طريقة أهل السنة والجماعة المتبعين لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة هي إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات أو أثبته له رسوله ﷺ، ونفي ما نفاه الله سبحانه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ.
[ ١٧ / ١ ]
كلام أبي نعيم الأصفهاني في عقيدة السلف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
أما بعد: فيقول شيخ الإسلام ﵀ رحمة واسعة: [وقال أبو نعيم الأصبهاني صاحب (الحلية) في عقيدة له قال في أولها: (طريقتنا طريقة المتبعين الكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال: فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله يقولون بها، ويثبتونها، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستوٍ على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه) .
وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه (محجة الواثقين ومدرجة الوامقين): (وأجمعوا أن الله فوق سماواته، عالٍ على عرشه مستوٍ عليه لا مستولٍ عليه كما تقول الجهمية: إنه بكل مكان؛ خلافًا لما نزل في كتابه: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] له العرش المستوي عليه، والكرسي الذي وسع السماوات والأرض، وهو قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] وكرسيه جسم، والأرضون السبع والسماوات السبع عند الكرسي كحلقة في أرض فلاة، وليس كرسيه علمه كما قالت الجهمية، بل يوضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه، كما قاله النبي ﷺ، وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده والملائكة صفًا صفًا، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] .
وزاد النبي ﷺ: (وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده فيغفر لمن يشاء من مذنبي الموحدين، ويعذب من يشاء، كما قال تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:١٨])] .
هذا هو ما سبق تقريره من كلام السلف ﵏ في إثبات علو الله ﷾ على خلقه، وأنه ﷾ مستوٍ على عرشه، وفيه إبطال قول من أول الاستواء بالاستيلاء، حيث قال: (لا مستولٍ عليه كما تقول الجهمية: إنه بكل مكان)، والسلف يذكرون الجهمية ويريدون بهم المعطلة في الجملة، يعني: كل من أول في الصفات.
وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: على السماء: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) فهذه وغيرها من الآيات دالة على علوه ﷾ واستوائه على عرشه.
وقوله: (له العرش المستوي عليه والكرسي الذي وسع السماوات والأرض)، ذكرنا فيما سبق أن الكرسي هو موضع القدمين في قول، وهذا مبني على أثر ابن عباس، ولكن في ثبوته نظر.
والقول الثاني: أنه خلق عظيم، وهو الذي أشار إليه بقوله: (وكرسيه جسم) ولم يذكر ما ورد عن ابن عباس: أنه موضع القدمين.
وفيه إثبات الصفات الفعلية له ﷾ وذلك في قوله سبحانه ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] ففيه إثبات المجيء له ﷾.
وأيضًا إثبات صفة المغفرة، وهي صفة فعلية له ﷾، وذلك في قوله سبحانه: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران:١٢٩] .
[ ١٧ / ٢ ]
كلام معمر بن أحمد الأصبهاني في عقيدة السلف
[وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني شيخ الصوفية في حدود المائة الرابعة في بلاده، قال: أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر بلا كيف، وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين قال فيها: (وأن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل)] .
وهذه المعاني هي التي تقدم ذكرها، بلا كيف أي: من غير تكييف، ولا تشبيه أي: التمثيل الذي ذكره الشيخ ﵀ في أول هذه الرسالة.
والتعبير بالتمثيل أدق من التعبير بالتشبيه؛ لأنه هو الذي ورد به الكتاب كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، ولأن التشبيه هو الاشتراك ولو بأقل معنى، وهذا موجود بين صفة الخالق وصفة المخلوق، لكن للخالق ما يليق به وللمخلوق ما يليق به من الصفات، وإنما المنفي هو المماثلة لا التشبيه.
وقوله: (ولا تأويل) هذا يشمل التحريف والتعطيل؛ لأن المحرف معطل، والمعطل محرف، وكلاهما لم يصل إلى ما وصل إليه من تحريف وتعطيل إلا بالتأويل.
(والاستواء معقول والكيف فيه مجهول) يعني: علم حقيقته مجهول، فعلم الحقيقة لا سبيل إليه، وكما تقدم أن الكلام في كيفية الصفات كالكلام في كيفية الذات.
