الله ﷿ يفضل من شاء على من يشاء، وهذا التفضيل يرجع لما في القلوب من التقوى (وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)، ومن عقيدة أهل السنة تفضيل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي على غيرهم من الصحابة، وهم في الفضل على ترتيبهم في الخلافة، ومن عقيدتهم محبة آل بيت النبوة، وإعطاؤهم حقوقهم.
[ ٢٥ / ١ ]
تفضيل أبي بكر وعمر على غيرهما
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ويثلثون بـ عثمان، ويربعون بـ علي ﵃ كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة، مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في علي وعثمان ﵄بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر - أيهما أفضل؟ فقدم قوم عثمان وسكتوا أو ربعوا بـ علي، وقدم قوم عليًا، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ثم علي، وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة؛ وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء فهو أضل من حمار أهله] .
قال ﵀: (ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وغيره) يعني: ونقل عن غيره أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر.
هذا هو القسم الثاني من المراتب وهو: بيان المراتب على وجه الانفراد، فأفضل الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبو بكر ﵁، وهذا ثابت في كثير من النصوص التي مجموعها يفيد أن تفضيل أبي بكر وعمر على غيرهما لا ريب فيه، وهو الذي أجمع عليه سلف الأمة، واتفق عليه الصحابة ﵃، وإنما خص ﵀ النقل عن علي لكونه ممن وقع فيه الخلاف بين أهل القبلة، فممن ينتسب إلى الإسلام من يفضله على أبي بكر وعمر، فأتى بالنقل عنه لكونه محور الخلاف مع بعض الطوائف.
فقال: (ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر)، وهذا قد ثبت عن علي ﵁ من نحو ثمانين وجهًا، وهو أنه قال: خير الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، في خلافته وبين أنصاره، حتى لا يقول قائل: إنه إنما قال ذلك خشية السلطان أو تقية، إنما قال ذلك في أوج سلطانه وبين أنصاره، حتى إنه قال في منبر الكوفة: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد الفرية؛ وذلك لثبوت تقديم هذين على غيرهما.
وإنما حصل تقديم غيرهما عليهما من متأخري الشيعة الذين سموا رافضة، فإنهم سموا رافضة لأنهم رفضوا زيد بن علي حين سألوه عن أبي بكر وعمر، فأثنى عليهما، فرفضوه، فسموا بذلك رافضة، فتفضيل أبي بكر وعمر ﵄ أمر ثابت، عليه أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا، بل حتى متقدمي الشيعة لا يناقشون في تفضيل أبي بكر وعمر على غيرهما، وإنما جرى ذلك عند متأخريهم.
قال: (ويثلثون) يعني: في الفضل والمرتبة (بـ عثمان ويربعون بـ علي ﵃) فهؤلاء هم صفوة الصحابة وخيرهم على هذا الترتيب.
يقول: (كما دلت عليه الآثار) فتفضيل أبي بكر وعمر استند إلى النقل المتواتر، وفي التثليث بـ عثمان وعلي بن أبي طالب ﵁ قال: (كما دلت عليه الآثار)؛ لأن من نظر إلى الآثار علم أن عثمان ﵁ مقدم على علي رضي الله عن الجميع، كما أجمع الصحابة على تقديم عثمان في البيعة، فهذا دليل من الأدلة على تقديم عثمان على علي، فإن عبد الرحمن بن عوف ﵁ لما تولى طلب الرأي والمشورة من الصحابة فيمن يتولى الأمر بعد عمر: علي أو عثمان، بقي ثلاثة أيام يسأل كل أحد من أعيان الصحابة بل ومن غيرهم، حتى النساء يسألهن، قال عبد الرحمن ﵁: لم أرهم يعدلون بـ عثمان أحدًا، فقدمه ﵁ على علي، وبويع بالخلافة بيعة رضا ورغبة لا خوف ورهبة، وهذا مما يستدل به أهل السنة والجماعة على فضيلة عثمان ﵁ على علي ﵁.
