ذكر الخليفة الرابع علي بن أبي طالب ﵁
وقوله: «وَمَنْ دُعِي في النَّاسِ: ذَا النُّورَينِ» هذا لقبٌ مشهورٌ لعثمان ﵁، ويَرِدُ على لسانِ كثيرٍ من أهلِ العلم والمؤرخين، فهو معروفٌ ب «ذي النُّورَين»، قيل: إنه لُقِّبَ بهذا لزواجه من ابنتين من بنات النبي ﷺ.
وهذا اللَّقب ليس مأثورًا عن النبيِّ ﷺ، ولا عن أحدٍ من الصحابة ﵃، لكنَّه مما عُرِفَ به عند كثيرٍ من المؤرِّخين وأهلِ العلمِ، واشتَهَرَ إطلاقُه عليه.
وقوله: «صِهْرَ مُحَمَّدِ» قد سبق الكلامُ على هذه المصاهرة في البيت السابق.
فالمقصود أنَّ الناظمَ ﵀ أثنى على عثمانَ ﵁ هذا الثناء العاطر، ونَعَتَهُ بهذه الأوصاف، وهو أهلٌ لذلك ﵁ وأرضاه.
قال الناظمُ ﵀:
٣٨ - قَالُوا: فَرَابِعُهُمْ؟ فَقُلتُ مُبَادِرًا: … مَنْ حَازَ دُونَهُمُ أُخُوَّةَ أَحْمَدِ
يقول الناظمُ ﵀ مبيِّنًا مراتبَ الخلفاءِ الرَّاشِدِين: «قَالُوا: فَرَابِعُهُمْ؟» يعني: بعدما ذكرتَ الخلفاء الثلاثة: أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ ﵃، فمَن يكون رابعهم إذن؟
وقوله: «فَقُلْتُ مُبَادِرًا» يعني: قلتُ مُسَارِعًا إلى الجواب دون توقُّفٍ ولا تردُّدٍ؛ وذلك لأنَّ المسألةَ واضحةٌ، والحقَّ فيها بيِّنٌ، ورابعُ الخلفاءِ معروفٌ ومعيَّنٌ، وهو عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁.
[ ١٢١ ]
أحاديث مؤاخاة النبي ﷺ لعلي ﵁ كلها موضوعة
وقوله: «مَنْ حَازَ دُونَهُمُ أُخُوَّةَ أَحْمَدِ» يعني: أُخُوَّةَ النبيِّ ﷺ، والمؤمنونَ كلُّهُم إِخوة، وأصحابُ النبيِّ ﷺ هم إِخوَتُه وأصحابُهُ، ولكن مَنْ قال له الرسول ﷺ: «أَنْتَ أَخِي» فله في هذه الإضافة فضيلةٌ على غيرِه، كما قال ﷾ في شأنِ أبي بكرٍ ﵁ يومَ كان مع النبي ﷺ في الغار: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ [التوبة: ٤٠]، فنصَّ ﷾ على أنَّ أبا بكرٍ ﵁ صاحبٌ للنبي ﷺ، مع أنَّ صفَةَ «الصُّحْبَة» مشتَرَكةٌ بين عمومِ الصَّحَابةِ ﵃، لكن خُصَّ أبا بكرٍ ﵁ بالنصِّ عليه من الله ﷿ ومن النبي ﷺ بأنه صاحبُه، وقد قال فيه النبي ﷺ: «هل أنتم تَارِكُوا لي صَاحِبِي» (^١)، وهكذا عليٌّ ﵁ جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذيُّ وقال عنه: (حسنٌ غريبٌ) أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: «أنت أخي في الدُّنيا والآخِرَة» (^٢)، لكن الحديث ضعَّفه أهلُ العلم، ومنهم: شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّة في «منهاج السنة»، والحافظُ العراقيُّ في «تخريج أحاديث الإحياء» وغيرُهما، بل قال شيخ الإسلام: (أحاديثُ المؤاخَاة لعليٍّ ﵁ كلُّها موضوعة، والنبيُّ ﷺ لم يؤاخِ
_________________
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٣٤٦١) و(٤٣٦٤)، من حديث أبي الدرداء ﵁.
(٢) أخرجه الترمذي في «جامعه» (٣٧٢٠) من حديث ابن عُمَرَ ﵄ أنه قال: آخَى رسول الله ﷺ بين أَصْحَابِهِ فَجَاءَ عَلِيٌّ تَدْمَعُ عَيْنَاهُ فقال: يا رَسُولَ اللهِ آخَيْتَ بين أَصْحَابِكَ ولم تُؤَاخِ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ، فقال له رسول الله ﷺ: «أنت أَخِي في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ»، قال الترمذي: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. قلت: هو حديثٌ ضعيفٌ، في إسناده جُمَيْع بنُ عُمَيْر ضعفه غير واحد، بل رماه بعضهم بالكذب، ولذا قال عنه الذهبي في «الكاشف»: (واهٍ).
[ ١٢٢ ]
مسألة المفاضلة بين علي وعثمان ﵄ من المسائل التي وقع فيها خلاف بين السلف قديما، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان ﵁
أحدًا …) (^١)، وقال العراقيُّ: (كلُّ ما ورد في أُخوَّتِه ﵁ فضعيفٌ لا يصحُّ منه شيءٌ) (^٢).
فيحتمل أنَّ الناظمَ ﵀ يشير إلى هذا الحديث للتصريح فيه بأُخوَّة عليٍّ ﵁ للنبيِّ ﷺ في الدُّنيا والآخرة، ويحتمل أيضًا - ولعله الأقرب - أنه يشير إلى قول النبيِّ ﷺ لما استخلف عليًّا ﵁ على المدينة في غزوة تبوك وشق عليه ذلك قال له ﷺ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنزِلةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» (^٣)، وهارون هو أخو موسى ﵉، وحملُ كلام النَّاظم ﵀ على هذا لعله أَسَدُّ؛ لأنَّ هذا الحديثَ صحيحٌ بخلاف الحديث السابق.
