إثبات رؤية الله ﷿
قال الناظمُ ﵀:
٢٢ - قَالُوا: فَيُنْظَرُ بِالعُيُونِ؟ أَبِنْ لَنَا … فَأَجَبْتُ: رُؤيَتُه لِمَنْ هُوَ مُهْتَدِي
قوله: «قَالُوا: فَيُنْظَرُ بِالعُيُونِ؟» يعني: أفيُنْظَرُ الله سبحانه بالعيون؟ وهذا على تقدير حذف همزة الاستفهام، وهو كثير في لغة العرب.
والمعنى: هل يُنظر الله ﷾ بالأبصار نظرًا حقيقيًا؟
وقوله: «أَبِنْ لَنَا» يعني: بيِّن لنا أيها الشيخُ الصوابَ في هذه المسألة، ووضح لنا الحق فيها، وذلك لأن الناس اختلفوا في رؤية العباد لربهم يوم القيامة.
وقوله: «فَأَجَبْتُ: رُؤيَتُهُ» هذا مصدرٌ مضافٌ إلى المفعول؛ أي: رؤيةُ العِبَادِ لربهم.
وقوله: «لِمَنْ هُوَ مُهْتَدِي» أي: إنَّ رؤيتَه ﷾ حاصِلَةٌ وَوَاقِعَةٌ يومَ القيامةِ لكل مَنْ هو مهتَدٍ، ف «مَنْ» اسمٌ موصولٌ من صِيَغِ العموم، فتشمل كل مهتدٍ بهُدَى الله، من الأولين والآخرين.
فالمهتدون بهدى الله والسائرون على صراط الله يرون ربهم ﷾ يوم القيامة رؤيَةً بصريَّةً حقيقيَّةً.
وهذا الجواب من الناظم جوابٌ سديدٌ، لكنَّه مُجْمَلٌ، كما سيأتي.
والأدلة على إثبات الرؤية معلومةٌ من الكتاب والسنة.
[ ٧٦ ]
الدليل الأول من الكتاب
أصرح آية استدل بها أهل السنة على إثبات الرؤية
الدليل الثاني من الكتاب
الدليل الثالث من الكتاب
أما الكتاب: ففي قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ [القيامة]، فقوله سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢)﴾ أي: بَهِيَّةٌ مشرِقَةٌ نَضِرَةٌ، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ يعني: تنظر إلى ربها، وهذا هو الصواب في تفسير هذه الآية (^١)، وهذه الآية أصرحُ آيةٍ استدل بها أهلُ السنة على إثبات الرؤية.
ومن الأدلة على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون (١٥)﴾ [المطففين]، ففي هذه الآية توعَّدَ اللهُ الكفَّارَ بأنَّهم محجُوبُون عن ربِّهم لا يرونَه، فدلَّ ذلك على أنَّ المسلمين على خلاف ذلك، وأنَّهم يرونه ﷾ وهو راضٍ عنهم، ولهذا قال سبحانه بعد هذه الآية: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم (٢٢) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُون (٢٣)﴾ [المطففين]، قيل: ينظرون إلى ربهم (^٢)، ونظرهم إلى ربهم داخلٌ في هذه الآية على كل تقديرٍ، سواءٌ قيل: إنَّ الآية خاصةٌ بهذا النَّظر، أو شاملةٌ لكلِّ ما يَنْظُرُونَ إليه.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم (٢٢) عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُون (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيم (٢٤)﴾ [المطففين]، هذه الآية تضمنت ذِكْرَ نضارةِ وجوه الأبرار، ونظرِهم بأبصارهم إلى ربهم، فأشبهت هذه الآيةُ قولَه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ [القيامة].
ومن الآيات الدالة على إثبات الرؤية قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيد (٣٥)﴾ [ق]، قد
_________________
(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٢٩/ ١٩٢)، و«تفسير ابن كثير» (٤/ ٤٥١).
(٢) ينظر: «تفسير ابن كثير» (٤/ ٤٨٧).
[ ٧٧ ]
السنة متواترة في الدلالة على رؤية المؤمنين لربهم
تتبع ابن القيم أحاديث الرؤية فبلغت ثلاثين حديثا، أكثرها جياد (حاشية)
ذكر بعض المصنفات في إثبات الرؤية (حاشية)
ذكر جماعة من أهل العلم نصوا على تواتر أحاديث الرؤية (حاشية)
فسَّر النبيُّ ﷺ وأصحابُه ﵃ والتابعون «الزيادة» (^١) و«المزيد» (^٢) في هاتين الآيتين ب: النظر إلى وجهه الكريم ﷾.