[ ٢٥ / ٢ ]
تفضيل عثمان على علي ﵄، والخلاف فيه
قال: [مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ أيهما أفضل بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر، فقد قدم قوم عثمان وسكتوا] .
هذا رأي وهو قول عند بعض أهل السنة.
الثاني: [أو ربعوا بـ علي] .
يعني: لم يسكتوا بل قالوا: عثمان ثم علي.
الثالث: [وقدم قوم علي ـًا] .
هذا القول الثالث.
الرابع: [وقوم توقفوا] .
صار عندنا في المفاضلة بين علي وعثمان ﵄ أربعة أقوال، والذي استقر عليه أهل السنة ما أشار إليه الشيخ ﵀ حيث قال: [لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان على علي] .
وقد اختلفوا هل يبدع المخالف في تفضيل عثمان؟ فمن فضل علي ـًا هل يقال: إنه مبتدع؟ أشار الشيخ ﵀ إلى جواب هذه المسألة فقال: [وإن كانت هذه المسألة مسألة عثمان وعلي ليست من الأصول] .
أي: أن التضليل والتبديع إنما يكون في مسائل الأصول لا في مسائل الاجتهاد، خلافًا لما عليه كثير من الناس من التضليل في مسائل الاجتهاد، ومسائل مطارح الآراء، واختلاف الأنظار؛ وهذا من الغلو في التبديع، فالتبديع يجب أن ينظر فيه إلى هدي السلف، والسلف قد اختلفوا في مسائل ولم يبدع بعضهم بعضًا، فهو ليس من مسائل الأصول التي يضلل فيها المخالف.
قال: [عند جمهور أهل السنة] .
وهذا يشير إلى أن من أهل السنة من يبدع المخالف في هذه المسألة، فإنه نقل عن أيوب السختياني، وعن الإمام أحمد في رواية، والدارقطني أن من قدم علي ـًا على عثمان في الفضل فإنه مبتدع، والرواية الثانية عن الإمام أحمد ﵀: أنه لا يبدع، وهو قول جمهور أهل السنة، والمنقول عن أيوب أنه قال: من فضل علي ـًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ وذلك لظهور تفضيل عثمان على علي ﵄.
وفي حديث ابن عمر أنه لما سئل عن الفضل قال: كنا نقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ويقفون عند هذا، وكان يبلغ النبي ﷺ ولا يقول شيئًا، وهذا مما استدل به من استدل على أن تفضيل عثمان على علي مستند إلى نص، وهو الذي أشار إليه ﵀ في قوله كما تدلت عليه الآثار.
المهم أن الذي استقر عليه أهل السنة والجماعة تفضيل عثمان على علي رضي الله عن الجميع، وأنه لا يبدع المخالف.
[ ٢٥ / ٣ ]
إثبات الخلافة الراشدة للخلفاء الأربعة
قال: [لكن التي يضلل فيها مسألة الخلافة] .
يعني: الخلاف فيمن هو الأحق بالخلافة؟ قال: [وذلك أنهم يؤمنون] .
الضمير يعود إلى أهل السنة الجماعة.
[وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي - كما هو الواقع - ومن طعن في خلافة أحد هؤلاء فهو أضل من حمار أهله] .
وهذه عبارة الإمام أحمد ﵀: من طعن في خلافة أحد هؤلاء فهو أضل من حمار أهله، وفيه بيان بعد ضلال من خالف في هذا، فإن الصحابة ﵃ اتفقوا على هذا الأمر: أبو بكر تولى ولم يخالف، وأجمعت على توليته وخلافته الأمة، ووافق على ذلك الصحابة ﵃، وما نقل من تأخر علي ﵁ عن البيعة لا يدل على عدم موافقته؛ ولذلك وافق وبايع، وإنما تأخر لشيء في نفسه ﵁، وليس أنه كان يطلب الأمر له، وأما عمر فولايته لعهد من أبي بكر ﵁، وقد وافق على هذا العهد وعلى هذه الخلافة الأمة، وأجمع عليه الصحابة، ولم يقع فيها خلاف.
