الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، هذه هي عقيدة السلف، وقد خالفها كثير من أهل البدع والأهواء.
فيجب على المسلم التمسك بما كان عليه السلف، وينبغي له أن يعلم بالأدلة قولهم، حتى يطمئن به، ويدعو إليه على بصيرة.
[ ٢٣ / ١ ]
الإيمان قول وعمل
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح] .
هذا الأصل من الأصول المهمة التي يجب على المؤمن أن يعلم الحق فيها لكثرة الاشتباه والاضطراب.
قال ﵀: ومن أصول أهل الفرقة الناجية -جعلنا الله وإياكم منهم- أن الدين والإيمان، الدين: عام، والإيمان: خاص، فهذا من باب عطف الخاص على العام؛ لأن الدين يشمل الإيمان، ويشمل الإسلام، ويشمل الإحسان كما تقدم في أول هذا الكتاب المبارك.
(أن الدين والإيمان قول وعمل) وعلى هذا أجمع أهل السنة والجماعة متقدموهم ومتأخروهم، والعبرة بإجماع السلف، والسلف مجمعون على هذا، حتى إنه لكثرة كلامهم وظهوره في هذا الباب، مما يؤدي إلى هذا المعنى: أن الإيمان قول وعمل؛ أصبحت هذه الكلمة من علامات السنة، ومن شعائرهم، ومن شعاراتهم، فمن شعارات أهل السنة وأعلامهم: أن الإيمان اعتقاد، وأن الإيمان قول وعمل.
وقد تنوعت عبارات أهل السنة والجماعة في بيان الإيمان: فبعضهم قال: الإيمان قول وعمل كما هو كلام الشيخ ﵀، ومنهم من قال: الإيمان قول وعمل ونية، ومنهم من قال: الإيمان قول وعمل ونية واتباع سنة، ومنهم من قال: الإيمان قول اللسان، واعتقاد الجنان، وعمل الجوارح.
واعلم أن هذه المنقولات عن السلف لا اضطراب فيها ولا اختلاف، بل هي من تنوع العبارة، فالعبارة متنوعة لكن المضمون واحد، والعقد فيها متفق، فلا اختلاف، وكلها ترجع إلى أمر واحد، والخلاف هو باعتبار تقسيم المعرف للإيمان، أما من حيث المضمون وما تؤديه هذه العبارات المختلفة فهو واحد.
فمن قال: إن الإيمان قول وعمل فمراده: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح.
ومن قال: إن الإيمان قول وعمل ونية فمراده: أن عمل القلب لا يدخل في القول؛ لأن القول ظهور من اللفظ، والقلب لا يظهر منه شيء فاحتاج إلى زيادة نية.
ومنهم من زاد: (اتباع السنة)؛ لأن العمل إذا لم يكن متبعًا فيه السنة فإنه مردود على صاحبه، فهذه العبارات المختلفة تؤدي إلى معنىً واحد كما بين ذلك شيخ الإسلام ﵀، وقال: إن هذا من اختلاف التنوع، والمضمون في كلامهم واحد لا خلاف فيه.
يقول ﵀: (قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح) .
فأضاف القول إلى القلب، لو قال قائل: كيف تضيفون القول إلى القلب والقول لا يكون في الأصل إلا في اللسان؟ نقول: إن القول يضاف إلى اللسان وإلى القلب، فهو عند الإطلاق قول اللسان، لكن إذا قيد بإضافة إلى القلب فإنه يصح إثباته للقلب، فما هو قول القلب في كلام المؤلف ﵀؟ هو إقراره واعتقاده ونيته، وقال بعضهم: قول القلب هو إخلاصه.
فقول المؤلف ﵀: (قول القلب) يعني: اعتقاده ونيته وإقراره، (وقول اللسان) هو ما ظهر من اللسان من الإقرار بالشهادتين، ولا يمكن أن يكون الإنسان مؤمنًا إلا بهذين الأمرين، فإذا صدر منه قول اللسان دون إقرار القلب هل ينفعه هذا الشيء؟ لا، فمن تكلم بالشهادتين لكن قلبه خال منهما فهو منافق، هذه هي حال المنافقين: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١١] .