وأما السنّة: فالأدلة الدالة على ذلك كثيرةٌ شهيرةٌ (^٣)، ولهذا قيل: إن السنة متواترة في الدلالة على رؤية المؤمنين لربهم (^٤).
_________________
(١) أخرج مسلم في «صحيحه» (١٨١) من حديث صُهَيْبٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قال: يقول الله ﵎: تُرِيدُونَ شيئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وتنجينا من النَّارِ؟ قال: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فما أُعْطُوا شيئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ من النَّظَرِ إلى رَبِّهِمْ ﷿»، ثُمَّ تَلا هذه الآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. قال البيهقيُّ في «الاعتقاد» (ص ١٢٣): (وقد فسَّر رسولُ الله ﷺ المبيِّنُ عن الله ﷿، فمَن بعده من الصحابة الذين أخذوا عنه، والتابعين الذين أخذوا عن الصحابة أنَّ «الزيادة» في هذه الآية النظرُ إلى وجه الله ﵎، وانتشر عنه وعنهم إثبات رؤية الله ﷿ في الآخرة بالأبصار). وللاستزادة ينظر سياق الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب في: «اعتقاد أهل السنة» للالكائي (٣/ ٤٥٥ - ٤٦٣).
(٢) قال اللالكائي في «اعتقاد أهل السنة» (٣/ ٤٦٩): (قوله ﷿: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيد (٣٥)﴾ [ق] روي عن عليٍّ وأنسِ بنِ مالكٍ: أنَّه النظر إلى وجه الله ﷿، ومن التابعين: زيدُ بنُ وَهْبٍ وقال: يتجلى لهم كل جمعة).
(٣) قال ابن حجر في «الفتح» (١٣/ ٥٣٠): (جَمَعَ الدارقطنيُّ طُرُقَ الأحاديث الواردة في رؤية الله تعالى في الآخرة فزادت على العشرين، وتتبعها ابن القيم في «حادي الأرواح» فبلغت الثلاثين، وأكثرُها جيادٌ، وأسند الدارقطني عن يحيى بن معين قال: عندي سبعةَ عشرَ حديثًا في الرؤية صحاحٌ). وقد صنَّف في إثبات الرؤية جماعةٌ من أهل العلم، منهم: الدارقطني في كتابه «الرؤية»، وابن النحاس في كتابه «رؤية الله ﵎»، والآجري في كتابه «التصديق بالنظر إلى وجه الله تعالى»، وغيرهم.
(٤) نصَّ على تواتر أحاديث الرؤية جماعةٌ من أهل العلم، منهم: الأشعري في «الإبانة» (١/ ١٤)، وابن حزم في «الفِصَل» (٣/ ٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٣٥)، وفي «درء التعارض» (٧/ ٣٠)، وتلميذه ابن القيم =
[ ٧٨ ]
الدليل الأول من السنة
ضبط «تضامون» وبيان معناها (حاشية)
الدليل الثاني من السنة
ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث جَرِير بن عبد الله ﵁ قال: كنا جُلُوسًا عِنْدَ النبيِّ ﷺ إِذْ نَظَرَ إلى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فقال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كما تَرَوْنَ هذا الْقَمَرَ لا تُضَامُونَ (^١) في رُؤْيَتِهِ …» (^٢).
وفي الصحيحين أيضًا من حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال أُنَاسٌ: يا رَسُولَ اللهِ، هل نَرَى رَبَّنَا يومَ الْقِيَامَةِ؟ فقال ﷺ: «هل تُضَارُّونَ في الشَّمْسِ ليس دُونَهَا سَحَابٌ؟»، قالوا: لا يا رَسُولَ اللهِ، قال: «هل تُضَارُّونَ (١) في الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ليس دُونَهُ سَحَابٌ؟»، قالوا: لا يا رَسُولَ الله، قال: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يوم الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ» (^٣).
_________________
(١) = في «حادي الأرواح» (ص ٢٣١)، والذهبيُّ في «السير» (٢/ ١٦٧) و(١٠/ ٤٥٥)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٥٧٨)، وابن حجر في «الفتح» (٨/ ٣٨٤)، والكتاني في «نظم المتناثر» (ص ٢٣٨ - ٢٤٠)، وغيرهم.