ثم عمر ﵁ عهد بالأمر إلى ستة، وهم الذين مات النبي ﷺ وهو عنهم راض، وهؤلاء الستة هم: عثمان، وعلي، وعبد الرحمن، والزبير، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عن الجميع، ثم انحسر الأمر في اثنين: في عثمان وعلي، وجرى البحث والمشاورة في أيهما أحق، وتولى ذلك عبد الرحمن بن عوف ﵁، فأخذ على كل واحد منهما العهد على أنه إذا ولي يعدل، وإذا لم يول يسمع ويطيع، فلما أخذ من عثمان العهد ومن علي العهد على هذا الأمر؛ بايع عثمان ﵁، وبايع الناس ومن جملتهم علي، فكانت بيعة رغبة ورضا، ولو كان علي يعتقد أنه حق بالخلافة من عثمان لما بايع؛ لأن المسألة ما هي بالإجبار، وكان قادرًا من الأصل ألا يرضى بالعهد الذي أخذه عليه عبد الرحمن، ولقال: أنا أوصى لي رسول الله، كما تزعم بعض الطوائف.
المهم أن عثمان تولى ﵁، ثم قتل، ولما قتل تولى علي ﵁، ووقع الخلاف بين الصحابة الذي سنشير إليه في كلام المؤلف ﵀، فخلافة الثلاثة الذي هم أبو بكر وعمر وعثمان لم يقع فيها خلاف ولا قتال، ولم يقاتل أبو بكر ولا عمر ولا عثمان أحدًا على الولاية، أما علي ﵁ فقد قاتل على الولاية؛ لأنه خولف وعورض، وكان أحق بها ﵁.
المهم -يا إخواني- أن خلافة هؤلاء واضحة وبينة ولا إشكال فيها، واتفق عليها أهل الإسلام، ولم يخالف فيها إلا الرافضة الذين أتوا بقول يخالفه علي ﵁، ويرده علي ﵁؛ ولذلك قال الإمام أحمد ﵀: من طعن في خلافة أحد هؤلاء فهو أضل من حمار أهله؛ لوضوح الأمر وضوحًا جليًا بينًا لا يقبل الخلاف ولا النقاش.
[ ٢٥ / ٤ ]
فضل آل بيت النبي ﵊ وبيان حقوقهم
قال ﵀: [ويحبون آل بيت رسول الله ﷺ، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي)، وقال أيضًا للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفوا بني هاشم فقال: (والذي نفسي بيده! لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي)] .
بعد أن فرغ المؤلف من بيان فضيلة الصحابة، وما لهم من فضل وحق، وعقيدة أهل السنة والجماعة في ذلك؛ انتقل إلى بيان حق آل البيت، واعلم أن أهل السنة والجماعة أهل عدل وإنصاف وعلم، فهم لا يتكلمون إلا بالعلم والعدل، وبهذين الأمرين يحصل الخير لكل أحد، العلم يأمن به الإنسان من الجهل؛ والعدل يأمن به من الظلم، وهذان الأمران مصدر كل شر، مصدر كل شر في الأقوال والأعمال والعقائد الجهل أو الظلم؛ ولذلك ينبغي للإنسان أن يحرص على الاتصاف بهذين الوصفين -العلم والعدل- في قوله وعمله وعقيدته وسائر شئنه، وليعلم أن الإنسان في أصله مجبول على ذينك الوصفين كما قال الله ﷾: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، هذا وصف لجنس الإنسان، ولا خروج له من هذين إلا من طريق الكتاب والسنة، فبقدر استمساكه بهما وعمله بهما وأخذه بهما وإقباله عليهما؛ بقدر ما يسلم من هذين المحظورين.
فلما كان أهل السنة والجماعة أهل علم وعدل خلافًا لغيرهم من الطوائف فإنهم يعطون كل ذي حق حقه؛ ولذلك هم يحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يحبونهم محبة قلبية زائدة على محبة الصحابة، فأهل البيت لهم حق الإسلام، ولهم حق القرابة، ولهم حق زائد وهو حق الصحبة إن كانوا من أصحاب رسول الله ﷺ؛ ولذلك هم يحفظون حقوق أهل البيت كما قال المؤلف: [ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم] .