ولو قر في قلبه تعظيم هذا الدين ومحبته والتصديق به لكنه لم يتلفظ بلسانه، فلم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وهو قادر على التلفظ، هل يكون مسلمًا؟ الجواب: لا، بإجماع أهل الإسلام؛ ولذلك قال النبي ﷺ: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا) والشهادة إنما تكون بالإعلام والبيان، وفي رواية: (حتى يقولوا) والأكثر: (حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله)، فعلم بهذا أنه لا تستقر قدم أحد على دين الإسلام إلا بهذين الأمرين، قول القلب: وهو إقراره واعتقاده ونيته، وقول اللسان: وهو تلفظه بالشهادتين.
وقوله: (عمل القلب) هل القلب له عمل؟ نعم، القلب له عمل عظيم، وهو أصل عمل الجوارح، المحبة أين هي؟ هل تتحرك اليدان بالمحبة؟ المحبة أمر قلبي، الخوف أين يكون؟ في القلب، وهكذا الخشية الرجاء التوكل الإنابة الإخبات، فأعمال القلوب كثيرة، وهي حركاته في الطاعات وهي من الإيمان، ويدل لذلك قول النبي ﷺ: (والحياء شعبة من الإيمان)، والحياء أمر قلبي، وأصله في القلب، وإن كانت تظهر علاماته على الجوارح، لكن أصل الحياء إنما يكون في قلب الإنسان.
قال: (وعمل اللسان) .
الشهادتان مضت في قول اللسان، فما هو عمل اللسان؟ اشتغاله بذكر الله ﷿: التسبيح التحميد التكبير قراءة القرآن تعليم العلم تعلم العلم إذا كان بقراءة، كل هذا من عمل اللسان فهو من الإيمان، دليل ذلك قول النبي ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، الشاهد في قوله: (قول لا إله إلا الله)، وكذلك الأحاديث الكثيرة التي لا حصر لها في فضائل الأقوال، وترتيب الأجور على ما يكون من الإنسان من الأقوال، وقول النبي ﷺ: (من كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله؛ دخل الجنة)، والجنة إنما تكون لأهل الإيمان، فجعل هذا القول سببًا لدخول الجنة، وهي لا تكون إلا لأهل الإيمان؛ فدل ذلك على أن القول من الإيمان.
قال: (والجوارح) أي: عمل البدن، فعمل البدن كله من الإيمان؛ ولذلك قال النبي ﷺ في بيان شعب الإيمان: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، فبهذا نعلم أن الإيمان لا يكون مجرد اعتقاد في القلب، بل لا بد من اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح، فالذي يقول: الإيمان في قلبي، ولا يصلي ولا يتلفظ بالشهادتين هل يكون مسلمًا؟ الجواب: لا؛ لعدم تلفظه بالشهادتين، وكذلك الذي يترك جنس العمل فلا يعمل عملًا صالحًا بالكلية هذا أيضًا انتفى عنه ركن الإيمان وهو العمل؛ لأن الإيمان قول وعمل.
[ ٢٣ / ٢ ]
الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية
قال ﵀: [وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨]، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠]] .
مسألة الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية من المسائل الكبيرة التي اختلف فيها المختلفون، وهدى الله فيها أهل السنة والجماعة إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، الإيمان يزيد وينقص هذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد تواطأت عليها عبارات السلف، ودل عليها الكتاب والسنة، وأجمع عليها الصحابة وسلف الأمة، وقد خالف في ذلك المعتزلة والخوارج والمرجئة، فالمعتزلة والخوارج قالوا: لا يزيد ولا ينقص، فنفوا الزيادة والنقصان وقالوا: الإيمان شيء واحد لا يتفاضل، فإذا وجد وجد جميعًا، وإذا سلب سلب جميعًا، هكذا زعموا! وأما المرجئة فالإيمان عندهم شيء واحد إلا أن منهم من يقول: الإيمان يزيد فقط، أما النقص فلا ينقص! والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات الزيادة والنقص للإيمان، أما الزيادة فقد ورد ذكرها وإقرارها والنص بها في كتاب الله ﷿ في مواضع عديدة، من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]، ومنه أيضًا قوله ﷾ فيما أخبر عن المنافقين: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]، والأدلة على زيادة الإيمان كثيرة.
