إثبات صفة «العلم» لله ﷿
من الأصول الفاسدة التي بنى عليها المعتزلة مذهبهم: إثبات الأسماء ونفي ما تدل عليه من المعاني
كل اسم من أسماء الله تعالى متضمن لصفة من صفاته سبحانه
قاعدة: أسماء الله ﷿ تدل على ذات الله وعلى صفته بالمطابقة، وعلى أحدهما بالتضمن، وعلى ما يستلزمه هذا الوصف بطريق اللزوم
أقسام الدلالة اللفظية الوضعية (حاشية)
قال الناظمُ ﵀:
٢٣ - قَالُوا: فَهَلْ لله عِلْمٌ؟ قُلْتُ: مَا … مِنْ عَالِمٍ إِلَّا بِعِلْمٍ مُرْتَدِ
قوله: «قَالُوا: فَهَلْ لله عِلْمٌ؟» يعني: هل يوصف الله ﷿ بالعلم؟ فهل يُقال: عِلْمُ الله، كما يقال: حياتُه وسمعُه وبصرُه؟.
فأجاب الناظم ﵀ بقوله: «قُلْتُ: مَا مِنْ عَالِمٍ إِلَّا بِعِلْمٍ مُرْتَدِ» يعني: كلُّ مَنْ قيل عنه: إنَّه «عالِمٌ» فلا بد أن يكون العِلْمُ صفةً له، خلافًا للمعتزلة الذين يقولون: عليمٌ بلا علمٍ، سميعٌ بلا سمعٍ، بصيرٌ بلا بصرٍ، وهذا بناءً على أصلهم الفاسد في إثبات الأسماء ونفي الصفات، فلما كان أصلُ مذهبهم نفي صفات الباري ﷾ وإثبات الأسماء أثبتوا الأسماء ونفوا ما تدل عليه من المعاني.
ففي هذا البيت رَدٌّ لمذهبِ المعتزلة، وتحقيقٌ للمذهب الحق في أن أسماءه تعالى متضمنةٌ للصفات، فكلُّ اسمٍ متضمِنٌ لصفةٍ، فكل اسمٍ من أسماء الله ﷿ يدل على ذات الله وعلى صفته بالمطابقة، وعلى أحدهما بالتضمُّن، وعلى ما يستلزمه هذا الوصف بطريق اللزوم (^١).
_________________
(١) = ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوصُ الصحيحةُ على نفيهِ أدلُّ، كما في صحيحِ مسلمٍ عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ: هل رأيتَ ربَّك؟ فقال: «نورٌ أنَّى أَرَاهُ»).
(٢) تنقسم الدلالة اللفظية الوضعية إلى ثلاثة أقسام:
(٣) دلالة المطابقة: وهي دلالة اللفظ على كمال المعنى الذي وضع له.
(٤) دلالة التضمن: وهي دلالة اللفظ على جزء المعنى الموضوع له.
(٥) دلالة الالتزام: وهي دلالة اللفظ على أمرٍ خارجٍ عنه لازمٍ لمعناه لزومًا ذهنيًا. =
[ ٨٥ ]
أسماء الله ﷿ مترادفة في دلالتها على الذات، ومتباينة في دلالتها على الصفات
أسماء الله ﷿ ليست أعلاما محضة، وإنما هي أعلام وصفات
فاسمه «العليم» مثلًا يدل على ذات الله، وعلى صفة العلم بالمطابقة، وعلى أحدهما بالتضمن، ويدل على صفة «الحياة» بطريق اللزوم؛ لأنَّ العلمَ مستلزم للحياة.
وعلى هذا فتكون أسماء الله مترادفةً في دلالتها على الذات، فتقول: «العليم» هو العزيز، وهو الحكيم، وهو القدير؛ لأنَّ المسمَّى بها واحدٌ.
ومتباينةً في دلالتها على الصفات، فيصح أن تقول: العليمُ غير الحكيم، والعزيزُ غير القدير، والسميعُ غير البصير، وذلك بالنظر إلى اختلاف معاني هذه الأسماء.