خلافًا لطريق النواصب الذين يعادون آل البيت ويذمونهم ويسبونهم.
قال: [ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم: (أذكركم الله في أهل بيتي)] وذلك أن النبي ﷺ قال في غدير خم: (تركت فيكم ثقلين: كتاب الله فيه الهدى والنور - ورغب في كتاب الله - ثم قال: وعترتي أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) كررها ثلاثًا ﷺ.
وتقدم لنا أن الثقلين جمع ثقل، والثقل هو كل ما له قيمة وشرف ومنزلة، فأهل البيت لهم قيمة وشرف ومنزلة؛ ولذلك أوصى بهم النبي ﷺ وقال: (أذكركم الله في أهل بيتي)، أي: فيما يجب لهم من الحقوق، ومن حقوقهم الصلاة عليهم مع رسول الله ﷺ؛ ولذلك نقول في الصلاة: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الصلاة الإبراهيمية، فهذا من حقوقهم.
ومن حقوقهم: أن يعطوا الخمس من المغنم.
ومن حقوقهم: الفيء.
ومن حقوقهم: الإكرام والتقدير والمحبة لقرابتهم من رسول الله ﷺ، فأهل السنة والجماعة يحفظون حقوق هؤلاء، لكن لا يغلون فيهم، ويلغون فضائل غيرهم بكونهم قرابة رسول الله، فـ علي ﵁ نحبه لقرابته من رسول الله ﷺ ولبلائه وصحبته، ولكن هذا الفضل لا يلغي فضل غيره من الصحابة الذين هم خير منه ك أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عن الجميع.
فالمفاضلة بين الناس بحاجة إلى هذين الوصفين اللذين تقدم الإشارة إليهما، وهما: العدل والعلم، حتى في المفاضلة بين المعاصرين أو أي أمر يفاضل فيه الإنسان ويحتاج أن يقول: هذا أفضل من هذا، فعليه أن يتكلم بعلم وعدل، وكلما اتصف بهما كلما أصاب الحق، وكلما قل وصفه بهما كلما جانب الصواب.
قال النبي ﵊ للعباس عمه وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفوا بني هاشم: (والذي نفسي بيده! لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي)، هذا الحديث بين أن آل البيت لهم حق خاص لله، والمحبة لله هي عامة لكل مسلم، فكل مسلم يحب لله، ولكن هؤلاء اختصوا بهذه الخاصية وهي قرابتهم من رسول الله ﷺ، ومحبتهم من محبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
[ ٢٥ / ٥ ]
بيان آل بيت النبي ﵊
قال ﵀: [وقال رسول الله ﷺ: (إن الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)، ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصًا خديجة ﵂ أم أكثر أولاده، وأول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية، والصديقة بنت الصديق ﵂ التي قال فيها النبي ﷺ: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)] .
قال رسول الله ﷺ: (إن الله اصطفى بني إسماعيل) إسماعيل هو ابن إبراهيم ﵇، (واصطفى من بني إسماعيل كنانة)، وهو من بني إسماعيل ﵇، (واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)، فالنبي ﷺ خيار من خيار، وهذا ترقي في الاصطفاء، وآل بيت النبي ﷺ هم بنو هاشم.
وسبب سياق هذا الحديث بيان منزلة بني هاشم في العرب، وأيضًا: بيان من هم آل النبي ﷺ الذين قال فيهم المؤلف ﵀: ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله، فمن هم؟ هم بنو هاشم: ولد العباس، وولد علي، وولد جعفر، وولد عقيل، هؤلاء هم أهل البيت الذين لهم حق لقرابتهم من رسول الله ﷺ: آل العباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، هؤلاء هم آله من نسبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
واعلم أن آله الذين لهم هذه الحقوق هم الذين تحرم عليهم الصدقة.