وأما السنة فمن الأدلة الواضحة على زيادة الإيمان قول النبي ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فجعل من الشعب ما هو عالي، ومن الشعب ما هو دون العالي، فجعل للإيمان أعلى وأدنى، فأدلة زيادة الإيمان في الكتاب والسنة وكلام السلف ثابتة بما لا مجال لإنكاره.
وأما النقصان فإنه لم يصرح به في كتاب الله ﷿، ولم يرد هذا اللفظ في كتاب الله ﷿، ولكن من لازم الزيادة أن يكون هناك تفاضل في الإيمان.
وأما السنة فقد ورد ذلك في أحاديث عديدة كثيرة، منها قول النبي ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، فدل ذلك على أن الزنا وما ذكر من المعاصي في هذا الحديث سبب لنقصان الإيمان؛ لأن نفي الإيمان دليل على نقصه، ولو لم يكن هذا العمل مؤثرًا نقصًا في الإيمان لما كان لنفيه وجه، ويدل عليه صريحًا أيضًا قول النبي ﷺ في النساء: (ناقصات عقل ودين)، ونقصان الدين فسره النبي ﷺ بقوله: (تترك الصلاة والصيام أيامًا)، فدل ذلك على أن الإيمان ينقص؛ لأن الدين يشمل الإيمان والإسلام والإحسان.
[ ٢٣ / ٣ ]
عدم تكفير أهل القبلة بمطلق المعاصي
ثم قال: [وهم مع ذلك] أي: مع إقرارهم بما تقدم من أن الإيمان قول وعمل، وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر.
عندنا في كلام المؤلف ﵀ في هذا الفصل مطلق الشيء والشيء المطلق.
مطلق الشيء: هو أدنى وصف منه، فمطلق المعاصي المراد به أدنى معصية، يعني: كل ما يكون مندرجًا في المعاصي، وكذلك مطلق الكبائر يعني: أي كبيرة من الكبائر.
وأما الشيء المطلق: فهو منتهى الشيء وكماله، فالشيء المطلق عام، ومطلق الشيء أقل ما يصدق عليه هذا الاسم، فالمؤلف ﵀ يقول: لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، يعني: لا يكفرون بالكبيرة ولا بالمعصية، يعني: بمجرد الكبيرة وبمجرد المعصية، فإن الكبائر والمعاصي ليست سببًا لإثبات اسم الكفر ولا حكم الكفر.
قال: [وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر] .
والمراد بأهل القبلة هنا: من انتسب إلى الإسلام، ويشمل ذلك جميع فرق أهل الإسلام على اختلافها، من الثنتين وسبعين فرقة دون الفرقة الناجية، فهم كلهم من أهل القبلة، وهذا الاسم له شاهد من قول النبي ﷺ: (من استقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، وصلى صلاتنا، فذاك المسلم؛ له ما لنا، وعليه ما علينا)، والحديث في الصحيح، فكل من كان من أهل الإسلام فإنه من أهل القبلة، وإنما أضيف الأمر إلى القبلة؛ لأنها التي يجتمع عليها أهل الإسلام على اختلاف طوائفهم واختلاف عقائدهم، فهي محل اجتماع أهل الإسلام، فأهل السنة لا يكفرون أهل القبلة المسلمين بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج ومن سار على طريقهم كالمعتزلة، وإنما ذكر الخوارج؛ لأنهم أبرز الفرق التي اشتهرت بهذا، وإلا فالمعتزلة يوافقونهم في إخراج المسلم من دائرة الإسلام بمطلق الكبيرة وبمطلق المعصية، ولكن الخوارج اشتهروا بهذا أكثر من غيرهم، وكفروا الصحابة ﵃.