(٢) قال النووي في «شرح صحيح مسلم» (٣/ ١٨): (قوله: «هل تُضَامون» ورُوي «تُضَارون» - بتشديد الرَّاء وبتخفيفها، والتاء مضمومة فيهما، ومعنى المشدَّد: هل تُضَارُّونَ غيرَكم في حالة الرؤية بزحمةٍ أو مخالفةٍ في الرؤية أو غيرها لخفائه كما تفعلون أول ليلة من الشهر؟، ومعنى المخفَّف: هل يلحقكم في رؤيته ضَيْرٌ - وهو الضرر؟. ورُوي أيضًا: «تضامون» - بتشديد الميم وتخفيفها، فمن شدَّدَها فتح التاء ومن خفَّفَها ضَمَّ التاء، ومعنى المشدَّد: هل تَتَضَامُّون وَتَتَلَطَّفُون في التوصُّل إلى رؤيته؟ ومعنى المخفَّف: هل يلحقكم ضَيمٌ - وهو المشقة والتعب؟، قال القاضي عياض ﵀: وقال فيه بعض أهل اللُّغة: تضارون أو تضامون - بفتح التاء وتشديد الرَّاء والميم، وأشار القاضي بهذا إلى أن غيرَ هذا القائل يقولُهما بضمِّ التاء، سواء شدَّد أو خفَّفَ، وكلُّ هذا صحيحٌ ظاهرُ المعنى). اه.
(٣) أخرجه البخاري (٥٢٩)، ومسلم (٦٣٣).
(٤) أخرجه البخاري (٦٢٠٤)، ومسلم (١٨٢).
[ ٧٩ ]
تشبيه رؤية الله ﷿ برؤية الشمس أو القمر هو من تشبيه الرؤية بالرؤية لا من تشبيه المرئي بالمرئي
المؤمنون يرون ربهم ﷾ رؤية جلية لا خفاء فيها، ويرونه أيضا في جهة العلو
مذهب أهل السنة والجماعة في الرؤية
مذهب الجهمية والمعتزلة في ذلك
أدلة المنكرين للرؤية ومناقشتها
نفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية مطلقا
فقوله ﷺ: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر وكما ترون الشمس صحوًا ليس دونهما سحاب» في هذا تشبيهٌ للرؤية بالرؤية، لا تشبيهُ المرئي بالمرئي.
فالمُشَبَّه: هو رؤية المؤمنين لربهم، والمُشَبَّه به: هو رؤيتهم للشمس والقمر، وذلك أنهم يرونه ﷾ بأبصارهم من غير إحاطة، ويرونه رؤيةً جَلِيَّةً لا خَفاءَ فيها، ويرونه أيضًا في جهة العلو.
فهذا هو وجه الشبه بين المُشبَّه والمُشَبَّه به، فوجه الشبه بين رؤية المؤمنين لربهم وبين رؤيتهم للشمس والقمر إنما هو من هذه الوجوه، من كونها رؤيةً بصريَّةً واضحةً، ومن غير إحاطةٍ، وفي جهة العلو.
فأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله ﷾ يُرى بالأبصار حقيقةً، وأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عَيَانًا بأبصارهم.
وخالف في ذلك الجهمية والمعتزلة، فقالوا: إنَّه تعالى لا يُرى بالأبصار، وحرّفوا كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ، وفسّروا الآيات والأحاديث بخلاف ما تدل عليه، واستدلوا على مذهبهم الباطل بقوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقولِه ﷾ لموسى ﵇ لما قال له: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقد بيَّن أهل العلم بطلان هذا الاستدلال، وبيَّنُوا أنَّ هاتين الآيتين حجَّة عليهم لا لهم؛ لأنَّ قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ هو نفيٌ للإدراك الذي هو الإحاطة، فهو سبحانه لا تحيط به الأبصار، فليس في هذا نفيٌ للرؤية مطلقًا، بل هو نفيٌ للرؤية التي تكون
[ ٨٠ ]
الأبصار لا تحيط بالله ﷿؛ لكمال عظمته
الصحيح أن «لن» تأتي للتأبيد تارة، ولغير التأبيد تارة أخرى
معها الإحاطة، ولو كان ﷾ لا يُرى لما صحَّ نفيُ الإدراك، فلا يصح أن يقال حينئذٍ: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾، بل يُقال: (لا تَرَاهُ الأَبْصَارُ)، فلما نفى إدراك الأبصار له ﷾ دلَّ على أنه يُرى لكن من غير إحاطة، فالأبصار لا تحيط به سبحانه؛ لكمال عظمته ﷿.
وهكذا قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ فقد زعم المستدلون بهذه الآية على نفي الرؤية بناء على أنَّ «لن» تدل على التأبيد، يعني: لن تراني أبدًا.