ومن آله أزواجه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من آله الذين لهم الحقوق السابقة من المحبة والتولي وحفظ رسول الله ﷺ فيهم؛ ولذلك أشار المؤلف ﵀ إلى حقهم خصوصًا فقال: [ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين] .
وإفراد الحديث عنهن لا لأنهن لسن من آل البيت؛ بل لأنهن اختصصن بأمور زائدة على ما اختص به آل بيت النبي ﷺ من نسبه، فأولئك كلهم آله من النسب، وهؤلاء آله بالزوجية، وقد دل القرآن الكريم على أن أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من آله حيث قال جل وعلا في سياق الآيات التي فيها خطاب أزواج النبي ﷺ وأمرهن بما أمر جل وعلا: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] وهذا لا إشكال أنه في أزواج النبي ﷺ، فإن الأمر بالطاعة في قوله: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ موجه إلى زوجات النبي ﷺ؛ لأن الخطاب مفتتح: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب:٣٢]، فأزواجه من آله بنص القرآن.
وأما ما ورد في صحيح مسلم عن عائشة، وفي مسند الإمام أحمد عن أم سلمة؛ أن النبي ﷺ: (خرج ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله في الرداء وغطاه في الرداء، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، وقال: هؤلاء هم أهل بيتي)، وفي رواية: (اللهم! هؤلاء أهل بيتي فطهرهم تطهيرًا)، فهذا لا ينفي ما أثبته القرآن من كون أزواجه ﵅ من آله، فإن التخصيص لا يلغي ما دل عليه النص السابق، فهؤلاء لا شك أنهم من آله، ولم يختلف أهل الإسلام أن الحسن والحسين وعليًا وفاطمة ﵃ من آل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا خلاف في ذلك، ولكن هل هذا النص يفيد إلغاء هذا الوصف عن غيرهم؟ الجواب: لا، كيف لا؟ إذا قلت: لا، لا بد أن تبين، فنقول: إن القرآن كالصريح في أن أزواجه من آله؛ لأنه لما وجه الخطاب بأمر ونهي إلى أزواجه قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، وهذا لا معنى له إذا لم يكن تعليلًا للأوامر السابقة، والأوامر السابقة موجهة إلى آل بيته من أزواجه، ثم إن القرآن دل على أن امرأة إبراهيم من آله، وأن امرأة لوط من آله، وهذا أمر معروف، فكيف يكون أزواج النبي ﷺ لسن من آله؟ هذا قصور في حقه ﷺ.
إذًا: ثبت عندنا بالقرآن أن أزواجه من آله، فكيف نجيب عن هذا الحديث؟ نقول: هذا الحديث فيه إثبات أن أحق من وصف بهذا الوصف هم هؤلاء الذين أدخلهم النبي ﷺ في هذا الغطاء، فهم أحق من وصف بهذا الوصف؛ لأنهم آله من النسب، ولا يعني هذا نفي الحكم والوصف عن غيرهم، ونظير ذلك أن النبي ﷺ أخبر بأن أول مسجد أسس على التقوى مسجده ﷺ، فلما سئل عن قوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨] قال: (هو مسجدي هذا)، مع أن أهل التفسير متفقون على أن الآية نزلت في مسجد قباء فهل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلغاء لما هو ثابت من أن الآية نزلت في مسجد قباء، لا، ليس إلغاءً لكنه يفيد أن أحق ما وصف بهذا الوصف هو مسجد رسول الله ﷺ، وهل كونه أحق يلغي هذا الوصف عن غيره؟ الجواب: لا؛ ولذلك نقول: لهذا نظائر، والمقصود من هذا الأسلوب: هو بيان أحقية المخصوص بالوصف، ففي حديث عائشة وأم سلمة ﵄ تخصيص علي وفاطمة والحسن والحسين بقول النبي ﷺ: (هؤلاء أهل بيتي)، وما فائدته؟ بيان أنهم أحق من وصف بهذا الوصف، لكن كونهم أحق لا يلغي هذا الوصف عن غيرهم؛ ولهذا نقول: لا خلاف بين الكتاب والسنة في أن أزواجه من آله ﷺ.
