بيان معنى «الأطلال»
على «خَرَائِد»، مثل: صحيفة وصحائف، وفريدة وفرائد، كما أنَّ «خَرِيدَة» تُجمَعُ أيضًا على «خُرُد»، والمراد ب «الخريدة»: المرأة البِكْرُ النَّاعِمَة.
والمعنى: دع عنك الشَّوْقَ والتَّوَقَان بتَذَكُّر الآنِسَات والنِّسَاءِ النَّاعِمَات، ولا تُعَلِّقْ قلبَك وفكرَك بِهِنَّ، ولا تَشْغَل نفسَك بذلك.
ولا شك أن فتنة النساء هي أعظم فتنة للرجال، كما جاء في الصَّحيحين عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ» (^١)، وما أكثر ما صَرَفَتْ فتنةُ النساء النفوسَ عن المطالب العالية (^٢)، فلا بد حينئذٍ من الإعراضِ عن التعلُّقِ بالآنِسَات الخُرَّدِ والشوق نحوهن.
قال الناظمُ ﵀:
٢ - وَالنَّوْحَ في أَطْلَالِ سُعْدَى إِنَّمَا … تَذْكَارُ سُعْدَى شُغْلُ مَنْ لم يَسْعَدِ
هذا البيت متصلٌ في المعنى بالبيت الذي قبله.
فقوله: «وَالنَّوْحَ في أَطْلَالِ» أي: ودع عنك النَّوحَ وهو: البكاء، «في أَطْلَالِ» جمع: طَلَل، وهو البِنَاءُ الدَّارِسُ البَالِي، وعادةُ العُشَّاقِ أنهم
_________________
(١) متفقٌ عليه، أخرجه البخاري (٤٨٠٨)، ومسلم (٢٧٤٠).
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: في «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٥١٤): (وَأَكْثَرُ مَا يُفْسِدُ المُلْكَ [وفي بعض النسخ: المِلَلَ] وَالدُّوَلَ طَاعَةُ النِّسَاءِ).
[ ٤١ ]
بيان معنى البيت
ليس من السعادة الحقيقية إشغال القلب بتذكر الأوطان والنساء الحسان
يذهبون إلى ديار محبوباتهم ومعشوقاتهم ويَنُوحُون عليهنَّ، وهذا مثل قول الشاعر (^١):
أمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيَارِ لَيلَى … أُقَبِّلُ ذَا الجِدَارَ وذَا الجِدَارَ
وَمَا حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلبِي … وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَ
فالناظمُ ﵀ يقول أيضًا: دع عنك النَّوحَ والبكاءَ على مَنْ تعلَّق قلبُك بها، وكَنَّى عن جِنْسِ المرأة ب «سُعْدَى».
ثم قال: «إِنَّمَا تَذْكَارُ سُعْدَى شُغْلُ مَنْ لم يَسْعَدِ» يعني: أن الاشتغال بتذكر الجَمَال، وتذكر الحُبِّ، وتذكر المتعة، هذا كلُّه شُغْلُ مَنْ لم يَسْعَد السعادةَ الحقيقيَّة، فتضيع عليه أوقاتُه بهذه الذِّكرَيَات الذاهبة الضائعةِ، فيبقى قلبُه يطوف في مواطن ومحاسن من فُتِنَ بهنَّ من النِّسَاء وفي محاسِنِهِنَّ.
وقوله: «مَنْ لَمْ يَسْعَدِ» أصله: «مَنْ لَمْ يَسْعَدْ» بجزم الفعل المضارع، ولكن وقع الكسر من أجل القافية.
_________________
(١) هو: قيس بن الملوَّح بن مزاحم، المعروف ب «مجنون ليلى»، والبيتان موجودان في «ديوانه» (ص ١٢٧ - ١٢٨) ط. دار صادر، وأوردهما البغدادي في «خزانة الأدب» (٢/ ١٦٩ - ١٧٠)، وذكر أنهما اثنان لا ثالث لهما.
[ ٤٢ ]