إن مسألة علو الله على خلقه واستوائه على عرشه من أعظم المسائل التي بينها القرآن والسنة وأجمع على القول بها سلف الأمة، بل هي مركوزة في الفطر السليمة، والعقول المستقيمة، إلا أن المعطلة خالفوا فيها فنقوها؛ لشبهات ظنوها قواطع عقلية، وهي في الحقيقة جهليات؛ لما تضمنته من لوازم فاسدة تأتي على الإسلام من أصله، بل إن حقيقة قولهم: إبطال الإسلام واتهام القرآن.
[ ٤ / ١ ]
أدلة إثبات العلو والاستواء على العرش
[ ٤ / ٢ ]
الأدلة القرآنية على علو الله واستوائه على عرشه
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم.
أما بعد: فيقول ﵀: [وإذا كان كذلك: فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسوله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة: مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله ﷾ هو العلي الأعلى، وهو فوق كل شيء، وعلى كل شيء، وأنه فوق العرش وأنه فوق السماء.
مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ [آل عمران:٥٥]، ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦]، ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك:١٧]، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠]، «ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ» في ستة مواضع: [الأعراف:٥٤]، [يونس:٣]، [الرعد:٢]، [الفرقان:٥٩]، [السجدة:٤]، [الحديد:٤]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦-٣٧]، ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام:١١٤] إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى إلا بكلفة] .
بعد أن فرغ الشيخ ﵀ من بيان سبب ضلال هؤلاء، كأنه أجاب على شبهة مقدرة، وهي ما يدعيه أهل الكلام من أن السلف الصالح لم يهتموا بهذا الباب، وأنهم لم يشتغلوا به، بل كان شغلهم بالعبادة وبالجهاد ونشر الدين، فلم يكونوا مهتمين بتقرير ما يتعلق بالله ﷿ وأسمائه وصفاته.
فأجاب الشيخ ﵀ عن هذه الشبهة: بأن كتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسول الله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة؛ مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله ﷾ هو العلي الأعلى.
وذكر هذه الصفة بالذات؛ لأن السائل سأله عن مسألة الاستواء والعلو، والاستواء من أدلة علو الله ﷿ كما سيأتي مفصلًا، وذكر الشيخ ﵀ أن في كلام الله ﷿ ما يدل على هذه الصفة، وأنها صفة من صفاته التي أخبر بها من النصوص ما لا يكاد يحصى إلا بكلفة، فإذا كان هذا في صفة واحدة من الصفات؛ فكيف بسائر صفاته ﷾، وهذا فيه نقض صريح، ودليل واضح بين على أن هؤلاء قد كذبوا على السلف بقولهم: إن السلف لم يهتموا بهذا وإنهم انشغلوا عن هذا بالجهاد والدعوة والعبادة.
وليس مقصود الشيخ في هذا الموضع تقرير صفة العلو بذاتها؛ لأنه سيأتي لها كلام مستقل، وإنما مراده أن يبين أنه جاء في هذه الصفة من الآيات ما سمعنا، ومن الأحاديث ما سيذكر، ومن النقول عن السلف أيضًا ما سيذكر، وهذا يبين كذبهم وضلالهم.
[ ٤ / ٣ ]
أدلة إثبات العلو والاستواء على العرش من السنة
قال ﵀: [وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا بالكلفة، مثل قصة معراج الرسول ﷺ إلى ربه، ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه، وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار: (فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم) .
وفي الصحيح في حديث الخوارج: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء! يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً)، وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء؛ اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع)، قال رسول الله ﷺ: (إذا اشتكى أحد منكم أو اشتكى أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء) وذكره.
وقوله في حديث الأوعال (والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، وهو يعلم ما أنتم عليه) رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، وقوله في الحديث الصحيح للجارية (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) .
وقوله في الحديث الصحيح: (إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي)، وقوله في حديث قبض الروح: (حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله تعالى) إسناده على شرط الشيخين] .
المقصود من هذه النصوص هو بيان كثرة ما ورد عن النبي ﷺ بعد أن بين كثرة ما ورد في الكتاب في هذه الصفة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: [وقول عبد الله بن رواحة الذي أنشده للنبي ﷺ وأقره عليه: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا وقول أمية بن أبي الصلت الثقفي الذي أنشد للنبي ﷺ هو وغيره من شعره فاستحسنه وقال: (آمن شعره وكفر قلبه)؛ حيث قال: مجدوا الله فهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء الأعلى الذي سبق الناس وسوى فوق السماء سريرا شرجعا ما يناله بصر العيـ ن ترى دونه الملائك صورا وقوله في الحديث الذي في المسند: (إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا)، وقوله في الحديث: (يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب)، إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله، مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علمًا يقينيًا من أبلغ العلوم الضرورية -أن الرسول ﷺ المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوين: أن الله سبحانه على العرش، وأنه فوق السماء] .