وقد ردَّ المحقِّقُون من أهل اللُّغَة القول بأنَّ «لن» تفيد التأبيد، كما قال ابن مالك في «الكافية»:
وَمَنْ يَرَى النَّفْيَ بِ «لَنْ» مُؤبَّدَا … فَقَولَهُ ارْدُدْ وَخِلَافَهُ اعْضُدَا (^١)
فالصحيح أنَّ «لن» تكون للتأبيد ولغير التأبيد، ومما يدل على ذلك قوله ﷾ في اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ يعني: الموت ﴿أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥]، فاجتمع في هذه الآية «لن» مع ذكر التأبيد، وقد أخبر ﷾ أن أهل النار يتمنون الموت كما قال سبحانه: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُون (٧٧)﴾ [الزخرف]، فعُلم أن النفي في آية البقرة - وهو نفي تمنيهم الموت - إنما هو في الدنيا، بدليل تمنيهم الموت في الآخرة بعد دخولهم النار كما في آية الزخرف.
وأيضًا فإنه تعالى لو كان لا يُرى أبدًا لم يقل لموسى ﵇: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، ولقال له: (إني لا أُرى)، وفرقٌ بين اللَّفظين، فإنَّ قوله: ﴿لَنْ
_________________
(١) «الكافية الشافية» مع شرحها للناظم (٣/ ١٥١٥).
[ ٨١ ]
أبطل ابن القيم في «حادي الأرواح» الاستدلال بقوله تعالى: على نفي الرؤية من سبعة أوجه
مذهب الأشاعرة في الرؤية
تَرَانِي﴾ يُفهم منه أنه تعالى يُرى ولكنَّ موسى لن يراه في ذلك الوقت الذي طلب فيه الرؤية.
وقد أطال العلماءُ في ردِّ الاستدلالِ بهذه الآية على نفي الرؤية، وفصَّلوا القول في إبطال ذلك من وجوهٍ كثيرةٍ مأخوذةٍ من الآية نفسها، ومن هؤلاء العلماء العلامةُ ابنُ القيِّم ﵀ في كتابه «حادي الأرواح» (^١)، فقد فصَّل القولَ في هذه المسألة، وأبطل الاستدلال بهذه الآية على نفي الرؤية من سبعة أوجهٍ.
ومن أقوال أهل البدع المنحرفة في مسألة «الرؤية» قول الأشاعرة، فإنهم يقولون: إنَّه تعالى يُرى لكن لا في جهة، يعني: لا يُرى من فوق، ولا عن يمين، ولا عن شمال، ولا من أسفل، وهذا دارجٌ على طريقتهم في التلفيق في باب الصفات، كما صنعوا في إثبات الصفات فأثبتوا بعضها ونفوا أكثرها، ومثل ذلك قولهم في صفة الكلام فإنهم أثبتوا الكلام النفسي، ونفوا الكلام المسموع، وهكذا قولهم في «الرؤية» ملفَّقٌ من مذهب أهل السنة، ومن مذهب المعتزلة، بل حقيقة قولهم في الرؤية يؤول إلى نفي الرؤية، فإنَّ الرؤية في غير جهةٍ غيرُ معقولة (^٢)؛ لأنَّه لا بد أن يكون المرئيُّ في جهةٍ من الرائي، ولذا أهلُ السنة والجماعة يقولون: إن الله تعالى يُرى في العلو.
_________________
(١) (ص ١٩٦ - ١٩٨).
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٨٤): (قول هؤلاء - يعني: الأشاعرة - إن الله يُرى من غير معاينة ومواجهة، قولٌ انفردوا به دون سائر طوائف الأمة، وجمهورُ العقلاء على أنَّ فسادَ هذا معلومٌ بالضرورةِ، والأخبارُ المتواترةُ عن النبيِّ ﷺ تَرُدُّ عليهم).
[ ٨٢ ]
منشأ قول الأشاعرة
انتقاد الشارح لجواب الناظم لما فيه من الإجمال
جرى الناظم على مذهب الأشاعرة في هذه المسألة (حاشية)
ومنشأ قول الأشاعرة من أنه تعالى يُرى لا في جهةٍ هو أنهم ينفون صفة «العلو» لله ﷿، فهم ينفون علو الله ﷿ على خلقه، فالله عندهم في كل مكان، ولا يوصف بأنه فوق المخلوقات بمعنى: أنه فوقهم بذاته، لكن إذا قالوا: بأن الله فوق المخلوقات فيعنون بذلك الفوقية المعنوية، وهي فوقية القَدْر.