[ ٢٥ / ٦ ]
فضل أزواج النبي ﵊ أمهات المؤمنين
قال ﵀: [يتولون أزواج رسول الله ﷺ وأمهات المؤمنين] .
أزواج: جمع زوج، والنبي ﷺ له عدة زوجات، مات عن تسع، والذين تزوجهن إحدى عشرة امرأة، وهؤلاء كلهن من آله، ولهن خاصية أخرى وهي: أنهن أمهات المؤمنين، دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] أزواجه، أي: أزواج النبي ﷺ أمهاتهم، لكن هذا لا يثبت إلا لمن بقي هذا الوصف لها وهو الزوجية، فمن طلقها رسول الله ﷺ هل يثبت لها هذا الحكم؟ الجواب: لا، إنما هذا الحكم ثابت لمن مات عنهن أو متن في حياته.
قال ﵀: [ويؤمنون بأنهن - أي: زوجاته - أزواجه في الآخرة] .
فهن أزواجه في الدنيا، وأزواجه في الآخرة، وهذا يتضمن الشهادة لهن بالجنة، وبه نعرف أن الشهادة ليست مقيدة بمن ذكرهن ﵀، فجميع زوجات النبي ﷺ في الجنة؛ لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة، وثبوت وصف الزوجية لهن في الآخرة يدل على تحريمهن على غيره، فلا يجوز لأحد أن يتزوجهن، وقد انتهى الموضوع فقد متن ﵅؛ لكن هذا بيان لحكم سابق.
قال: [خصوصًا خديجة] .
بعد أن بين ﵀ ما اختص به أزواج النبي ﷺ، بين من هو أحق بهذا الوصف منهن، واعلم أن كل من خص بخصيصة فإنه خص لمعنى، ولم يخص بمجرد التخصيص؛ لأننا نؤمن بأن الله ﷾ حكيم كما قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، فالله أعلم حيث يجعل الفضل: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]، أزواجه اللواتي توفي عنهن ﷺ هن: عائشة، وحفصة، وسودة، وزينب، وأم سلمة، وأم حبيبة، وصفية، وجويرية، وميمونة، تسع زوجات، ومات عنه: خديجة، وزينب بنت خزيمة ﵅، فمات عنه زوجتان، ومات ﷺ عن تسع زوجات، والحق ثابت لجميعهن، فقوله: [ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة] هذا ثابت للجميع: من مات عنهن، ومن متن عنه.
قال: [خصوصًا خديجة] .
يعني: أحقهن بما ذكر من التولي والمكانة والاحترام، وكونها أيضًا زوجة له في الآخرة خديجة ﵂.
وجه التخصيص قال: [أم أكثر أولاده] هذا واحد.
[وأول من آمن به وعاضده على أمره] هذا اثنين.
[وكان لها منه المنزلة العالية] في حياتها وبعد موتها، فهذا وجه تخصيصها ﵂ بهذا الفضل دون غيرها من الزوجات.
قال: [والصديقة بنت الصديق] الصديقة بنت الصديق هذا معطوف على خديجة ﵂ التي قال فيها النبي ﷺ: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)، الثريد هو الخبز مع اللحم، وهو أفضل الطعام؛ لكون الخبز من البر وهو أفضل الطعام، ولكون اللحم من الأدم وهو أفضل الإدام؛ ولذلك كان أفضل الطعام، فـ عائشة ﵂ فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وهذا تفضيل عائشة على أزواجه ﷺ، وقد وقع الخلاف في أيهما أفضل عائشة أو خديجة؟ والقول الفصل في ذلك أن عائشة ﵂ باعتبار ما جرى منها من نشر العلم وحفظ الشريعة هي أفضل من هذا الجانب، وأما خديجة فباعتبار ما كان منها في أول الإسلام من نصرة رسول الله ﷺ وتأييده وتثبيته وإعانته وإمداده هي أفضل، فكل منهما لها فضل من وجه، وكلهن فاضل ﵅.
[ ٢٥ / ٧ ]