وقد دلَّ كلامُ الناظمِ ﵀ في هذا البيت على أنَّ عليًّا ﵁ هو رابع الخلفاء الراشدين، فهو رابعهم في الفضل وفي الخلافة، فهو أفضل الصحابة على الإطلاق بعد الخلفاء الثلاثة.
ومسألةُ المُفَاضَلَة بين عليٍّ وعثمانَ ﵄ من المسائل التي وقع فيها خلاف بين السلف ﵏، فمنهم مَنْ ذَكَرَ فضل الثلاثة ولم يزد على ذلك، وقال: أفضل الأمة بعد نبيها: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان وسكت، ومنهم من ربَّع بعليٍّ، ومنهم من قدَّم عليًّا على عثمان، ومنهم من توقَّف، وقد ذكر هذه الأقوال وأشار إليها شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة
_________________
(١) «منهاج السنة» (٥/ ٧١) و(٧/ ٣٦١).
(٢) «المغني عن حمل الأسفار» (١/ ٤٨٣).
(٣) متفقٌ عليه من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: أخرجه البخاري (٣٥٠٣) و(٤١٥٤)، ومسلم (٢٤٠٤).
[ ١٢٣ ]
إيراد الشارح لبعض فضائل علي ﵁ التي وردت في السنة النبوية
في «العقيدة الواسطية» حيث يقول: (مَعَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ السُّنَّةِ كَانُوا قَدْ اخْتَلَفُوا فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ﵄ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَقْدِيم أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَدَّمَ قَوْمٌ عُثْمَانَ وَسَكَتُوا، أو رَبَّعُوا بِعَلِيٍّ، وَقَدَّم قَوْمٌ عَلِيًّا، وَقَوْمٌ تَوَقَّفُوا، لَكِن اسْتَقَرَّ أَمْرُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ عُثْمَانَ) وهذا هو الصواب، وقد صحَّ عن ابن عمر ﵁ أنه قال: (كنا نقول - ورسولُ الله ﷺ حيٌّ -: خيرُ هذِهِ الأُمَّة بعد نبيها: أبو بكرٍ، ثم عمرُ، ثم عثمانُ) (^١).
فما ذكره الناظم هنا من أن عليًا ﵁ هو رابعُ الخلفاءِ الرَّاشِدِين هو الحقُّ والصوابُ.
ولعلي بن أبي طالب ﵁ فضائل ومناقب جاءت بها السنَّة:
منها: ما تقدم من قوله ﷺ لعلي ﵁: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى» (^٢).
ومنها: ما جاء في حديث سَهْلِ بنِ سَعْدٍ ﵁ المتفق عليه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال يوم خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ الله على يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ الله وَرَسُولُهُ»، قال: فَبَاتَ الناس يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ، أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فلما أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا على رسول اللهِ ﷺ كُلُّهم يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بنُ أبي طَالِبٍ؟ …» فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ … (^٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ١١٩).
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) أخرجه البخاري (٣٩٧٣) و(٢٨٤٧) و(٣٤٩٨)، وأخرجه مسلم (٢٤٠٦).
[ ١٢٤ ]
مبايعة علي ﵁ وتوليه الخلافة بعد مقتل عثمان ﵁
أفضل ما جرى في عهد علي ﵁ هو قتاله الخوارج
فهذا نصٌّ على فضلِ عليٍّ ﵁ وأنَّه يُحِبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّه اللهُ ورسولُه، وفي هذا رَدٌّ على الخوارجِ الذين يكفِّرُونَه، والنَّوَاصِبِ الذين يسبُّونَه.
ومنها أيضًا: أنه أفضل قرابة النبي ﷺ على الإطلاق، فهو أفضل بني هاشم بعد النبي ﷺ، كما سيأتي.
ومن فضائله: أنَّه صِهْرُ النبيِّ ﷺ على ابنتِه فاطمةَ، فُضْلَى بناتِ النبي ﷺ، بل فُضْلَى نساءِ هذه الأُمَّة، بل هي سيِّدَةُ نساءِ أهلِ الجنَّة كما جاء ذلك عن النبي ﷺ (^١)، مما يدل على فضلها ومنزلتها ﵂ وأرضاها.
وقد وليَ عليٌّ ﵁ الخلافةَ بعد مقتل عثمان ﵁ سنة ٣٥ هـ، فبعدما قُتل عثمانُ ﵁ اضطربت الأُمَّةُ وافترقت، وبايع جمهورُهم عليًّا ﵁، ولكن الأمة لم تتفق على مبايعته، فقد امتنع من ذلك أهلُ الشام لشبهاتٍ عَرَضَت لهم، فولي ﵁ الأمرَ قرابةَ خمس سنين.
وأفضل ما جرى في عهده ﵁ قتال الخوارج الذين بشَّرَ النبي ﷺ مَنْ قاتلهم بالأجر العظيم، فلما قاتلهم عليٌّ ﵁ ووَجَدَ الرَّجلَ
_________________
(١) جاء في «الصحيحين» من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لفاطمة: «يا فَاطِمَةُ ألا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أو سَيِّدَةَ نِسَاءِ هذه الأُمَّةِ». أخرجه البخاري (٥٩٢٨)، ومسلم (٢٤٥٠). ووقع في بعض روايات الحديث عند البخاري (٣٤٢٦): «أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أو نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ».
[ ١٢٥ ]