[ ٢٣ / ٤ ]
الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي
قال: [بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي] .
الأخوة الإيمانية، أي: الأخوة التي سببها الإيمان والإسلام ثابتة مع المعاصي، يعني: مع وجود المعصية سواءً كانت المعصية كبيرة أو صغيرة، واستدل لذلك بقوله سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨] فأثبت في هذه الآية الأخوة بين القاتل والمقتول مع أن القاتل أتى كبيرة أو لا؟ أتى كبيرة من كبائر الذنوب، فأثبت الأخوة بين القاتل والمقتول مما يدل على أن المعاصي لا ترفع الأخوة الإيمانية، بل الأخوة الإيمانية ثابتة وباقية وقائمة مع وجود المعاصي.
ومن الاستدلال على أن الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩]، والاقتتال بين المؤمنين سماه النبي ﷺ كفرًا فقال: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)، ومع ذلك لم يرتفع وصف الإيمان عن هؤلاء المقتتلين، ودليل ذلك قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، فالشاهد من هذه الآية قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، وكذلك قوله بعد الأمر بالإصلاح ومقاتلة الباغية حتى تفيء: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] وإن كان منهم باغ ومبغى عليه: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] أي: المتقاتلين، وبهذا يعلم أن المعاصي لا يرتفع بها وصف الإيمان، لكن ما الوصف الذي لا يرتفع؟ هل هو الإيمان المطلق الكامل؟ الجواب: لا، إنما الذي لا يرتفع هو مطلق هذا الاسم كما سيبينه المؤلف ﵀ في كلامه بعد قليل.
[ ٢٣ / ٥ ]
الفاسق لا يسلب اسم الإيمان بالكلية
قال ﵀: [ولا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية] .
يقول: لا يسلبون، أي: لا يرفعون عن الفاسق الملي يعني: الفاسق من أهل الإسلام، وقوله: الملي، يعني: من كان من أهل الإسلام، فلا يقولون: هذا ليس مؤمنًا بالكلية، بل يثبتون له مطلق الإيمان، والذي ينفونه عنه هو الإيمان المطلق، أما مطلق الإيمان فهو ثابت، وتنبه للفرق بين مطلق الإيمان وبين والإيمان المطلق، الإيمان المطلق: هو الإيمان الكامل التام، وأما مطلق الإيمان: فهو ما يثبت به وصف الإيمان ولو لم يكن كاملًا تامًا، فأهل السنة والجماعة لا يسلبون الفاسق الملي اسم الإيمان بالكلية، بل يبقون معه مطلق الإيمان، هذا من حيث الاسم خلافًا للمعتزلة والخوارج والمرجئة، فالمعتزلة يسلبون عنه الاسم، فلا يسمونه مسلمًا ولا مؤمنًا، يعني: الزاني إذا زنى أو السارق إذا سرق فإنه لا يسمى عندهم لا مسلمًا ولا مؤمنًا، فهل هو كافر؟ يقولون: لا، ليس بكافر، هو في منزلة بين المنزلتين أي: بين الإيمان والكفر، هذا من حيث الاسم، وأما من حيث الحكم، فالمعتزلة يقولون: إنه خالد في النار، والجنة محرمة عليه، أما بالنسبة للخوارج فإنهم من حيث الاسم يقولون: مرتكب الكبيرة كافر، وأما من حيث الحكم فهو خالد مخلد في النار.
إذًا: المعتزلة والخوارج يتفقان في النتيجة وإن اختلفا في الأسماء في الدنيا.
أما المرجئة فإنهم يقولون: العاصي الذي أسرف على نفسه بأنواع المعاصي على اختلاف أنواعها وكثرة تكرارها هو مؤمن كامل الإيمان، إيمانه مثل إيمان جبريل ومحمد ﷺ! فأثبتوا له الإيمان المطلق، فهم يقابلون الخوارج والمعتزلة.