قال المؤلف ﵀: [وأنه ﷿ مستوٍ على عرشه بائن من خلقه والخلق منه بائنون بلا حلول ولا ممازجة، ولا اختلاط ولا ملاصقة؛ لأنه الفرد البائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق.
وإن الله ﷿ سميع بصير، عليم خبير، يتكلم ويرضى، ويسخط ويضحك، ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء فيقول: (هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر) ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال، وسائر الصفوة من العارفين على هذا ا.
هـ.
[ ١٧ / ٣ ]
نقل كلام للفضيل بن عياض عن الكيف في الصفات
وقال الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال في (كتاب السنة)، حدثنا أبو بكر الأثرم حدثنا إبراهيم بن الحارث يعني: العبادي حدثنا الليث بن يحيى قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث -قال أبو بكر هو صاحب الفضيل - قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؛ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١-٤]، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه] .
الله تعالى أعلم بنفسه وبغيره، فهو جل وعلا عالم بأوصافه وأسمائه وما يجب له على التمام والكمال، فلا يجوز اجتياز أو تعدي ما أخبر به ﷾ عن نفسه إلى غيره.
قال المؤلف ﵀: [وكل هذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف؟ فإذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه.
فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء] .
يعني: أنه من لوازم النزول عندهم أنه يزول عن مكانه، وهذه لوازم باطلة، والواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه دون النظر إلى هذه الإلزامات التي هي خيالات لم يدل عليها الكتاب ولا السنة، والله جل وعلا ليس كمثله شيء، وهو جل وعلا قد تنزه عن النقص، واتصف بالكمال على أتمه وغايته، فلا يلحقه نقص بإثبات شيء مما أثبته لنفسه ﷾ أو أثبته له رسوله ﷺ.
قال المؤلف ﵀: [ونقل هذا عن الفضيل جماعة منهم البخاري في (أفعال العباد)، ونقله شيخ الإسلام بإسناده في كتابه (الفاروق)] .
هو أبو إسماعيل الهروي.
[فقال: حدثنا يحيى بن عمار حدثنا أبي حدثنا يوسف بن يعقوب حدثنا حرمي بن علي البخاري وهانئ بن النضر عن الفضيل.
وقال عمرو بن عثمان المكي في كتابه الذي سماه (التعرف بأحوال العباد والمتعبدين)، قال: (باب ما يجيء به الشيطان للتائبين)، وذكر أنه يوقعهم في القنوط، ثم في الغرور وطول الأمل، ثم في التوحيد، فقال: من أعظم ما يوسوس في التوحيد بالتشكيك أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه، أو بالجحد لها والتعطيل، فقال بعد ذكر حديث الوسوسة: واعلم -رحمك الله- أن كل ما توهمه قلبك، أو سنح في مجاري فكرك، أو خطر في معارضات قلبك من حسن أو بهاء، أو ضياء أو إشراق أو جمال، أو شبح مائل، أو شخص متمثل فالله تعالى بغير ذلك، بل هو تعالى أعظم وأجل وأكبر، ألا تسمع لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] أي: لا شبيه ولا نظير ولا مساوي ولا مثل، أولم تعلم أنه لما تجلى للجبل تدكدك لعظم هيبته، وشامخ سلطانه؟ فكما لا يتجلى لشيء إلا اندك كذلك لا يتوهمه أحد إلا هلك، فرد بما بين الله في كتابه من نفسه عن نفسه التشبيه والمثل، والنظير والكفؤ، فإن اعتصمت بها وامتنعت منه أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب تعالى وتقدس في كتابه وسنة رسوله محمد ﷺ فقال لك: إذا كان موصوفًا بكذا، أو وصفته أوجب له التشبيه فأكذبه؛ لأنه اللعين إنما يريد أن يستزلك ويغويك، ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين الجاحدين لصفة الرب تعالى.
واعلم -رحمك الله تعالى- أن الله تعالى واحد لا كالآحاد، فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، -إلى أن قال- خلصت له الأسماء السنية فكانت واقعة في قديم الأزل بصدق الحقائق] .
لا كما يقول المعتزلة: إنها أسماء لا معاني لها.