[ ٤ / ٤ ]
دلالة الفطرة وإجماع الأمم على علو الله تعالى
قال: [كما فطر الله على ذلك جميع الأمم عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته] .
فما ذكره الشيخ من الآثار دل على ما تقدم من أن النبي ﷺ قد بين هذا المقام بيانا عظيمًا وهو استواء الله جل وعلا على عرشه وعلوه على خلقه، فعلو الله جل وعلا واستواؤه على عرشه جاء متواترًا لفظًا ومعنى، وهذا يورث (علمًا يقينيًا من أبلغ العلوم الضرورية) يعنى: من آكدها؛ أنه ﷾ مستو على عرشه وأنه عال على خلقه، وأن الرسول ﷺ قد بلغ أمته علو الله جل وعلا على خلقه، وأنه سبحانه على عرشه.
ثم بعد أن فرغ من ذكر الأدلة على علو الله ﷿الأدلة السمعية من الكتاب والسنة- ذكر الدليل الثالث الدال على علو الله جل وعلا، وهو دليل الفطرة، فقال: (كما فطر الله على ذلك) أي: على علوه ﷾ وأنه بائن من خلقه؛ فطر على ذلك (جميع الأمم: عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام)، ولذلك فعلو الله جل وعلا مما أجمعت عليه الأمم، على اختلاف عصورها وعقائدها، ولذلك كان إنكاره من أمحل المحال، والمعارضة فيه من أكبر ما حصل من التناقض عند المتكلمين، لذلك تخبطوا فيه تخبطًا بينًا كما سيتبين لنا إن شاء الله في عرض مذاهبهم.
ثم قال: (إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته)، وهذا استثناء، ولكن هذا الاستثناء القليل باعتبار الجمع الغفير من الخلق لا يعد خارقًا للإجماع؛ لأنه حصل بعد استقرار فطرة الخلق على علو الله جل وعلا، وما طرأ من خلاف بعد الإجماع لا يعد مخالفًا أو معارضًا للإجماع.
[ ٤ / ٥ ]
إجماع السلف على علو الله تعالى واستوائه على عرشه
قال: [ثم عن السلف]، وهذا إجماع أخص من الإجماع السابق؛ فبعد أن ذكر إجماع الأمم ذكر إجماع السلف -خصوصًا وهم خير القرون وخير الخلق بعد النبيين- على أن الله ﷾ عال على العرش.
قال ﵀: [ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو ألوفًا، ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ولا عن واحد من سلف الأمة -لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف- حرفٌ واحد يخالف ذلك لا نصًا ولا ظاهرًا] .
بعد أن ذكر إجماع السلف قال: إنه لم ينقل عن أحد من السلف ﵏ حرف واحد يخالف هذا، وانظر حيث قال: (ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ولا عن واحد من سلف الأمة لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان) أي: كل هؤلاء لم ينقل عنهم مخالف في هذا ولا في حرف واحد.
ثم قال: (ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك)، فقيد ذلك بأن الأئمة أدركوا زمن الأهواء والاختلاف؛ ليجيب على شبهة عند المتكلمين حيث قالوا: إن السلف لم يتكلموا بهذا؛ لأن المسألة لم تطرأ في عصرهم وهي مستقرة عندهم فأراد أن يبين خطأهم في ذلك.
وقوله: (إن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف لم ينقل عنهم حرف واحد يخالف ذلك) يعني: يخالف تقرير علو الله ﷿ (لا نصًا ولا ظاهرًا)، أي: لا بالنص ولا بدلالة الظاهر، فدل ذلك على أنهم ﵏ مُطبقون على الإقرار بعلو الله جل وعلا.
ثم قال: [ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا أنه ليس على العرش، ولا أنه بذاته في كل مكان، ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا أنه لا متصل ولا منفصل، ولا أنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها] .
[ ٤ / ٦ ]
أقسام الجهمية
بعد أن ذكر الشيخ ﵀ عقيدة السلف ذكر أنه لم ينقل عنهم حرف في ذلك يخالف النصوص ولم يقل أحد منهم قط بخلاف ذلك، ثم حكى أقوال المبتدعة المتكلمين في مسألة العلو فقال: (لم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء) كما تقوله الجهمية، واعلم أن هذه الأقوال في مجموعها ترجع إلى قولين صدرا عن الجهمية، الذين هم أصل الضلال في باب الأسماء والصفات، وفيما يتعلق بالله ﷿ مما يجب له من التعظيم والإجلال.
هؤلاء الجهمية انقسموا إلى قسمين:جهمية معطلة، وجهمية حلولية.
الجهمية المعطلة: ساروا على قاعدتهم في نفي صفات الله ﷿، حيث إنهم أخلوا الله جل وعلا عن أسمائه وصفاته التي أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله ﷺ، وهؤلاء هم الذين قالوا: إن الله ليس في السماء وإنه ليس على العرش، ومن أقوالهم أيضًا: (إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، وإنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع) .
