من الإيمان بالرسل؛ فإن الرسل أخبرت بأن الله ﷾ يقول، ويأمر، وينهى، ويخبر، ويعد، ويتوعد، وكل ذلك بكلام، فمن قال: إنه لا يتكلم، فقد صدق المشركين فيما نسبوا الأنبياء إليه من أن القرآن قول البشر، كما قال الله ﷾ في خبره عن المكذبين للنبي ﷺ حيث قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] إن هنا نافية بمعنى: ما هو إلا قول البشر، فليس قول رب العالمين، كذلك هو من الإيمان بالملائكة؛ لأن الملائكة هم الذين بلغوا هذه الكتب إلى رسل الله، فالسفير بين الله ورسوله جبريل ﵇، ولا يتم الإيمان بالملائكة إلا إذا آمنا به، وبما أخبر الله عنه من أنه رسوله إلى رسله، يبلغ دين الله ورسالاته، فتبين بهذا أن إنكار هذه الصفة أمره خطير، وخطبه عظيم، وله تأثير في كثير من أركان الإيمان، في الإيمان بالله، الإيمان بالكتب، الإيمان بالرسل، الإيمان بالملائكة.
قال ﵀: (ومن الإيمان بالله وكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله)، أي: أن الله ﷾ قد تكلم به حقيقة، ثم بعد أن بين العقد، قال: (منزل غير مخلوق) فهو كلام الله منزل، وهذا تأكيد أنه كلامه ﷾، فمن الأدلة الدالة على أنه كلام الله جل وعلا أنه منزل منه، ومبتدأ منه.
وأما قوله ﵀: (غير مخلوق)، فهذا رد على الجهمية الذين أنكروا أن يكون الله ﷾ متصفًا بالكلام، فقالوا: إنه لا يتصف بهذه الصفة، وليس من صفاته الكلام، إنما الكلام خلقه؛ ولذلك قال: (غير مخلوق)، فالجهمية يعتقدون أن لله كلامًا فيقولون: كلام الله، والقرآن كلام الله، لكنهم يقولون: إنه كلام مخلوق خلقه الله في غيره، خلقه الله وأنطق به غيره، فهم يضيفون الكلام إلى الله ﷿ لكنها إضافة خلق وليست إضافة وصف، وهذا الفارق بينهم وبين أهل السنة والجماعة، وهو فارق بيَّن كبير.
واعلم أن هؤلاء الجمهية جرى منهم محنة لأهل السنة والجماعة في زمن الإمام أحمد ﵀، فامتحنوا الناس في مسألة خلق القرآن، امتحنوا الأئمة والعلماء وعامة الناس، فثبت الله ﷾ بلطفه الإمام أحمد على عقد السلف الصالح، وما دل عليه الكتاب والسنة، حتى آب الناس وانقشعت الفتنة، وأصبح قولهم مهجورًا، وأصبح كل أحد يريد أن يستدل على صحة عقيدته ينتسب إلى الإمام أحمد ﵀.
وهذا ليس فقط في أتباعه على مذهبه الفقهي، بل حتى أصحاب المذاهب الأخرى، لماذا؟ لأن أهل السنة والجماعة وإن تفرقت بهم الأقوال في مسائل الفروع والأحكام إلا أنهم متفقون في مسائل الاعتقاد، فقول أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم من أئمة السنة واحد في باب الإعتقاد، فليس بينهم خلاف.
واعلم أن أول من أظهر هذه البدعة الشنيعة -وهي إنكار هذا الوصف والزعم بأن القرآن مخلوق- الجعد بن درهم فهو أول من عرف عنه هذا القول، وقد قتله خالد بن عبد الله القسري لبدعته وشناعة ما جاء به؛ حيث أنكر صفة الكلام، وأنكر أن يكون الله ﷾ قد اتخذ إبراهيم خليلًا، وأخذ عنه هذه البدعة الشنيعة تلميذه الموافق له في الشر والفساد الجهم بن صفوان وأظهر القول بذلك، ولذلك ينسب المذهب إليه فيقال: الجهمية، نسبة إليه؛ لأنه هو الذي أظهر مقالات السوء في أهل الإسلام، وإن كان الجعد هو الذي أسس وفصل لكن هذا هو الذي دعا وأظهر وبين.
ولم يعرف من السلف من قال بهذا القول بالكلية، بل كلامهم مطبق -ولا خلاف بينهم- أن كلام الله ﷾ صفة من صفاته، وقد جرى لأهل السنة والجماعة مناظرات في زمن الإمام أحمد، وبعد الإمام أحمد في هذه الصفة، وبينوا بيانًا واضحًا شافيًا ما يعتقده أهل السنة والجماعة ودلالة الكتاب والسنة وأقوال السلف على ذلك.
قال ﵀: (منه بدأ) أي: منه ابتدأ، (من) في قوله: (منه) لابتداء الغاية، أي: من الله بدأ، والمراد بقوله: بدأ، أي: ابتدأ منه ﷾، وذلك رد على الجهمية الذين قالوا: إن الله يتكلم لكنه يخلقه في غيره، فأبطل أهل السنة والجماعة هذه البدعة بهذه المقولة التي اتفقوا عليها، وهي أن الكلام منه بدأ، أي: أنه منه ابتدأ، لا من غيره.
وبعضهم قال: منه خرج، ليبطل ما يقوله الجهمية المعتزلة من أنه خلق الكلام في غيره، ونسبه إليه إضافة تشريف وتكريم، فقالوا: إن الذي كلم موسى ليس هو الله، إنما الذي كلمه صوت خلقه الله في الشجرة، ولا أدري كيف يستجيزون هذا مع أن القول الذي قاله الله جل وعلا لموسى في ذلك الموقف: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ [طه:١٤]، فهل يجوز أن تقول الشجرة هذا القول؟! لا يجوز ولا يمكن، فعلم بذلك بطلان قولهم، وليس هذا هو الدليل الوحيد لإبطال هذه الشبهة والبدعة، بل الأدلة على ذلك كثيرة.
المهم أن قول أهل السنة والجماعة: (منه بدأ) أي: منه ابتدأ لا من غيره، ولا يعني هذا أنه انفصل عنه كما تقول المعتزلة والجهمية، بل كلامه ليس ببائن منه؛ لأنه صفته، فهو كسمعه وبصره وعلمه وقدرته وغير ذلك من الصفات.
وأما قوله: (وإليه يعود) فهذا فيه إشارة إلى ما جاء في الأثر من أنه يسرى على المصاحف في ليلة فلا يبقى في صدور الرجال من القرآن شيء، ولا يبقى في المصاحف منه حرف، وذلك في آخر الزمان، فيرفع الله جل وعلا كتابه إذا أعرض عنه الناس ولم يعملوا به، ولم يبق إلا شرار الخلق، وعند ذلك لا فائدة من بقائه.
كما أن البيت يهدم كما قال النبي ﷺ: (حجوا قبل ألا تستطيعوا أن تحجوا) وكما أخبر أن الكعبة يهدمها ذو السويقتين من أهل الحبشة.
المهم أن القرآن يسرى به، وهذا معنى قوله: (وإليه يعود)، وهذا لعظمته وأنه صفة الرب جل وعلا.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١٦ / ٩ ]