الإشارة إلى بعض فضائل أبي بكر الصديق ﵁
قال الناظمُ ﵀:
٣٢ - حَامِيهِ في يَومِ العَرِيشِ وَمَنْ لَهُ … في الغَاِر أَسْعَدَ يَا لَهُ مِنَ مُسْعِدِ
في البيت السابق أشار الناظمُ ﵀ إلى سَبْقِ أبي بكرٍ ﵁ إلى الدخول في الإسلام وذلك بقوله: «المُوَحِّدُ قَبْلِ كُلِّ مُوَحِّدِ».
وفي هذا البيت ذكر له مناقب أخرى، فقال: «حَامِيهِ في يَومِ العَرِيشِ» ويريد ب «العريش» ما حصل في غزوة بدر، حيث كان النبي ﷺ في عريشٍ له يدعو ربه ويناشده ويستغيث به، وأبو بكرٍ عند ظهره ويحميه، ولما رأى شدة إلحاح النبي ﷺ في دعائه قال: يا نبيَّ الله كَفَاك مُنَاشَدَتُكَ ربَّكَ فإنه سَيُنْجِزُ لك ما وَعَدَكَ، فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِين (٩)﴾ [الأنفال] فَأَمَدَّهُ الله بِالمَلائِكَةِ (^١).
فهذا ما يشير إليه الناظم بقوله: «حَامِيهِ في يَومِ العَرِيشِ».
ثم ذكر الناظمُ ﵀ منقبةً ثالثةً لأبي بكرٍ ﵁، فقال: «وَمَنْ لَهُ» يعني: والذي له «في الغَاِر أَسْعَدَ» يعني: في غارِ ثَوْرٍ، وهذا فيه إشارةٌ إلى ما حصل في قصَّةِ خروجِ النبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ ﵁ من أجل الهجرةِ إلى المدينةِ، فقد خَرَجَا مستَخْفِيَين، فلجأا إلى الغارِ حتى يهدأ الطلب عنهما، حتى وصل الطلب إليهما في الغار يتتبعون أثرهما إلا
_________________
(١) أخرج القصة مطَوَّلَةً: مسلمٌ في «صحيحه» (١٧٦٣)، وأخرجها البخاريُّ (٢٧٥٨) مختَصَرَةً.
[ ١١١ ]
أنَّ الله برحمتِه وحكمتِه أعمى بصائِرَهم وأبصارَهم عن رسول الله ﷺ وصاحبِه، وجعل من الأسباب ما يصرف أنظارهم وعقولهم عنهما.
وقد أشار الله ﷿ إلى هذا النصر بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم (٤٠)﴾ [التوبة].
فأبو بكر ﵁ أَسْعَدَ النبيَّ ﷺ في هذا اليوم أَيَّمَا إسعادٍ، فقد أَسْعَدَهُ بصحبَتِهِ ومرافقَتِهِ وحمايتِهِ له، حتى إنَّه قد جاء في أخبار الهجرة أنَّ أبا بكر ﵁ كان يمشي مع النبيِّ ﷺ، فتارةً يكون أمامه، وتارةً يكون خلفه، وتارةً عن يمينه، وتارةً عن يساره، فلما سأله النبيُّ ﷺ عن سببِ ذلك، قال: إني أذكر العَدُوَّ من الرَّصَد (^١) فأكونُ أمامَك، وأذكر العَدُوَّ من الطَّلَب فأكونُ خلفك، وأخشى أن تُؤتَى من يمينك أو من شمالك (^٢)، فهو يدور على النبي ﷺ من أجل حمايته.
_________________
(١) يقال: فُلانٌ يَخافُ رَصَدًا من قُدَّامِهِ، وطَلَبًا من وَرائِهِ، يعني: عَدُوًّا يَرْصُدُهُ ويَرْقُبُهُ. ينظر: «أساس البلاغة» للزمخشري (١/ ٢٣٣).
(٢) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٧) رقم (٤٢٦٨) - وعنه: البيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ٤٧٦) - من طريق السري بن يحيى عن محمد بن سيرين مرسلًا، قال الحاكم: (هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ على شرطِ الشيخينِ لولا إرسال فيه، ولم يخرِّجَاه). وأخرج نحوه الإمام أحمد في «فضائل الصحابة» رقم (٢٢) و(١٨٢)، والأزرقي في «أخبار مكة» (٢/ ٢٠٥)، وابن عساكر في «تاريخ مدينة دمشق» (٣٠/ ٨١) من مرسل ابن أبي مُلَيْكَة.
[ ١١٢ ]