وأما القسم الثاني وهم الجهمية الحلولية: فقالوا: إن الله في كل مكان، ولذلك حكى قولهم في قوله: (ولا أنه بذاته في كل مكان)، وهذا يناقض القول الأول، والسبب في هذا كما يشير بعض الباحثين، أن الجهمية في أول أمرهم كانوا حلولية، ثم لما اطلعوا على ما كتبه اليونان وما ذكره الفلاسفة من وجود شيء مجرد لا داخل العالم ولا خارجه انتقلوا إليه عن مقولتهم الأولى، ولذلك ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن الجهمية عندهم انفصام، فتجدهم في مسألة البحث والنظر يقولون: إن الله - جل وعلا تعالى عما يقولون - ليس داخل العالم أو خارجه، ولا هو متصل ولا منفصل، وإنه ليس فوق السماء، وإنه ليس على العرش.
هذا من جهة البحث والنظر، أما من جهة التعبد فإنهم يقولون: إن الله ﷾ في كل مكان، وبرّر هذا القول وبين علته فقال: إنهم في البحث والنظر لا يحتاجون إلى إثبات شيء، فلو توصلوا إلى إثبات العدم الذي وصفوه بأنه هو الله لم يكن ذلك محرجًا لهم، لكن في العبادة لابد من التوجه إلى معبود مقصود ولذلك قالوا: إنه موجود في كل مكان.
وعن هؤلاء الجهمية المعطلة والجهمية الحلولية أخذت الفرق الكلامية عقيدتها في باب علو الله ﷿، فالمعتزلة والأشاعرة والكلابية أتباع للجهمية في هذا الباب فلم يأتوا بمزيد، وإنما انقسموا في المسألة على هذين القولين: قول الجهمية المعطلة وقول الجهمية الحلولية.
وأما قولهم: إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع، فهذا تتفق عليه كل الفرق الكلامية، وقد أبطله الشيخ ﵀ بما استدل به من ثبوت ذلك عن النبي ﷺ حيث قال: [بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات، في أعظم مجمع حضره الرسول ﷺ؛ جعل يقول: (ألا هل بلغت؟ فيقولون: نعم! فيرفع إصبعه إلى السماء وينكبها إليهم ويقول: اللهم اشهد) غير مرة، وأمثال ذلك كثير] .
[ ٤ / ٧ ]
ما يلزم على قول المتكلمين من الطعن على الوحي والسلف
ثم قال ﵀: [فإن كان الحق فيما يقول هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في الكتاب والسنة من هذه العبارات ونحوها، دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصًا وإما ظاهرًا، فكيف يجوز على الله تعالى ثم على رسوله ﷺ ثم على أخير الأمة؛ أنهم يتكلمون دائمًا بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق؟! ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط! ولا يدلون عليه لا نصًا ولا ظاهرا! حتى يجيء أنباط الفرس والروم وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة، يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها!! لئن كل ما يقوله هؤلاء المتكلمون والمتكلفون هو الاعتقاد الواجب -وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصًا أو ظاهرًا- لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير، بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين] .
لماذا؟ لأن ظاهر الكتاب والسنة سيكون دالًا على خلاف ما يجب أن يعتقد في الله ﷾، في حين أن العقول والأقيسة هي التي دلت على الله ﷾ الدلالة الصحيحة، وعلى هذا هل يكون الكتاب والسنة قد زاد الناس هدى وبصيرة في ربهم أم أنه زادهم ضلالًا وحيرة في ربهم؟! لازم قول المتكلمين: أن يكون الكتاب والسنة زادهم حيرة وضلالة؛ لأنه لم يدلهم على الحق ولا على ما يجب في باب أسماء الله وصفاته، وهذا كذب وضلال، ومن أعظم التهمة لله جل وعلا ولرسوله ﷺ.
[ ٤ / ٨ ]
حقيقة قول المتكلمين النهي عن الاهتداء بالقرآن والسنة
ثم قال ﵀: [فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء: إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله ﷿ وما يستحقه من الصفات نفيًا وإثباتًا؛ لا من الكتاب ولا من السنة ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقًا له من الصفات فصفوه به سواء كان موجودًا في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقًا له في عقولكم فلا تصفوه به!!] .
أي أن حقيقة أمر هؤلاء أن المرجع في إثبات ما يجب لله ﷿ وفي نفي ما يمتنع عليه ﷾ هو العقل، وأما الكتاب والسنة فلا حاجة إليهما! ولذلك من تأمل ما وصلت إليه مقدماتهم: علم خطورة بدعتهم وأنها كفر كما قال الشيخ ﵀، فهي من أعظم الطرق الموصلة إلى الكفر بالله ورسوله.
