ما معنى استواء الله على عرشه؟
لا يجوز السؤال عن كيفية «الاستواء»، ويجوز السؤال عن معناه
تخريج الأثر المنقول عن الإمام مالك في ذلك (حاشية)
«الاستواء» معلوم المعنى في لغة العرب
قال الناظمُ ﵀:
١٩ - قَالُوا: فَمَا مَعْنَى اسْتِوَاه؟ أَبِنْ لَنَا … فَأَجَبْتُهُمْ: هَذَا سُؤالُ المُعْتَدِيْ
قوله: «قَالُوا: فَمَا مَعْنَى اسْتِوَاه؟» أي: ما معنى أن الله استوى على العرش؟ «أَبِنْ لنا»، أي: وَضِّح لنا وبَيِّن.
وقوله: «فَأَجَبْتُهُمْ: هَذَا سُؤالُ المُعْتَدِي»، هذا الجواب يتضمن رفض الجواب ورفض السؤال، ومضمونه أن معنى الاستواء غير معلوم.
فقوله: «هَذَا سُؤالُ المُعْتَدِيْ»، أي: هذا سؤال المتعدي في سؤاله؛ لأن السؤال عن كيفية الاستواء لا يجوز، ولذا قال الإمام مالك في رَدِّهِ على من قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ كيف استوى؟ قال: (السؤال عنه بدعة) (^١).
وأما السؤال عن معنى الاستواء فلا حرج فيه، وليس هو من الاعتداء في السؤال، ولذا قال الإمام مالك ﵀ في جوابه السابق: (الاستواءُ معلومٌ) يعني: أن الاستواء معلومٌ معناه؛ لأنه لفظٌ معروفُ المعنى في اللغة العربية، والقرآنُ نَزَلَ بلسانٍ عربيّ، والله خاطبَ عبادَه باللسانِ
_________________
(١) هذا الأثر مشهورٌ وثابتٌ عن الإمام مالك ﵀، فقد رواه الدارمي في «الرد على الجهمية» (ص ٦٦)، واللالَكَائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٣/ ٤٤١) رقم (٦٦٤)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٦/ ٣٢٥)، والأصبهاني في «الحجة في بيان المحجَّة» (٢/ ١٠٦ و٢٥٧)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٣٠٤ - ٣٦٠) رقم (٨٦٦ و٨٦٧)، والبغوي في «شرح السنة» (١/ ١٧١)، وغيرهم كثير.
[ ٦٨ ]
انتقاد الشارح لجواب الناظم؛ لما فيه من شبهة التفويض
المأثور عن السلف في تفسير معاني «الاستواء»
الذي يعرفونه كما قال ﷿: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِين (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِين (١٩٥)﴾ [الشعراء].
وهذا البيت يمكن أن يؤخذ منه أن الناظمَ ﵀ يذهب في إثبات الاستواء إلى القول بالتفويض، فهو يثبت الاستواء، ولكنه لا يُثبْتُ له معنى معلومًا؛ بل اعتبر السؤال عن المعنى من الاعتداء في السؤال، وهذا مذهب أهل التفويض، فإنهم يقولون: إن نصوص الصفات ليس لها معنى مفهوم، بل يجب إجراؤها على ظاهرها ألفاظًا من غير فهمٍ لها.
والناظمُ ﵀ في البيت السابق ينفي الحلول، وفي هذا البيت يثبت الاستواء، ولكن المؤسف أنه يمتنع عن تفسير الاستواء، ويقدح في السؤال عن معناه، فهو إذًا يُثْبِتُ لفظ النَّص ويقول: نعم، إن الله ﷾ مستوٍ على العرش، ولكن من غير تفسيرٍ لذلك؛ لأنه قال لمن سأله عن معنى استواء الله: «فأجبتهم: هذا سؤال المعتدي».
فيظهر من هذا أنه يثبت الاستواء ولكن لا يُفَسِّرُه بشيءٍ، هذا هو مُحَصَّلُ الجواب، فكأنه يقول: نعم، الواجب أن نقول: إن الله مستوٍ على العرش كما أخبر ﷾، ولكن لا ندري ما معنى استوى، ولا يجوز أن نسأل عن معنى استوى، وهذا غلطٌ، فإنَّه بهذا لا يكون مُثْبِتًا للاستواء على حقيقته، فهو أثبت النصَّ القرآني من غير فهمٍ لمعناه، ومن لم يفهم المعنى فإنه لا يمكن له أن يثبت حقيقة ذلك اللفظ، فهو لم يثبت لله معنى مفهومًا يَصِفُ اللهَ به، بل يقول: الله تعالى استوى على العرش كما أَخْبرَ ولا ندري ما معناه، وهذا خلاف المأثور عن السلف، فقد
[ ٦٩ ]