[ ١٧ / ٤ ]
صفات الله ﷿ أزلية الوجود حادثة الآحاد
قال المؤلف ﵀: [لم يستحدث تعالى صفة كان منها خليًا، واسمًا كان منه بريًا ﵎، فكان هاديًا سيهدي، وخالقًا سيخلق، ورازقًا سيرزق، وغافرًا سيغفر، وفاعلًا سيفعل، ولم يحدث له الاستواء إلا وقد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل؛ فهو يسمى به في جملة فعله] .
هذا يبين لك معنى قوله: (لم يستحدث ﷾ صفة كان منها خليًا) يعني: كانت ممتنعة عليه، هذا هو معنى كلامه، وإلا فالاستواء حادث بعد أن لم يكن، لكن لم يكن ممتنعًا عليه، إنما اتصف به لما كان الكمال مقتضيًا لاتصافه بهذه الصفة، فليقيد كلامه هنا في قوله: (لم يستحدث سبحانه صفة كان منها خليًا) أي: كانت ممتنعة عليه؛ ولذلك قال: (ولم يحدث له الاستواء إلا وقد كان في صفته أنه سيكون ذلك الفعل) بمعنى: أنه جل وعلا قادر عليه.
[كذلك قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] بمعنى: أنه سيجيء، فلم يستحدث الاسم بالمجيء، وتخلف الفعل لوقت المجيء، فهو جاء سيجيء، ويكون المجيء منه موجودًا بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه؛ لأن ذلك فعل الربوبية فيستحسر العقل، وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود، فلا تذهب في أحد الجانبين لا معطلًا ولا مشبهًا، وارض لله بما رضي به لنفسه، وقف عند خبره لنفسه مسلمًا مستسلمًا مصدقًا، بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير] .
هي طريقة الممثلة؛ لأنها تنفر العبد عن أن يعبد الله جل وعلا إذا كان الخالق كالمخلوق، فما الذي جعله يستحق العبادة؟! قوله: (ولا مناسبة التنقير) الظاهر أنه يشير إلى طريقة المعطلة الذين ينقرون ويدققون ويتمحلون في أسماء الله وصفاته ليصرفوها عن ظاهرها الذي دلت عليه النصوص والألفاظ.
وهذا الكلام من أحسن الكلام، لا سيما النقل الأول الذي فيه مداخل الشيطان على الخلق في باب الأسماء والصفات، فإنه أولًا يأتيهم بالتمثيل، ثم يأتيهم بعد ذلك بالتعطيل، فكلامه ﵀ وغفر له جيد.
[إلى أن قال: فهو ﵎ القائل: أنا الله، لا الشجرة، الجائي قبل أن يكون جائيًا؛ لا أمره، المتجلي لأوليائه في المعاد، فتبيض به وجوههم، وتفلج به على الجاحدين حجتهم، المستوي على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان ﵎، الذي كلم موسى تكليمًا وأراه من آياته، فسمع موسى كلام الله؛ لأنه قربه نجيًا، تقدس أن يكون كلامه مخلوقًا أو محدثًا أو مربوبًا] .
وهذا بعكس المخلوق الذي لابد أن يكون مربوبًا، فكل مخلوق مربوب، ولابد له من خالق يحدثه.
[الوارث بخلقه لخلقه، السميع لأصواتهم، الناظر بعينه إلى أجسامهم، يداه مبسوطتان، وهما غير نعمته، خلق آدم ونفخ فيه من روحه -وهو أمره- تعالى وتقدس أن يحل بجسم، أو يمازج بجسم، أو يلاصق به، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، الشائي له المشيئة، العالم له العلم] .
فيه رد على الذين يثبتون الأسماء دون معانيها، ويقولون: عالم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، فهذا من أجود الكلام في الرد عليهم، رحم الله المؤلف وغفر له.
قال المؤلف ﵀: [الباسط يديه بالرحمة، النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا ليتقرب إليه خلقه بالعبادة، وليرغبوا إليه بالوسيلة، القريب في قربه من حبل الوريد، البعيد في علوه من كل مكان بعيد، ولا يشبه بالناس -إلى أن قال-: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، القائل: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك:١٦-١٧] تعالى وتقدس أن يكون في الأرض كما هو في السماء، جل عن ذلك علوًا كبيرًا.
