البرهان العقلي على أن أفعال العباد مخلوقة لله ﷿، وأنها واقعة بإرادته
فقال ﵀: «قَالُوا: فَهَلْ فِعْلُ القَبِيحِ مُرَادُه؟» يعني: أنَّ أفعال العباد منها الحسن ومنها القبيح، ومنها الطاعات والأعمال الصالحات، ومنها الكفر والفسوق والعصيان، فهل إذا قلتَ: إنَّ أفعالَ العباد كلَّها مخلوقةٌ لله ﷿، هل معنى هذا أنَّ الله يريد الكفر من الكافر والمعصية من العاصي؟
فالمعتزلة القائلون بأن أفعال العباد غير مخلوقة لله يوردون هذا الإيراد على مَنْ خالفهم بأنَّه يلزم من القول بأنَّ أفعالَ العبادِ مخلوقةٌ لله أنَّ يكون اللهُ مريدًا للقبيح، فاعلًا له، فإنَّ أفعالَ العِبَادِ فيها الحَسَن والقبيح، والخير والشر.
فالناظم ﵀ يجيب عن هذا الإيراد بقوله: «قُلتُ: الإِرَادَةُ كُلُّهَا لِلسَّيِّدِ» أي: الإرادةُ كلُّها لله ﷿، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون في مُلْكِهِ ما لا يريد، فالكفر والمعاصي الواقعةُ في الوجودِ هي واقعةٌ بمشيئةِ الله وحكمَتِهِ وبإرادَتِهِ الكونيَّة، فالخير والشر كلُّه بمشيئة الله وبإرادته الكونية، خلافًا للمعتزلة الذين يقولون: إن أفعال العباد غير مرادة لله، ويعترضون بأن ذلك يستلزم أن يكون الله مريدًا للقبيح من أفعال العباد.
قال الناظمُ ﵀:
٢٩ - لَو لم يُرِدْهُ وَكَانَ كَانَ نَقِيصَةً (^١) … سُبْحَانَه عَنْ أَنْ يُعَجِّزَهُ الرَّدِي
قوله ﵀: «لَو لم يُرِدْهُ وَكَانَ …»، هذا تتِمَّةٌ للجواب السابق، وكأنَّه يُبَرْهِنُ على جوابِه السابق فيذكر دليلًا عقليًّا على أنَّ إرادةَ الله ومشيئتَه
_________________
(١) ورد هذا الشطر في بعض النسخ هكذا: (لَو لم يُرِدْهُ لكَانَ ذَاكَ نَقِيصَةً).
[ ١٠٣ ]
القول بأن فعل المعصية غير مراد لله ﷿ يلزم منه تنقص الرب وتعجيزه
الآيات الدالة على أن الكفر والمعاصي الواقعة في الوجود واقعة بمشيئة الله وإرادته
مناظرة بين عبد الجبار الهمذاني المعتزلي وأبي إسحاق الإسفرائيني
شاملةٌ لكلِّ ما في الوجود، فكلُّ ما في الوجود فهو بمشيئتِه سبحانه، فلا يكون إلا ما يريد، ولا يكون في السماوات والأرض من حركةٍ ولا سكونٍ إلا بمشيئتِه سبحانه وإرادتِه، فالإرادةُ كلُّها للسيِّدِ.