[ ٤ / ٩ ]
مآل المتكلمين إلى تحكيم العقل في نفي وتأويل ما لا يراه موافقًا له من النصوص
ثم هؤلاء الذين اعتمدوا على عقولهم انقسموا إلى فريقين، في طريقة إثبات ما يجب لله ﷾ ويشير إليهما الشيخ في قوله: [ثم هم هاهنا فريقان: أكثرهم يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه.
ومنهم من يقول: بل توقفوا فيه، وما نفاه قياس عقولكم -الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون اختلافًا أكثر من أي اختلاف على وجه الأرض- فانفوه، وإليه عند التنازع فارجعوا، فإنه الحق الذي تعبدتم به، وما كان مذكورًا في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا أو يثبت ما لم تدركه عقولكم -على طريقة أكثرهم- فاعلموا أني أمتحنكم -لا لتعلموا- بتنزيله، لا لتأخذوا الهدى منه: لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة، ووحشي الألفاظ وغرائب الكلام، أو أن تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله، مع نفي دلالته على شيء من الصفات، هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين] .
لخص الشيخ ﵀ في هذا المقطع حقيقة أمرهم في النصوص وكأنه يقول: إن الله ﷾ أمرهم في باب الأسماء والصفات أن يرجعوا إلى عقولهم، فينظروا إلى ما أثبتته العقول فيثبتوه، وما لم تثبته العقول فينفوه؛ هذا هو الطريق الأول؛ فما أثبتته العقول أثبتوه جميعًا، وما لم تثبته العقول افترقوا فيه إلى فريقين: فريق نفاة وفريق توقفوا، وهذا مجمل طريقهم، وهو في الحقيقة طريق التعطيل والتفويض، وسيأتينا في كلام الشيخ أن الناس انقسموا في باب ما أخبر الله ﷾ به عن نفسه من الأسماء والصفات إلى طرق، طريق التجهيل وطريق التأويل وطريق التخييل.
الطريق الأول طريق التأويل: وهو صرف الألفاظ عن ظاهرها لغير مقتضي، وهو طريق المتكلمين.
الطريق الثاني: طريق التجهيل: وهؤلاء هم المفوضة الذين قالوا: إن الله خاطب الناس بألفاظ لا حقيقة لها ولا معاني لها، أو أن معانيها غير معلومة.
الطريق الثالث: وهو طريق التخييل: وهم الفلاسفة الذين قالوا: إن الله أخبر بخيالات؛ ليجذب الناس ويحملهم على العبادة مع أنه لا حقيقة، حتى تعدى أمرهم إلى إنكار البعث وقالوا: إنه لا بعث وإنما أخبرت الرسل بذلك؛ حتى يحملوا الناس على فعل الخير وعلى ترك الشر.
وقد يشير الشيخ ﵀ فيما يأتي إلى هذه الطرق.
والطريق الرابع: هو طريق السلف: وسيذكره الشيخ ﵀ في الفصل القادم؛ وهو أن يقف المؤمن في هذا الباب على ما ذكره الله ﷾ عن نفسه، أو أخبر به رسوله ﷺ عنه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف.
[ ٤ / ١٠ ]
إلزام المتكلمين على قواعدهم التحاكم إلى الجاهلية
ثم قال ﵀: [وهذا الكلام قد رأيته صرح بمعناه طائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزومًا لا محيد عنه، ومضمونه: أن كتاب الله لا يُهتدى به في معرفة الله، وأن الرسول معزولٌ عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله، وأن الناس عند التنازع لا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء، كالبراهمة والفلاسفة -وهم المشركون- والمجوس وبعض الصابئين، وإن كان هذا الرد لا يزيد الأمر إلا شدة ولا يرتفع الخلاف به، إذ لكل فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا إليهم، وقد أمروا أن يكفروا بهم] .
الطواغيت: جمع طاغوت، وهو ما يطغى به الإنسان عن الحق زيادة أو نقصًا، ويشير هنا إلى القواعد التي قرروها، والشبه الكبار التي أصلوها، فتجد أحدهم يقول: لا نثبت هذا لله وهذا محال عليه عقلًا، والآخر يقول: هذا واجب له عقلًا.
وسر الاختلاف بين هذا وهذا أن كلًا منهم نصب عقله حاكمًا فيما يجب لله، وما يجب أن تصرف إليه النصوص، وهذا لا يوصلهم إلا إلى عطب واختلاف وتنازع، إذ إن العقول مختلفة، ولذلك سينقل الشيخ ﵀ عن سلف الأمة ما يبين أن اعتماد العقل في باب إثبات الأسماء والصفات منهج ضال، إذ بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟! فهو يشير في قوله: (الطواغيت) إلى الشبه والأصول التي أصلتها كل فرقة من هذه الفرق.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.
[ ٤ / ١١ ]