وهذا الكلام ليس كلامًا نظريًا لا واقع له، هذه عقائد موجودة وقائمة، ويدافع عنها أصحابها، ويحاولون تقريرها بأنواع من الوسائل، فلا تظن أن هذه الفرق بادت وانتهت، هذه الفرق رائجة وقائمة ولها دعاتها، فلا بد للمؤمن أن يحيط بها علمًا، وأن يعرف أصول أقوال البدع حتى يسلم منها أولًا، وثانيًا: يتمكن من الرد عليها، وثالثًا: يكون ممن وفقهم الله إلى الذب عن السنة، وعن منهج أهل السنة والجماعة، وطريقة السلف الصالح.
قال ﵀: [ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة] .
الخوارج مثل المعتزلة، لكن أتى هنا بما اختصت به المعتزلة، وهو أنهم يخلدونه في النار، وأما أهل السنة والجماعة فيقولون: هذا مؤمن ناقص الإيمان، ولا يرفعون عنه اسم الإسلام، وأما أولئك فإنهم يرفعون عنه اسم الإيمان والإسلام، ومن حيث الحكم في الآخرة فهو في النار خالدًا مخلدًا فيها.
ثم قال رحمه الله تعالى في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة ووسطيتهم في هذا الأمر: [بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:٩٢] وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾ [الأنفال:٢]] .
المؤلف رحمه الله تعالى يقول: بل الفاسق يعني: الملي من أهل الإسلام يدخل في اسم الإيمان المطلق، لماذا؟ لأن معه شيئًا من الإيمان، فلما كان معه شيء من الإيمان بقي في دائرة الإيمان المطلق، ولم يخرج عن مسمى الإيمان؛ لأن معه أصول هذا الإيمان الذي يثبت لكل من اتصف به؛ ولذلك يدخل في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، وهل يلزم في الرقبة المحررة أن تكون كاملة الإيمان؟ لا، لا يلزم، بل كل مؤمن ولو كان مسرفًا على نفسه بالمعاصي فإنه يدخل في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، وهذا يثبت لأدنى المؤمنين إيمانًا، وهو من أقر بالأصول التي في حديث جبريل، ولو خالف في العمل بالذنوب والمعاصي، وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق الكامل التام؛ ولذلك لا يدخل المسرف على نفسه بالمعاصي في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾، بل حتى الذي لم يسرف على نفسه بالمعاصي، وكان ممتنعًا عن المعاصي، لكنه لا يتصف بهذا الوصف (إذا ذكر الله وجل قلبه، وإذا تليت عليه آياته زادته إيمانًا)؛ فإنه لا يدخل في اسم الإيمان المطلق.
وهل يكون منافقًا؟ الجواب: لا؛ لأن الإيمان المنفي هنا هو الإيمان التام الكامل الذي يستلزم القيام بجميع ما أمر به الإنسان، وترك جميع ما نهي عنه، وليس المراد أنه من لم يتصف بهذا فهو من المنافقين؛ ولذلك قال الله ﷾ في الأعراب: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، فنهاهم عن قول الإيمان وأمرهم بقول الإسلام، أن يقولوا: أسلمنا، فأثبت لهم حكم الإسلام، وهل هم منافقون؟ الجواب: لا، ليسوا منافقين، فالإسلام الذي معهم ليس هو إسلام المنافقين، بل هو نظير إسلام أهل الكبائر أي: إسلام وإيمان ناقص؛ ولذلك نفاه عنهم لما لم يكملوه.
فتنبه لهذا! فعندنا في الإيمان حد أعلى، وحد أدنى، الحد الأعلى في الإيمان هو: الإيمان المطلق الذي يستلزم القيام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، الأوامر القلبية والبدنية، والنواهي القلبية والبدنية، ومطلق الإيمان الذي هو أدناه يصدق على كل من أقر بأصول الإسلام، فإنه يكون مؤمنًا إيمانًا مطلقًا، يعني: معه أدنى ما يتصف به من الإيمان، وهو الإيمان بالأركان الستة.
[ ٢٣ / ٦ ]