اهـ
[ ١٧ / ٥ ]
الاعتقاد بعدم حصول النسخ فيما يتعلق بصفات الله ﷿
وقال الإمام أبو عبد الله الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي في كتابه المسمى: (فهم القرآن) قال في كلامه على الناسخ والمنسوخ، وأن النسخ لا يجوز في الأخبار، قال: لا يحل لأحد أن يعتقد] .
النصوص جاءت على قسمين: أخبار وأحكام، والأخبار هي: ما أخبر الله ﷾ به عن نفسه أو ما أخبر عما وقع في سالف الزمان، أو ما سيقع فيما يستقبل من الزمان، وهذه الأخبار لا يجوز فيها النسخ؛ لأن مقتضى النسخ التكذيب لها، وإنما يكون النسخ في الأحكام، فالله يحدث من أمره ما يشاء في الأحكام، أما في الأخبار فقد تمت كلمته جل وعلا صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام.
[قال: لا يحل لأحد أن يعتقد أن مدح الله وصفاته، ولا أسماءه يجوز أن ينسخ منها شيء -إلى أن قال- وكذلك لا يجوز إذا أخبر أن صفاته حسنة عليا أن يخبر بذلك أنها دنية سفلى، فيصف نفسه بأنه جاهل ببعض الغيب بعد أن أخبر أنه عالم بالغيب، وأنه لا يبصر ما قد كان ولا يسمع الأصوات، ولا قدرة له ولا يتكلم، ولا كلامًا كان منه، وأنه تحت الأرض لا على العرش جل وعلا عن ذلك.
فإذا عرفت ذلك واستيقنته: علمت ما يجوز عليه النسخ وما لا يجوز، فإن تلوت آية في ظاهر تلاوتها تحسب أنها ناسخة لبعض أخباره كقوله عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾ [يونس:٩٠] وقال: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١] وقال: قد تأول قوم: أن الله عنى أن ينجيه ببدنه من النار؛ لأنه آمن عند الغرق، وقال: إنما ذكر الله أن قوم فرعون يدخلون النار دونه وقال: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨] وقال: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥] ولم يقل بفرعون.
قال: وهكذا الكذب على الله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى﴾ [النازعات:٢٥] كذلك قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت:٣] فأقر التلاوة على استئناف العلم من الله ﷿ عن أن يستأنف علمًا بشيء؛ لأنه من ليس له علم بما يريد أن يصنعه لم يقدر أن يصنعه] .
يعني: في قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١] فأقر التلاوة على الاستئناف أو فاقرأ، المقصود أنها تقرأ: (حَتَّى نَعْلَمَ) على الاستئناف، والعلم المذكور في هذه الآية ليس هو العلم الأزلي السابق، فالله جل وعلا عالم بكل شيء قبل حدوثه، وإنما هذا العلم الذي يكون عند حدوث الفعل، فالعلم صفة ذاتية لله ﷾ أزلًا وأبدًا، فهو جل وعلا بكل شيء عليم، لكنه ﷾ يعلم علمًا خاصًا عند حدوث الحدث والواقعة، وهذا لا ينفي أنه الله ﷾ عالم بالشيء قبل حدوثه.
وقال بعض أهل العلم: إن العلم في هذه الآية هو علم الظهور الذي تظهر به مراتب الناس وتحصل به المجازاة، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد:٣١] .
[لأنه من ليس له علم بما يريد أن يصنعه، لم يقدر أن يصنعه -نجده ضرورة- قال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، قال: وإنما قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ﴾ [محمد:٣١] إنما يريد: حتى نراه، فيكون معلومًا موجودًا] .
يسميه بعض أهل التفسير علم الظهور أو علم المجازاة، يعني: العلم الذي تترتب عليه مجازاة.
[لأنه لا جائز أن يكون يعلم الشيء معدومًا من قبل أن يكون، ويعلمه موجودًا كان قد كان، فيعلم في وقت واحد معلومًا موجودًا وإن لم يكن، وهذا محال، وذكر كلامًا في هذا في الإرادة] .
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٧ / ٦ ]