وقوله: «مَا مِنْ عَالِمٍ إِلَّا بِعِلْمٍ مُرْتَدِ» «مُرْتَدِ» كأنَّه أخذها من الرِّدَاء، أي: متصِفٌ بالعلمِ، فالعلمُ صفةٌ قائِمَةٌ بالله ﷿، فلا يُعقَل أن يوجد عالِمٌ بلا علمٍ، فكل مَنْ وُصِف بأنه عالِمٌ أو عليمٌ فلا بد وأن يكون العلمُ صفةً له قائمة به.
وبهذا يُعلم أن أسماء الله ﷿ ليست أعلامًا محضةً، كما هو مقتضى قول المعتزلة من أن أسماء الله أعلامٌ محضةٌ لا تدل على معانٍ، بل الصحيح أنها أعلامٌ وصفاتٌ، ف «الرحمن» عَلَمٌ على الرَّبِّ، وهو أيضًا صفةٌ له ﷾.
_________________
(١) = ينظر تفصيل ذلك في: «شرح السُّلَّم المُنَوْرَق» للأَخْضَرِي (ص ٢٥ - ٢٦)، و«المنطق المفيد» للبَهْنَسِي (١/ ١٣ - ١٤)، و«آداب البحث والمناظرة» للشنقيطي (ص ٢٠).
[ ٨٦ ]
أسماء الرسول ﷺ أعلام وصفات، وأما أسماء سائر الناس فهي أعلام فقط
معنى اسمه ﷺ: «محمد» و«أحمد»
التحقيق أن اسم «الله» مشتق وليس بجامد، وبيان وجه اشتقاقه
ونظير هذا أسماء الرسول ﷺ فإنها أعلامٌ وصفاتٌ، فاسمه ﷺ «محمَّد» ليس كاسم «محمَّد» من سائر الناس، فأسماء الناس هي أعلامٌ فقط، لا تدل على صفة، أما اسم الرسول ﷺ «محمَّد» فإنَّه عَلَمٌ على شخصه ﷺ، ودالٌّ على كثرة محامِدِه وكثرة ما يُحمد، ف «محمَّد» اسمٌ مفعولٌ من حُمِّد، وهكذا اسمه «أحمد» هو أفعل تفضيل من الحمد، فهو ﷺ أحمدُ من غيره؛ أي: أكثر حمدًا لله ﷿ من غيره، وأكثر من غيره حَمْدًا، يعني: حَظُّهُ من حَمْدِ النَّاس له أكثر من غيرِهِ.
فاسمه «أحمد» قيل: إنَّه مشتقٌّ من حُمِد، وقيل: مشتقٌّ من حَمِد، وكلا المعنيين صحيحٌ في حقِّه ﷺ (^١).
وهكذا أسماؤه الأخرى كلُّها تدلُّ على معانٍ: البشيرُ النذيرُ، السراجُ المنيرُ، وغيرها من الأسماء، وقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ قال: «إِنَّ لي أَسْمَاءً أنا مُحَمَّدٌ، وأنا أَحْمَدُ، وأنا الْمَاحِي الذي يَمْحُو الله بِيَ الْكُفْرَ، وأنا الْحَاشِرُ الذي يُحْشَرُ الناس على قَدَمِي، وأنا الْعَاقِبُ الذي ليس بَعْدَهُ أَحَدٌ» (^٢)، وهذا يدل على أنَّ أسماءه ﷺ هي أعلامٌ وصفاتٌ أيضًا.
وكذلك أسماءُ الرَّب ﷾ ليس شيءٌ منها عَلَمًا محضًا لا يدل على معنى، بل هي أعلامٌ وصفاتٌ، حتى اسمه «الله» الذي هو أخص أسمائه به ﷾، هو عَلَمٌ وصفةٌ، والتحقيق أن هذا الاسم مشتقٌّ
_________________
(١) ينظر: «جلاء الأفهام» لابن القيم (ص ٢٧٧ وما بعدها)، فقد أطال الكلام على هذه المسألة بكلامٍ جميلٍ.
(٢) متفقٌ عليه من حديث جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ ﵁، أخرجه البخاري (٣٣٣٩)، ومسلم (٢٣٥٤).
[ ٨٧ ]