فمذهب أهل السنة والجماعة حقٌّ خالصٌ، ومذهب الجهميَّة والمعتزلة باطلٌ ليس فيه من الحقِّ شيءٌ، ومذهب الأشاعرة فيه حقٌّ وباطلٌ، فقولهم: (إنه يُرى بالأبصار) حقٌّ، وقولهم: (لا في جهة) باطلٌ.
فالمهم أنَّ الناظمَ ﵀ أجاب بهذا الجوابِ المختَصَرِ: «رُؤيَتُهُ لِمَنْ هُوَ مُهْتَدِي»، وهذا الجواب جوابٌ مجمَلٌ لا تفصيل فيه، فلا يمكن من خلاله تحديد مذهب الناظم، هل هو جارٍ على مذهب أهل السنة من أنَّه تعالى يُرى بالأبصار، وأن المؤمنين يرون ربهم من فوقهم، أو أنَّه جارٍ على طريقة الأشاعرة من أنه تعالى يُرى لكن في غير جهة؟.
فالجزم بهذا أو ذاك يحتاج إلى الرجوع إلى ما يوجد من كلامه في هذه المسألة في غير هذا الموضع (^١).
_________________
(١) وقد وقفتُ على كلامٍ له في بعض كتبه صرَّح فيه بمذهبه في هذه المسألة، فقال في كتابه «التمهيد في أصول الفقه» (٣/ ٢٨٥) ما نصه: (وإجماعُنا أنَّ الله يُرَى لا في جهةٍ)، وهذا النصَّ صريحٌ في أنه جارٍ على مذهب الأشاعرة في هذه المسألة، وقد ورد عنه أيضًا إنكارُ الجهةِ لله ﷿، فقال في كتابه «الانتصار» (٢/ ١٧٣): (وفي استقبال الله سبحانه على الحقيقة لا يُتَصَوَّر معنى الابتلاء؛ لأنَّه سبحانه لا جهةَ له).
[ ٨٣ ]
المؤمنون يتفاوتون في رؤيتهم لربهم ﷿
أهل الجنة لهم موعد يرون فيه ربهم ﷿
«يوم المزيد» في الآخرة يقابل «يوم الجمعة» في الدنيا
أهل الدرجات العلى ليس بينهم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه سبحانه
مسألة: رؤية النبي ﷺ لربه ﷿ ليلة المعراج
الصحيح أنه ﷺ لم ير ربه بعيني رأسه
ومن المسائل المتعلقة بالرؤية: أنَّ المؤمنين يتفاوتون في رؤيتهم لربهم ﷿، فليسوا هم على درجةٍ واحدةٍ في ذلك، وقد جاء ما يدل على هذا، وهذا هو موجَب حكمةِ الربِّ وفضلِهِ في جزاء أوليائِهِ، فلا يُسَاوَى مَنْ يكون في أدنى درجات الجنَّةِ بمَن هو في أعلى درجاتها من الأنبياء والصدِّيقين والكُمَّل من أتباع الرسل، بل بينهم تفاضل في ذلك، فكما أنهم متفاضلون في الدرجات فكذلك هم متفاضلون في نظرهم إلى ربهم.
وقد جاء ما يدل على أنَّ أهلَ الجنة لهم موعدٌ في الآخرة يرون فيه ربهم، وهو يقابل يوم الجمعة في الدنيا، وأن ذلك اليوم يسمى: «يوم المزيد»، وأما أهلُ الدرجاتِ العُلَى - الأنبياءُ والصدِّيقُون - فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «جَنَّتَانِ من فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وما فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ من ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وما فِيهِمَا، وما بين الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إلى رَبِّهِمْ إلا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ على وَجْهِهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ» (^١).
ومن المسائل أيضًا: رؤية النبي ﷺ لربه ﷿ ليلة المعراج، والخلاف في هذه المسألة مشهورٌ بين أهل السنة (^٢)، والصحيح في المسألة أنه ﷺ لم ير ربه بعينَي رأسه (^٣).
_________________
(١) متفقٌ عليه، أخرجه البخاري (٤٥٩٧)، ومسلم (١٨٠).
(٢) ينظر في تفصيل هذه المسألة وأقوال أهل العلم فيها رسالةُ: «رؤية النبي ﷺ لربه ﷿» للدكتور محمد خليفة التميمي.
(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى» (٦/ ٥٠٩): (وليس في الأدلة ما يقتضي أنَّه ﷺ رأى ربه بعينِه، ولا ثبت ذلك عن أحدٍ من الصحابة، =
[ ٨٤ ]