فقوله: «لَو لم يُرِدْهُ وَكَانَ كَانَ نَقِيصَةً» أي: إنَّ الله ﷿ لو لم يُرِد ما يَقَعُ في الوجود من القبائح من كفرٍ ومعاصٍ ونحوِ ذلك، ثم كانت ووُجِدَتْ لكان ذلك نقصًا في قدرته سبحانه، إذ كيف يقع في ملكه شيئًا لم يُرِدْه؟ وكيف يقع شيءٌ بخلاف مرادِهِ سبحانَه؟
فالقول بهذا يلزم منه تَنَقُّصُ الرَّبِّ وتَعْجِيزُه، فمضمون قولِ القَدَرِيَّة أنَّ الكافرَ شاءَ الكفرَ وأنَّ العاصي شاء المعصية، والله تعالى شاء منهما الإيمان والطاعة، فوقع مرادُهما دون مرادِ الله ﷿، وهذا مذهبٌ باطلٌ شرعًا وعقلًا؛ لأنَّه يتضمن تعجيز الرَّبِّ، وأنَّه يكونُ في ملكِه ما لا يريد، والله ﷿ قد أكذبهم في غير ما آيةٍ من كتابِه الكريم، من ذلك قوله تعالى: ﴿… وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد (٢٥٣)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون (١١٢)﴾ [الأنعام]، وقال ﷿: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣].
وقد وَرَدَ أنَّ القاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي دخل على أبي إسحاق الإسفرائيني، فقال عبد الجبار: (سبحان من تَنَزَّه عن الفحشاء)،
[ ١٠٤ ]
وهذا كلامٌ طَيِّبٌ في ظاهره، لكنَّه يرمز به إلى شيءٍ من مذهبه، فهو يريد أن يعترض به على من يُثْبِتُ القَدَرَ، فقوله: (سبحان من تَنَزَّهَ عن الفحشاء)، يعني: سبحان من تَنَزَّه عن أن يريد الكفر والمعاصي، ففهم أبو إسحاق الإسفرائيني مغزاه، فأجابه على الفور قائلًا: (سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء) (^١).
فمَن قال: إنَّ الله تعالى لم يشأ الكفر والمعاصي، فإنَّ ذلك مقتضاه أنَّ الله عاجزٌ، وأنَّه يكون في ملكه ما لا يشاء، وعند المعتزلة حتى الطاعات لم تقع بمشيئته سبحانه؛ لأنَّ أفعالَ العباد - عندهم - طاعتَهم ومعصيتَهم كلَّها واقعةٌ بِمَحْضِ مشيئتِهم وقدرتِهم دون مشيئة الله تعالى وقدرته.
فأشار الناظم ﵀ في هذا البيت إلى البرهان العقلي على أنَّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله ﷿، وواقعةٌ بإرادتِه، أفعالُهم كلُّها، طاعتُهم
_________________
(١) ينظر: «تفسير الرازي» (٢١/ ٦٠)، و«طبقات الشافعية الكبرى» للسبكي (٤/ ٢٦١)، وهذا نصُّها كما أوردها العلَّامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في كتابه «أضواء البيان» (٧/ ٩٧) وهي: أن القاضي عبد الجبار قال: «سبحان من تَنَزَّه عن الفحشاء»، يعني أن السرقة والزنا ليسا بمشيئة الله؛ لأنَّه في زعمه أَنْزَهُ من أن تكون هذه الرذائل بمشيئته. فقال أبو إسحاق: «كلمةُ حقٍّ أُرِيدَ بها باطلٌ»، ثم قال: «سبحان مَنْ لم يَقَع في مُلْكِهِ إلا ما يشاء». فقال عبد الجبار: «أَتُرَاهُ يشاؤُهُ ويعاقبني عليه؟!». فقال أبو إسحاق: «أتُرَاك تفعله جَبْرًا عليه، أأنت الرَبُّ وهو العبدُ؟». فقال عبد الجبار: «أرأيتَ إن دعاني إلى الهدى وقضى عليَّ بالرَّدَى، دعاني وسدَّ الباب دوني، أتراه أحسن أم أساء؟». فقال أبو إسحاق: «أرى أنَّ هذا الذي منعك إن كان حقًّا واجبًا لك عليه فقد ظلمك وقد أساء، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، وإن كان ملكه المحض فإن أعطاك ففضلٌ، وإن منعك فعدلٌ». فبُهِتَ عبدُ الجبَّار، وقال الحاضرون: والله ما لهذا جوابٌ.
[ ١٠٥ ]